قاعدة رقم الطعن رقم 12 لسنة 19 قضائية “دستورية” – جلسة 02 /01 /1999
أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء التاسع
من أول يوليو 1998 حتى آخر أغسطس 2001 – صـ 126
جلسة 2 يناير سنة 1999
برئاسة السيد المستشار/ محمد ولي الدين جلال – رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: حمدي محمد علي والدكتور عبد المجيد فياض وماهر البحيري ومحمد علي سيف الدين وعدلي محمود منصور ومحمد عبد القادر عبد الله، وحضور السيد المستشار/ عبد الوهاب عبد الرازق حسن – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ حمدي أنور صابر – أمين السر.
قاعدة رقم
القضية رقم 12 لسنة 19 قضائية "دستورية"
1 – دعوى دستورية "نطاقها".
نطاق الدعوى الدستورية يتحدد بنطاق الدفع بعدم الدستورية الذي أثير أمام محكمة الموضوع.
2 – دعوى دستورية "حكم بالرفض: حجيته".
الحكم الصادر برفض الدعوى بعدم دستورية نص تشريعي له حجة عينية، فلا رجعة إلى الخصومة
الدستورية في شأنه.
3 – دستور "المادة الثانية" – شريعة إسلامية "أحكام قطعية" – اجتهاد "أحكام ظنية".
مؤدى حكم المادة الثانية من الدستور ألا تناقض التشريعات الصادرة بعد تعديله في سنة
1980 مبادئ الشريعة الإسلامية المقطوع بثبوتها ودلالتها – انحصار دائرة الاجتهاد في
الأحكام الظنية على أن يكون واقعاً في إطار الأصول الكلية للشريعة، ملتزماً ضوابطها
الثابتة كافلاً صون مقاصدها الكلية.
4 – شريعة إسلامية "علاقة زوجية – تحكيم: أصله".
الأصل في بعث الحكمين عند وقوع شقاق بين الزوجين هو قوله تعالى "وإن خفتم شقاق بينهما
فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما إن الله
كان عليماً خبيرا".
5 – تشريع "المادة 7 من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929: تحكيم".
ما نحا إليه النص المذكور من إجازة اختيار القاضي حكمين من غير أهل الزوجين ليس إلا
إعمالاً للعقل بقدر ما تقتضيه الضرورة – مراعاته الأصول الشريعة الإسلامية وعدم منافاته
مقاصدها.
1 – نطاق الدعوى الدستورية التي أتاح المشرع للخصوم إقامتها يتحدد بنطاق الدفع بعدم
الدستورية الذي أثير أمام محكمة الموضوع، وفي الحدود التي تقدر فيها تلك المحكمة جديته
وذلك عملاًً بالبند (ب) من المادة من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون
رقم 48 لسنة 1979.
2 – هذه المحكمة سبق أن باشرت رقابتها القضائية على دستورية المادتين العاشرة والحادية
عشرة من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 فأصدرت بجلسة 5/ 7/ 1997 حكمها في القضية
رقم 28 لسنة 17 قضائية دستورية برفض الدعوى بالنسبة إلى الطعن بعدم دستورية المادة
الحادية عشرة، وقد نشر هذا الحكم في الجريدة الرسمية بتاريخ 19/ 7/ 1997، ثم أصدرت
بتاريخ 9/ 5/ 1998 حكمها في القضية رقم 121 لسنة 19 ق دستورية برفض الدعوى بعدم دستورية
المادة العاشرة وقد نشر هذا الحكم في الجريدة الرسمية بتاريخ 21/ 5/ 1998. إذ كان ذلك
وكانت أحكام المحكمة الدستورية العليا قولاً فصلاً لا يقبل تعقيباً ولا تأويلاً من
أي جهة كانت، فإن الخصومة الدستورية بالنسبة لهاتين المادتين – وهي عينية بطبيعتها
– تكون قد انحسمت فلا رجعة إليها.
3 – إن حكم المادة الثانية من الدستور – بعد تعديلها في 22 من مايو سنة 1980 – يقيد
السلطة التشريعية اعتباراً من تاريخ العمل بهذا التعديل وأن مؤداه ألا تناقض تشريعاتها
مبادئ الشريعة الإسلامية التي لا يجوز الاجتهاد فيها، والتي تمثل ثوابتها – مصدراً
وتأويلاً – وإذ هي عصية على التأويل فلا يجوز تحريفها، بل يتعين رد النصوص القانونية
إليها للفصل في تقرير اتفاقها أو مخالفتها للدستور. ولا كذلك الأحكام الظنية غير المقطوعة
بثبوتها أو بدلالتها، أو بهما معاً، ذلك أن دائرة الاجتهاد تنحصر فيها، ولا تمتد لسواها.
وإذ هي بطبيعتها متطورة تتغير بتغير الزمان والمكان؛ لضمان مرونتها وحيويتها، ولمواجهة
النوازل على اختلافها، تنظيماً لشئون العباد بما يكفل مصالحهم المعتبرة شرعاً؛ ولا
يعطل بالتالي حركتهم في الحياة؛ على أن يكون الاجتهاد دوماً واقعاً في إطار الأصول
الكلية للشريعة بما لا يجاوزها؛ ملتزماً ضوابطها الثابتة، متحرياً مناهج الاستدلال
على الأحكام العملية والقواعد الضابطة لفروعها، كافلاً صون المقاصد الكلية للشريعة
بما تقوم عليه من حفاظ على الدين والنفس والعقل والعرض والمال.
4، 5 – الأصل في بعث الحكمين عند وقوع شقاق بين الزوجين هو قوله "وإن خفتم شقاق بينهما
فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما إن الله
كان عليماً خبيرا". ولئن كان اللفظ القرآني الكريم صريحاً في دلالته على أن يكون الحكمان
من أهل الزوجين أي من ذوي قرابتهما تقديراً من الشارع الحكيم أن ما ينشأ من خلاف منذر
بالفرقة بين الزوجين يكون عادة معلوماً لدى أهلهما، فضلاً عن أن الحكمين – بحكم الوشائج
الحميمة المترتبة على تلك القرابة – يكونان أدنى إلى نفس الزوجين فلا يستحيان من الإفضاء
لهما بما تنطوي عليه سرائرهما من مكنونات يؤثران – صوناً لكرامتهما – عدم البوح بها
لأجانب عنهما؛ بيد أنه وقد سكت العليم الخبير – لحكمة قدرها – عن بيان الحكم إذا لم
يكن من بين الأهل من يحوز أهلية التحكيم – وأخصها الرشد والعدالة – أو كان الزوجان
ممن لا أهل لهما؛ فكان حتماً مقضياً – حتى لا يشق الأمر على القاضي – أن يتدخل ولي
الأمر لبيان من يجوز اختياره للتحكيم من غير أهل الزوجين في هذه الحالة؛ وهو ما نحا
إليه النص المطعون فيه – تخريجاً على مذهب المالكية الذي استمد منه – حين أجاز للقاضي
تعيين أجنبيين ممن لهم خبرة بحال الزوجين وقدرة على الإصلاح وإزالة الخلاف بينهما إن
لم يوجد من يصلح من أهلهما لمهمة التحكيم. وليس ذلك إعمال للعقل بقدر ما تقتضيه الضرورة
بما لا ينافي مقاصد الشريعة الإسلامية؛ وبمراعاة أصولها.
الإجراءات
في السادس عشر من يناير سنة 1997، أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى
قلم كتاب المحكمة، طالباً الحكم بعدم دستورية المواد 6، 7، 10، 11، 11 مكرراً و11 مكرراً
ثانياً و18 مكرراً ثانياً و20 من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 الخاص ببعض أحكام
الأحوال الشخصية المعدل بالقانون رقم 100 لسنة 1985 بتعديل بعض أحكام قوانين الأحوال
الشخصية والمادة الخامسة من القانون رقم 462 لسنة 1955 بإلغاء المحاكم الشرعية والمادة
251 من قانون المرافعات المدنية والتجارية.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت في ختامها الحكم أصلياً بعدم قبول الدعوى واحتياطياً
برفضها.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة
اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن المدعى
عليها الخامسة كانت قد أقامت ضد المدعي الدعوى رقم 612 لسنة 1993 شرعي كلي الفيوم بطلب
الحكم بعدم الاعتداد بإنذار الطاعة الموجه إليها من المدعي بتاريخ 13/ 10/ 1993 وأثناء
نظر الدعوى أضافت المدعى عليها إلى طلبها الأصلي طلباً جديداً بتطليقها من المدعي طلقة
بائنة للضرر والشقاق، فدفع المدعي بعدم دستورية المواد أرقام 7، 8، 9، 10، 11 من المرسوم
بقانون رقم 25 لسنة 1929 الخاص ببعض أحكام الأحوال الشخصية المعدل بالقانون رقم 100
لسنة 1985، وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية دفعه وصرحت له برفع الدعوى الدستورية فقد أقام
دعواه الماثلة.
