الرئيسية الاقسام القوائم البحث

قاعدة رقم الطعن رقم 81 لسنة 19 قضائية “دستورية” – جلسة 06 /02 /1999 

أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء التاسع
من أول يوليو 1998 حتى آخر أغسطس 2001 – صـ 165

جلسة 6 فبراير سنة 1999

برئاسة السيد المستشار/ محمد ولي الدين جلال – رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: فاروق عبد الرحيم غنيم وحمدي محمد علي وسامي فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض وماهر البحيري ومحمد عبد القادر عبد الله، وحضور السيد المستشار/ عبد الوهاب عبد الرازق حسن – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ حمدي أنور صابر – أمين السر.

قاعدة رقم
القضية رقم 81 لسنة 19 قضائية "دستورية"

1 – دعوى دستورية "المصلحة الشخصية المباشرة: مناطها".
مناط هذه المصلحة – وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية – أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة في الدعوى الموضوعية – وذلك بأن يكون الفصل في المسألة الدستورية مؤثراً في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها.
2 – حق التقاضي "عوائق – حيدة واستقلال – ترضية قضائية".
افتراض حق التقاضي تمكين كل متقاض من النفاذ الميسر إلى القضاء لا تثقله أو تحول دونه أية عوائق – اقتضاء حيدة المحكمة واستقلالها وحصانة أعضائها والأسس الموضوعية لضماناتها العملية – حق التقاضي لا تكتمل مقوماته ما لم توفر الدولة للخصومة في نهاية مطافها حلاً منصفاً يمثل التسوية التي يعمد من يطلبها إلى الحصول عليها بوصفها ترضيته القضائية التي يسعى إليها لمواجهة الإخلال بالحقوق التي يدعيها.
3 – حق التقاضي "ترضية قضائية: إنكار العدالة – تنفيذ: تعطيله".
الإخفاق في تقديم الترضية القضائية الملائمة إنكاراً للعدالة – الترضية القضائية التي لا يقهر المدين بها على تنفيذها مباشرة إذا ماطل فيها هي في واقعها إهدار للحماية المكفولة للحقوق على اختلافها، وخروج على مبدأ خضوع الدولة للقانون – الامتناع عن تنفيذها أو عرقلته بعمل تشريعي يعتبر عدواناً من السلطة التشريعية على الولاية الثابتة للسلطة القضائية وتدخلاً مباشراً في شئون العدالة.
4 – دستور "المادة 165" – سلطة قضائية "استقلال – أحكام: حجية".
كفالة الدستور، بنص المادة 165، استقلال السلطة القضائية – عدم جواز التدخل في أعمال هذه السلطة أو التأثير في مجرياتها – لأحكامها ولو لم تكن نهائية حجيتها – عدم جواز إسقاط المشرع لهذه الحجية من خلال إنهاء الآثار القانونية التي ترتبها.
5 – تشريع "البند ب من المادة 18 من القانون رقم 136 لسنة 1981 في شأن بعض الأحكام الخاصة بتأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر: عوار".
هذا النص بما يؤدي إليه من بطلان تنفيذ الحكم المستعجل بالطرد الذي تم في غيبة مستأجر العين، يناقض أصل الحق في التقاضي ويمايز في تنفيذ الأحكام القضائية دون مسوغ مشروع.
1 – من المقرر – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – أن مناط المصلحة الشخصية المباشرة في الدعوى الدستورية – وهي شرط لقبولها – أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الفصل في المسألة الدستورية مؤثراً في الطلبات المرتبطة بها والمطروحة على محكمة الموضوع.
