الرئيسية الاقسام القوائم البحث

قاعدة رقم الطعن رقم 10 لسنة 22 قضائية “دستورية” – جلسة 11 /06 /2006 

أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء الحادي عشر (المجلد الثاني)
من أول أكتوبر 2003 حتى آخر أغسطس 2006 – صـ 2625

جلسة 11 يونيه سنة 2006

برئاسة السيد المستشار/ ممدوح مرعي – رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: ماهر البحيري وعلي عوض محمد صالح والدكتور حنفي علي جبالي ومحمد خيري طه والدكتور عادل عمر شريف وتهاني محمد الجبالي، وحضور السيد المستشار/ نجيب جمال الدين علما – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ ناصر إمام محمد حسن – أمين السر.

قاعدة رقم
القضية رقم 10 لسنة 22 قضائية "دستورية"

1 – دعوى دستورية "مناط المصلحة فيها".
أن المصلحة الشخصية المباشرة – وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية – مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية؛ وبأن يكون الحكم الصادر في المسألة الدستورية لازماً للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها، والمطروحة أمام محكمة الموضوع.
2 – شريعة إسلامية "المادة الثانية من الدستور بعد تعديلها في سنة 1980 – الأحكام الشرعية القطعية والظنية".
حيث إنه عن النعي بمخالفة الحكم الطعين لنص المادة الثانية من الدستور، بعد تعديلها في سنة 1980، وما قضت به من اعتبار مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، فهو غير سديد – ذلك أن حكمها هذا، وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة، إنما يتمخض عن قيد يجب على السلطة التشريعية التزامه فيما يصدر عنها من تشريعات بعد نفاذه، بحيث لا يجوز أن تخالف النصوص التشريعية الأحكام الشرعية القطعية في ثبوتها ودلالتها، باعتبار أن هذه الأحكام وحدها هي التي يكون الاجتهاد فيها ممتنعاً، لكونها تمثل من الشريعة الإسلامية مبادئها الكلية، وأصولها الثابتة التي لا تحتمل تأويلاً أو تبديلاً. ولا كذلك الأحكام الظنية غير المقطوع بثبوتها أو بدلالتها أو بهما معاً. ذلك أنها خاضعة للاجتهاد وتنحصر دائرته فيها. وهي بحكم طبيعتها متطورة تتغير بتغير الزمان والمكان بما يضمن مرونتها وحيدتها ومواجهتها لما يستجد من نوازل، وبما يسمح بتنظيم شئون العباد على نحو يكفل مصالحهم المعتبرة شرعاً، ولا يعطل، بالتالي، شئون معيشتهم. وتبعاً لذلك، كان الاجتهاد سائغاً في المسائل الاختلافية التي لا يجوز أن تكون أحكامها جامدة بما ينتقص كمال الشريعة ومرونتها، طالما كان واقعاً في إطار الأصول الكلية للشريعة ولا يجاوزها، ومستخلصاً عن طريق الأدلة الشرعية النقلية والعقلية على نحو يكفل صدق المبادئ العامة للشريعة.
3 – حق التقاضي "تنظيمه – عدم التقيد بأشكال جامدة".
أن سلطة المشرع في تنظيمه لحق التقاضي – وعلى ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة – هي سلطة تقديرية، جوهرها المفاضلة التي يجريها بين البدائل المختلفة التي تتصل بالموضوع محل التنظيم، لاختيار أنسبها لفحواه، وأحراها بتحقيق الأغراض التي يتوخاها، وأكفلها للوفاء بأكثر المصالح وزناً. وليس من قيد على مباشرة المشرع لهذه السلطة إلا أن يكون الدستور ذاته قد فرض في شأن مباشرتها ضوابطاً محددة تعتبر تخوماً لها ينبغي التزامها. وفي إطار قيامه بهذا التنظيم لا يتقيد المشرع باتباع أشكالاً جامدة لا يريم عنها تفرغ قوالبها في صورة صماء لا تبديل فيها، بل يجوز له أن يغاير فيما بينها، وأن يقدر لكل حال ما يناسبها، على ضوء مفاهيم متطورة تقتضيها الأوضاع التي يباشر الحق في التقاضي في نطاقها، وبما لا يصل إلى حد إهداره، ليظل هذا التنظيم مرناً، فلا يكون إفراطاً يطلق الخصومة القضائية من عقالها انحرافاً بها عن أهدافها، ولا تفريطاً مجافياً لمتطلباتها، بل بين هذين الأمرين قواماً، التزاماً بمقاصدها، باعتبارها شكلاً للحماية القضائية للحق في صورتها الأكثر اعتدالاً.
4 – حق الدفاع "مقوماته".
الحق في الدفاع، وقد كفله الدستور، لا تكتمل مقوماته إلا بالوصول إلى ترضية قضائية منصفة هي – بافتراض اتساقها مع أحكام الدستور والقانون – تشكل جزءاً غير منقسم من حق التقاضي، وترتبط بالأغراض النهائية التي يعمل لبلوغها، خاصة وأن الخصومة القضائية لا تقام للدفاع عن محض مصالح نظرية ولا تتولد عنها فائدة عملية؛ بل غايتها اقتضاء منفعة يقرها القانون، وتبلور حقيقتها نطاق المسائل المتنازع بشأنها، وحكم القانون بشأنها.
1 – حيث إن هيئة قضايا الدولة قد دفعت بعدم قبول الدعوى لانتفاء مصلحة الطاعن في إقامتها، بعد أن قام بالفعل بإيداع الأمانة، وكان قضاء هذه المحكمة قد استقر على أن المصلحة الشخصية المباشرة – وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية – مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية؛ وبأن يكون الحكم الصادر في المسألة الدستورية لازماً للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها، والمطروحة أمام محكمة الموضوع؛ فإذا كان ذلك، وكان من شأن القضاء بعدم دستورية النص الطعين تحرير المدعي من الالتزام الذي فرضه هذا النص بإيداع الأمانة المالية التي قررها، واسترداده لها إن كان قد سبق وأن أودعها بالفعل، مما تكون للمدعي معه مصلحة أكيدة وقائمة في دعواه، وهو ما يتعين إزائه الالتفات عن الدفع بعدم قبول الدعوى الدستورية، وقبولها.
2 – حيث إنه عن النعي بمخالفة الحكم الطعين لنص المادة الثانية من الدستور، بعد تعديلها في سنة 1980، وما قضت به من اعتبار مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، فهو غير سديد – ذلك أن حكمها هذا، وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة، إنما يتمخض عن قيد يجب على السلطة التشريعية التزامه فيما يصدر عنها من تشريعات بعد نفاذه، بحيث لا يجوز أن تخالف النصوص التشريعية الأحكام الشرعية القطعية في ثبوتها ودلالتها، باعتبار أن هذه الأحكام وحدها هي التي يكون الاجتهاد فيها ممتنعاً، لكونها تمثل من الشريعة الإسلامية مبادئها الكلية، وأصولها الثابتة التي لا تحتمل تأويلاً أو تبديلاً. ولا كذلك الأحكام الظنية غير المقطوع بثبوتها أو بدلالتها أو بهما معاً. ذلك أنها خاضعة للاجتهاد وتنحصر دائرته فيها. وهي بحكم طبيعتها متطورة تتغير بتغير الزمان والمكان بما يضمن مرونتها وحيدتها ومواجهتها لما يستجد من نوازل، وبما يسمح بتنظيم شئون العباد على نحو يكفل مصالحهم المعتبرة شرعاً، ولا يعطل، بالتالي، شئون معيشتهم. وتبعاً لذلك، كان الاجتهاد سائغاً في المسائل الاختلافية التي لا يجوز أن تكون أحكامها جامدة بما ينتقص كمال الشريعة ومرونتها، طالما كان واقعاً في إطار الأصول الكلية للشريعة ولا يجاوزها، ومستخلصاً عن طريق الأدلة الشرعية النقلية والعقلية على نحو يكفل صدق المبادئ العامة للشريعة. ومتى كان ذلك، وكان النص التشريعي الطعين قد تعلق بإحدى الجوانب الإجرائية في تنظيم دعوى الإفلاس، وهي واقعة في دائرة الأحكام الظنية لا القطعية من الشريعة الغراء، واستهدف المشرع من ورائه استحداث معالجة عملية لتنظيم هذه الدعوى بإشراكه الدائن طالب شهر الإفلاس في تفعيل الإجراءات، وذلك من خلال إيداعه الأمانة المالية المتطلبة، والتي ترد إليه بحق امتياز على أول نقود تدخل التفليسة، فإن المشرع بذلك يكون قد قصد إلى تحقيق مصلحة عامة في تنظيم التقاضي في هذا المجال بما ليس فيه إخلال بحقوق الدائن طالب التفليسة أو انتفاص منها. وبالتالي، لا يكون في ذلك خروج على مبادئ الشريعة الإسلامية.
3 – أن سلطة المشرع في تنظيمه لحق التقاضي – وعلى ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة – هي سلطة تقديرية، جوهرها المفاضلة التي يجريها بين البدائل المختلفة التي تتصل بالموضوع محل التنظيم، لاختيار أنسبها لفحواه، وأحراها بتحقيق الأغراض التي يتوخاها، وأكفلها للوفاء بأكثر المصالح وزناً. وليس من قيد على مباشرة المشرع لهذه السلطة إلا أن يكون الدستور ذاته قد فرض في شأن مباشرتها ضوابطاً محددة تعتبر تخوماً لها ينبغي التزامها. وفي إطار قيامه بهذا التنظيم لا يتقيد المشرع باتباع أشكالاً جامدة لا يريم عنها تفرغ قوالبها في صورة صماء لا تبديل فيها، بل يجوز له أن يغاير فيما بينها، وأن يقدر لكل حال ما يناسبها، على ضوء مفاهيم متطورة تقتضيها الأوضاع التي يباشر الحق في التقاضي في نطاقها، وبما لا يصل إلى حد إهداره، ليظل هذا التنظيم مرناً، فلا يكون إفراطاً يطلق الخصومة القضائية من عقالها انحرافاً بها عن أهدافها، ولا تفريطاً مجافياً لمتطلباتها، بل بين هذين الأمرين قواماً، التزاماً بمقاصدها، باعتبارها شكلاً للحماية القضائية للحق في صورتها الأكثر اعتدالاً.
4 – الحق في الدفاع، وقد كفله الدستور، لا تكتمل مقوماته إلا بالوصول إلى ترضية قضائية منصفة هي – بافتراض اتساقها مع أحكام الدستور والقانون – تشكل جزءاً غير منقسم من حق التقاضي، وترتبط بالأغراض النهائية التي يعمل لبلوغها، خاصة وأن الخصومة القضائية لا تقام للدفاع عن محض مصالح نظرية ولا تتولد عنها فائدة عملية؛ بل غايتها اقتضاء منفعة يقرها القانون، وتبلور حقيقتها نطاق المسائل المتنازع بشأنها، وحكم القانون بشأنها.


الإجراءات

بتاريخ الخامس عشر من شهر يناير سنة 2000، أودع المدعي صحيفة الدعوى المعروضة قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا، طالباً الحكم بعدم دستورية الفقرة الثالثة من المادة من قانون التجارة الصادر بالقانون رقم 17 لسنة 1999.
وأودعت هيئة قضايا الدولة ثلاث مذكرات بدفاعها طلبت فيها الحكم أصلياً بعدم قبول الدعوى لانتفاء المصلحة، واحتياطياً برفضها.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن المدعي كان قد أقام الدعوى رقم 1679 لسنة 1999 تجاري كلي أمام محكمة الجيزة الابتدائية ضد المدعى عليه الخامس بطلب الحكم بشهر إفلاسه، تأسيساً على أنه يداينه بمبلغ ستين ألف جنيهاً مثبتة بشيك، وعند حلول أجل الاستحقاق امتنع الأخير، وهو تاجر، عن سداد الدين رغم كونه محقق الوجود ومبين المقدار وحال الأداء، كما تبين أن الشيك الذي حرره لضمان الوفاء لا رصيد له. وأثناء تداول الدعوى، دفع المدعي أمام محكمة الموضوع، بجلسة 5/ 1/ 2000، بعدم دستورية الفقرة الثالثة من المادة من قانون التجارة الصادر بالقانون رقم 17 لسنة 1999، لما تضمنته من إلزام الدائن طالب شهر الإفلاس إيداع مبلغ ألف جنيه خزانة المحكمة، على سبيل الأمانة، لحساب مصروفات نشر الحكم بشهر الإفلاس، وهو ما رآه المدعي مخالفاً للدستور، وطالب بإقامة الدعوى بعدم دستوريته. وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية الدفع، فقد أجلت نظر الدعوى لجلسة 16/ 2/ 2000، وصرحت للمدعي برفع الدعوى الدستورية، فأقام دعواه المعروضة.
وحيث إن القانون رقم 17 لسنة 1999 المشار إليه قد نص في الفقرة من المادة منه على أنه "ويطلب الدائن شهر إفلاس مدينه بصحيفة تودع قلم كتاب المحكمة المختصة، مصحوبة بما يفيد إيداع مبلغ ألف جنيه خزانة المحكمة على سبيل الأمانة لحساب مصروفات نشر الحكم الصادر بشهر الإفلاس، يطلب فيها اتخاذ الإجراءات التحفظية اللازمة، ويبين فيها الظروف التي يستدل منها على توقف المدين عن دفع ديونه….".
وحيث إن هيئة قضايا الدولة قد دفعت بعدم قبول الدعوى لانتفاء مصلحة الطاعن في إقامتها، بعد أن قام بالفعل بإيداع الأمانة، وكان قضاء هذه المحكمة قد استقر على أن المصلحة الشخصية المباشرة – وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية – مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية؛ وبأن يكون الحكم الصادر في المسألة الدستورية لازماً للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها، والمطروحة أمام محكمة الموضوع؛ فإذا كان ذلك، وكان من شأن القضاء بعدم دستورية النص الطعين تحرير المدعي من الالتزام الذي فرضه هذا النص بإيداع الأمانة المالية التي قررها، واسترداده لها إن كان قد سبق وأن أودعها بالفعل، مما تكون للمدعي معه مصلحة أكيدة وقائمة في دعواه، وهو ما يتعين إزائه الالتفات عن الدفع بعدم قبول الدعوى الدستورية، وقبولها.
وحيث إن المدعي ينعى على النص الطعين مخالفته للدستور في المواد (2 و68 و69) منه، لما رآه فيه من إخلال بأحكام الشريعة الإسلامية وما تتطلبه مقاصدها العامة من حفاظ على المال، وكذلك بحقي التقاضي والدفاع.
وحيث إنه عن النعي بمخالفة الحكم الطعين لنص المادة الثانية من الدستور، بعد تعديلها في سنة 1980، وما قضت به من اعتبار مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، فهو غير سديد – ذلك أن حكمها هذا، وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة، إنما يتمخض عن قيد يجب على السلطة التشريعية التزامه فيما يصدر عنها من تشريعات بعد نفاذه، بحيث لا يجوز أن تخالف النصوص التشريعية الأحكام الشرعية القطعية في ثبوتها ودلالتها، باعتبار أن هذه الأحكام وحدها هي التي يكون الاجتهاد فيها ممتنعاً، لكونها تمثل من الشريعة الإسلامية مبادئها الكلية، وأصولها الثابتة التي لا تحتمل تأويلاً أو تبديلاً. ولا كذلك الأحكام الظنية غير المقطوع بثبوتها أو بدلالتها أو بهما معاً. ذلك أنها خاضعة للاجتهاد وتنحصر دائرته فيها. وهي بحكم طبيعتها متطورة تتغير بتغير الزمان والمكان بما يضمن مرونتها وحيدتها ومواجهتها لما يستجد من نوازل، وبما يسمح بتنظيم شئون العباد على نحو يكفل مصالحهم المعتبرة شرعاً، ولا يعطل، بالتالي، شئون معيشتهم. وتبعاً لذلك، كان الاجتهاد سائغاً في المسائل الاختلافية التي لا يجوز أن تكون أحكامها جامدة بما ينتقص كمال الشريعة ومرونتها، طالما كان واقعاً في إطار الأصول الكلية للشريعة ولا يجاوزها، ومستخلصاً عن طريق الأدلة الشرعية النقلية والعقلية على نحو يكفل صدق المبادئ العامة للشريعة. ومتى كان ذلك، وكان النص التشريعي الطعين قد تعلق بإحدى الجوانب الإجرائية في تنظيم دعوى الإفلاس، وهي واقعة في دائرة الأحكام الظنية لا القطعية من الشريعة الغراء، واستهدف المشرع من ورائه استحداث معالجة عملية لتنظيم هذه الدعوى بإشراكه الدائن طالب شهر الإفلاس في تفعيل الإجراءات، وذلك من خلال إيداعه الأمانة المالية المتطلبة، والتي ترد إليه بحق امتياز على أول نقود تدخل التفليسة، فإن المشرع بذلك يكون قد قصد إلى تحقيق مصلحة عامة في تنظيم التقاضي في هذا المجال بما ليس فيه إخلال بحقوق الدائن طالب التفليسة أو انتفاص منها. وبالتالي، لا يكون في ذلك خروج على مبادئ الشريعة الإسلامية.
وحيث إنه عن النعي بمخالفة النص الطعين لنص المادتين (68 و69) من الدستور وإخلال بالتالي بحقي التقاضي والدفاع والحماية المكفولة لهما دستورياً ودولياً، فمردود كذلك. ذلك أن سلطة المشرع في تنظيمه لحق التقاضي – وعلى ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة – هي سلطة تقديرية، جوهرها المفاضلة التي يجريها بين البدائل المختلفة التي تتصل بالموضوع محل التنظيم، لاختيار أنسبها لفحواه، وأحراها بتحقيق الأغراض التي يتوخاها، وأكفلها للوفاء بأكثر المصالح وزناً. وليس من قيد على مباشرة المشرع لهذه السلطة إلا أن يكون الدستور ذاته قد فرض في شأن مباشرتها ضوابطاً محددة تعتبر تخوماً لا ينبغي التزامها. وفي إطار قيامه بهذا التنظيم لا يتقيد المشرع باتباع أشكالاً جامدة لا يريم عنها تفرغ قوالبها في صورة صماء لا تبديل فيها، بل يجوز له أن يغاير فيما بينها، وأن يقدر لكل حال ما يناسبها، على ضوء مفاهيم متطورة تقتضيها الأوضاع التي يباشر الحق في التقاضي في نطاقها، وبما لا يصل إلى حد إهداره، ليظل هذا التنظيم مرناً، فلا يكون إفراطاً يطلق الخصومة القضائية من عقالها انحرافاً بها عن أهدافها، ولا تفريطاً مجافياً لمتطلباتها، بل بين هذين الأمرين قواماً، التزاماً بمقاصدها، باعتبارها شكلاً للحماية القضائية للحق في صورتها الأكثر اعتدالاً. كذلك فإن الحق في الدفاع، وقد كفله الدستور، لا تكتمل مقوماته إلا بالوصول إلى ترضية قضائية منصفة هي – بافتراض اتساقها مع أحكام الدستور والقانون – تشكل جزءاً غير منقسم من حق التقاضي، وترتبط بالأغراض النهائية التي يعمل لبلوغها، خاصة وأن الخصومة القضائية لا تقام للدفاع عن محض مصالح نظرية ولا تتولد عنها فائدة عملية؛ بل غايتها اقتضاء منفعة يقرها القانون، وتبلور حقيقتها نطاق المسائل المتنازع بشأنها، وحكم القانون بشأنها. ولما كان ذلك، وكان النص الطعين، بما فرضه من إلزام على عاتق الدائن طالب شهر الإفلاس موضوعه إيداع أمانة نقدية محددة خزانة المحكمة عند تقديم طلب التفليس، وذلك لمواجهة حكم شهر الإفلاس ونشره وما يترتب على ذلك من آثار، إنما تقرر بهدف تنظيم التداعي وضبط الإجراءات القضائية في مجال الحكم الصادر بشهر إفلاس التاجر، وللتغلب على ما قد تعانيه المحاكم من عدم وجود نقود حاضرة في التفليسة تمكن أمين التفليسة من شهر حكم الإفلاس ونشره ووضع الأختام على أموال التفليسة، بما في ذلك من آثار سلبية تؤدي إلى تعطيل الفصل في الدعوى والسير في إجراءات التفليسة؛ ومتى كان من شأن قيام الدائن طالب شهر الإفلاس بإيداع مبلغ الأمانة على نحو ما تطلبه المشرع مساهمته في تسيير تلك الإجراءات، ودون أن يترتب على هذه المساهمة مصادرة لذلك المبلغ أو انتقاص منه، باعتبار أن إيداعه خزانة المحكمة يكون على سبيل الأمانة لحساب مصروفات الحكم الصادر بشهر الإفلاس، بحيث يقوم الدائن باسترداده بالامتياز على جميع الدائنين من أول نقود تدخل التفليسة. ولكل ذلك، يكون المشرع – في واقع الأمر – قد توخى تنظيماً للحق في التقاضي، في إطار هذه النوعية من المنازعات، تتحقق فيه دواعي المصلحة العامة، بما لا ينال من حقوق الدائن طالب شهر الإفلاس، وبما ليس فيه مخالفة لنص المادتين (68 و69) من الدستور.
وحيث إن النص الطعين لا يخالف الدستور من أي وجه آخر، فإنه يتعين القضاء برفض الدعوى.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة برفض الدعوى، ومصادرة الكفالة، وإلزام المدعي المصاريف، ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات