الرئيسية الاقسام القوائم البحث

قاعدة رقم الطعن رقم 56 لسنة 25 قضائية “دستورية” – جلسة 07 /05 /2006 

أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء الحادي عشر (المجلد الثاني)
من أول أكتوبر 2003 حتى آخر أغسطس 2006 – صـ 2575

جلسة 7 مايو سنة 2006

برئاسة السيد المستشار/ ممدوح مرعي – رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: ماهر البحيري وعدلي محمود منصور وعلي عوض محمد صالح والدكتور حنفي علي جبالي ومحمد خيري طه وسعيد مرعي عمرو، وحضور السيد المستشار/ نجيب جمال الدين علما – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ ناصر إمام محمد حسن – أمين السر.

قاعدة رقم
القضية رقم 56 لسنة 25 قضائية "دستورية"

1 – هيئة عامة "لائحة العاملين بها".
الهيئة العامة للاستعلامات هي هيئة عامة لها شخصية اعتبارية مستقلة طبقاً لنص المادة من قرار رئيس الجمهورية بإنشائها رقم 1820 لسنة 1967 وبالتالي فإنها تدخل في عداد أشخاص القانون العام.
2 – دعوى دستورية "بيانات جوهرية – يكفي أن يكون تعيينها ممكناً".
ما تغياه قانون المحكمة الدستورية العليا بنص المادة من قانونها، هو ألا تكون صحيفة الدعوى الدستورية أو قرار الإحالة الصادر من محكمة الموضوع مجهلاً بالمسائل الدستورية المطروحة على هذه المحكمة ضماناً لتعيينها تعييناً كافياً، فلا تثير خفاءً في شأن مضمونها أو اضطراباً حول نطاقها، ليتمكن ذوو الشأن جميعاً من إعداد دفاعهم ابتداءً ورداً وتعقيباً في المواعيد التي حددتها المادة من ذلك القانون، ولتتولى هيئة المفوضين بعد انقضاء تلك المواعيد تحضير الدعوى، ثم إعداد تقرير يكون محدداً للمسائل الدستورية المثارة ورأيها فيها مسبباً، ومن ثم يكفى لتحقيق تلك الغاية أن يكون تعيين هذه المسائل ممكناً.
3 – دعوى دستورية "مناط المصلحة فيها".
إن المصلحة الشخصية المباشرة – وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية – مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الفصل في المسألة الدستورية لازماً للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها والمطروحة أمام محكمة الموضوع.
4 – حق العمل "شروط مباشرته".
إن لكل حق أوضاعاً يقتضيها، وأثاراً يرتبها من بينها – في مجال العمل – ضمان الشروط التي يكون أداء العمل في نطاقها منصفاً وإنسانياً ومواتياً، فلا تنتزع هذه الشروط قسراً من محيطها، ولا ترهق بفحواها بيئة العمل ذاتها أو تناقض بأثرها ما ينبغي أن يرتبط حقاً وعقلاً بالشروط الضرورية لآراء العمل بصورة طبيعية لا تحامل فيها.
5 – حق العمل "تنظيمه".
إن الدستور وإن خول السلطة التشريعية بنص المادة منه تنظيم حق العمل إلا أنه لا يجوز لها أن تعطل جوهره، ولا أن تتخذ من حمايتها للعامل موطئاً لإهدار حقوق يملكها، وعلى الأخص تلك التي تتصل بالأوضاع التي ينبغي أن يمارس العمل فيها، ويندرج تحتها الحق في الإجازة السنوية التي لا يجوز لجهة العمل أن تحجبها عن عامل يستحقها.
6 – تشريع "قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة هو الشريعة العامة بالنسبة للعاملين بالدولة وهيئاتها العامة – إجازة سنوية".
إن المشرع قد صاغ بنص المادة من قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1978 المعدل بالقانون رقم 219 لسنة 1991 – وهو القانون العام بالنسبة للعاملين بالدولة وهيئاتها العامة – حق العامل في الإجازة السنوية فغدا بذلك حقاً مقرراً له بنص القانون يظل قائماً ما بقيت الرابطة الوظيفية قائمة.
7 – إجازة سنوية "رصيد – تعويض".
كلما كان فوات الإجازة راجعاً إلى جهة العمل ولأسباب اقتضتها ظروف أدائه، دون أن يكون لإرادة العامل دخل فيها كانت جهة العمل مسئولة عن تعويضه عنها، فيجوز للعامل عندئذ – وكأصل عام – أن يطلبها جملة، إذا كان اقتضاء ما تجمع من إجازاته السنوية على هذا النحو ممكناً عيناً، وإلا كان التعويض النقدي عنها واجباً، تقديراً بأن المدة التي امتد إليها الحرمان من استعمال تلك الإجازة مردها إلى جهة العمل، فكان لازماً أن تتحمل وحدها تبعة ذلك.
8 – تعويض "اندراجه في الملكية الخاصة".
إن الحق في هذا التعويض لا يعدو أن يكون من العناصر الإيجابية للذمة المالية للعامل، مما يندرج في إطار الحقوق التي تكفلها المادتان (32، 34) من الدستور، اللتان صانا بهما الملكية الخاصة، والتي جرى قضاء هذه المحكمة على اتساعها للأموال بوجه عام، وانصرافها بالتالي إلى الحقوق الشخصية والعينية جميعها، متى كان ذلك فإن حرمان العامل من التعويض المكافئ للضرر والجابر له يكون مخالفاً للحماية الدستورية المقررة للملكية الخاصة.
1 – الهيئة العامة للاستعلامات هي هيئة عامة لها شخصية اعتبارية مستقلة طبقاً لنص المادة من قرار رئيس الجمهورية بإنشائها رقم 1820 لسنة 1967 وبالتالي فإنها تدخل في عداد أشخاص القانون العام، ويعتبر العاملون فيها موظفين عموميين يرتبطون بها بعلاقة لائحية تنظيمية تحكمها لائحة نظام العاملين بالهيئة، التي تضمنت نص المادة المطعون فيه، ومن ثم تدخل في دائرة التشريعات التي تختص هذه المحكمة بإعمال رقابتها الدستورية عليها.
2 – ما تغياه قانون المحكمة الدستورية العليا بنص المادة من قانونها، هو ألا تكون صحيفة الدعوى الدستورية أو قرار الإحالة الصادر من محكمة الموضوع مجهلاً بالمسائل الدستورية المطروحة على هذه المحكمة ضماناً لتعيينها تعييناً كافياً، فلا تثير خفاءً في شأن مضمونها أو اضطراباً حول نطاقها، ليتمكن ذوو الشأن جميعاً من إعداد دفاعهم ابتداءً ورداً وتعقيباً في المواعيد التي حددتها المادة من ذلك القانون، ولتتولى هيئة المفوضين بعد انقضاء تلك المواعيد تحضير الدعوى، ثم إعداد تقرير يكون محدداً للمسائل الدستورية المثارة ورأيها فيها مسبباً، ومن ثم يكفي لتحقيق تلك الغاية أن يكون تعيين هذه المسائل ممكناً، وتتحقق ذلك كلما كان بنيان عناصرها منبئاً عن حقيقتها، ويؤكد ما تقدم، أن هذه المحكمة في رقابتها على الدستورية لا تقف عند حد النص الدستوري الذي نسب إلى النص التشريعي الطعين مخالفته، بل إنها تجيل بصرها في النصوص الدستورية جميعها على ضوء النظرة المتكاملة لأحكامها، لتحدد على ضوئها توافق ذلك النص وتعارضه مع أحكام الدستور مجتمعة، وهو ما يعني أن الغاية من هذا الإجراء الشكلي لا تعدو أن تكون ضمان اشتمال الصحيفة أو قرار الإحالة على سبب الدعوى الدستورية بحسبانه أحد البيانات الجوهرية اللازم توافرها فيهما.
3 – إن المصلحة الشخصية المباشرة – وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية – مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الفصل في المسألة الدستورية لازماً للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها والمطروحة أمام محكمة الموضوع، وكان النزاع الموضوعي يدور حول أحقية المدعي الذي أحيل إلى المعاش في 14/ 3/ 2000 في البدل النقدي لرصيد إجازاته الاعتيادية فيما جاوز ثلاثة أشهر وبالتالي فإن المصلحة الشخصية المباشرة للمدعي تكون متحققة في الطعن على الفقرة الأخيرة من المادة من لائحة نظام العاملين بالهيئة الصادرة بقرار وزير الإعلام رقم 123 لسنة 1987 – قبل تعديلها بالقرار رقم 177 لسنة 2003 المشار إليه، فيما تضمنته من وضع حد أقصى لرصيد الإجازات الاعتيادية الذي يستحق مقابلاً عنه.
4 – أن لكل حق أوضاعاً يقتضيها، وأثاراً يرتبها من بينها – في مجال العمل – ضمان الشروط التي يكون أداء العمل في نطاقها منصفاً وإنسانياً ومواتياً، فلا تنتزع هذه الشروط قسراً من محيطها، ولا ترهق بفحواها بيئة العمل ذاتها أو تناقض بأثرها ما ينبغي أن يرتبط حقاً وعقلاً بالشروط الضرورية لآراء العمل بصورة طبيعية لا تحامل فيها، ومن ثم لا يجوز أن تنفصل الشروط التي يتطلبها المشرع لمباشرة عمل أو أعمال بذواتها عن متطلبات ممارستها، وإلا كان تقريرها انحرافاً بها عن غايتها، يستوي في ذلك أن يكون سندها علاقة عقدية أو رابطة لائحية.
5 – إن الدستور وإن خول السلطة التشريعية بنص المادة منه تنظيم حق العمل إلا أنه لا يجوز لها أن تعطل جوهره، ولا أن تتخذ من حمايتها للعامل موطئاً لإهدار حقوق يملكها، وعلى الأخص تلك التي تتصل بالأوضاع التي ينبغي أن يمارس العمل فيها، ويندرج تحتها الحق في الإجازة السنوية التي لا يجوز لجهة العمل أن تحجبها عن عامل يستحقها، وإلا كان ذلك منها عدواناً على صحته البدنية والنفسية، وإخلالاً بأحد التزاماتها الجوهرية التي لا يجوز للعامل بدوره أن يتسامح فيها، ونكولاً عن الحدود المنطقية التي ينبغي وفقاً للدستور أن تكون إطاراً لحق العمل، واستتاراً بتنظيم هذا الحق للحد من مداه.
6 – إن المشرع – وفي الإطار السابق بيانه – قد صاغ بنص المادة من قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1978 المعدل بالقانون رقم 219 لسنة 1991 – وهو القانون العام بالنسبة للعاملين بالدولة وهيئاتها العامة – حق العامل في الإجازة السنوية فغدا بذلك حقاً مقرراً له بنص القانون يظل قائماً ما بقيت الرابطة الوظيفية قائمة.
وحيث إن المشرع تغيا من ضمان حق العامل في إجازة سنوية بالشروط التي حددها أن يستعيد العامل خلالها قواه المادية والمعنوية، ولا يجوز بالتالي أن ينزل العامل عنها، ولو كان هذا النزول ضمنياً بالامتناع عن طلبها، إذ هي فريضة اقتضاها المشرع من كل من العامل وجهة الإدارة فلا يملك أيهما إهدارها كلياً أو جزئياً إلا لأسباب قوية تقتضيها مصلحة العمل، ولا أن يدعي العامل أنه بالخيار بين طلبها أو تركها، وإلا كان التخلي عنها إنهاكاً لقواه، وتبديداً لطاقاته، وإضراراً بمصلحة العمل ذاتها التي يتعذر صونها مع الاستمرار فيه دون انقطاع، فالحق في الإجازة السنوية يتصل بقيمة العمل وجدواه، وينعكس بالضرورة على كيان الجماعة، ويمس مصالحها العليا صوناً لقوتها الإنتاجية والبشرية.
7 – كلما كان فوات الإجازة راجعاً إلى جهة العمل ولأسباب اقتضتها ظروف أدائه، دون أن يكون لإرادة العامل دخل فيها كانت جهة العمل مسئولة عن تعويضه عنها، فيجوز للعامل عندئذ – وكأصل عام – أن يطلبها جملة، إذا كان اقتضاء ما تجمع من إجازاته السنوية على هذا النحو ممكناً عيناً، وإلا كان التعويض النقدي عنها واجباً، تقديراً بأن المدة التي امتد إليها الحرمان من استعمال تلك الإجازة مردها إلى جهة العمل، فكان لازماً أن تتحمل وحدها تبعة ذلك.
8 – إن الحق في هذا التعويض لا يعدو أن يكون من العناصر الإيجابية للذمة المالية للعامل، مما يندرج في إطار الحقوق التي تكفلها المادتان (32،34) من الدستور، اللتان صانا بهما الملكية الخاصة، والتي جرى قضاء هذه المحكمة على اتساعها للأموال بوجه عام، وانصرافها بالتالي إلى الحقوق الشخصية والعينية جميعها، متى كان ذلك فإن حرمان العامل من التعويض المكافئ للضرر والجابر له يكون مخالفاً للحماية الدستورية المقررة للملكية الخاصة.


الإجراءات

بتاريخ 2/ 2/ 2003 ورد إلى قلم كتاب المحكمة ملف القضية رقم 8974 لسنة 54 قضائية، بعد أن قضت محكمة القضاء الإداري بوقفها وإحالة الأوراق إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في دستورية نص المادة من لائحة نظام العاملين بالهيئة العامة للاستعلامات.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى، كما قدمت الهيئة العامة للاستعلامات مذكرة طلبت فيها الحكم أصلياً بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى واحتياطياً بعدم قبولها للتجهيل، ومن باب الاحتياط الكلي بعدم جواز نظرها لسابقة الفصل، وفي الموضوع برفضها.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونُظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من حكم الإحالة وسائر الأوراق – تتحصل في أن محمد راغب على سالمان كان قد أقام الدعوى رقم 8974 لسنة 54 قضائية أمام محكمة القضاء الإداري ضد الهيئة العامة للاستعلامات، بطلب الحكم بأحقيته في صرف متجمد رصيد إجازاته الاعتيادية وقدرها 340 يوماً طبقاً للأجر الأساسي مضافاً إليه العلاوات الخاصة التي كان يتقاضاها عند انتهاء خدمته، قولاً منه إنه كان يعمل بالهيئة المدعى عليها إلى أن أحيل إلى المعاش لبلوغ السن القانونية في 14/ 3/ 2000، وكان له رصيد إجازات اعتيادية قدره 340 يوماً، إلا أن الهيئة رفضت صرف البدل النقدي عن كامل الرصيد المستحق له، مما حدا به إلى إقامة دعواه المشار إليها توصلاً للقضاء له بطلباته المتقدمة، وبجلسة 30/ 12/ 2002 قضت المحكمة بوقف الدعوى وإحالة الأوراق إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في دستورية نص المادة من لائحة نظام العاملين بالهيئة، بعد أن تراءى لها أن هذا النص يتضمن ذات الأحكام الواردة بالفقرة الأخيرة من المادة من قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1978، والذي سبق أن قضت المحكمة الدستورية العليا بجلسة 6/ 5/ 2000 في القضية رقم 2 لسنة 21 قضائية "دستورية" بعدم دستوريته فيما تضمنه من حرمان العامل من البدل النقدي لرصيد إجازاته الاعتيادية فيما جاوز أربعة أشهر، متى كان عدم الحصول على هذا الرصيد راجعاً إلى أسباب اقتضتها مصلحة العمل.
وحيث إنه عن الدفع بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى المبدى من هيئة قضايا الدولة والهيئة العامة للاستعلامات، على سند من أن لائحة العاملين بالهيئة لا تندرج ضمن التشريعات التي تختص المحكمة الدستورية العليا بإعمال رقابتها الدستورية عليها، فهو مردود ذلك أن الهيئة العامة للاستعلامات هي هيئة عامة لها شخصية اعتبارية مستقلة طبقاً لنص المادة من قرار رئيس الجمهورية بإنشائها رقم 1820 لسنة 1967 وبالتالي فإنها تدخل في عداد أشخاص القانون العام، ويعتبر العاملون فيها موظفين عموميين يرتبطون بها بعلاقة لائحية تنظيمية تحكمها لائحة نظام العاملين بالهيئة، التي تضمنت نص المادة المطعون فيه، ومن ثم تدخل في دائرة التشريعات التي تختص هذه المحكمة بإعمال رقابتها الدستورية عليها، فكان جديراً بالرفض.
وحيث إنه عن الدفع بعدم قبول الدعوى لعدم اشتمال حكم الإحالة على البيانات التي تطلبها نص المادة من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979، المبدى من الهيئة العامة للاستعلامات، فهو مردود بأن ما تغياه قانون المحكمة الدستورية العليا بنص المادة من قانونها، هو ألا تكون صحيفة الدعوى الدستورية أو قرار الإحالة الصادر من محكمة الموضوع مجهلاً بالمسائل الدستورية المطروحة على هذه المحكمة ضماناً لتعيينها تعييناً كافياً، فلا تثير خفاءً في شأن مضمونها أو اضطراباً حول نطاقها، ليتمكن ذوو الشأن جميعاً من إعداد دفاعهم ابتداءً ورداً وتعقيباً في المواعيد التي حددتها المادة من ذلك القانون، ولتتولى هيئة المفوضين بعد انقضاء تلك المواعيد تحضير الدعوى، ثم إعداد تقرير يكون محدداً للمسائل الدستورية المثارة ورأيها فيها مسبباً، ومن ثم يكفي لتحقيق تلك الغاية أن يكون تعيين هذه المسائل ممكناً، وتتحقق ذلك كلما كان بنيان عناصرها منبئاً عن حقيقتها، ويؤكد ما تقدم، أن هذه المحكمة في رقابتها على الدستورية لا تقف عند حد النص الدستوري الذي نسب إلى النص التشريعي الطعين مخالفته، بل إنها تجيل بصرها في النصوص الدستورية جميعها على ضوء النظرة المتكاملة لأحكامها، لتحدد على ضوئها توافق ذلك النص وتعارضه مع أحكام الدستور مجتمعة، وهو ما يعني أن الغاية من هذا الإجراء الشكلي لا تعدو أن تكون ضمان اشتمال الصحيفة أو قرار الإحالة على سبب الدعوى الدستورية بحسبانه أحد البيانات الجوهرية اللازم توافرها فيهما، لما كان ذلك، وكانت أسباب حكم الإحالة الذي اتصلت الدعوى الماثلة عن طريقه بالمحكمة، قد أبانت في غير خفاء أن النص الطعين قد تضمن ذات الحكم الوارد بالفقرة الأخيرة من المادة من القانون رقم 47 لسنة 1978 المشار إليه، وأنه مشوب بذات المثالب وأوجه المخالفة لأحكام الدستور، التي تضمنها حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر بجلسة 6/ 5/ 2000 في الدعوى رقم 2 لسنة 21 قضائية "دستورية" بما يمثل تحديداً كافياً للمسألة الدستورية، والبيانات التي تطلبتها المادة من قانون المحكمة.
وحيث إن المادة من لائحة نظام العاملين بالهيئة العامة للاستعلامات الصادرة بقرار وزير الإعلام رقم 123 لسنة 1987 – قبل تعديلها بالقرار رقم 177 لسنة 2003 – تنص على أن "يستحق العامل إجازة اعتيادية سنوية بأجر كامل لا يدخل في حسابها أيام عطلات الأعياد والمناسبات الرسمية فيما عدا العطلات الأسبوعية وذلك على الوجه الآتي:
1 -…………. 2 -……………. 3 -……………….
وإذا انتهت خدمة العامل قبل استنفاد رصيده من الإجازات الاعتيادية استحق عن هذا الرصيد أجره الأساسي الذي كان يتقاضاه عند انتهاء خدمته وذلك بما لا يجاوز ثلاثة أشهر".
وحيث إن المصلحة الشخصية المباشرة – وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية – مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الفصل في المسألة الدستورية لازماً للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها والمطروحة أمام محكمة الموضوع، وكان النزاع الموضوعي يدور حول أحقية المدعي الذي أحيل إلى المعاش في 14/ 3/ 2000 في البدل النقدي لرصيد إجازاته الاعتيادية فيما جاوز ثلاثة أشهر وبالتالي فإن المصلحة الشخصية المباشرة للمدعي تكون متحققة في الطعن على الفقرة الأخيرة من المادة من لائحة نظام العاملين بالهيئة الصادرة بقرار وزير الإعلام رقم 123 لسنة 1987 – قبل تعديلها بالقرار رقم 177 لسنة 2003 المشار إليه، فيما تضمنته من وضع حد أقصى لرصيد الإجازات الاعتيادية الذي يستحق مقابلاً عنه.
وحيث إنه من المقرر في قضاء هذه المحكمة، أن لكل حق أوضاعاً يقتضيها، وأثاراً يرتبها من بينها – في مجال العمل – ضمان الشروط التي يكون أداء العمل في نطاقها منصفاً وإنسانياً ومواتياً، فلا تنتزع هذه الشروط قسراً من محيطها، ولا ترهق بفحواها بيئة العمل ذاتها أو تناقض بأثرها ما ينبغي أن يرتبط حقاً وعقلاً بالشروط الضرورية لآراء العمل بصورة طبيعية لا تحامل فيها، ومن ثم لا يجوز أن تنفصل الشروط التي يتطلبها المشرع لمباشرة عمل أو أعمال بذواتها عن متطلبات ممارستها، وإلا كان تقريرها انحرافاً بها عن غايتها، يستوي في ذلك أن يكون سندها علاقة عقدية أو رابطة لائحية.
وحيث إن الدستور وإن خول السلطة التشريعية بنص المادة منه تنظيم حق العمل إلا أنه لا يجوز لها أن تعطل جوهره، ولا أن تتخذ من حمايتها للعامل موطئاً لإهدار حقوق يملكها، وعلى الأخص تلك التي تتصل بالأوضاع التي ينبغي أن يمارس العمل فيها، ويندرج تحتها الحق في الإجازة السنوية التي لا يجوز لجهة العمل أن تحجبها عن عامل يستحقها، وإلا كان ذلك منها عدواناً على صحته البدنية والنفسية، وإخلالاً بأحد التزاماتها الجوهرية التي لا يجوز للعامل بدوره أن يتسامح فيها، ونكولاً عن الحدود المنطقية التي ينبغي وفقاً للدستور أن تكون إطاراً لحق العمل، واستتاراً بتنظيم هذا الحق للحد من مداه.
وحيث إن المشرع – وفي الإطار السابق بيانه – قد صاغ بنص المادة من قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1978 المعدل بالقانون رقم 219 لسنة 1991 – وهو القانون العام بالنسبة للعاملين بالدولة وهيئاتها العامة – حق العامل في الإجازة السنوية فغدا بذلك حقاً مقرراً له بنص القانون يظل قائماً ما بقيت الرابطة الوظيفية قائمة.
وحيث إن المشرع تغيا من ضمان حق العامل في إجازة سنوية بالشروط التي حددها أن يستعيد العامل خلالها قواه المادية والمعنوية، ولا يجوز بالتالي أن ينزل العامل عنها، ولو كان هذا النزول ضمنياً بالامتناع عن طلبها، إذ هي فريضة اقتضاها المشرع من كل من العامل وجهة الإدارة فلا يملك أيهما إهدارها كلياً أو جزئياً إلا لأسباب قوية تقتضيها مصلحة العمل، ولا أن يدعي العامل أنه بالخيار بين طلبها أو تركها، وإلا كان التخلي عنها إنهاكاً لقواه، وتبديداً لطاقاته، وإضراراً بمصلحة العمل ذاتها التي يتعذر صونها مع الاستمرار فيه دون انقطاع، فالحق في الإجازة السنوية يتصل بقيمة العمل وجدواه، وينعكس بالضرورة على كيان الجماعة، ويمس مصالحها العليا صوناً لقوتها الإنتاجية والبشرية.
وحيث إن المشرع قد دل بنص الفقرة الأخيرة من المادة المطعون فيه، على أن العامل لا يجوز أن يتخذ من الإجازة السنوية وعاءً ادخارياً من خلال ترحيل مددها التي تراخى في استعمالها ثم تجميعها ليحصل بعد انتهاء خدمته على ما يقابلها من الأجر، وكان ضمان المشرع لمصلحة العمل ذاتها قد اقتضاه أن يرد على العامل سوء قصده، فلم يجز له أن يحصل على ما يساوي أجر هذا الرصيد إلا عن مدة لا تجاوز ثلاثة أشهر، وهي بعد مدة قدر المشرع أن قصرها يعتبر كافلاً للإجازة السنوية غايتها، فلا تفقد مقوماتها أو تتعطل وظائفها، بيد أن هذا الحكم لا ينبغي أن يسري على إطلاقه، بما مؤداه أنه كلما كان فوات الإجازة راجعاً إلى جهة العمل ولأسباب اقتضتها ظروف أدائه، دون أن يكون لإرادة العامل دخل فيها كانت جهة العمل مسئولة عن تعويضه عنها، فيجوز للعامل عندئذ – وكأصل عام – أن يطلبها جملة، إذا كان اقتضاء ما تجمع من إجازاته السنوية على هذا النحو ممكناً عيناً، وإلا كان التعويض النقدي عنها واجباً، تقديراً بأن المدة التي امتد إليها الحرمان من استعمال تلك الإجازة مردها إلى جهة العمل، فكان لازماً أن تتحمل وحدها تبعة ذلك.
وحيث إن الحق في هذا التعويض لا يعدو أن يكون من العناصر الإيجابية للذمة المالية للعامل، مما يندرج في إطار الحقوق التي تكفلها المادتان (32، 34) من الدستور، اللتان صانا بهما الملكية الخاصة، والتي جرى قضاء هذه المحكمة على اتساعها للأموال بوجه عام، وانصرافها بالتالي إلى الحقوق الشخصية والعينية جميعها، متى كان ذلك فإن حرمان العامل من التعويض المكافئ للضرر والجابر له يكون مخالفاً للحماية الدستورية المقررة للملكية الخاصة.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم دستورية نص الفقرة الأخيرة من المادة من لائحة نظام العاملين بالهيئة العامة للاستعلامات الصادرة بقرار وزير الإعلام رقم 123 لسنة 1987 – قبل تعديلها بالقرار رقم 177 لسنة 2003 – فيما تضمنته من حرمان العامل من البدل النقدي لرصيد إجازاته الاعتيادية فيما جاوز ثلاثة أشهر، متى كان عدم الحصول على هذا الرصيد راجعاً إلى أسباب اقتضتها مصلحة العمل.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات