قاعدة رقم الطعن رقم 37 لسنة 17 قضائية “دستورية” – جلسة 07 /11 /1998
أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء التاسع
من أول يوليو 1998 حتى آخر أغسطس 2001 – صـ 75
جلسة 7 نوفمبر سنة 1998
برئاسة السيد المستشار/ محمد ولي الدين جلال – رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: حمدي محمد علي والدكتور عبد المجيد فياض وماهر البحيري ومحمد علي سيف الدين وعدلي محمود منصور ومحمد عبد القادر عبد الله، وحضور السيد المستشار/ عبد الوهاب عبد الرازق حسن – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ حمدي أنور صابر – أمين السر.
قاعدة رقم
القضية رقم 37 لسنة 17 قضائية "دستورية"
1 – دعوى دستورية "مصلحة: تحريها".
إذا لم يكن الإخلال بالحقوق المدعى بها في الدعوى الموضوعية راجعاً مباشرة إلى النص
المطعون فيه انتفت المصلحة في الدعوى الدستورية – اختصاص المحكمة الدستورية العليا
وحدها بتحري المصلحة في هذه الدعوى للتثبت من شروط قبول الدعوى أمامها.
2 – دعوى دستورية "جدية الدفع: شرط المصلحة".
تقدير محكمة الموضوع جدية الدفع بعدم الدستورية لا يقيم بذاته شرط المصلحة في الدعوى
الدستورية – لكل من الدعويين الدستورية والموضوعية ذاتيتها ومقوماتها – عدم تعلق جدية
الدفع بالشروط التي يتطلبها المشرع لقبول الدعوى الدستورية والتي تنفرد المحكمة الدستورية
العليا بالتحقق منها.
1 – الصلة الحتمية التي تقوم بين الدعوى الموضوعية والدعوى الدستورية تقتضي أن يكون
الحكم في المسألة الدستورية لازماً للفصل في مسألة كلية أو فرعية تدور حولها رحى الخصومة
في الدعوى الموضوعية. فإذا لم يكن الإخلال بالحقوق المدعى بها في تلك الدعوى عائداً
مباشرة إلى النص المطعون فيه، انتفت المصلحة في الدعوى الدستورية؛ وهي مصلحة تتحراها
هذه المحكمة في سعيها للتثبت من شروط قبول الدعوى المطروحة عليها؛ وليس لجهة أخرى أن
تزاحمها على هذا الاختصاص؛ أو أن تحل محلها فيه.
2 – تقدير محكمة الموضوع جدية الدفع أمامها بعدم دستورية النص المطعون فيه لا يقيم
بذاته شرط المصلحة في الدعوى الدستورية الماثلة؛ وذلك لسببين:
(أولهما): أن لكل من الدعوى الموضوعية والدعوى الدستورية ذاتيتها ومقوماتها؛ فلا تختلطان
ببعضهما؛ ولا تتحدان في شرائط قبولهما؛ بل تستقل كل منهما عن الأخرى سواء في موضوعها
أو في مضمون الشروط المتطلبة قانوناً لقبولها. فبينما تطرح أولاهما الحقوق – المدعى
بها – إثباتاً ونفياً؛ فإن الدعوى الدستورية تتوخى الفصل في التعارض المدعى به بين
نص تشريعي وقاعدة دستورية.
و(ثانيهما): ليس من بين المهام التي اختص المشرع بها محكمة الموضوع؛ الفصل في توافر
الشروط التي يتطلبها القانون لقبول الدعوى الدستورية؛ ومن بينها شرط "المصلحة"؛ ومناطها
– كما تقدم – أن يكون الفصل في المسألة الدستورية لازماً للفصل في الطلب الموضوعي المرتبط
بها. ولا كذلك تقدير محكمة الموضوع جدية الدفع بعدم الدستورية المثار أمامها؛ إذ لا
تتعلق هذه الجدية بالشروط التي يتطلبها المشروع لقبول الدعوى الدستورية؛ ولكنها تتصل
بالدلائل التي تقوم معها شبهة قوية على مخالفة النص التشريعي المطعون عليه؛ وهي شبهة
يتعين أن تتحراها المحكمة الدستورية العليا لتقدير صحتها أو فسادها.
الإجراءات
في التاسع والعشرين من مايو سنة 1995، أودع المدعيان صحيفة هذه
الدعوى قلم كتاب المحكمة طلباً للحكم بعدم دستورية المادة التاسعة من القانون رقم 49
لسنة 1977 في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة اختتمتها بطلب الحكم (أصلياً) بعدم قبول الدعوى و(احتياطياً)
برفضها.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة
اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن المدعيين
كانا قد أقاما الدعوى رقم 10059 لسنة 1994 أمام محكمة شمال القاهرة الابتدائية ضد المدعى
عليهم طالبين إلزامهم بأن يدفعوا لهما تعويضاً قدره 112152 جنيهاً وفوائده القانونية؛
قولاً منهما أنهما يمتلكان العقار المبين بالأوراق، وبموجب عقود إيجار مؤرخة في المدة
ما بين ديسمبر سنة 1970، إبريل سنة 1971 قاما بتأجير الوحدات السكنية الأربع الكائنة
بالطابقين الأول والثاني من ذلك العقار لقاء أجرة شهرية تحددت بموجب الحكم النهائي
الصادر في الدعوى رقم 8371 لسنة 1971 مدني من محكمة شمال القاهرة بقيم تتراوح بين 17
جنيه و19.60 جنيه. ثم قام المدعيان في الفترة من منتصف سنة 1979 حتى سنة 1983 بتعلية
طابقين آخرين بعقارهما سالف الذكر؛ وقد تحددت القيمة الإيجارية لوحداتهما الأربع بالحكم
الصادر في الدعوى رقم 11686 لسنة 1985 طعون شمال القاهرة بمبالغ من 95 إلى 195 جنيهاً
شهرياً. وأضافا قولهما أن التفاوت الظاهر بين أجرة وحدات الطابقين السفليين من ناحية؛
وأجرة الوحدات الطابقين العلويين من جهة ثانية؛ يعزى إلى أن المشرع قد ثبت أجرة الوحدات
التي أنشئت في ظل العمل بالقانون رقم 52 لسنة 1969 في شأن إيجار الأماكن وتنظيم العلاقة
بين المؤجرين والمستأجرين، بما ضمنه نص المادة التاسعة من القانون اللاحق عليه – رقم
49 لسنة 1977 – من استمرار العمل بالأحكام المحددة للأجرة بالقانون رقم 52 لسنة 1969
المشار إليه؛ ملقياً بذلك عبء دعم المستأجرين على عاتق الملاك، وهو ما حدا بهما إلى
إقامة الدعوى ابتغاء القضاء بإلزام الدولة بالتعويض المطالب به؛ بعد تقديره على هدى
معدلات التضخم المعلنة من قبل البنك المركزي في المدة من سنة 1980 وحتى تاريخ رفع الدعوى،
وبتاريخ 29/ 12/ 1994 قضت محكمة شمال القاهرة الابتدائية بعدم اختصاصها محلياً بنظر
الدعوى وبإحالتها إلى محكمة جنوب القاهرة الابتدائية. وبجلسة 14/ 3/ 1995 دفع المدعيان
أمام تلك المحكمة بعدم دستورية نص المادة التاسعة من القانون رقم 49 لسنة 1977 المشار
إليه، على سند من مخالفته للحماية التي يكفلها الدستور للملكية الخاصة. وبعد تقدير
المحكمة لجدية الدفع، أذنت للمدعيين بإقامة دعواهما الدستورية، فأقاما الدعوى الماثلة.
وحيث إن المادة التاسعة من القانون رقم 49 لسنة 1977 في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم
العلاقة بين المؤجر والمستأجر تنص على أن "يستمر العمل بالأحكام المحددة للأجرة والأحكام
المقررة على مخالفتها بالقانون رقم 121 لسنة 1947 بشأن إيجار الأماكن وتنظيم العلاقة
بين المؤجرين والمستأجرين والقانون رقم 169 لسنة 1961 بتقرير بعض الإعفاءات من الضريبة
على العقارات المبينة وخفض الإيجارات بمقدار الإعفاءات، والقانون رقم 46 لسنة 1962
بتحديد إيجار الأماكن، والقانون رقم 7 لسنة 1965 في شأن تخفيض إيجار الأماكن والقانون
رقم 52 لسنة 1969 في شأن إيجار الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجرين والمستأجرين، والقوانين
المعدلة لها؛ وذلك بالنسبة إلى نطاق سريان كل منها".
وحيث إن هيئة قضايا الدولة دفعت الدعوى بعدم قبولها؛ ذلك من وجهين (أولهما) أن حجية
الحكم النهائي القاضي بتحديد أجرة الوحدات السكنية مثار المنازعة تحول دون المجادلة
في تلك الأجرة من جديد؛ وبالتالي فإن الحكم بعدم دستورية النص المطعون فيه – بفرض صدوره
– لن يظلها بأثره. و(ثانيهما) أن النص المطعون فيه لا يجد مجالاً لتطبيقه على النزاع
الذي يقتصر على طلب التعويض عن عمل من أعمال السلطة التشريعية، فيما قضى به من تثبيت
أجرة الأماكن. وبالتالي فإن إبطاله لن يحقق للمدعيين أية فائدة عملية – في دعواهما
الموضوعية – يمكن أن يتغير بها مركزهما القانوني بعد الفصل في الدعوى الدستورية عما
كان عليه قبلها، مما تنعدم معه مصلحتهما في هذه الدعوى.
وحيث إن دفاع المدعيين تناول بالتعقيب هذا الدفع؛ مقرراً أن صدور حكم قضائي نهائي بتحديد
الأجرة ليس هو محل المنازعة في الدعوى الموضوعية، ولا يتعلق به طلب التعويض المبدى
فيها؛ وإنما غاية هذا الطلب جبر الأضرار الناجمة عن قاعدة تثبيت الأجرة التي تضمنها
النص المطعون فيه. كما أن تقدير محكمة الموضوع جدية الدفع بعدم دستورية هذا النص؛ يقيم
مصلحتهما في الدعوى الدستورية، بما لا حاجة معه لمعاودة بحث توافر تلك المصلحة أمام
المحكمة الدستورية العليا.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن ما ينعاه أحد الخصوم في نزاع موضوعي من مخالفة
نص قانوني لقاعدة في الدستور، يفترض أمرين: أولهما: أن يكون هذا النص لازماً للفصل
في هذا النزاع؛ فإذا لم يكن متعلقاً بالحقوق المدعى بها؛ ومنتجاً في مجال الفصل فيها؛
فقد هذا النعي جدواه. وثانيهما: أن يكون للمطاعن الدستورية المدعى بها ما يظاهرها وهو
ما يعني جديتها من وجهة مبدئية – تستقل بتقديرها محكمة الموضوع – وفي هذا النطاق وحدة
تنحصر ولايتها. ومؤدى ذلك أن الصلة الحتمية التي تقوم بين الدعوى الموضوعية والدعوى
الدستورية تقتضي أن يكون الحكم في المسألة الدستورية لازماً للفصل في مسألة كلية أو
فرعية تدور حولها رحى الخصومة في الدعوى الموضوعية. فإذا لم يكن الإخلال بالحقوق المدعى
بها في تلك الدعوى عائداً مباشرة إلى النص المطعون فيه، انتفت المصلحة في الدعوى الدستورية؛
وهي مصلحة تتحراها هذه المحكمة في سعيها للتثبت من شروط قبول الدعوى المطروحة عليها؛
وليس لجهة أخرى أن تزاحمها على هذا الاختصاص؛ أو أن تحل محلها فيه.
وحيث إنه لا محاجة في القول، بأن تقدير محكمة الموضوع جدية الدفع المثار أمامها بعدم
دستورية النص المطعون فيه لا يقيم بذاته شرط المصلحة في الدعوى الدستورية الماثلة؛
وذلك لسببين:
(أولهما): أن لكل من الدعوى الموضوعية والدعوى الدستورية ذاتيتها ومقوماتها؛ فلا تختلطان
ببعضهما؛ ولا تتحدان في شرائط قبولهما؛ بل تستقل كل منهما عن الأخرى سواء في موضوعها
أو في مضمون الشروط المتطلبة قانوناً لقبولها. فبينما تطرح أولاهما الحقوق – المدعى
بها – إثباتاً ونفياً؛ فإن الدعوى الدستورية تتوخى الفصل في التعارض المدعى به بين
نص تشريعي وقاعدة دستورية.
و(ثانيهما): أن ولاية محكمة الموضوع تتحدد حصراً بالمسائل التي ناطها المشرع بها، ولا
تمتد إلى ما يدخل بنص الدستور أو القانون في ولاية جهة أخرى؛ وإلا كان ذلك غصباً لها،
وليس من بين المهام التي اختص المشرع بها محكمة الموضوع؛ الفصل في توافر الشروط التي
يتطلبها القانون لقبول الدعوى الدستورية؛ ومن بينها شرط "المصلحة"؛ ومناطها – كما تقدم
– أن يكون الفصل في المسألة الدستورية لازماً للفصل في الطلب الموضوعي المرتبط بها.
ولا كذلك تقدير محكمة الموضوع جدية الدفع بعدم الدستورية المثار أمامها؛ إذ لا تتعلق
هذه الجدية بالشروط التي يتطلبها المشرع لقبول الدعوى الدستورية؛ ولكنها تتصل بالدلائل
التي تقوم معها شبهة قوية على مخالفة النص التشريعي المطعون عليه؛ وهي شبهة يتعين أن
تتحراها المحكمة الدستورية العليا لتقدير صحتها أو فسادها.
متى كان ذلك وكان النص المطعون فيه لا يعرض بالتنظيم إلا للعلاقة الإيجارية في جانبها
المتعلق بأجره المكان المؤجر؛ وكان المدعيان لا يهدفان إلى المجادلة في تقدير أجرة
الأماكن مثار المنازعة الموضوعية، وإنما يبتغيان جبر الأضرار المدعى بها بتعويض مناسب
على جانب الدولة؛ فإن قضاء هذه المحكمة بعدم دستورية هذا النص – بفرض حدوثه – لن يكون
ذا أثر على النزاع الموضوعي. ومن ثم تكون مصلحتهما في الدعوى الدستورية الراهنة منتفية،
مما يتعين معه القضاء بعدم قبولها.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بعدم قبول الدعوى؛ ومصادرة الكفالة، وألزمت المدعيين المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.