2 – حق التقاضي – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – يفترض ابتداء وبداهة تمكين كل متقاض من النفاذ نفاذاً ميسراً لا تثقله أعباء مالية ولا تحول دونه عوائق إجرائية، وكان هذا النفاذ – بما يعنيه من حق كل شخص في اللجوء إلى القضاء وأن أبوابه غير موصدة في وجه من يلوذ بها، وأن الطريق إليها معبد قانوناً – لا يتعدى كونه حلقة من حلقات حق التقاضي تكملها حلقتان أخريان لا يستقيم بدونهما هذا الحق، ولا يكتمل وجوده في غيبة أي منهما، ذلك أن قيام الحق في النفاذ إلى القضاء تكمله الحلقة الوسطى في حق التقاضي وهي تلك التي تعكس حيدة المحكمة واستقلالها وحصانة أعضائها والأسس الموضوعية لضماناتها العملية، وهي بذلك تكفل بتكاملها المقاييس المعاصرة التي توفر لكل شخص حقاً مكتملاً ومتكافئاً مع غيره في محاكمة منصفة وعلنية تقوم عليها محكمة مستقلة محايدة ينشئها القانون تتولى الفصل – خلال مدة معقولة – في حقوقه والتزاماته المدنية أو في التهمة الجنائية الموجهة إليه، ويتمكن في كنفها من عرض دعواه وتحقيق دفاعه ومواجهة أدلة خصمه رداً وتعقيباً في إطار من الفرص المتكافئة، وبمراعاة أن تشكل المحكمة، وأسس تنظيمها وطبيعة القواعد الموضوعية والإجرائية المعمول بها في نطاقها، وكيفية تطبيقها من الناحية العملية، هي التي تحدد لتلك الحلقة الوسطى ملامحها الرئيسية، متى كان ما تقدم وكان حق التقاضي لا تكتمل مقوماته ما لم توفر الدولة للخصومة في نهاية مطافها حلاً منصفاً يمثل التسوية التي يعمد من يطلبها إلى الحصول عليها بوصفها الترضية القضائية التي يسعى إليها لمواجهة الإخلال بالحقوق التي يدعيها، وكانت هذه الترضية – وبافتراض مشروعيتها واتساقها مع أحكام الدستور – تندمج في الحق في التقاضي باعتبارها الحلقة الأخيرة فيه، ولارتباطها بالغاية النهائية المقصودة منه برابطة وثيقة، ذلك أن الخصومة القضائية لا تقام للدفاع عن مصلحة نظرية لا تتمحض عنها فائدة عملية، وإنما غايتها اقتضاء منفعة يقرها القانون، وتتحدد على ضوئها حقيقة المسألة المتنازع عليها بين أطرافها وحكم القانون بشأنها، واندماج هذه الترضية في الحق في التقاضي، مؤداه أنها تعتبر من مكوناته، ولا سبيل لفصلها عنه، وإلا فقد هذا الحق مغزاه، وآل سراباً.
3 – إنكار الحق في الترضية القضائية سواء بمنعها ابتداء، أو بإقامة العراقيل في وجه اقتضائها، أو بتقديمها متباطئة متراخية دون مسوغ، أو بإحاطتها بقواعد إجرائية معيبة، لا يعدو أن يكون إهداراً للحماية التي يفرضها الدستور والقانون للحقوق التي وقع العدوان عليها، وإنكاراً للعدالة في جوهر خصائصها وأدق توجهاتها، وبوجه خاص كلما كان طريق الطعن القضائي لرد الأمور إلى نصابها ممتنعاً أو غير منتج، وكان من المقرر أنه ليس لازماً لإنكار العدالة وإهدار متطلباتها أن يقع العدوان على موجباتها من جهة القضاء ذاتها، ذلك أن السلطة التشريعية أو التنفيذية قد تفرض من العوائق ما يحول دون بلوغ الترضية القضائية، سواء عن طريق حرمان الشخص من إقامة دعواه، أو من نظرها في إطار من القواعد الموضوعية، وفق الوسائل القانونية السليمة، ومن ثم لا يعتبر إنكار العدالة قائماً في محتواه على الخطأ في تطبيق القانون، وإنما هو الإخفاق في تقديم الترضية القضائية الملائمة، وهو ما يتحقق بوجه خاص إذا كانت الوسائل القضائية المتاحة لا توفر استنفدها الحماية اللازمة لصون حقوقه، أو كانت ملاحقته لخصمه للحصول على الترضية القضائية التي يأملها، لا طائل من ورائها، وبغير اقتران الترضية القضائية بوسائل تنفيذها وحمل الملزمين بها على الرضوخ لها، فإن هذه الترضية تغدو هباء منثوراً، وتفقد قيمتها من الناحية العملية، وهو ما يفيد بالضرورة إهدار الحماية التي فرضها الدستور والمشرع – كلاهما – للحقوق على اختلافها، وتكريس العدوان عليها وتعطيل دور القضاء المنصوص عليه في المادة 65 من الدستور في مجال صونها والدفاع عنها وإفراغ حق اللجوء إليه من كل مضمون وهو حق عنى الدستور بتوكيده في المادة 68. كذلك فإن الترضية القضائية التي لا يُقهر المدين بها على تنفيذها مباشرة إذا ماطل فيها، هي في واقعها خروج على مبدأ خضوع الدولة للقانون، ونكول عن تأسيس العدالة وتثبيتها من خلال السلطة القضائية بأفرعها المختلفة وتنظيماتها المتعددة، وهي السلطة التي تصدر أحكامها وفق القانون على ما تنص عليه المادة 165 من الدستور، ولا يعدو الامتناع عن تنفيذها أو عرقلة هذا التنفيذ أو تعطيله بعمل تشريعي، أن يكون عدواناً من السلطة التشريعية على الولاية الثابتة للسلطة القضائية، واقتحاماً للحدود الفاصلة بين السلطتين، وهو كذلك تدخل مباشر في شئون العدالة، بما يقلص من دورها، ويناقض دلالة المادة 72 من الدستور من أن الحماية القضائية للحق أو الحرية – على أساس من سيادة القانون وخضوع الدولة لأحكامه – لازمها التمكين من اقتضائها والمعاونة في تنفيذها ولو باستعمال القوة عند الضرورة.
4 – إن الدستور كفل استقلال السلطة القضائية بنص المادة 165 منه، وجعل هذا الاستقلال عاصماً من التدخل في أعمالها أو التأثير في مجرياتها باعتبار أن شئون العدالة هو مما تستقل به السلطة القضائية، وأن عرقلتها أو إعاقتها على أي نحو عدوان على ولايتها الدستورية، سواء بنقضها أو انتقاصها من أطرافها، ومن ثم تظل لأحكامها – ولو لم تكن نهاية – حجيتها، وهي حجية لا يجوز أن يسقطها المشرع من خلال إنهاء الآثار القانونية التي ترتبها.
5 – لما كان الحكم الصادر بالطرد من القضاء المستعجل مشمولاً بالنفاذ المعجل، وكان المؤجر يعتبر بمقتضى هذا الحكم متمتعاً بحق ظاهر أضفى عليه المشرع حماية خاصة تبيح له اقتضاءه قبل أن يستقر بصفة نهائية، وكان الحق في التقاضي المنصوص عليه في المادة 68 من الدستور لا تكتمل حلقاته إذا أعاق المشرع هذا التنفيذ من خلال تعليق صحته على مثول المستأجر بشخصه أثناء إجرائه، مثلما هو الأمر في النزاع الراهن، وكان النص المطعون فيه بما يؤدي إليه من بطلان كل تنفيذ تم فيه غيبة مستأجر العين – وقد عطل إعمال الآثار القانونية لحكم الطرد، جاعلاً تنفيذه وهناً بإرادة المستأجر – فإنه بذلك يكون قد نقض أصل الحق في التقاضي وعطل الأغراض التي يتوخاها، وأعاق وصول الترضية القضائية التي كفلها حكم الطرد لأصحابها، ومايز في مجال تنفيذ الأحكام القضائية – دون مسوغ مشروع – بين المستأجرين وغيرهم الذين يصح التنفيذ قبلهم بمجرد إعلان سند التنفيذ لشخص المدين أو في موطنه على ما تنص عليه المادة 281 من قانون المرافعات.


الإجراءات

بتاريخ 26 إبريل سنة 1997، أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة، طالباً الحكم بعدم دستورية البند (ب) من المادة 18 من القانون رقم 136 لسنة 1981 في شأن بعض الأحكام بتأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت في ختامها الحكم أصلياً بعدم قبول الدعوى واحتياطياً برفضها.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن المدعي كان قد صدر لصالحه، بتاريخ 15/ 10/ 1989 حكم في الدعوى رقم 1686 لسنة 1989 مستعجل القاهرة بطرد ورثة المرحوم حسن أحمد سلطان من العين المؤجرة لمورثهم الكائنة بالعقار رقم 9 شارع شعيب قسم الساحل لعدم سدادهم القيمة الإيجارية المستحقة، وتأيد هذا الحكم بالاستئناف رقم 1207 لسنة 1989 مستأنف مستعجل القاهرة. وإذ قام المدعي بتنفيذه جبرياً، فقد نازع الورثة في صحة إجراءات التنفيذ، وأقاموا الدعوى رقم 924 لسنة 1992 مدني محكمة شبرا بطلب الحكم ببطلان إجراءات التنفيذ، وبجلسة 9/ 11/ 1993 قضت المحكمة ببطلان إجراءات التنفيذ، فطعن المدعي في هذا الحكم استئنافياً أمام محكمة شمال القاهرة الابتدائية، التي قضت بعدم اختصاصها وبإحالته إلى محكمة استئناف القاهرة، فقيد أمامها برقم 16268 لسنة 112 قضائية، ودفع في صحيفة استئنافه بعدم دستورية نص المادة 18 من القانون رقم 136 لسنة 1981 المشار إليه فيما تضمنته من وجوب تنفيذ الحكم المستعجل بالطرد لعدم سداد الأجرة، في مواجهة المستأجر، وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية الدفع وصرحت له بإقامة الدعوى الدستورية، فقد أقام الدعوى الماثلة.
وحيث إن المادة 18 من القانون رقم 136 لسنة 1981 المشار إليه، تنص على أنه "لا يجوز للمؤجر أن يطلب إخلاء المكان ولو انتهت المدة المتفق عليها في العقد إلا لأحد الأسباب الآتية:
( أ ) الهدم الكلي أو الجزئي للمنشآت الآيلة للسقوط والإخلاء لمقتضيات الترميم والصيانة وفقاً للأحكام المنظمة لذلك بالقوانين السارية.
(ب) إذا لم يقم المستأجر بالوفاء بالأجرة المستحقة خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ تكليفه بذلك بكتاب موصى عليه مصحوب بعلم الوصول دون مظروف، أو بإعلان على يد محضر، ولا يحكم بالإخلاء إذا قام المستأجر قبل إقفال باب المرافعة في الدعوى بأداء الأجرة وكافة ما تكبده المؤجر من مصاريف ونفقات فعلية.
ولا ينفذ حكم القضاء المستعجل بطرد المستأجر من العين بسبب التأخير في سداد الأجرة إعمالاً للشرط الفاسخ الصريح إذا ما سدد المستأجر الأجرة والمصاريف والأتعاب عند تنفيذ الحكم وبشرط أن يتم التنفيذ في مواجهة المستأجر.
…………."
وحيث إن هيئة قضايا الدولة دفعت بعدم قبول الدعوى الماثلة تأسيساً على أن المدعي قد حصر أوجه النعي على النص الطعين في تعارضه مع القواعد العامة في قانون المرافعات المنصوص عليها في المادتين 213 و281 منه، وأن الرقابة القضائية التي تباشرها المحكمة الدستورية العليا في شأن دستورية القوانين مناطها قيام تعارض بين نص قانوني وحكم في الدستور، ولا شأن لها بالتناقض بين التشريعات.
وحيث إن هذا الدفع مردود بأن أوجه الطعن التي أوردها المدعي في صحيفة دعواه على ذلك النص لا تقتصر على مخالفته للقواعد العامة في قانون المرافعات، بل تشمل أيضاً مخالفته للمادة 68 من الدستور التي تكفل الحق في التقاضي للناس كافة، وإخلاله بتوازن العلاقة بين المؤجر والمستأجر، مساساً بالملكية الخاصة التي يحميها الدستور في المادة 34 منه.
وحيث إن من المقرر – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – أن مناط المصلحة الشخصية المباشرة في الدعوى الدستورية – وهي شرط لقبولها – أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الفصل في المسألة الدستورية مؤثراً في الطلبات المرتبطة بها والمطروحة على محكمة الموضوع. إذ كان ذلك، وكان النزاع المثار أمام محكمة الموضوع يدور حول بطلان إجراءات تنفيذ الحكم المستعجل الصادر في الدعوى رقم 1686 لسنة 1989 مستعجل القاهرة، بطرد المدعى عليهم من المكان المؤجر لعدم تنفيذه في مواجهتهم بالمخالفة لنص الفقرة الثانية من البند (ب) من المادة 18 من القانون رقم 136 لسنة 1981؛ فإن ذلك يقيم المصلحة الشخصية المباشرة للمدعي في دعواه الدستورية التي يحدد إطارها، ونطاق الخصومة فيها فيما نصت عليه تلك الفقرة في عجزها "وبشرط أن يتم التنفيذ في مواجهة المستأجر".
وحيث إن البند (ب) من المادة 18 المشار إليها قد تناول بالتنظيم حالة الإخلاء من العين المؤجرة لعدم قيام المستأجر بالوفاء بالأجرة المستحقة خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ تكليفه بالسداد بكتاب موصى عليه مصحوب بعلم الوصول دون مظروف أو بإعلان على يد محضر، عاقداً الاختصاص بذلك للقضاء المستعجل ليقضى بطرد المستأجر من العين المؤجرة إعمالاً للشرط الفاسخ الصريخ، شريطة أن يتم التنفيذ في مواجهة المستأجر للتحقق من علمه بحكم الطرد دون أن يُغني عن ذلك العلم الفعلي ولو كان قاطعاً، وعلى خلاف ما تقضي به القواعد العامة في قانون المرافعات من الاكتفاء بإعلان الصورة التنفيذية للحكم لشخص المحكوم ضده أو في موطنه.
وحيث إن البين من الأعمال التحضيرية للقانون رقم 136 لسنة 1981 المشار إليه، أن المشروع الوارد من الحكومة إلى مجلس الشعب لم يكن يتضمن النص الطعين، وأن اللجنة المشتركة من لجنة الإسكان والمرافق العامة والتعمير ومكتب لجنة الشئون الدستورية والتشريعية رأت إضافته – بتقريرها المرفوع للمجلس في 18/ 6/ 1981 – بدعوى حماية المستأجرين من صدور أحكام بطردهم وتنفيذها في غيبتهم، وعند مناقشة المجلس لهذا النص بجلسته المعقودة في 24/ 6/ 1981 طالب بعض الأعضاء بحذفه لأنه يشجع المستأجر على عدم الوفاء بالأجرة إذ لا يتصور أن يجهل ما يدور بشأن مسكنه بعد أن تم التنبيه عليه بالوفاء بالأجرة ولم يدفعها، ثم رفعت ضده دعوى مستعجلة لطرده بسبب عدم سداد الأجرة، فضلاً عن أنه حتى لو فرض جدلاً صدور حكم الطرد وتنفيذه دون علم المستأجر فإنه متى قام بالوفاء عند استئنافه لحكم الطرد فسوف يلغي الحكم ويعود إلى العين المؤجرة.
وحيث إن اشتراط النص الطعين أن يتم التنفيذ في مواجهة المستأجر، مؤداه أنه لا يكفي أن يتم الإعلان للمستأجر أو من ينوب عنه أو من يساكنه من أقاربه، وإنما يجب أن تتم إجراءات التنفيذ بالطرد في مواجهته، وهو ما يستوجب حضوره الشخصي أثناء مباشرة هذه الإجراءات، وذلك على خلاف القواعد العامة في تنفيذ كافة الأحكام الموضوعية منها والمستعجلة التي حددها قانون المرافعات المدنية والتجارية والتي تقضي بجواز تنفيذ الأحكام المدنية في غيبة المحكوم عليه، باعتبار أن الأمر فيها يتعلق بحق مؤكد يراد اقتضاؤه جبراً عن المدين مما لا أهمية معه لحضوره.
وحيث إن حق التقاضي – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – يفترض ابتداء وبداهة تمكين كل متقاض من النفاذ نفاذاً ميسراً لا تثقله أعباء مالية ولا تحول دونه عوائق إجرائية، وكان هذا النفاذ – بما يعنيه من حق كل شخص في اللجوء إلى القضاء وأن أبوابه غير موصدة في وجه من يلوذ بها، وأن الطريق إليها معبد قانوناً – لا يتعدى كونه حلقة من حلقات حق التقاضي تكملها حلقتان أخريان لا يستقيم بدونهما هذا الحق، ولا يكتمل وجوده في غيبة أي منهما، ذلك أن قيام الحق في النفاذ إلى القضاء تكمله الحلقة الوسطى في حق التقاضي وهي تلك التي تعكس حيدة المحكمة واستقلالها وحصانة أعضائها والأسس الموضوعية لضماناتها العملية، وهي بذلك تكفل بتكاملها المقاييس المعاصرة التي توفر لكل شخص حقاً مكتملاً ومتكافئاً مع غيره في محاكمة منصفة وعلنية تقوم عليها محكمة مستقلة محايدة ينشئها القانون تتولى الفصل – خلال مدة معقولة – في حقوقه والتزاماته المدنية أو في التهمة الجنائية الموجهة إليه، ويتمكن في كنفها من عرض دعواه وتحقيق دفاعه ومواجهة أدلة خصمه رداً وتعقيباً في إطار من الفرص المتكافئة، وبمراعاة أن تشكل المحكمة، وأسس تنظيمها وطبيعة القواعد الموضوعية والإجرائية المعمول بها في نطاقها، وكيفية تطبيقها من الناحية العملية، هي التي تحدد لتلك الحلقة الوسطى ملامحها الرئيسية، متى كان ما تقدم وكان حق التقاضي لا تكتمل مقوماته ما لم توفر الدولة للخصومة في نهاية مطافها حلاً منصفاً يمثل التسوية التي يعمد من يطلبها إلى الحصول عليها بوصفها الترضية القضائية التي يسعى إليها لمواجهة الإخلال بالحقوق التي يدعيها، وكانت هذه الترضية – وبافتراض مشروعيتها واتساقها مع أحكام الدستور – تندمج في الحق في التقاضي باعتبارها الحلقة الأخيرة فيه، ولارتباطها بالغاية النهائية المقصودة منه برابطة وثيقة، ذلك أن الخصومة القضائية لا تقام للدفاع عن مصلحة نظرية لا تتمحض عنها فائدة عملية، وإنما غايتها اقتضاء منفعة يقرها القانون، وتتحدد على ضوئها حقيقة المسألة المتنازع عليها بين أطرافها وحكم القانون بشأنها، واندماج هذه الترضية في الحق في التقاضي، مؤداه أنها تعتبر من مكوناته، ولا سبيل لفصلها عنه، وإلا فقد هذا الحق مغزاه، وآل سراباً.
وحيث إن إنكار الحق في الترضية القضائية سواء بمنعها ابتداء، أو بإقامة العراقيل في وجه اقتضائها، أو بتقديمها متباطئة متراخية دون مسوغ، أو بإحاطتها بقواعد إجرائية معيبة، لا يعدو أن يكون إهداراً للحماية التي يفرضها الدستور والقانون للحقوق التي وقع العدوان عليها، وإنكاراً للعدالة في جوهر خصائصها وأدق توجهاتها، وبوجه خاص كلما كان طريق الطعن القضائي لرد الأمور إلى نصابها ممتنعاً أو غير منتج، وكان من المقرر أنه ليس لازماً لإنكار العدالة وإهدار متطلباتها أن يقع العدوان على موجباتها من جهة القضاء ذاتها، ذلك أن السلطة التشريعية أو التنفيذية قد تفرض من العوائق ما يحول دون بلوغ الترضية القضائية، سواء عن طريق حرمان الشخص من إقامة دعواه، أو من نظرها في إطار من القواعد الموضوعية، وفق الوسائل القانونية السليمة، ومن ثم لا يعتبر إنكار العدالة قائماً في محتواه على الخطأ في تطبيق القانون، وإنما هو الإخفاق في تقديم الترضية القضائية الملائمة، وهو ما يتحقق بوجه خاص إذا كانت الوسائل القضائية المتاحة لا توفر لمن استنفدها الحماية اللازمة لصون حقوقه، أو كانت ملاحقته لخصمه للحصول على الترضية القضائية التي يأملها، لا طائل من ورائها، وبغير اقتران الترضية القضائية بوسائل تنفيذها وحمل الملزمين بها على الرضوخ لها، فإن هذه الترضية تغدو هباء منثوراً، وتفقد قيمتها من الناحية العملية، وهو ما يفيد بالضرورة إهدار الحماية التي فرضها الدستور والمشرع – كلاهما – للحقوق على اختلافها، وتكريس العدوان عليها وتعطيل دور القضاء المنصوص عليه في المادة 65 من الدستور في مجال صونها والدفاع عنها وإفراغ حق اللجوء إليه من كل مضمون وهو حق عني الدستور بتوكيده في المادة 68. كذلك فإن الترضية القضائية التي لا يُقهر المدين بها على تنفيذها مباشرة إذا ماطل فيها، هي في واقعها خروج على مبدأ خضوع الدولة للقانون، ونكول عن تأسيس العدالة وتثبيتها من خلال السلطة القضائية بأفرعها المختلفة وتنظيماتها المتعددة، وهي السلطة التي تصدر أحكامها وفق القانون على ما تنص عليه المادة 165 من الدستور، ولا يعدو الامتناع عن تنفيذها أو عرقلة هذا التنفيذ أو تعطيله بعمل تشريعي، أن يكون عدواناً من السلطة التشريعية على الولاية الثابتة للسلطة القضائية، واقتحاماً للحدود الفاصلة بين السلطتين، وهو كذلك تدخل مباشرة في شئون العدالة، بما يقلص من دورها، ويناقض دلالة المادة 72 من الدستور من أن الحماية القضائية للحق أو الحرية – على أساس من سيادة القانون وخضوع الدولة لأحكامه – لازمها التمكين من اقتضائها والمعاونة في تنفيذها ولو باستعمال القوة عند الضرورة.
وحيث إن القول بأن ما تقرر بالنص المطعون فيه من تنفيذ حكم الطرد في مواجهة المستأجر، قد تغيا حماية المستأجر من خطر طرده بحكم مستعجل يعتبر وقتياً بطبيعته، ومبناه ظاهر الأوراق، ولا يتعمق أصل الحق المدعى به، وإن تنفيذ هذا الحكم في مواجهة مستأجر العين، هو الذي يكفل مبدأ المجابهة في التنفيذ، ويمكن المستأجر من إبداء وجهة نظره واعتراضاته في شأن حكم غير مستقر، ومعرض للإلغاء بصدور حكم موضوعي في النزاع؛ مردود أولاً: بأن مؤداه امتناع تنفيذ الأحكام الصادرة من القضاء المستعجل جميعها بالنظر إلى طبيعتها الوقتية، حال أن طبيعتها هذه، واتصالها بأوضاع قلقة غير مستقرة، وحمايتها المؤقتة لظاهر الأمر في شأن الحقوق المتنازع عليها، لا تحول دون تنفيذها، بل إن الأحكام الصادرة في مادة مستعجلة – ويندرج تحتها الحكم الصادر بطرد المستأجر من العين المؤجرة – تعتبر نافذة نفاذاً معجلاً بقوة القانون، ضماناً لسرعة اجتناء الفائدة المقصودة منها والتي لا يجوز تأجيل الحصول عليها أو تعطيلها بناء على مجرد احتمال صدور حكم على خلافها في النزاع الموضوعي، ويزداد الأمر دقة، كلما صار الحكم الصادر بالطرد نهائياً إذ تزيد نهائيته من قوته.
ومردود ثانياً: بأن المحكوم له من القضاء المستعجل بطرد مستأجر من العين المؤجرة ذو حق ظاهر يحميه المشرع، ويمنحه رعاية خاصة، فيجيز اقتضاءه قبل أن يستقر بصورة نهائية. وتعليق تنفيذ الحكم الصادر في مادة مستعجلة – ولو كان نهائياً – على إجراء هذا التنفيذ في مواجهة المستأجر، مؤداه أن يظل هذا الحكم عصياً على التنفيذ دائماً كلما عنَّ لمستأجر العين المحكوم بطرده منها بحكم نهائي، ألا يمثل بشخصه عند إجراء التنفيذ، فلا يكون إتمامه إلا معلقاً على محض إرادته إن شاء مضى بالتنفيذ إلى نهايته من خلال حضوره لإجرائه، وإن شاء أعاق التنفيذ بالتغيب عنه. ولا كذلك شأن الأحكام القضائية التي لا يجوز أن يكون إنفاذ آثارها معلقاً على محض إرادة من صدر الحكم ضده.
ومردود ثالثاً: بأن النفاذ المعجل للأحكام الصادرة في مادة مستعجلة قد تقرر بقاعدة آمرة تجعل هذا النفاذ واقعاً بقوة القانون. وما تقرر بالنص المطعون فيه من أن تنفيذ الحكم بالطرد – وهو صادر من القضاء المستعجل – لا يجوز إلا في مواجهة المستأجر، يعتبر نكولاً جزئياً عن هذه القاعدة بالنسبة للمنازعات المشار إليها بما يخل بقوة الأحكام القضائية الصادرة فيها، والتي لا يجوز أن يسقطها المشرع عنها ولو لم يكن الحكم نهائياً، وهو ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة بتوكيدها إن الدستور كفل استقلال السلطة القضائية بنص المادة 165 منه، وجعل هذا الاستقلال عاصماً من التدخل في أعمالها أو التأثير في مجرياتها باعتبار أن شئون العدالة هو مما تستقل به السلطة القضائية، وأن عرقلتها أو إعاقتها على أي نحو عدوان على ولايتها الدستورية، سواء بنقضها أو انتقاضها من أطرافها، ومن ثم تظل لأحكامها – ولو لم تكن نهاية – حجيتها، وهي حجية لا يجوز أن يسقطها المشرع من خلال إنهاء الآثار القانونية التي ترتبها.
وحيث إنه متى كان ما تقدم، وكان الحكم الصادر بالطرد من القضاء المستعجل مشمولاً بالنفاذ المعجل، وكان المؤجر يعتبر بمقتضى هذا الحكم متمتعاً بحق ظاهر أضفى عليه المشرع حماية خاصة تبيح له اقتضاءه قبل أن يستقر بصفة نهائية، وكان الحق في التقاضي المنصوص عليه في المادة 68 من الدستور لا تكتمل حلقاته إذا أعاق المشرع هذا التنفيذ من خلال تعليق صحته على مثول المستأجر بشخصه أثناء إجرائه، مثلما هو الأمر في النزاع الراهن، وكان النص المطعون فيه بما يؤدي إليه من بطلان كل تنفيذ تم في غيبة مستأجر العين – وقد عطل إعمال الآثار القانونية لحكم الطرد، جاعلاً تنفيذه وهناً بإرادة المستأجر – فإنه بذلك يكون قد نقض أصل الحق في التقاضي وعطل الأغراض التي يتوخاها، وأعاق وصول الترضية القضائية التي كفلها حكم الطرد لأصحابها، ومايز في مجال تنفيذ الأحكام القضائية – دون مسوغ مشروع – بين المستأجرين وغيرهم الذين يصح التنفيذ قبلهم بمجرد إعلان سند التنفيذ لشخص المدين أو في موطنه على ما تنص عليه المادة 281 من قانون المرافعات. ومن ثم فإن النص المطعون فيه يكون مناقضاً لأحكام المواد 34 و40 و65 و68 و72 و165 من الدستور.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم دستورية عجز الفقرة الثانية من البند (ب) من المادة 18 من القانون رقم 136 لسنة 1981 في شأن بعض الأحكام الخاصة بتأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر فيما نص عليه من أنه "وبشرط أن يتم التنفيذ في مواجهة المستأجر" وألزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات