قاعدة رقم الطعن رقم 155 لسنة 18 قضائية “دستورية” – جلسة 06 /03 /1999
أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء التاسع
من أول يوليو 1998 حتى آخر أغسطس 2001 – صـ 214
جلسة 6 مارس سنة 1999
برئاسة السيد المستشار/ محمد ولي الدين جلال – رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: حمدي محمد علي وعبد الرحمن نصير وسامي فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض وماهر البحيري ومحمد علي سيف الدين، وحضور السيد المستشار/ عبد الوهاب عبد الرازق حسن – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ حمدي أنور صابر – أمين السر.
قاعدة رقم
القضية رقم 155 لسنة 18 قضائية "دستورية"
1 – دعوى دستورية "المصلحة الشخصية المباشرة: مناطها".
مناط هذه المصلحة – وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية – أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين
المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم الصادر في المسألة الدستورية
لازماً للفصل في الطلبات المرتبطة بها والمطروحة على محكمة الموضوع.
2 – تنظيم حقوق "قيود".
الأصل في سلطة المشرع في تنظيم الحقوق هو إطلاقها ما لم يقيدها الدستور بقيود معينة،
فيتعين التزام المشرع بها.
3 – مبدأ مساواة المواطنين أمام القانون "تمييز: قوامه".
هذا المبدأ وسيلة لتقرير الحماية المتكافئة للحقوق جميعها، سواء التي كفلها الدستور،
أو قررها التشريع أصلياً كان أو فرعياً – قوام صور التمييز المجافية للدستور كل تفرقة
أو تقييد أو تفضيل أو استبعاد ينال بصورة تحكمية من الحقوق والحريات التي كفلها الدستور
أو القانون.
4 – مبدأ المساواة أمام القانون "تنظيم تشريعي: أهداف" – تماثل.
مناط دستورية ما ينطوي عليه التنظيم التشريعي من تقسيم أو تصنيف أو تمييز ألا تنفصل
نصوصه عن أهدافها ليكون اتصال أغراضه بالوسائل التي لجأ إليها منطقياً وليس واهياً
بما يخل بالأسس التي يقوم عليها التمييز المبرر دستورياً – قيام التماثل في المراكز
القانونية التي تنتظم بعض فئات المواطنين يستلزم وحدة القاعدة القانونية واجبة التطبيق
في حقهم.
5 – ملكية خاصة "نطاق الحماية المقررة لها".
امتداد الحماية التي كفلها الدستور للملكية الخاصة إلى الأموال جميعها دون تمييز بينها.
6 – تشريع "دستوريته".
العبرة في تقدير دستورية التشريع هي بتوافق أو اختلاف نصوصه وأحكام الدستور ومقتضياتها.
7 – تشريع "المادة الثانية من قرار وزير التأمينات رقم 11 لسنة 1988 بشأن الحد الأقصى
لأجر الاشتراك المتغير: عوار".
انطواء هذا النص على تمييز تحكمي، ومساس بالملكية الخاصة.
1 – المصلحة الشخصية المباشرة – وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية – مناطها – على ما
جرى به قضاء هذه المحكمة – أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى
الموضوعية. وذلك بأن يكون الحكم الصادر في المسألة الدستورية لازماً للفصل في الطلبات
المرتبطة بها والمطروحة على محكمة الموضوع.
2 – الأصل في سلطة المشرع في تنظيم الحقوق – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – هو
إطلاقها ما لم يقيدها الدستور بقيود معينة تبين تخوم الدائرة التي لا يجوز أن يتداخل
التشريع فيها هادماً لتلك الحقوق أو مؤثراً في محتواها بما ينال منها، فلا يكون تنظيم
المشرع لحق ما سليماً من زاوية دستورية إلا فيما وراء هذه الحدود، فإن اقتحمها بدعوى
تنظيمها انحل ذلك عدواناً عليها.
3 – مبدأ مساواة المواطنين أمام القانون، رددته الدساتير المصرية جميعها؛ بحسبانه ركيزة
أساسية للحقوق والحريات على اختلافها وأساساً للعدل والسلام الاجتماعي غايته صون الحقوق
والحريات في مواجهة صور التمييز التي تنال منها أو تقيد ممارستها، وباعتباره وسيلة
لتقرير الحماية المتكافئة للحقوق جميعها، فلا يقتصر مجال إعماله على ما كفله الدستور
من حريات وحقوق وواجبات، بل يمتد كذلك إلى تلك التي يقررها التشريع – أصلياً أو فرعياً
– في حدود السلطة التقديرية للمشرع، وأنه ولئن كانت المادة 40 من الدستور حظرت التمييز
بين المواطنين على أساس الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة، فإن ذلك لا يعني
البتة حصراً للأحوال التي يمتنع فيها التمييز، وإنما كان ذكرها لها باعتبارها الأكثر
وقوعاً في العمل، والقول بغير ذلك يؤدي إلى إجازة التمييز فيما عدا تلك الأحوال وهو
ما يناقض جوهر مبدأ المساواة ويحول بينه وبين تحقيق الهدف منه ويعرض الحريات والحقوق
والوجبات العامة لخطر التمييز فيها بين الموطنين على غير أسس موضوعية تبرره، كما أنه
قبل ذلك جميعاً يتصادم وصدر المادة 40 ذاتها والذي جرت صياغته بأن "المواطنون لدى القانون
سواء"، وإذا كانت صور التمييز المجافية للدستور يتعذر حصرها إلا أن قوامها كل تفرقة
أو تقييد أو تفضيل أو استبعاد ينال بصورة تحكمية من الحقوق والحريات التي كفلها الدستور
أو القانون، سواء بإنكار أصل وجودها أو تعطيل أو انتقاص آثارها، بما يحول دون مباشرتها
على قدم من المساواة الكاملة بين المؤهلين قانوناً للانتفاع بها.
4 – قضاء هذه المحكمة قد استقر على أنه وإن كان مبدأ المساواة أمام القانون لا يعني
معاملة المواطنين جميعاً وفق قواعد موحدة، ذلك أن التنظيم التشريعي قد ينطوي على تقسيم
أو تصنيف أو تمييز سواء من خلال الأعباء التي يلقيها على البعض أو من خلال المزايا
التي يمنحها لفئة دون غيرها، إلا أن مناط دستورية هذا التنظيم ألا تنفصل نصوصه التي
ينظم بها المشرع موضوعاً معيناً عن أهدافها، ليكون اتصال الأغراض التي توخي تحقيقها
بالوسائل التي لجأ إليها منطقياً وليس واهياً أو واهناً أو منتحلاً بما يخل بالأسس
التي يقوم عليها التمييز المبرر دستورياًً، ومن ثم فإذا ما قام التماثل في المراكز
القانونية التي تنتظم بعض فئات المواطنين وتساويهم بالتالي في العناصر التي تكونها،
استوجب ذلك وحدة القاعدة القانونية التي ينبغي تطبيقها في حقهم، فإن خرج المشرع على
ذلك سقط في حمأة المخالفة الدستورية، سواء كان خروجه هذا مقصوداً أم وقع عرضاً.
5 – قضاء هذه المحكمة قد اطرد على أن الحماية التي أظل بها الدستور الملكية الخاصة
لضمان صونها من العدوان عليها، وفقاً لنص المادة 34 منه، تمتد إلى الأموال جميعها دون
تمييز بينها، باعتبار أن المال هو الحق ذو القيمة المالية سواء كان هذا الحق شخصياً
أم عينياً أم كان من حقوق الملكية الأدبية أو الفنية أو الصناعية.
6 – من المقرر أن العبرة في تقدير دستورية التشريع هي بتوافق أو اختلاف نصوصه وأحكام
الدستور ومقتضياتها، فإذا ما قرر المشرع حقاً معيناً وجب عليه – وفقاً لمبدأي المساواة
وصون الملكية الخاصة، وقد أنزلهما الدستور مكاناً عالياً – أن يضع القواعد التي تكفل
المعاملة المتكافئة لأصحاب المراكز القانونية المتماثلة، مع عدم المساس بحماية الملكية
الخاصة؛ وسبيله إلى ذلك الأداة التشريعية الملائمة وإنفاذها من التاريخ المناسب، فلا
يسوغ له – من زاوية دستورية – أن يعطي هذا الحق لفئة دون أخرى من ذوي المراكز المتحدة
في أركانها وعناصرها، أو أن يعتدي على الملكية الخاصة، فالدستور يسمو ولا يُسمى عليه،
فإن كان مقتضاه فتح باب إلى حق امتنع على المشرع أن يمنحه لبعض مستحقيه ويقبضه عن البعض
الآخر.
7 – أن النص الطعين قد انطوى على تمييز تحكمي يخالف مبدأ المساواة أمام القانون الذي
كفله الدستور بمادته الأربعين، وتضمن مساساً بالملكية الخاصة التي صانها الدستور بمادته
الرابعة والثلاثين.
الإجراءات
في الحادي والثلاثين من شهر ديسمبر سنة 1996، أودع المدعي قلم كتاب
المحكمة صحيفة الدعوى الماثلة، طالباً الحكم أولاً بعدم دستورية المادة الثانية من
قرار وزير التأمينات رقم 11 لسنة 1988 فيما نصت عليه من "ويعمل به اعتباراً من أول
مارس سنة 1988".
ثانياً: بعدم دستورية المادة الثانية من قرار وزير التأمينات رقم 35 لسنة 1987. وقدمت
كل من هيئة قضايا الدولة والهيئة القومية للتأمين الاجتماعي مذكرات طلبت فيها الحكم
برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة
اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن المدعي
كان قد أقام محكمة النقض "دائرة طلبات رجال القضاء"، الطلبين رقمي 22 لسنة 60 قضائية،
157 لسنة 61 قضائية، طالباً في أولهما الحكم بتسوية معاشه عن الأجر المتغير باعتبار
أن الحد الأقصى للاشتراك عن هذا الأجر 9000 جنيه سنوياً، وكرر في ثانيهما مطلبه السابق
كطلب أصلي مضيفاً طلباً احتياطياً بتسوية معاشه عن الأجر المتغير باعتبار أن الحد الأقصى
لأجر الاشتراك عنه 7200 جنيه سنوياً تمثل 150% من الحد الأقصى لأجره الأساسي السنوي،
واستند المدعي في طلبيه كليهما إلى أنه كان رئيساً لمحكمة استئناف أسيوط إلى أن بلغ
سن التقاعد في 16/ 11/ 1987، ومن ثم يستحق تسوية معاشه عن الأجر الأساسي والمتغير وفقاً
للمعاملة التأمينية المقررة لرئيس محكمة استئناف القاهرة وهي ذات المعاملة المقررة
لشاغلي منصب وزير، غير أن الهيئة المدعى عليها ربطت معاشه عن الأجر المتغير على أساس
أن الحد الأقصى لأجر الاشتراك عنه كان عند بلوغه سن التقاعد 4500 جنيه سنوياً. وبعد
ضم الطلبين للارتباط دفع المدعي بعدم دستورية ما نصت عليه المادة الثانية من قرار وزير
التأمينات رقم 11 لسنة 1988 من العمل بأحكامه اعتباراً من أول مارس سنة 1988 وبعدم
دستورية نص المادة الثانية من قرار وزير التأمينات رقم 35 لسنة 1987 وإذ ارتأت محكمة
الموضوع جدية الدفع وصرحت لمبديه بالطعن بعدم الدستورية، فقد أقام الدعوى الماثلة.
وحيث إن ما أشارت إليه الهيئة المدعى عليها في مذكراتها من سبق فصل هذه المحكمة في
شأن دستورية القرار الوزاري رقم 11 لسنة 1988 سالف الذكر في الطلب رقم 1 لسنة 12 قضائية
بجلسة 6/ 4/ 1996، مردود بأن حكمها الصادر في الطلب المشار إليه – وقد أصدرته باعتبارها
محكمة الموضوع اختصها قانونها بالفصل في الطلبات المقدمة من أعضائها المتعلقة بأمورهم
الوظيفية – لم يتعرض لبحث أمر دستورية هذا القرار، فضلاً عن أن أحكامها في شأن طلبات
أعضائها لا تحوز سوى حجية نسبية تقتصر على أطرافها.
وحيث إن قرار وزير التأمينات رقم 11 لسنة 1988 بشأن الحد الأقصى لأجر الاشتراك المتغير
لمن يشغل منصب وزير، صدر في 25/ 2/ 1988 ونشر بالعدد 135 من الوقائع المصرية في 14/
6/ 1988، ويتضمن هذا القرار مادتين يجري نصهما كما يلي:
مادة 1: يكون الحد الأقصى لمجموع أجر الاشتراك المتغير تسعة آلاف جنيه سنوياً وذلك
بالنسبة للمؤمن عليهم الذين يشغلون منصب وزير ومن يعاملون معاملة هذا المنصب من حيث
المرتب والمعاش.
مادة 2: ينشر هذا القرار في الوقائع المصرية، ويعمل به اعتباراً من أول مارس سنة 1988.
أما قرار وزير التأمينات رقم 35 لسنة 1987 بشأن أجر الاشتراك المتغير، والصادر في 14/
7/ 1987 والمنشور بالوقائع المصرية بالعدد 204 في 10/ 9/ 1987، فقد كان ينص في مادته
الثانية على ما يلي:
مادة 2: يستبدل بنص الفقرة الأخيرة من المادة من القرار الوزاري رقم 75 لسنة 1984
المشار إليه، النص التالي "ويكون الحد الأقصى لمجموع أجر الاشتراك المتغير 4500 جنيه
سنوياً. وكانت الفقرة الأخيرة من المادة الأولى من قرار وزير التأمينات رقم 75 لسنة
1984 تنص على أنه "ويكون الحد الأقصى لمجموع الأجر المتغير الذي تسدد على أساسه الاشتراكات
150% من الحد الأقصى للأجر الأساسي السنوي المنصوص عليه في قانون التأمين الاجتماعي".
وحيث إن المصلحة الشخصية المباشرة – وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية – مناطها – على
ما جرى به قضاء هذه المحكمة – أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى
الموضوعية. وذلك بأن يكون الحكم الصادر في المسألة الدستورية لازماً للفصل في الطلبات
المرتبطة بها والمطروحة على محكمة الموضوع، متى كان ذلك وكان النزاع الموضوعي يدور
حول أحقية المدعي في تسوية معاشه عن الأجر المتغير باعتبار الحد الأقصى لأجر الاشتراك
عنه 9000 جنيه سنوياً كطلب أصلي في النزاع الموضوعي، أو على أساس 150% من الحد الأقصى
للأجر الأساسي السنوي كطلب احتياطي في ذلك النزاع، فإنه تتوفر للمدعي – بذلك – مصلحة
شخصية مباشرة في الدعوى الراهنة بشقيها.
وحيث إنه لا ينال مما تقدم ما أشارت إليه الهيئة المدعى عليها في مذكراتها من انتفاء
المصلحة الشخصية المباشرة للمدعي في اختصام قرار وزير التأمينات رقم 11 لسنة 1988 لكونه
من غير المخاطبين بأحكامه التي عمل بها اعتباراً من أول مارس سنة 1988 بينما بلغ المدعي
سن التقاعد قبل هذا التاريخ، ذلك أن طعن المدعي بعدم دستورية هذا القرار إنما ينصرف
إلى ما نص عليه من تحديد أول مارس سنة 1988 تاريخاً للعمل بأحكامه. بدلاً من العمل
به اعتباراً من 7/ 7/ 1987 تاريخ رفع مرتبات وبدلات الوزراء ومن يعاملون معاملتهم من
حيث المرتب والمعاش، مما ترتب عليه استبعاده من دائرة المخاطبين بذلك القرار المستفيدين
من أحكامه، ومن ثم ينصب طعن المدعي على إخراجه من نطاق الإفادة من أحكام هذا القرار.
وحيث إن المستفاد من المذكرة الختامية للمدعي والمقدمة في 7/ 3/ 1998 أن طلبه الأصلي
في الدعوى الراهنة هو الحكم بعدم دستورية عجز نص المادة الثانية من قرار وزير التأمينات
رقم 11 لسنة 1988، بينما طلبه الحكم بعدم دستورية المادة الثانية من قرار وزير التأمينات
رقم 35 لسنة 1987 لا يعدو أن يكون طلباً احتياطياً، ومن ثم فإن المحكمة تبدأ بحث الطلب
الأصلي.
وحيث إن المدعي ينعى على عجز المادة الثانية من قرار وزير التأمينات رقم 11 لسنة 1988
سالف الذكر، مخالفته مبدأي تكافؤ الفرص والمساواة المنصوص عليهما في المادتين 8 و40
من الدستور، تأسيساً على أنه – باتخاذه الأول من مارس 1988 تاريخاً للعمل بالقرار الوزاري
المشار إليه – قد ميز دون مسوغ شرعي وعلى غير أساس موضوعي بين طائفتين من المؤمن عليهم
تتماثل مراكزهما القانونية من جميع الوجوه، ذلك أن من كان يشغل منصب وزير أو يعامل
معاملته تأمينياً وأحيل إلى التقاعد اعتباراً من أول مارس سنة 1988 يستحق معاشاً عن
الأجر المتغير يبلغ 375 جنيهاً شهرياً، بينما زميله المماثل له تماماً في المنصب أو
الوظيفة والمرتب والأجر المتغير ولكنه بلغ سن التقاعد قبل أول مارس سنة 1988 – ولو
بيوم واحد – لا يبلغ معاشه عن الأجر المتغير سوى 187.5 جنيه شهرياً.
وحيث إنه وإن كان الطعن الماثل يقتصر على ما قررته المادة الثانية من قرار وزير التأمينات
رقم 11 لسنة 1988 من تحديد أول مارس تاريخاً لبدء العمل بأحكامه، بيد أن ذلك يطرح على
المحكمة بحكم اللزوم ما تضمنه هذا القرار من أحكام حدد النص الطعين تاريخياً معيناً
للعمل بها والإفادة منها، وذلك حتى يمكن الفصل في أمر دستوريته.
وحيث إن المشرع أدخل لأول مرة نظام استحقاق المعاش عن الأجر المتغير بالقانون رقم 47
لسنة 1984 معدلاً بعض أحكام قانون التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975،
فنظمت المادة 18 مكرراً استحقاق المعاش عن الأجر المتغير، ووضعت المادة 19 القاعدة
العامة في حسابه على أساس المتوسط الشهري للأجور التي أديت على أساسها الاشتراكات خلال
مدة الاشتراك عن هذا الأجر، غير أنه وفقاً للمادة 31 فإن معاش الوزير – ومن يعامل معاملته
تأمينياً وفقاً لأحكام القانون عن أجره الأساسي والمتغير – يحسب على أساس آخر أجر تقاضاه،
ثم صدر القانون رقم 107 لسنة 1987 ناصاً في مادته الأولى – المعمول بها اعتباراً من
أول يوليو سنة 1987 – على أنه إذا قل معاش المؤمن عليه عن أجر اشتراكه المتغير المستحق
عند بلوغه سن التقاعد عن 50% من متوسط أجر تسوية هذا المعاش، رفع إلى هذا القدر بالشروط
التي فصلها باقي نص هذه المادة.
وحيث إنه يقصد بالأجر المتغير وفقاً للبند ط من المادة الخامسة من قانون التأمين الاجتماعي
باقي ما يحصل عليه المؤمن عليه من مقابل نقدي من جهة عمله الأصلية لقاء عمله الأصلي
خلاف أجره الأساسي، وإعمالاً لما نص عليه هذا البند في فقرته الأخيرة من أن يصدر وزير
التأمينات قراراً بقواعد حساب عناصر الأجر المتغير، فقد أصدر الوزير عدة قرارات بتحديد
الحد الأقصى للاشتراك عن هذا الأجر.
وحيث إن البين من قرارات وزير التأمينات التي وضعت حداً أقصى للاشتراك عن الأجر المتغير،
أن جميعها – عدا القرار رقم 11 لسنة 1988 – قررت هذا الحد بالنسبة للمؤمن عليهم كافة؛
فالقرار رقم 75 لسنة 1984 كان ينص في الفقرة الأخيرة من مادته الأولى على أن يكون الحد
الأقصى لمجموع الأجر المتغير السنوي الذي تسدد على أساسه الاشتراكات 150% من الحد الأقصى
للأجر الأساسي المنصوص عليه في قانون التأمين الاجتماعي، ثم صدر القرار رقم 35 لسنة
1987 محدداً الحد الأقصى لأجر الاشتراك المتغير بمبلغ 4500 جنيه سنوياً، كما صدر القرار
رقم 54 لسنة 1987 ناصاً على أن يضاف لعناصر الأجر التي تدخل بالكامل في أجر الاشتراك
المتغير ما زاد على الحد الأقصى لأجر الاشتراك الأساسي، وبعد صدور القرار رقم 11 لسنة
1988 أصدر وزير التأمينات قراره رقم 53 لسنة 1992 قاضياً في مادته الأولى بأن يتم الاشتراك
اعتباراً من 1/ 7/ 1992 عن كامل عناصر أجر الاشتراك المتغير بحد أقصى مقداره 6000 جنيه
سنوياً، وذلك مع عدم الإخلال بأحكام قرار وزير التأمينات رقم 11 لسنة 1988 المشار إليه.
وحيث إنه متى كان ما تقدم، وكان قرار وزير التأمينات رقم 11 لسنة 1988 سالف البيان
قد خص في مادته الأولى من يشغلون منصب وزير أو يعاملون معاملة شاغلي هذا المنصب من
حيث المرتب والمعاش، بحد أقصى معين للاشتراك عن الأجر المتغير، يزيد على الحد الأقصى
المقرر بالنسبة لغيرهم من المؤمن عليهم، بما مؤداه تمييز أفراد الطائفة الأولى عن باقي
المؤمن عليهم، وكان قانون التأمين الاجتماعي وإن رسم طريقاً معيناً لحساب المعاش الذي
يستحق للوزير – ومن يعاملون معاملته – عن أجره الأساسي والمتغير إلا أنه لم يحدد الحد
الأقصى للاشتراك عن الأجر المتغير، ودرجت قرارات وزير التأمينات السالف الإشارة إليها
– خلا القرار 11 لسنة 1988 – على توحيد هذا الحد الأقصى للمؤمن عليهم كافة؛ فإن السبب
الموضوعي الذي يبرر هذا التمييز هو ما قرره القانون رقم 100 لسنة 1987 بشأن تحديد مرتبات
نائب رئيس الجمهورية ورئيسي مجلس الشعب والشورى، ورئيس مجلس الوزراء ونوابه والوزراء
في مادته الخامسة من زيادة في المرتب الأساسي وبدل التمثيل المقرر للوزير، اعتباراً
من 7/ 7/ 1987 وهو ما أقرت به صراحة الهيئة المدعى عليها – وهي القائمة على تنفيذ أحكام
قانون التأمين الاجتماعي – بمذكرتها الختامية المقدمة بتاريخ 7/ 3/ 1998 بقولها أنه
"وقد صدر قرار وزير التأمينات رقم 11 لسنة 1988 ترتيباً على صدور القانون رقم 100 لسنة
1987".
وحيث إنه كان ما تقدم، وكان القانون رقم 57 لسنة 1988 قد تبنى ذات الزيادة التي نص
عليها القانون 100 لسنة 1987 المشار إليه في مرتب الوزير وبدل تمثيله، وقرارها ومن
ذات التاريخ لشاغلي الوظائف التي كان مدرجاً لها في الموازنة العامة للدولة في أول
يوليو سنة 1987 الربط الثابت وبدل التمثيل المقرر للوزير، وكانت الأعمال التحضيرية
للقانون رقم 57 لسنة 1988 المشار إليه توضح بجلاء استهدافه معاملة شاغلي هذه الوظائف
ذات المعاملة المالية المقررة للوزراء اعتباراً من 7/ 7/ 1987، ومن ثم يشكل هذان القانونان
متضاممين تنظيماً متكاملاً للمعاملة المالية للوزراء ومن في حكمهم، بما يترتب على تلك
المعاملة من آثار في شأن حقوقهم والتزاماتهم التأمينية. ولا وجه للمحاجة بأن صدور القانون
رقم 57 لسنة 1988 لاحقاً للقرار المطعون فيه يؤدي إلى انفصام الرابطة بينهما، ذلك أن
مشروع القانون المذكور – حسبما يبين من مذكرته الإيضاحية – كان قد رفعه رئيس مجلس الوزراء
– بعد موافقة مجلس الوزراء – إلى رئيس الجمهورية بتاريخ 12/ 12/ 1987، طالباً إحالته
إلى مجلس الشعب، الذي أحاله بدوره إلى لجنة مشتركة من لجنتي الخطة والموازنة ومكتبي
لجنتي الشئون الدستورية والتشريعية والقوى العاملة في التاسع من يناير سنة 1988، ومن
ثم فلم تك أحكامه بمنأى عن مصدر القرار الطعين، يقطع بذلك أن القرار ذاته رفع الحد
الأقصى الوارد به لمن يشغل منصب وزير ومن يعامل معاملته من حيث المرتب والمعاش، ولم
يقتصر على الوزراء فقط.
وحيث إنه وقد ثبت مما تقدم الارتباط الوثيق بين الزيادة في بدلات التمثيل التي تقررت
للوزراء ومن في حكمهم اعتباراً من 7/ 7/ 1987 إعمالاً للقانونين رقمي 100 لسنة 1987،
57 لسنة 1988، وبين إفراد الوزراء ومن في حكمهم برفع الحد الأقصى للاشتراك عن الأجر
المتغير إلى 900 جنيه سنوياً والتي نص عليه قرار وزير التأمينات رقم 11 لسنة 1988؛
فإنه يجب على ضوء ذلك بحث دستورية النص الطعين والذي ترتب عليه حرمان من بلغوا سن التقاعد
أو تركوا منصب الوزير قبل أول مارس سنة 1988 من الإفادة من الحد الأقصى المشار إليه،
قاصراً نطاق تطبيقه على من يبلغ سن التقاعد أو يترك المنصب اعتباراً من أول مارس سنة
1988، وذلك رغم كون هؤلاء وأولئك قد تقررت لهم جميعاً الزيادة في بدل التمثيل اعتباراً
من 7/ 7/ 1987.
وحيث إن الأصل في سلطة المشرع في تنظيم الحقوق – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة –
هو إطلاقها ما لم يقيدها الدستور بقيود معينة تبين تخوم الدائرة التي لا يجوز أن يتداخل
التشريع فيها هادماً لتلك الحقوق أو مؤثراً في محتواها بما ينال منها، فلا يكون تنظيم
المشرع لحق ما سليماً من زاوية دستورية إلا فيما وراء هذه الحدود، فإن اقتحمها بدعوى
تنظيمها انحل ذلك عدواناً عليها.
وحيث إن مبدأ مساواة المواطنين أمام القانون، رددته الدساتير المصرية جميعها؛ بحسبانه
ركيزة أساسية للحقوق والحريات على اختلافها وأساساً للعدل والسلام الاجتماعي غايته
صون الحقوق والحريات في مواجهة صور التمييز التي تنال منها أو تقيد ممارستها، وباعتباره
وسيلة لتقرير الحماية المتكافئة للحقوق جميعها، فلا يقتصر مجال إعماله على ما كفله
الدستور من حريات وحقوق وواجبات، بل يمتد كذلك إلى تلك التي يقررها التشريع – أصلياً
أو فرعياً – في حدود السلطة التقديرية للمشرع، وأنه ولئن كانت المادة 40 من الدستور
حظرت التمييز بين المواطنين على أساس الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة،
فإن ذلك لا يعني البتة حصراً للأحوال التي يمتنع فيها التمييز، وإنما كان ذكرها لها
باعتبارها الأكثر وقوعاً في العمل، والقول بغير ذلك يؤدي إلى إجازة التمييز فيما عدا
تلك الأحوال وهو ما يناقض جوهر مبدأ المساواة ويحول بينه وبين تحقيق الهدف منه ويعرض
الحريات والحقوق والوجبات العامة لخطر التميز فيها بين المواطنين على غير أسس موضوعية
تبرره، كما أنه قبل ذلك جميعاً يتصادم وصدر المادة 40 ذاتها والذي جرت صياغته بأن "المواطنون
لدى القانون سواء"، وإذا كانت صور التمييز المجافية للدستور يتعذر حصرها إلا أن قوامها
كل تفرقة أو تقييد أو تفضيل أو استبعاد ينال بصورة تحكمية من الحقوق والحريات التي
كفلها الدستور أو القانون، سواء بإنكار أصل وجودها أو تعطيل أو انتقاص آثارها، بما
يحول دون مباشرتها على قدم من المساواة الكاملة بين المؤهلين قانوناً للانتفاع بها.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد استقر على أنه وإن كان مبدأ المساواة أمام القانون لا
يعني معاملة المواطنين جميعاً وفق قواعد موحدة، ذلك أن التنظيم التشريعي قد ينطوي على
تقسيم أو تصنيف أو تمييز سواء من خلال الأعباء التي يلقيها على البعض أو من خلال المزايا
التي يمنحها لفئة دون غيرها، إلا أن مناط دستورية هذا التنظيم ألا تنفصل نصوصه التي
ينظم بها المشرع موضوعاً معيناً عن أهدافها، ليكون اتصال الأغراض التي توخي تحقيقها
بالوسائل التي لجأ إليها منطقياً وليس واهياً أو واهناً أو منتحلاً بما يخل بالأسس
التي يقوم عليها التمييز المبرر دستورياًً، ومن ثم فإذا ما قام التماثل في المراكز
القانونية التي تنتظم بعض فئات المواطنين وتساويهم بالتالي في العناصر التي تكونها،
استوجب ذلك وحدة القاعدة القانونية التي ينبغي تطبيقها في حقهم، فإن خرج المشرع على
ذلك سقط في حمأة المخالفة الدستورية، سواء كان خروجه هذا مقصوداً أم وقع عرضاً.
وحيث إنه متى كان ما تقدم، وإذ تماثلت المراكز القانونية لشاغلي منصب الوزير ومن يعاملون
معاملتهم، وكانت مرتبات وبدلات هؤلاء جميعاً قد زيدت اعتباراً من 7/ 7/ 1987، وكان
النص الطعين قد ترتب عليه تقسيمهم إلى فئتن إحداهما يسوي معاش الأجر المتغير المستحق
لها على أساس أن الحد الأقصى للاشتراك عنه 9000 جنيه سنوياً، وهم أولئك الذين تركوا
منصب الوزير أو بلغوا سن التقاعد ويعملون تأمينياً معاملته، اعتباراً من أول مارس سنة
1988 والثانية تضم قرناء الطائفة الأولى ولكنهم تركوا المنصب أو بلغوا سن التقاعد في
الفترة من 7/ 7/ 1987 حتى 29/ 2/ 1988، وهؤلاء تسوى معاشاتهم عن الأجر المتغير على
أساس أن الحد الأقصى للاشتراك عنه 4500 جنيه سنوياً، مما نجم عنه اختلاف المعاش المستحق
لكل من الطائفتين عن الأجور المتغيرة؛ متى كان ذلك وكان النص الطعين هو الذي يؤدي إلى
هذا التمييز بين الطائفتين – يمنح أولاهما ميزة استبعد الثانية من الإفادة منها – رغم
تماثل مراكزهم القانونية وتساويهم في العناصر المكونة لها. سواء من حيث الخطر المؤمن
عليه أو من حيث المنصب أو الوظيفة، أو المرتب والبدلات أو قواعد تسوية المعاش الأساسي
والمتغير، مما كان يقتضي وحده القاعدة القانونية المطبقة عليهم، وإذ لم يقم هذا التمييز
على أساس موضوعي يبرره، فإنه ينحل – والحالة هذه – إلى تمييز تحكمي يحظره الدستور.
وحيث إنه وقد نجم عن التمييز التحكمي الذي ترتب على النص الطعين – على النحو سالف البيان
– نقصان معاش الأجر المتغير لمن بلغوا سن التقاعد أو تركوا منصب الوزير خلال الفترة
من 7/ 7/ 1987 حتى 29/ 2/ 1988 عن معاش قرنائهم الذين بلغوا سن التقاعد أو تركوا المنصب
اعتباراً من أول مارس سنة 1988، وكان قضاء هذه المحكمة قد اطرد على أن الحماية التي
أظل بها الدستور الملكية الخاصة لضمان صونها من العدوان عليها، وفقاً لنص المادة 34
منه، تمتد إلى الأموال جميعها دون تمييز بينها، باعتبار أن المال هو الحق ذو القيمة
المالية سواء كان هذا الحق شخصياً أم عينياً أم كان من حقوق الملكية الأدبية أو الفنية
أو الصناعية، وكان الحق في المعاش عن الأجر المتغير – شأنه في ذلك شأن المعاش عن الأجر
الأساسي – إذ توافر أصل استحقاقه ينهض التزاماً على الجهة التي تقرر عليها وعنصر إيجابياً
في ذمة صاحب المعاش أو المستحقين عنه، تتحدد قيمته وفقاً لأحكام قانون التأمين الاجتماعي
والقرارات المنفذة له بما لا تتعارض فيه مع أحكام الدستور، فإن النص الطعين ينحل –
والحالة هذه – انتهاكاً للحماية الدستورية المقررة للملكية.
وحيث إن المقرر أن العبرة في تقدير دستورية التشريع هي بتوافق أو اختلاف نصوصه وأحكام
الدستور ومقتضياتها، فإذا ما قرر المشرع حقاً معيناً وجب عليه – وفقاً لمبدأي المساواة
وصون الملكية الخاصة، وقد أنزلهما الدستور مكاناً عالياً – أن يضع القواعد التي تكفل
المعاملة المتكافئة لأصحاب المراكز القانونية المتماثلة، مع عدم المساس بحماية الملكية
الخاصة؛ وسبيله إلى ذلك الأداة التشريعية الملائمة وإنفاذها من التاريخ المناسب، فلا
يسوغ له – من زاوية دستورية – أن يعطي هذا الحق لفئة دون أخرى من ذوي المراكز المتحدة
في أركانها وعناصرها، أو أن يعتدي على الملكية الخاصة، فالدستور يسمو ولا يُسمى عليه،
فإن كان مقتضاه فتح باب إلى حق امتنع على المشرع أن يمنحه لبعض مستحقيه ويقبضه عن البعض
الآخر.
وحيث إن حاصل ما تقدم جميعه أن النص الطعين قد انطوى على تمييز تحكمي يخالف مبدأ المساواة
أمام القانون الذي كفله الدستور بمادته الأربعين، وتضمن مساساً بالملكية الخاصة التي
صانها الدستور بمادته الرابعة والثلاثين.
وحيث إن إبطال هذه المحكمة للنص المطعون فيه يقتضي تدخل مصدر القرار الطعين لوضع نص
بديل يتلافى العوار الدستوري السابق تبيانه، إعمالاً للحجية المطلقة التي أسبغها قانون
المحكمة الدستورية العليا على أحكامها في المسائل الدستورية والتي لازمها نزول الدولة
بكامل سلطاتها عليها لتعمل بوسائلها وأدواتها – ومن خلال سلطة التشريع أصلياً أو فرعياً،
كلما كان ذلك ضرورياً – على تطبيقها.
وحيث إنه بقضاء هذه المحكمة بعدم الدستورية عجز المادة الثانية من قرار وزير التأمينات
رقم 11 لسنة 1988، فإنها تكون قد استجابت إلى الطلب الأصلي للمدعي في الدعوى الراهنة،
مما لا محل معه بعدئذ لبحث طلبه الاحتياطي.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بعدم دستورية المادة الثانية من قرار وزير التأمينات رقم 11 لسنة 1988 بشأن الحد الأقصى لأجر الاشتراك المتغير فيما نصت عليه من أنه "ويعمل به اعتباراً من أول مارس سنة 1988"، وألزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.
