قاعدة رقم الطعن رقم 35 لسنة 18 قضائية “دستورية” – جلسة 06 /03 /1999
أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء التاسع
من أول يوليو 1998 حتى آخر أغسطس 2001 – صـ 182
جلسة 6 مارس سنة 1999
برئاسة السيد المستشار/ محمد ولي الدين جلال – رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: فاروق عبد الرحيم غنيم وحمدي محمد علي وعبد الرحمن نصير وسامي فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض وماهر البحيري، وحضور السيد المستشار/ عبد الوهاب عبد الرازق حسن – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ حمدي أنور صابر – أمين السر.
قاعدة رقم
القضية رقم 35 لسنة 18 قضائية "دستورية"
1 – دعوى دستورية "المصلحة الشخصية المباشرة: مناطها".
مناط هذه المصلحة – كشرط لقبول الدعوى الدستورية – ارتباطها بالمصلحة القائمة في الدعوى
الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم الصادر في المسألة الدستورية لازماً للفصل في الطلبات
المرتبطة بها والمطروحة على محكمة الموضوع.
2 – مبدأ تكافؤ الفرص "مضمونه".
الفرص التي يستنهضها هذا المبدأ هي تلك التي تتعهد الدولة بتقديمها، ويفترض أنها محدودة
عدداً إزاء المتزاحمين عليها – ترتيبهم على ضوء أجدرهم بالحصول عليها يقتضي تقرير شروطها
الموضوعية وفق ضوابط يمليها التبصر والاعتدال.
3 – تنظيم الحقوق "سلطة المشرع: قيود".
الأصل في سلطة المشرع في مجال تنظيم الحقوق أنها سلطة تقديرية ما لم يقيد الدستور ممارستها
بضوابط تحد من إطلاقها.
4 – مبدأ مساواة المواطنين أمام القانون "مقتضاه".
مقتضى هذا المبدأ عدم جواز الإخلال بالحماية المتكافئة التي كفلها الدستور للحقوق جميعها
– سواء تلك التي نص الدستور عليها أو التي قررها القانون.
5 – تشريع "الفقرة الثانية من المادة 162 من قانون التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون
رقم 79 لسنة 1975: ميزة أفضل".
ما تضمنته هذه الفقرة من قصر مكافأة نهائية الخدمة "الميزة الأفضل" على العاملين الموجودين
بالخدمة حتى 22/ 3/ 1964 لا مخالفة فيه للدستور.
1 – المصلحة الشخصية المباشرة – وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية – مناطها – على ما
جرى به قضاء هذه المحكمة – ارتباطها بالمصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن
يكون الحكم الصادر في المسألة الدستورية لازماً للفصل في الطلبات المرتبطة بها والمطروحة
على محكمة الموضوع.
2 – الفرص التي يستنهضها هذا المبدأ، هي تلك التي تتعهد الدولة بتقديمها، ويفترض ذلك
بالضرورة أن تكون هذه الفرص محدودة عدداً، وأن من يطلبونها يتزاحمون فيما بينهم للنفاذ
إليها، وأن ترتيبهم على ضوء أجدرهم بالحصول عليها، يقتضي تقرير شروطها الموضوعية وفق
ضوابط يمليها التبصر والاعتدال، وكانت القواعد التي قررها المشرع بالنص الطعين لا تتصل
بفرص قائمة يجري التزاحم عليها، فإن قالة الإخلال بمبدأ تكافؤ الفرص، لا يكون لها من
سند.
3 – الأصل في السلطة التي يملكها المشرع في مجال تنظيم الحقوق أنها سلطة تقديرية، ما
لم يقيد الدستور ممارستها بضوابط تحد من إطلاقها، وتعتبر تخوماً لها لا يجوز تخطيها،
تقديراً بأن الدستور لا يكفل للحقوق ضماناتها إلا بقصد توكيد فعاليتها بما يحول بين
المشرع وإهدار الحقوق التي كفلها الدستور أو تهميشها عدواناً على مجالاتها الحيوية
التي يرتبط وجودها بها، فلا تتنفس إلا من خلالها، ولم يتجاوز المشرع بالنص الطعين حدود
سلطته التقديرية في تنظيم الحقوق بل كفلها لأصحاب الحق فيها دون إخلال بالمادة السابعة
عشرة من الدستور التي ناطت بالدولة أن تكفل لمواطنيها خدماتهم التأمينية – الاجتماعية
والصحية – بما في ذلك تقرير معاش لمواجهة بطالتهم أو عجزهم عن العمل أو شيخوختهم في
الحدود التي يبينها القانون.
