قاعدة رقم الطعن رقم 299 لسنة 24 قضائية “دستورية” – جلسة 07 /05 /2006
أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء الحادي
عشر (المجلد الثاني)
من أول أكتوبر 2003 حتى آخر أغسطس 2006 – صـ 2560
جلسة 7 مايو سنة 2006
برئاسة السيد المستشار/ ممدوح مرعي – رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: ماهر البحيري وعلي عوض محمد صالح والدكتور حنفي علي جبالي وإلهام نجيب نوار ومحمد خيري طه وسعيد مرعي عمرو، وحضور السيد المستشار/ نجيب جمال الدين علما – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ ناصر إمام محمد حسن – أمين السر.
قاعدة رقم
القضية رقم 299 لسنة 24 قضائية "دستورية"
1 – المحكمة الدستورية العليا "اختصاصها برقابة الدستورية".
إن الدستور عهد بنص المادة منه إلى المحكمة الدستورية العليا دون غيرها بتولي
الرقابة على دستورية القوانين واللوائح على الوجه المبين في قانونها، وبناء على هذا
التفويض صدر القانون رقم 48 لسنة 1979، مخولاً هذه المحكمة اختصاصاً منفرداً بالرقابة
على دستورية القوانين واللوائح مانعاً أي جهة من مزاحمتها فيه، مفصلاً طرائق هذه الرقابة
وكيفيتها.
2 – المحكمة الدستورية العليا "الإلزام بإصدار قانون يخرج عن نطاق رقابة الدستورية".
إن الرقابة القضائية التي تباشرها تثبيتاً للشرعية الدستورية، مناطها تلك النصوص القانونية
التي أقرتها السلطة التشريعية أو التي أصدرتها السلطة التنفيذية في حدود صلاحياتها
التي بينها الدستور، وبالتالي يخرج عن نطاقها إلزام هاتين السلطتين بإقرار قانون أو
إصدار قرار بقانون في موضوع معين، إذ أن ذلك مما تستقل بتقديره تلك السلطتان وفقاً
لأحكام الدستور، ولا يجوز بالتالي حملهما على التدخل لإصدار تشريع في زمن معين أو على
نحو ما.
3 – دعوى دستورية "المصلحة فيها – امتداد نطاقها – مصلحة محتملة".
إن المصلحة الشخصية المباشرة – وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية – مناطها أن يكون ثمة
ارتباط بينها وبين المصلحة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الفصل في المسألة الدستورية
لازماً للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها والمطروحة أمام محكمة الموضوع.
4 – رقابة دستورية "الاستيثاق من استيفاء الأوضاع الشكلية يسبق البحث في العيوب الموضوعية".
إن الرقابة التي تباشرها هذه المحكمة – وعلى ما اطرد عليه قضاؤها – غايتها أن ترد إلى
قواعد الدستور كافة النصوص التشريعية المطعون فيها، وسبيلها إلى ذلك، أن تفصل بأحكامها
النهائية في الطعون الموجهة إليها شكلية كانت أم موضوعية، وأن يكون استيثاقها من استيفاء
هذه النصوص لأوضاعها الشكلية أمراً سابقاً بالضرورة على خوضها في عيوبها الموضوعية.
5 – أثر رجعي "متى يعتبر القانون متضمناً له".
إن الأصل في القانون هو أن يسري بأثر مباشر على ما يقع بعد نفاذه، فإذا سرى القانون
على وقائع تم تكوينها أو على مراكز قانونية اكتملت عناصرها قبل العمل بأحكامه، فإن
هذا القانون يكون متضمناً أثراً رجعياً.
6 – أوضاع شكلية "تحديدها في ضوء الدستور المعمول به حين صدور النصوص التشريعية – أثر
رجعي".
إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن الأوضاع الشكلية للنصوص التشريعية المتصلة باقتراحها
أو إقرارها أو إصدارها، إنما تتحدد على ضوء ما قررته في شأنها أحكام الدستور المعمول
به حين صدورها.
1 – إن الدستور عهد بنص المادة منه إلى المحكمة الدستورية العليا دون غيرها بتولي
الرقابة على دستورية القوانين واللوائح على الوجه المبين في قانونها، وبناء على هذا
التفويض صدر القانون رقم 48 لسنة 1979، مخولاً هذه المحكمة اختصاصاً منفرداً بالرقابة
على دستورية القوانين واللوائح مانعاً أي جهة من مزاحمتها فيه، مفصلاً طرائق هذه الرقابة
وكيفيتها.
لما كان ذلك وكانت الدعوى الراهنة تطرح مسألة مدى اتفاق نص المادة من القانون رقم
76 لسنة 1969 المعدل بالقانون رقم 48 لسنة 1970 مع أحكام الدستور، في ضوء أوجه المخالفة
لنصوص المواد (7، 29، 32، 34) منه التي ارتأتها المدعية وضمنتها صحيفة دعواها، وكان
النص الطعين هو ما اتخذه المدعى عليه الرابع سنداً لشغل العين محل التداعي، بما مؤداه
تعلق الدعوى الدستورية الماثلة بمطاعن محلها القاعدة القانونية التي قام النزاع الموضوعي
على أساسها، وغايتها إبطال هذه القاعدة من خلال الحكم بعدم دستوريتها، وتلك هي عين
الدعوى الدستورية التي يدخل الفصل فيها في ولاية هذه المحكمة.
2 – أن الرقابة القضائية التي تباشرها تثبيتاً للشرعية الدستورية، مناطها تلك النصوص
القانونية التي أقرتها السلطة التشريعية أو التي أصدرتها السلطة التنفيذية في حدود
صلاحياتها التي بينها الدستور، وبالتالي يخرج عن نطاقها إلزام هاتين السلطتين بإقرار
قانون أو إصدار قرار بقانون في موضوع معين، إذ أن ذلك مما تستقل بتقديره تلك السلطتان
وفقاً لأحكام الدستور، ولا يجوز بالتالي حملهما على التدخل لإصدار تشريع في زمن معين
أو على نحو ما.
3 – إن المصلحة الشخصية المباشرة – وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية – مناطها أن يكون
ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الفصل في المسألة
الدستورية لازماً للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها والمطروحة أمام محكمة الموضوع،
وكان النزاع الموضوعي يدور حول طلب المدعية الحكم بطرد المدعى عليه الرابع من العين
محل التداعي، والتي شغلها بناء على التنازل عن عقد الإيجار الصادر له من المستأجر الأصلي
بتاريخ 1/ 1/ 1977 باعتباره من مهجري محافظة بورسعيد، استناداً لنص المادة من القانون
رقم 76 لسنة 1969 المعدل بالقانون رقم 48 لسنة 1970 المطعون فيه، ومن ثم فإن المصلحة
الشخصية المباشرة تكون متحققة بالنسبة للطعن على الشطر الأول من هذا النص، وكذا عبارة
"وذلك حتى إزالة آثار العدوان" الواردة بعجز ذلك النص – والتي كانت محلاً للدفع بعدم
الدستورية المبدى من المدعية أمام محكمة الموضوع، وانصب عليها تقديرها للجدية والتصريح
الصادر للمدعية برفع الدعوى الدستورية، كما انصرفت إليها حقيقة طلبات المدعية التي
ضمنتها صحيفة دعواها الماثلة – لما للقضاء في المسألة المتعلقة بدستوريتها من أثر وانعكاس
على الدعوى الموضوعية والطلبات المطروحة بها وقضاء المحكمة فيها، كما يمتد نطاق هذه
الدعوى والمصلحة فيها ليشمل عجز النص المشار إليه الذي يقضي بأنه "ويوقف تنفيذ الأحكام
الصادرة بذلك ما لم يكن قد تم تنفيذها" والذي يرتبط بالنص الطعين ارتباطاً لا يقبل
الفصل أو التجزئة، فضلاً عن أن الحكم بعدم دستوريته يوفر للمدعية مصلحة محتملة في توقى
وقف تنفيذ ما عساه أن يصدر لصالحها من حكم بالطرد أو الإخلاء من عين التداعي، وعلى
ذلك فإن نطاق الدعوى الماثلة والمصلحة فيها تكون قد توافرت بالنسبة لجميع الأحكام التي
تضمنها نص المادة من القانون المشار إليه.
4 – إن الرقابة التي تباشرها هذه المحكمة – وعلى ما اطرد عليه قضاؤها – غايتها أن ترد
إلى قواعد الدستور كافة النصوص التشريعية المطعون فيها، وسبيلها إلى ذلك، أن تفصل بأحكامها
النهائية في الطعون الموجهة إليها شكلية كانت أم موضوعية، وأن يكون استيثاقها من استيفاء
هذه النصوص لأوضاعها الشكلية أمراً سابقاً بالضرورة على خوضها في عيوبها الموضوعية،
ذلك أن الأوضاع الشكلية للنصوص التشريعية هي من مقوماتها كقواعد قانونية لا يكتمل كيانها
أصلاً في غيبتها، ويتعين بالتالي على هذه المحكمة أن تتحراها بلوغاً لغاية الأمر فيها،
ولو كان نطاق الطعن المعروض عليها ينحصر في المطاعن الموضوعية دون سواها.
5 – إن الأصل في القانون هو أن يسري بأثر مباشر على ما يقع بعد نفاذه، فإذا سرى القانون
على وقائع تم تكوينها أو على مراكز قانونية اكتملت عناصرها قبل العمل بأحكامه، فإن
هذا القانون يكون متضمناً أثراً رجعياً، أي أن الأمر المعتبر في تحديد رجعية القانون
من عدمها إنما يتعلق بتاريخ تحقق الواقعة القانونية التي رتب المشرع عليها أثراً، ولما
كان النص المطعون فيه قد استهدف تصحيح الوضع القانوني لمن ثبتت لهم صفة المهجرين من
محافظات بورسعيد والإسماعيلية والسويس وسيناء، ممن اضطرهم العدوان الإسرائيلي إلى هجرة
مساكنهم والتروح إلى سائر مدن الجمهورية، واستئجار أماكن للسكن عن طريق تنازل بعض المستأجرين
عن عقود إيجارهم أو عن طريق التأجير من الباطن دون الحصول على تصريح من المؤجر، والتي
كانت القوانين المعمول بها – وهي المادة (2/ ب) من القانون رقم 121 لسنة 1947 في شأن
إيجار الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجرين والمستأجرين، ومن بعدها المادة (23/ ب)
من القانون رقم 52 لسنة 1969 في شأن إيجار الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجرين والمستأجرين
– تجيز للمؤجرين طلب إخلائهم – وهو ما جرى به بعد ذلك نص المادة (31/ ب) من القانون
رقم 49 لسنة 1977 في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر،
والمادة (18/ ج) من القانون رقم 136 لسنة 1981 في شأن بعض الأحكام الخاصة بتأجير وبيع
الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر – فعمد النص الطعين إلى تحصين أوضاع هؤلاء
المهجرين، بسلب المؤجرين رخصة طلب الإخلاء، وحال بينهم وبين استعمال حقهم في هذا الشأن،
بل وأوقف تنفيذ الأحكام الصادرة بذلك والتي لم يتم تنفيذها، بعد أن فرض القانون شرعية
إقامة المهجرين بالأعيان المتنازل لهم عن إجارتها أو المؤجرة لهم من الباطن وجعل شغلهم
لها بسند من القانون، ولما كان إسباغ النص المطعون فيه الصحة على تلك التنازلات والإيجار
من الباطن، التي تمت في تاريخ سابق على العمل بأحكام القانون رقم 48 لسنة 1970 في 2/
7/ 1970 – بعد انتهاء العمل بأحكام القانون رقم 76 لسنة 1969 في 30/ 6/ 1970 بمضي سنة
على تاريخ العمل به طبقاً لنص المادتين (1، 2) منه – مؤداه إنفاذها جبراً بحكم القانون
بأثر ينعطف على الماضي، مما مقتضاه ولازمه أن النص الطعين يكون منطوياً على أثر رجعي
لأحكامه كامن فيه ويفرضه تطبيقه.
6 – إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن الأوضاع الشكلية للنصوص التشريعية المتصلة باقتراحها
أو إقرارها أو إصدارها، إنما تتحدد على ضوء ما قررته في شأنها أحكام الدستور المعمول
به حين صدورها.
وحيث إن المادة من دستور سنة 1964 – المعمول به في تاريخ صدور القانون المطعون
فيه والذي يحكم الأوضاع الشكلية لإقراره وإصداره – تنص على أنه "لا يجوز لمجلس الأمة
أن يتخذ قراراً إلا إذا حضر الجلسة أغلبية أعضائه، وفي غير الحالات التي تشترط فيها
أغلبية خاصة، تصدر القرارات بالأغلبية المطلقة للحاضرين، وعند تساوي الآراء يعتبر الموضوع
الذي جرت المداولة في شأنه مرفوضاً" وتنص المادة من هذا الدستور على أن "لا تسري
أحكام القوانين إلا على ما يقع في تاريخ العمل بها، ولا يترتب عليها أثر فيما وقع قبلها،
ومع ذلك يجوز – في غير المواد الجنائية – النص في القانون على خلاف ذلك بموافقة أغلبية
أعضاء مجلس الأمة" وهو عين ما نص عليه الدستور الحالي الصادر سنة 1971 في المادتين
(107، 187) منه، ولما كان الإجراء الذي تطلبه الدستور لإقرار الأثر الرجعي للقانون
هو إجراء خاص فرضه – استثناء من الأصل المقرر في هذا الشأن – كضمانة أساسية للحد من
الرجعية، وتوكيداً لخطورتها في الأعم الأغلب من الأحوال، إزاء ما تهدره من حقوق وتخل
به من استقرار، فإنه يتعين بالتالي – وعلى ما اطرد عليه قضاء هذه المحكمة – أن يكون
الدليل على استيفاء هذا الإجراء جلياً لا يحتمل التأويل، ثابتاً على وجه قطعي، إذ كان
ذلك، وكان النص المطعون فيه قد ووفق عليه بالأغلبية، حسبما يبين من مضبطة الجلسة التاسعة
والثلاثين لمجلس الأمة، المعقودة يوم 10/ 6/ 1970، وكانت هذه المضبطة قد خلت مما يؤكد
أن هذه الأغلبية هي الأغلبية الخاصة التي اشترطتها المادة من دستور سنة 1964
ممثلة في أغلبية أعضاء المجلس في مجموعهم لا الأغلبية المطلقة للحاضرين منهم، فإن الإجراء
الخاص الذي استلزمته هذه المادة لإقرار الأثر الرجعي للنص المطعون فيه لا يكون قد تم
على الوجه المقرر في الدستور.
الإجراءات
بتاريخ 23 نوفمبر سنة 2002 أودعت المدعية صحيفة هذه الدعوى قلم
كتاب المحكمة، بطلب الحكم بعدم دستورية استمرار سريان نص المادة من القانون رقم
76 لسنة 1969 في شأن إيقاف إجراءات التنفيذ والإجراءات المترتبة على التنازل عن عقود
الإيجار والتأجير من الباطن للمهجرين من منطقة القناة وسيناء المعدل بالقانون رقم 48
لسنة 1970، وذلك فيما قضى به من عدم جواز الحكم بالإخلاء أو الطرد من الأماكن المؤجرة
للمهجرين من محافظات بورسعيد والإسماعيلية والسويس وسيناء إذا كان شغلهم لها بطريق
التنازل أو التأجير من الباطن دون تصريح من المؤجر، وذلك حتى إزالة آثار العدوان، مع
إلزام المدعى عليهما الأول والثاني بإصدار تشريع ينص على إزالة آثار العدوان، لزوال
الحكمة التي ابتغاها المشرع من إصدار القانون المطعون فيه.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونُظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة
اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن المدعية
كانت قد أقامت الدعوى رقم 4891 لسنة 2002 كلي مساكن، أمام محكمة الإسكندرية الابتدائية
ضد المدعى عليه الرابع، بطلب الحكم بطرده من العين محل التداعي، مع كف منازعته لها
في حيازة العين، وإلزامه بتسليمها لها خالية، قولاً منها إن المدعي شغل العين موضوع
النزاع المملوكة لها مع شقيقتها وشقيقها، بعد أن تنازل له المستأجر الأصلي عن عقد الإيجار
دون تصريح من الملاك، على سند من أنه من مهجري محافظة بورسعيد، إعمالاً لنص المادة
من القانون رقم 76 لسنة 1969 المعدل بالقانون رقم 48 لسنة 1970، التي كشفت الأعمال
التحضيرية له أن المشرع قصد إلى جعل الاستثناء الذي تضمنه هذا النص حكماً مؤقتاً ينتهي
العمل به بإزالة آثار العدوان، وقد أصدر وزير المالية القرار رقم 342 لسنة 1979 بتحديد
31/ 12/ 1979 تاريخاً لإزالة آثار العدوان بمحافظتي بورسعيد والإسماعيلية وذلك تنفيذاً
للقانون رقم 62 لسنة 1969 بتقرير بعض التيسيرات لممولي الضريبة على العقارات المبنية،
وخلصت المدعية إلى طلب الحكم لها بطلباتها المتقدمة، وأثناء نظر الدعوى دفعت بعدم دستورية
المادة من القانون رقم 76 لسنة 1969 المعدل بالقانون رقم 48 لسنة 1970، وذلك فيما
نصت عليه من عدم جواز الحكم بالإخلاء أو الطرد من الأماكن المؤجرة للمهجرين من محافظات
بورسعيد والإسماعيلية والسويس وسيناء إذا كان شغلهم لها بطريق التنازل عن العقد أو
التأجير من الباطن دون تصريح من المؤجر، وذلك حتى إزالة آثار العدوان، وإذ قدرت محكمة
الموضوع جدية هذا الدفع، وصرحت للمدعية برفع الدعوى الدستورية، فقد أقامت دعواها الماثلة.
وحيث إنه عن الدفع بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى على سند من أن النزاع المعروض يدور
حول مشروعية تطبيق القانون المطعون فيه والذي تختص به محكمة الموضوع، ويخرج بالتالي
عن اختصاص المحكمة الدستورية العليا، فإن ذلك مردود أن الدستور عهد بنص المادة منه إلى المحكمة الدستورية العليا دون غيرها بتولي الرقابة على دستورية القوانين واللوائح
على الوجه المبين في قانونها، وبناء على هذا التفويض صدر القانون رقم 48 لسنة 1979،
مخولاً هذه المحكمة اختصاصاً منفرداً بالرقابة على دستورية القوانين واللوائح مانعاً
أي جهة من مزاحمتها فيه، مفصلاً طرائق هذه الرقابة وكيفيتها.
لما كان ذلك وكانت الدعوى الراهنة تطرح مسألة مدى اتفاق نص المادة من القانون رقم
76 لسنة 1969 المعدل بالقانون رقم 48 لسنة 1970 مع أحكام الدستور، في ضوء أوجه المخالفة
لنصوص المواد (7، 29، 32، 34) منه التي ارتأتها المدعية وضمنتها صحيفة دعواها، وكان
النص الطعين هو ما اتخذه المدعى عليه الرابع سنداً لشغل العين محل التداعي، بما مؤداه
تعلق الدعوى الدستورية الماثلة بمطاعن محلها القاعدة القانونية التي قام النزاع الموضوعي
على أساسها، وغايتها إبطال هذه القاعدة من خلال الحكم بعدم دستوريتها، وتلك هي عين
الدعوى الدستورية التي يدخل الفصل فيها في ولاية هذه المحكمة.
وحيث إنه عن طلب المدعية إلزام رئيس الجمهورية ومجلس الشعب بإصدار تشريع ينص على إزالة
آثار العدوان، فإن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن الرقابة القضائية التي تباشرها تثبيتاً
للشرعية الدستورية، مناطها تلك النصوص القانونية التي أقرتها السلطة التشريعية أو التي
أصدرتها السلطة التنفيذية في حدود صلاحياتها التي بينها الدستور، وبالتالي يخرج عن
نطاقها إلزام هاتين السلطتين بإقرار قانون أو إصدار قرار بقانون في موضوع معين، إذ
أن ذلك مما تستقل بتقديره تلك السلطتان وفقاً لأحكام الدستور، ولا يجوز بالتالي حملهما
على التدخل لإصدار تشريع في زمن معين أو على نحو ما، الأمر الذي يتعين معه القضاء بعدم
اختصاص المحكمة بنظر هذا الطلب.
وحيث إن المادة من القانون رقم 48 لسنة 1970 تنص على أن يستبدل بنص المادة الأولى
من القانون رقم 76 لسنة 1969 في شأن إيقاف إجراءات التنفيذ والإجراءات المترتبة على
التنازل عن عقود الإيجار والتأجير من الباطن للمهجرين من منطقة القنال وسيناء، النص
الآتي:
"استثناء من أحكام القوانين المنظمة للعلاقة بين المؤجرين والمستأجرين في شأن الأماكن
المبنية، لا يجوز الحكم بالإخلاء أو الطرد من الأماكن المؤجرة للمهجرين من محافظات
بورسعيد والإسماعيلية والسويس وسيناء إذا كان شغلهم لها بطريق التنازل عن العقد أو
التأجير من الباطن دون تصريح من المؤجر، وبوقف تنفيذ الأحكام الصادرة بذلك ما لم يكن
قد تم تنفيذها، وذلك حتى إزالة آثار العدوان".
وتنص المادة من هذا القانون على أن "ينشر هذا القانون في الجريدة الرسمية، ويعمل
به من تاريخ نشره…".
وحيث إن المصلحة الشخصية المباشرة – وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية – مناطها أن يكون
ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الفصل في المسألة
الدستورية لازماً للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها والمطروحة أمام محكمة الموضوع،
وكان النزاع الموضوعي يدور حول طلب المدعية الحكم بطرد المدعى عليه الرابع من العين
محل التداعي، والتي شغلها بناء على التنازل عن عقد الإيجار الصادر له من المستأجر الأصلي
بتاريخ 1/ 1/ 1977 باعتباره من مهجري محافظة بورسعيد، استناداً لنص المادة من القانون
رقم 76 لسنة 1969 المعدل بالقانون رقم 48 لسنة 1970 المطعون فيه، ومن ثم فإن المصلحة
الشخصية المباشرة تكون متحققة بالنسبة للطعن على الشطر الأول من هذا النص، وكذا عبارة
"وذلك حتى إزالة آثار العدوان" الواردة بعجز ذلك النص – والتي كانت محلاً للدفع بعدم
الدستورية المبدى من المدعية أمام محكمة الموضوع، وانصب عليها تقديرها للجدية والتصريح
الصادر للمدعية برفع الدعوى الدستورية، كما انصرفت إليها حقيقة طلبات المدعية التي
ضمنتها صحيفة دعواها الماثلة – لما للقضاء في المسألة المتعلقة بدستوريتها من أثر وانعكاس
على الدعوى الموضوعية والطلبات المطروحة بها وقضاء المحكمة فيها، كما يمتد نطاق هذه
الدعوى والمصلحة فيها ليشمل عجز النص المشار إليه الذي يقضي بأنه "ويوقف تنفيذ الأحكام
الصادرة بذلك ما لم يكن قد تم تنفيذها" والذي يرتبط بالنص الطعين ارتباطاً لا يقبل
الفصل أو التجزئة، فضلاً عن أن الحكم بعدم دستوريته يوفر للمدعية مصلحة محتملة في توقي
وقف تنفيذ ما عساه أن يصدر لصالحها من حكم بالطرد أو الإخلاء من عين التداعي، وعلى
ذلك فإن نطاق الدعوى الماثلة والمصلحة فيها تكون قد توافرت بالنسبة لجميع الأحكام التي
تضمنها نص المادة من القانون المشار إليه.
وحيث إن الرقابة التي تباشرها هذه المحكمة – وعلى ما اطرد عليه قضاؤها – غايتها أن
ترد إلى قواعد الدستور كافة النصوص التشريعية المطعون فيها، وسبيلها إلى ذلك، أن تفصل
بأحكامها النهائية في الطعون الموجهة إليها شكلية كانت أم موضوعية، وأن يكون استيثاقها
من استيفاء هذه النصوص لأوضاعها الشكلية أمراً سابقاً بالضرورة على خوضها في عيوبها
الموضوعية، ذلك أن الأوضاع الشكلية للنصوص التشريعية هي من مقوماتها كقواعد قانونية
لا يكتمل كيانها أصلاً في غيبتها، ويتعين بالتالي على هذه المحكمة أن تتحراها بلوغاً
لغاية الأمر فيها، ولو كان نطاق الطعن المعروض عليها ينحصر في المطاعن الموضوعية دون
سواها.
وحيث إن الأصل في القانون هو أن يسري بأثر مباشر على ما يقع بعد نفاذه، فإذا سرى القانون
على وقائع تم تكوينها أو على مراكز قانونية اكتملت عناصرها قبل العمل بأحكامه، فإن
هذا القانون يكون متضمناً أثراً رجعياً، أي أن الأمر المعتبر في تحديد رجعية القانون
من عدمها إنما يتعلق بتاريخ تحقق الواقعة القانونية التي رتب المشرع عليها أثراً، ولما
كان النص المطعون فيه قد استهدف تصحيح الوضع القانوني لمن ثبتت لهم صفة المهجرين من
محافظات بورسعيد والإسماعيلية والسويس وسيناء، ممن اضطرهم العدوان الإسرائيلي إلى هجرة
مساكنهم والتروح إلى سائر مدن الجمهورية، واستئجار أماكن للسكن عن طريق تنازل بعض المستأجرين
عن عقود إيجارهم أو عن طريق التأجير من الباطن دون الحصول على تصريح من المؤجر، والتي
كانت القوانين المعمول بها – وهي المادة (2/ ب) من القانون رقم 121 لسنة 1947 في شأن
إيجار الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجرين والمستأجرين، ومن بعدها المادة (23/ ب)
من القانون رقم 52 لسنة 1969 في شأن إيجار الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجرين والمستأجرين
– تجيز للمؤجرين طلب إخلائهم – وهو ما جرى به بعد ذلك نص المادة (31/ ب) من القانون
رقم 49 لسنة 1977 في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر،
والمادة (18/ ج) من القانون رقم 136 لسنة 1981 في شأن بعض الأحكام الخاصة بتأجير وبيع
الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر – فعمد النص الطعين إلى تحصين أوضاع هؤلاء
المهجرين، بسلب المؤجرين رخصة طلب الإخلاء، وحال بينهم وبين استعمال حقهم في هذا الشأن،
بل وأوقف تنفيذ الأحكام الصادرة بذلك والتي لم يتم تنفيذها، بعد أن فرض القانون شرعية
إقامة المهجرين بالأعيان المتنازل لهم عن إجارتها أو المؤجرة لهم من الباطن وجعل شغلهم
لها بسند من القانون، ولما كان إسباغ النص المطعون فيه الصحة على تلك التنازلات والإيجار
من الباطن، التي تمت في تاريخ سابق على العمل بأحكام القانون رقم 48 لسنة 1970 في 2/
7/ 1970 – بعد انتهاء العمل بأحكام القانون رقم 76 لسنة 1969 في 30/ 6/ 1970 بمضي سنة
على تاريخ العمل به طبقاً لنص المادتين (1، 2) منه – مؤداه إنفاذها جبراً بحكم القانون
بأثر ينعطف على الماضي، مما مقتضاه ولازمه أن النص الطعين يكون منطوياً على أثر رجعي
لأحكامه كامن فيه ويفرضه تطبيقه.
وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن الأوضاع الشكلية للنصوص التشريعية المتصلة باقتراحها
أو إقرارها أو إصدارها، إنما تتحدد على ضوء ما قررته في شأنها أحكام الدستور المعمول
به حين صدورها.
وحيث إن المادة من دستور سنة 1964 – المعمول به في تاريخ صدور القانون المطعون
فيه والذي يحكم الأوضاع الشكلية لإقراره وإصداره – تنص على أنه "لا يجوز لمجلس الأمة
أن يتخذ قراراً إلا إذا حضر الجلسة أغلبية أعضائه، وفي غير الحالات التي تشترط فيها
أغلبية خاصة، تصدر القرارات بالأغلبية المطلقة للحاضرين، وعند تساوي الآراء يعتبر الموضوع
الذي جرت المداولة في شأنه مرفوضاً" وتنص المادة من هذا الدستور على أن "لا تسري
أحكام القوانين إلا على ما يقع في تاريخ العمل بها، ولا يترتب عليها أثر فيما وقع قبلها،
ومع ذلك يجوز – في غير المواد الجنائية – النص في القانون على خلاف ذلك بموافقة أغلبية
أعضاء مجلس الأمة" وهو عين ما نص عليه الدستور الحالي الصادر سنة 1971 في المادتين
(107، 187) منه، ولما كان الإجراء الذي تطلبه الدستور لإقرار الأثر الرجعي للقانون
هو إجراء خاص فرضه – استثناء من الأصل المقرر في هذا الشأن – كضمانة أساسية للحد من
الرجعية، وتوكيداً لخطورتها في الأعم الأغلب من الأحوال، إزاء ما تهدره من حقوق وتخل
به من استقرار، فإنه يتعين بالتالي – وعلى ما اطرد عليه قضاء هذه المحكمة – أن يكون
الدليل على استيفاء هذا الإجراء جلياً لا يحتمل التأويل، ثابتاً على وجه قطعي، إذ كان
ذلك، وكان النص المطعون فيه قد ووفق عليه بالأغلبية، حسبما يبين من مضبطة الجلسة التاسعة
والثلاثين لمجلس الأمة، المعقودة يوم 10/ 6/ 1970، وكانت هذه المضبطة قد خلت مما يؤكد
أن هذه الأغلبية هي الأغلبية الخاصة التي اشترطتها المادة من دستور سنة 1964
ممثلة في أغلبية أعضاء المجلس في مجموعهم لا الأغلبية المطلقة للحاضرين منهم، فإن الإجراء
الخاص الذي استلزمته هذه المادة لإقرار الأثر الرجعي للنص المطعون فيه لا يكون قد تم
على الوجه المقرر في الدستور، الأمر الذي يتعين معه الحكم بعدم دستورية نص المادة الأولى
من القانون 48 لسنة 1970، لما كان ذلك وكانت المادة من ذات القانون لا تنفصل عن
مادتها الأولى سالفة الذكر، وترتبط بها ارتباطاً لا يقبل التجزئة، إذ أنها تحدد تاريخ
العمل بأحكام هذا القانون فتأخذ حكمها ويكون القانون جميعه على غير هدى من الدستور.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بعدم دستورية القانون رقم 48 لسنة 1970 بتعديل المادة الأولى من القانون رقم 76 لسنة 1969 في شأن إيقاف إجراءات التنفيذ والإجراءات المترتبة على التنازل عن عقود الإيجار والتأجير من الباطن للمهجرين من منطقة القناة وسيناء، وألزمت الحكومة المصروفات، ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.