وحيث إن من المقرر – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – أن نطاق الدعوى الدستورية التي
أتاح المشرع للخصوم إقامتها يتحدد بنطاق الدفع بعدم الدستورية الذي أثير أمام محكمة
الموضوع، وفي الحدود التي تقدر فيها تلك المحكمة جديته وذلك عملا بالبند (ب) من المادة
من القانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979. إذ كان
ذلك وكان التصريح بإقامة الدعوى الدستورية قد اقتصر على المواد 7، 8، 9، 10، 11 من
المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 المشار إليه، إلا أن الطلبات الختامية في صحيفة الدعوى
الدستورية قد تضمنت طعناً بعدم دستورية مواد أخرى لم يشملها ذلك التصريح، كما خلت من
الطعن على المادتين 8، 9 من المرسوم بقانون المشار إليه؛ ومن ثم فإن النطاق الذي تحدد
به الدعوى الماثلة إنما يقتصر على المواد التي رخصت محكمة الموضوع للمدعي في إقامة
الدعوى بالنسبة لها وأوردها في صحيفة دعواه وذلك طبقاً لحكم المادة 30 من قانون المحكمة
الدستورية العليا، وهي المواد 7، 10، 11 من المرسوم بقانون المشار إليه دون غيرها؛
بما مؤداه انتفاء اتصال الدعوى – في شقها الخاص بالطعن على النصوص الأخرى – بهذه المحكمة
اتصالاً مطابقاً للأوضاع التي رسمها قانونها والتي لا يجوز الخروج عليها بوصفها ضوابط
جوهرية فرضها المشرع لمصلحة عامة حتى ينتظم التقاضي في المسائل الدستورية وفقاً للقواعد
التي حددها، الأمر الذي يتعين معه الحكم بعدم قبول الدعوى بالنسبة إليها.
وحيث إن هذه المحكمة سبق أن باشرت رقابتها القضائية على دستورية المادتين العاشرة والحادية
عشرة من المرسوم بقانون 25 لسنة 1929 فأصدرت بجلسة 5/ 7/ 1997 حكمها في القضية رقم
82 لسنة 17 قضائية دستورية برفض الدعوى بالنسبة إلى الطعن بعدم دستورية المادة الحادية
عشرة، وقد نشر هذا الحكم في الجريدة الرسمية بتاريخ 19/ 7/ 1997، ثم أصدرت بتاريخ 9/
5/ 1998 حكمها في القضية رقم 121 لسنة 19 ق دستورية برفض الدعوى بعدم دستورية المادة
العاشرة وقد نشر هذا الحكم في الجريدة الرسمية بتاريخ 21/ 5/ 1998 إذ كان ذلك وكانت
أحكام المحكمة الدستورية العليا قولاً فصلاً لا يقبل تعقيباً ولا تأويلاً من أي جهة
كانت، فإن الخصومة الدستورية بالنسبة لهاتين المادتين – وهي عينية بطبيعتها – تكون
قد انحسمت فلا رجعة إليها.
وحيث إن المادة السابعة من الرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 المشار إليه تنص على ما
يأتي: "يشترط في الحَكَمَين أن يكونا عدلين من أهل الزوجين إن أمكن وإلا فمن غيرهم
ممن لهم خبرة بحالهما وقدرة على الإصلاح بينهما" وينعى المدعي على هذه المادة مخالفتها
للنص القرآني الذي أوجب أن يكون الحكمان من أهل الزوجين.
وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة، أن حكم المادة الثانية من الدستور – بعد تعديلها
في 22 من مايو سنة 1980 – يقيد السلطة التشريعية اعتباراً من تاريخ العمل بهذا التعديل
وأن مؤداه ألا تناقض تشريعاتها مبادئ الشريعة الإسلامية التي لا يجوز الاجتهاد فيها،
والتي تمثل ثوابتها – مصدراً وتأويلاً – وإذ هي عصية على التأويل فلا يجوز تحريفها،
بل يتعين رد النصوص القانونية إليها للفصل في تقرير اتفاقها أو مخالفتها للدستور. ولا
كذلك الأحكام الظنية غير المقطوع بثبوتها أو بدلالتها، أو بهما معاً، ذلك أن دائرة
الاجتهاد تنحصر فيها، ولا تمتد لسواها. إذ هي بطبيعتها متطورة تتغير بتغير الزمان والمكان؛
لضمان مرونتها وحيويتها، ولمواجهة النوازل على اختلافها، تنظيماً لشئون العباد بما
يكفل مصالحهم المعتبرة شرعاً؛ ولا يعطل بالتالي حركتهم في الحياة؛ على أن يكون الاجتهاد
دوماً واقعاً في إطار الأصول الكلية للشريعة بما لا يجاوزها؛ ملتزماً ضوابطها الثابتة،
متحرياً مناهج الاستدلال على الأحكام العملية والقواعد الضابطة لفروعها، كافلاً صون
المقاصد الكلية للشريعة بما تقوم عليه من حفاظ على الدين والنفس والعقل والعرض والمال.
وحيث إن الأصل بعث لحكمين عند وقوع شقاق بين الزوجين هو قوله تعالى "وإن خفتم شقاق
بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما إن
الله كان عليماً خبيرا". ولئن كان اللفظ القرآني الكريم صريحاً في دلالته على أن يكون
الحكمان من أهل الزوجين أي من ذوي قرابتهما تقديراً من الشارع الحكيم أن ما ينشأ من
خلاف منذر بالفرقة بين الزوجين يكون عادة معلوماً لدى أهلهما، فضلاً عن أن الحكمين
– بحكم الوشائج الحميمة المترتبة على تلك القرابة – يكونان أدنى إلى نفس الزوجين فلا
يستحيان من الإفضاء لهما بما تنطوي عليه سرائرهما من مكنونات يؤثران – صوناً لكرامتهما
– عدم البوح بها لأجانب عنهما؛ بيد أنه وقد سكت العليم الخبير – لحكمة قدرها – عن بيان
الحكم إذا لم يكن من بين الأهل من يحوز أهلية التحكيم – وأخصها الرشد والعدالة – أو
كان الزوجان ممن لا أهل لهما؛ فكان حتماً مقضياً – حتى لا يشق الأمر على القاضي – أن
يتدخل ولي الأمر لبيان من يجوز اختياره للتحكيم من غير أهل الزوجين في هذه الحالة؛
وهو ما نحا إليه النص المطعون فيه – تخريجاً على مذهب المالكية الذي استمد منه – حين
أجاز للقاضي تعيين أجنبيين ممن لهم خبرة بحال الزوجين وقدرة على الإصلاح وإزالة الخلاف
بينهما إن لم يوجد من يصلح من أهلهما لمهمة التحكيم. وليس ذلك إعمالاً للعقل بقدر ما
تقتضيه الضرورة بما لا ينافي مقاصد الشريعة الإسلامية؛ وبمراعاة أصولها. وبالتالي فإن
النعي على هذا النص بمخافته للمادة الثانية من الدستور يكون حرياً بالرفض.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة برفض الدعوى. ومصادرة الكفالة وألزمت المدعي المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.
صدر هذا الحكم من الهيئة المبينة بصدره أمام السيد المستشار/ محمد علي سيف الدين الذي سمع المرافعة وحضر المداولة ووقع مسودة هذا الحكم، فقد جلس بدله عند تلاوته السيد المستشار فاروق عبد الرحيم غنيم.