4 – مبدأ المساواة أمام القانون – وبقدر تعلقه بالحدود التي تباشر فيها هذه المحكمة
ولايتها – مؤداه أنه لا يجوز لأي من السلطتين التشريعية أو التنفيذية أن تباشر اختصاصاتها
التشريعية التي ناطها الدستور بها بما يخل بالحماية المتكافئة التي كفلها للحقوق جميعها،
سواء في ذلك تلك التي نص عليها الدستور أو التي حددها القانون. وبمراعاة أن الحماية
المتكافئة أمام القانون التي اعتد الدستور بها، لا تتناول القانون من مفهوم مجرد، وإنما
بالنظر إلى أن القانون تعبير عن سياسة محددة أنشأتها أوضاع لها مشكلاتها، وأنه تغيا
بالنصوص التي تضمنها تحقيق أغراض بذواتها من خلال الوسائل التي حددها، وكلما كان القانون
مغايراً بين أوضاع أو مراكز أو أشخاص لا تتحدد واقعاً فيما بينها وكان تقديره في ذلك
قائماً على أسس موضوعية، مستلهماً أهدافاً لا نزاع في مشروعيتها وكافلاً وحدة القاعدة
القانونية في شأن أشخاص تتماثل ظروفهم بما لا يجاوز متطلباتها، كان القانون واقعاً
في إطار السلطة التقديرية التي يملكها المشرع ولو تضمن تمييزاً مُبرراً لا ينال من
مشروعيته الدستورية أن تكون المساواة التي توخاها وسعى إليها، بعيدة حسابياً عن الكمال.
5 – النص الطعين لم يستحدث حقوقاً خلت منها التشريعات التي صدرت قبله، وكان من المفترض
أن الحقوق التي تضمنها لا يجوز فصلها عن موجباتها، وينبغي أن يكون استحقاقها مرتبطاً
بأوضاعها – التي انصرم زمن تطبيقها – فلا يزاحم آخرون أصحابها في شيء منها، وهو ما
يؤكده وروده في الباب المخصص للأحكام الانتقالية والوقتية فلا تكون لأحكامه صفة الدوام
بعد استنفاد أغراضه، بما مؤداه عدم انطباقه على العاملين الخارجين عن دائرة المخاطبين
بأحكامه التي لا تشمل العاملين المعينين بعد 22 مارس سنة 1964.
الإجراءات
بتاريخ الثامن عشر من إبريل سنة 1996، أودع المدعيان صحيفة هذه
الدعوى قلم كتاب المحكمة، طالبين الحكم بعدم دستورية قرار مجلس الوزراء الصادر بجلسته
المنعقدة في 21/ 12/ 1964 في شأن تفسير حكم المادة 89 من قانون التأمينات الاجتماعية
الصادر بالقرار بقانون رقم 63 لسنة 1964 بسريان أحكامها فقط على العاملين الموجودين
بالخدمة في 22/ 3/ 1964، تاريخ صدور قانون التأمينات الاجتماعية المشار إليه، وكذلك
ما تضمنته الفقرة الثانية من المادة 162 من قانون التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون
رقم 79 لسنة 1975 من قصر مكافأة نهاية الخدمة على العاملين الموجودين بالخدمة حتى 22/
3/ 1964.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت في ختامها الحكم أصلياً بعدم قبول الدعوى واحتياطياً
برفضها.
وقدمت البنك العقاري المصري مذكرة طلب فيها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة
اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حين إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن المدعيين
كانا قد أقاما الدعوى رقم 376 لسنة 1994 عمال محكمة جنوب القاهرة الابتدائية ضد المدعى
عليه الرابع، بطلب الحكم بأحقيتهما في الاستفادة من نظام مكافأة ترك الخدمة، وتطبيقه
عليهما، وفي صرف قيمة المكافأة المذكورة بواقع شهرين ونصف شهر من آخر مرتب عن كل سنة
من سنوات الخدمة، وذلك عند ترك أي منهما للخدمة لأي سبب من الأسباب طبقاً للقواعد المقررة
للعاملين ببنك الائتمان العقاري. وأوضح المدعيان شرحاً للدعوى أنهما قد التحقا بخدمة
البنك المذكور، الأول بتاريخ 1/ 2/ 1967 والثاني بتاريخ 10/ 8/ 1970، ثم أدمج هذا البنك
في البنك العقاري المصري بمقتضى قرار رئيس الجمهورية رقم 2422 لسنة 1971، وبعد الاندماج
ظل البنك الأخير يطبق اللوائح المنظمة لمكافأة ترك الخدمة (الميزة الأفضل) للعاملين
ببنك الائتمان العقاري، إلا أنه قصر تطبيقها على من التحقوا به قبل 22 مارس 1964 دون
المعينين بعد ذلك، على الرغم من أن تمويل هذه المكافأة يتم سنوياً من الأرباح التي
يساهم في تحقيقها جميع العاملين بالبنك سواء من عين قبل التاريخ المشار إليه أو بعده
مما يتنافى مع حرمانهما منها ويقتضي تعميم نظامها ليسعهم جميعاً. وبجلسة 31/ 1/ 1996
قدم المدعيان مذكرة دفعا فيها بعدم دستورية الفقرة الثانية من المادة 162 من قانون
التأمين الاجتماعي رقم 79 لسنة 1975، وذلك فيما نصت عليه من عبارة (وذلك للعاملين الذين
كانوا موجودين بالخدمة حتى 22 مارس سنة 1964) وكذلك قرار مجلس الوزراء الصادر بجلسته
المنعقدة بتاريخ 21/ 12/ 1964 في شأن تفسير حكم المادة 89 من قانون التأمينات الاجتماعية
الصادر بالقرار بقانون رقم 63 لسنة 1964 بسريان أحكامها فقط على العاملين الموجودين
بالخدمة في 22/ 3/ 1964. وبعد تقدير محكمة الموضوع لجدية هذا الدفع، صرحت للمدعيين
برفع الدعوى الدستورية، فأقاماها.
وحيث إن قانون التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975 قد أفرد الباب الثاني
عشر منه للأحكام الانتقالية والوقتية وأدرج تحتها نص المادة 162 مشتملاً على أربع فقرات
تجري نصوصها على النحو الآتي:
الفقرة الأولى:
المعاشات والتعويضات المقررة وفقاً لأحكام الباب الثالث من هذا القانون للمؤمن عليهم
الذين كانوا خاضعين لأحكام قوانين العمل لا تقابل من التزامات صاحب العمل في تأمين
الشيخوخة والعجز والوفاة إلا ما يعادل مكافأة نهاية الخدمة القانونية محسوبة وفقاً
لأحكام قانون العمل.
الفقرة الثانية:
ويلتزم أصحاب الأعمال الذين كانوا يرتبطون حتى آخر يوليه سنة 1961 بأنظمة معاشات أو
مكافآت أو ادخار أفضل بأداء قيمة الزيادة بين ما كانوا يتحملونه في تلك الأنظمة ومكافآت
نهاية الخدمة القانونية محسوبة وفقاً لحكم الفقرة السابقة وذلك بالنسبة للعاملين الذين
كانوا موجودين بالخدمة حتى 22 مارس سنة 1964، وتحسب هذه الزيادة عن كامل مدة خدمة العامل
سواء في ذلك مدة الخدمة السابقة أو اللاحقة للاشتراك في هذا التأمين، وتصرف هذه الزيادة
للمؤمن عليه وفي حالة وفاته تصرف بأكملها وفقاً للبند من المادة .
الفقرة الثالثة:
ويجوز لأصحاب الأعمال طبقاً للقواعد والأوضاع التي يحددها وزير القوى العاملة بقرار
منه استخدام أرصدة المبالغ التي يحتفظون بها لمواجهة التزاماتهم المنصوص عليها بالفقرة
الثانية لمنح قروض للمؤمن عليهم أصحاب الحق في الزيادة المشار إليها لإنشاء مساكن لهم
في حدود مستحقاتهم في هذه الأرصدة…
الفقرة الرابعة:
واستثناء مما تقدم تلتزم الهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية بصرف الزيادة المنصوص
عليها بالفقرة الثانية بالنسبة لمن انتهت خدمتهم قبل تاريخ العمل بهذا القانون من المؤمن
عليهم إذا كانوا خاضعين لأحكام القانون رقم 63 لسنة 1964 المشار إليه بالمادة الثانية
من قانون الإصدار…
وحيث إن هيئة قضايا الدولة دفعت بعدم قبول الدعوى الماثلة، تأسيساً على أن المدعيين
غير مخاطبين بالنصوص الطعينة ولم يحن بعد أوان تطبيقها بالنسبة لهما باعتبارهما ما
زالا بالخدمة ولم يلحقهما بالتالي ضرر مباشر راجع إليها.
وحيث إن المصلحة الشخصية المباشرة – وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية – مناطها على ما
جرى به قضاء هذه المحكمة – ارتباطها بالمصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن
يكون الحكم الصادر في المسألة الدستورية لازماً للفصل في الطلبات المرتبطة بها والمطروحة
على محكمة الموضوع، متى كان ذلك وكان النزاع الموضوعي يدور حول أحقية المدعيين في الإفادة
من نظام مكافأة ترك الخدمة (الميزة الأفضل) المقررة للعاملين ببنك الائتمان العقاري،
الذي عين به أولهما في أول فبراير سنة 1967 وثانيهما في 10/ 8/ 1970، وكانت الفقرة
الثانية من المادة 162 من قانون التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975
باشتراطها الوجود في الخدمة حتى 22 من مارس سنة 1964 للإفادة من النظام المشار إليه،
هي التي تحول بذاتها بين المدعيين وإجابتهما لمطالبهما في النزاع الموضوعي، بغض النظر
عن بلوغهما سن الإحالة إلى التقاعد من عدمه، فإن مصلحتها الشخصية المباشرة في اختصاص
ما اشترطته الفقرة الثانية من المادة 162 من قانون التأمين الاجتماعي على النحو السالف
بيانه تكون متوافرة، ولا كذلك الحال بالنسبة لقرار مجلس الوزراء الصادر في 21/ 12/
1964 تفسيراً للمادة 89 من قانون التأمينات الاجتماعية الصادر بالقرار بقانون رقم 63
لسنة 1964، والذي لم يعد ثمة محل لإعماله في شأن المدعيين اعتباراً من تاريخ العمل
بقانون التأمين الاجتماعي المشار إليه، ومن ثم فلا صلة له بالطلبات المطروحة في دعوى
الموضوع مما يتعين معه – والحالة هذه – عدم قبول الدعوى في شقها الخاص باختصام القرار
المشار إليه.
وحيث إن المدعيين ينعيان على الفقرة الثانية من المادة 162 من قانون التأمين الاجتماعي
المشار إليه – محدداً نطاقاً على ما تقدم – مخالفتها لأحكام الدستور، قولاً بأن اشتراطها
الوجود بالخدمة حتى 22 مارس سنة 1964 للإفادة من حكم هذه الفقرة، يتمحض شرطاً جائراً
يجافي العدالة التي تتغياها الشريعة الإسلامية في مبادئها، ويخل بتكافؤ الفرص بين أفراده،
كما يتعارض مع دور الدولة في كفالة خدمات التأمين الاجتماعي والصحي ومعاشات العجز للمواطنين
جميعاً، وينافي مساواتهم أمام القانون، وينطوي أيضاً على ارتداد بالقانون لينعطف على
الماضي بالمخالفة للمواد 2، 8، 17، 40، 187 من الدستور.
وحيث إن البين من النص الطعين أن المشرع قد ربط بين العاملين الموجودين بالخدمة حتى
22 مارس سنة 1964 وقواعد معاملتهم تأمينياً قبل حلول هذا التاريخ، فألزم أصحاب الأعمال
الذين كانوا يرتبطون حتى آخر يوليه سنة 1961 بأنظمة معاشات أو مكافآت أو ادخار أفضل
بأداء قيمة الزيادة بين ما كانوا يتحملونه في تلك الأنظمة ومكافآت نهاية الخدمة القانونية
للعاملين الذين كانوا موجودين بالخدمة حتى 22 مارس سنة 1964 وتحسب هذه الزيادة عن كامل
مدة خدمة العامل سواء في ذلك مدة الخدمة السابقة أو اللاحقة للاشتراك في هذا التأمين.
وحيث إن التطور التشريعي لأوضاع هؤلاء العاملين يدل على أن المشرع قد عني – في قوانين
العمل المتعاقبة قبل صدور قانون العمل الأخير رقم 137 لسنة 1981 – بتقرير نظام لمكافأة
نهاية الخدمة القانونية لإعانة العامل بعد ترك الخدمة على مواجهة أعباء الحياة ونوازلها.
وأجاز لصاحب العمل أن ينسئ نظاماً خاصاً في منشأته يخول العامل الحق في اقتضاء مكافأة
عند انتهاء خدمته تزيد على مكافأة نهاية الخدمة القانونية، مما أسبغ على هذا النظام
المتضمن تلك الزيادة وصفه بالنظام الأفضل ولم يكن ذلك إلا نظاماً اختيارياً يرتضيه
صاحب العمل ويرتبط به مع العامل بمقتضى عقد العمل المبرم بينهما. ثم صدر القانون رقم
419 لسنة 1955 بإنشاء صندوق للتأمين وآخر للادخار للعمال الخاضعين لأحكام المرسوم بقانون
رقم 317 لسنة 1952 بشأن عقد العمل الفردي، القرار بقانون رقم 202 لسنة 1958 منظماً
التأمين التعويضي عن إصابات العمل، ثم بدأت مرحلة جديدة من مراحل تطوير النظم التأمينية
بصدور قانون التأمينات الاجتماعية بالقرار بقانون رقم 92 لسنة 1959 – المعدل بالقرار
بقانون رقم 143 لسنة 1961 – ونظراً لما تضمنه ذلك القانون من مبادئ ومزايا جديدة فقد
ارتأى المشرع تطبيقه تدريجياً، وبانتهاء فترة التدرج في آخر يوليه سنة 1961 سرى على
جميع أنحاء الجمهورية اعتباراً من الأول من أغسطس سنة 1961، وبات مقرراً في ظل هذا
القانون – وكأصل عام – خضوع جميع الأنظمة الخاصة سواء كانت في شكل صناديق ادخار أو
مكافآت أو معاشات أو غيرها لأحكام ذلك القانون. وخروجاً على هذا الأصل فقد خير المشرع
– وعملاً بالمادة 78 من هذا القانون – أصحاب الأعمال المرتبطين مع عمالهم بنظم تأمينية
أفضل بين الخضوع الكامل لنظامه التأميني، أو الإبقاء على نظمهم الخاصة، كما أدخل المشرع
ولأول مرة نظام تأمين الشيخوخة اعتباراً من الأول من يناير سنة 1962 وأحله محل نظام
مكافأة نهاية الخدمة القانونية، فأصبح تأمين الشيخوخة هو المعمول به عند الإحالة إلى
المعاش مع الاحتفاظ للعمال بحقوقهم المكتسبة فيما يزيد قيمته على المكافأة القانونية
وهو ما عبرت عنه المادة 70 من القانون المشار إليه بنصها على أن "المعاشات والتعويضات
المقررة وفقاً لأحكام الفصل السابق لا تقابل من التزامات صاحب العمل في تأمين الشيخوخة
إلا ما يعادل مكافأة نهاية الخدمة القانونية…. ويلتزم صاحب العمل المرتبط مع عماله
بنظام مكافآت أو ادخار أفضل بدفع الزيادة كاملة إلى المؤمن عليه أو المستحقين عنه مباشرة…"
ثم صدر قانون التأمينات الاجتماعية بالقرار بقانون رقم 63 لسنة 1964 متبنياً هذا الاتجاه
إدراكاً من المشرع بأن الحقوق التي نشأت واستقرت ديناً في ذمة أصحاب الأعمال لصالح
العمال المرتبطين معهم على أنظمة أفضل قبل تقرير نظام المعاشات ينبغي أن تؤدي إلى أربابها،
فقضت المادة 89 من ذلك القانون بأن المعاشات والتعويضات المقررة وفقاً لأحكام هذا الباب
لا تقابل من التزامات صاحب العمل في تأمين الشيخوخة والعجز والوفاة إلا ما يعادل مكافأة
نهاية الخدمة القانونية محسوبة على أساس المادة 73 من قانون العمل ويلتزم أصحاب الأعمال
الذين كانوا يرتبطون حتى آخر يوليه سنة 1961 بأنظمة معاشات أو مكافآت أو ادخار أفضل
بقيمة الزيادة بين ما كانوا يتحملونه في تلك الأنظمة ومكافأة نهاية الخدمة القانونية
محسوبة على الأساس المشار إليه، وتحسب هذه الزيادة عن كامل مدة خدمة العامل سواء في
ذلك مدد الخدمة السابقة أو اللاحقة للاشتراك في الهيئة، وتؤدي عند انتهاء خدمة العامل
إلى الهيئة كاملة دون إجراء أي تخفيض. وتصرف للمؤمن عليه أو المستحقين عنه المشار إليهم
في المادة 82 من قانون العمل هذه المبالغ نقداً عند استحقاق صرف المعاش أو التعويض.
وعندما صدر قانون التأمين الاجتماعي بالقانون رقم 79 لسنة 1975 أعاد المشرع النص على
استمرار استصحاب العاملين الذين كانوا موجودين بالخدمة حتى 22 مارس 1964 لأنظمتهم التأمينية
فيما تضمنته من ميزة أفضل وفقاً لأحكام الفقرة الثانية من المادة 162 منه على الوجه
سالف الذكر.
وحيث إن البين مما تقدم أن النص الطعين لم يستحدث حقوقاً خلت منها التشريعات التي صدرت
قبله، وكان من المفترض أن الحقوق التي تضمنها لا يجوز فصلها عن موجباتها، وينبغي أن
يكون استحقاقها مرتبطاً بأوضاعها – التي انصرم زمن تطبيقها – فلا يزاحم آخرون أصحابها
في شيء منها، وهو ما يؤكد وروده في الباب المخصص للأحكام الانتقالية والوقتية فلا تكون
لأحكامه صفة الدوام بعد استنفاد أغراضه، بما مؤداه عدم انطباقه على العاملين الخارجين
عن دائرة المخاطبين بأحكامه التي لا تشمل العاملين المعينين بعد 22 مارس سنة 1964.
وحيث إن ما ينعاه المدعيان من مخالفة النص المطعون فيه لمبدأ تكافؤ الفرص مردود بأن
الفرص التي يستنهضها هذا المبدأ، هي تلك التي تتعهد الدولة بتقديمها، ويفترض ذلك بالضرورة
أن تكون هذه الفرص محدودة عدداً، وأن من يطلبونها يتزاحمون فيما بينهم للنفاذ إليها،
وأن ترتيبهم على ضوء أجدرهم بالحصول عليها، يقتضي تقرير شروطها الموضوعية وفق ضوابط
يمليها التبصر والاعتدال، وكانت القواعد التي قررها المشرع بالنص الطعين لا تتصل بفرص
قائمة يجرى التزاحم عليها، فإن قالة الإخلال بمبدأ تكافؤ الفرص، لا يكون لها من سند.
وحيث إن الأصل في السلطة التي يملكها المشرع في مجال تنظيم الحقوق، أنها سلطة تقديرية،
ما لم يقيد الدستور ممارستها بضوابط تحد من إطلاقها، وتعتبر تخوماً لها لا يجوز تخطيها،
تقديراً بأن الدستور لا يكفل للحقوق ضماناتها إلا بقصد توكيد فعاليتها بما يحول بين
المشرع وإهدار الحقوق التي كفلها الدستور أو تهميشها عدواناً على مجالاتها الحيوية
التي يرتبط وجودها بها، فلا تتنفس إلا من خلالها، ولم يتجاوز المشرع بالنص الطعين حدود
سلطته التقديرية في تنظيم الحقوق بل كفلها لأصحاب الحق فيها دون إخلال بالمادة السابعة
عشرة من الدستور التي ناطت بالدولة أن تكفل لمواطنيها خدماتهم التأمينية – الاجتماعية
والصحية – بما في ذلك تقرير معاش لمواجهة بطالتهم أو عجزهم عن العمل أو شيخوختهم في
الحدود التي يبينها القانون.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن مبدأ المساواة أمام القانون – وبقدر تعلقه
بالحدود التي تباشر فيها هذه المحكمة ولايتها – مؤداه أنه لا يجوز لأي من السلطتين
التشريعية أو التنفيذية أن تباشر اختصاصاتها التشريعية التي ناطها الدستور بها بما
يخل بالحماية المتكافئة التي كفلها للحقوق جميعها، سواء في ذلك تلك التي نص عليها الدستور
أو التي حددها القانون. وبمراعاة أن الحماية المتكافئة أمام القانون التي اعتد الدستور
بها، لا تتناول القانون من مفهوم مجرد، وإنما بالنظر إلى أن القانون تعبير عن سياسة
محددة أنشأتها أوضاع لها مشكلاتها، وأنه تغيا بالنصوص التي تضمنها تحقيق أغراض بذواتها
من خلال الوسائل التي حددها، وكلما كان القانون مغايراً بين أوضاع أو مراكز أو أشخاص
لا تتحد واقعاً فيما بينها وكان تقديره في ذلك قائماً على أسس موضوعية، مستلهماً أهدافاً
لا نزاع في مشروعيتها وكافلاً وحدة القاعدة القانونية في شأن أشخاص تتماثل ظروفهم بما
لا يجاوز متطلباتها، كان القانون واقعاً في إطار السلطة التقديرية التي يملكها المشرع
ولو تضمن تمييزاً مُبرراً لا ينال من مشروعيته الدستورية أن تكون المساواة التي توخاها
وسعى إليها، بعيدة حسابياً عن الكمال.
وحيث إن ما ينعاه المدعيان على النص الطعين من انطوائه على رجعية مخلة بالمادة 181
من الدستور مردود بأن الأصل في القانون هو أن يسري بأثر مباشر على ما يقع بعد نفاذه.
فإذا سرى على وقائع تم تكوينها أو على مراكز قانونية اكتملت عناصرها قبل العمل بأحكامه،
فإن هذا القانون يكون متضمناً أثراً رجعياً لا يجوز تقريره إلا في المواد غير الجنائية،
وبعد استيفاء الأغلبية الخاصة التي اشترطتها المادة 187 من الدستور كضمانة أساسية للحد
من الرجعية وتوكيداً لخطورتها في الأعم الأغلب من الأحوال إزاء ما تهدره من حقوق، وتخل
به من استقرار. ولا كذلك النص الطعين إذ لم يقض بنفاذ حكمه بأثر ينعطف على الماضي وإنما
توخي أن يكون التزام أصحاب الأعمال بأداء قيمة الميزة الأفضل قاصراً على طائفة معينة
من العاملين هم الذين كانوا موجودين بالخدمة حتى تاريخ محدد هو 22 مارس 1964، توكيداً
منه لحقوق أفراد هذه الطائفة التي نشأت واستقرت ديناً في ذمة أصحاب الأعمال في التاريخ
المشار إليه.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة برفض الدعوى، وبمصادرة الكفالة، وألزمت المدعيين المصروفات ومبلغ مائة جنية مقابل أتعاب المحاماة.
