الرئيسية الاقسام القوائم البحث

قاعدة رقم الطعن رقم 124 لسنة 24 قضائية “دستورية” – جلسة 09 /04 /2006 

أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء الحادي عشر (المجلد الثاني)
من أول أكتوبر 2003 حتى آخر أغسطس 2006 – صـ 2385

جلسة 9 إبريل سنة 2006

برئاسة السيد المستشار/ ممدوح مرعي – رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: ماهر البحيري وعدلي محمود منصور وعلي عوض محمد صالح والدكتور حنفي علي جبالي وإلهام نجيب نوار وماهر سامي يوسف، وحضور السيد المستشار/ نجيب جمال الدين علما – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ ناصر إمام محمد حسن – أمين السر.

قاعدة رقم
القضية رقم 124 لسنة 24 قضائية "دستورية"

1 – تنظيم الحقوق "سلطة تقديرية للمشرع: ضوابطها".
سلطة المشرع في مجال تنظيم الحقوق، تقديرية، تحددها: الضوابط الدستورية، جوهرها: التفرقة بين تنظيم الحق وبين إهداره.
2 – تنظيم الحقوق "عدم انفصال النصوص القانونية عن أهدافها".
عدم جواز انفصال النصوص القانونية التي نظم بها المشرع موضوعاً محدداً عن أهدافها. مرد ذلك.
3 – حق العمل "كفالته – تقدير من يمتازون فيه وفق شروط موضوعية".
كفالة الدولة لحق العمل، وإعلاؤها لقدر العمل وتقدير من يمتازون فيه ينبغي أن يكون وفقاً لشروط موضوعية.
4 – حق العمل "الأصل في العمل أن يكون إرادياً قائماً على الاختيار الحر".
الأصل في العمل أن يكون إرادياً قائماً على الاختيار الحر، فلا يفرض عنوة على أحد، إلا أن يكون ذلك وفق القانون، وبمقابل عادل.
5 – حق العمل: الأجر العادل مقابل العمل "شروطه".
عدالة الأجر لا تنفصل عن الأعمال التي يؤديها العامل. شرطي الأجر العادل: تناسبه مع الأعمال التي أداها العامل، وأن يكون ضابط التقدير موحداً.
6 – شركات "مناط استحقاق مكافأة عضوية مجلس الإدارة".
توافر مناط استحقاق مكافأة العضوية والمكافأة السنوية للأعضاء المنتخبين والمعينين في مجلس إدارة الشركة، علة ذلك.
7 – مكافأة "العمل هو الواقعة المنشئة للحق في تقاضيها".
العمل هو الواقعة المنشئة لحق تقاضي مكافأة العضوية والمكافأة السنوية لأعضاء مجلس إدارة الشركة.
8 – دستور – المساواة: "صور التمييز التي تناهض مبدأ المساواة".
صور التمييز التي تناهض مبدأ المساواة أمام القانون، تعذر حصرها، قوامها.
9 – ملكية خاصة "حمايتها".
الاعتداء على الجانب الإيجابي للذمة المالية للمخاطب بالنص الطعين، إخلال بالملكية الخاصة التي كفل الدستور حمايتها وصونها.
1 – السلطة التي يملكها المشرع في مجال تنظيم الحقوق، وإن كان الأصل فيها هو إطلاقها، إلا أن القيود التي قد يفرضها الدستور لصون هذه الحقوق من صور العدوان المحتمل عليها هي التي تبين تخوم الدائرة التي لا يجوز أن يتدخل التنظيم التشريعي فيها هادماً للحقوق التي يكفلها الدستور، أو مؤثراً في محتواها بما ينال منها. ومن ثم تمثل هذه الدائرة مجالاً حيوياً لا يتنفس الحق إلا من خلالها بحيث لا يكون تنظيم الحق ممكناً من زاوية دستورية إلا فيما وراء حدودها الخارجية، ليكون اقتحامها مجافياً لتنظيمه، وعدواناً عليه أدخل إلى مصادرته أو تقييده.
2 – لا يجوز أن تنفصل النصوص القانونية التي نظم بها المشرع موضوعاً محدداً عن أهدافها، بل يجب أن تكون هذه النصوص مدخلاً إليها وموطئاً لإشباع مصلحة عامة لها اعتبارها، ومرد ذلك أن كل تنظيم تشريعي لا يصدر عن فراغ، ولا يعتبر مقصوداً لذاته، بل مرماه إنفاذ أغراض بعينها يتوخاها، وتعكس مشروعيتها إطاراً للمصلحة العامة التي أقام المشرع عليها هذا التنظيم باعتباره أداة تحقيقها، وطريق الوصول إليها.
3 – العمل – وفي إطار الخصائص التي يقوم عليها باعتباره حقاً وواجباً وشرفاً وفقاً للمادة من الدستور – مكفول من الدولة سواء بتشريعاتها أو بغير ذلك من التدابير، وإعلاؤها لقدر العمل وارتقاؤها بقيمته، يحملها على تقدير من يمتازون فيه، ليكون التمايز في أداء العاملين، مدخلاً للمفاضلة بينهم. وهو ما يعني بالضرورة أن الشروط الموضوعية وحدها هي التي يعتد بها في تقدير العمل وتحديد المقابل المستحق عنه، والأوضاع التي ينبغي أن يمارس فيها، والحقوق التي يتصل بها، وأشكال حمايتها ووسائل اقتضائها.
4 – ما تنص عليه الفقرة الثانية من المادة من الدستور من أن العمل لا يجوز أن يُفرض جبراً على المواطنين إلا بمقتضى قانون، ولأداء خدمة عامة، وبمقابل عادل، مؤداه أن الأصل في العمل أن يكون إرادياً قائماً على الاختيار الحر، فلا يُفرض عنوة على أحد، إلا أن يكون ذلك وفق القانون – وباعتباره تدبيراً استثنائياً متصلاً بدواعي الخدمة العامة مرتبطاً بمتطلباتها – وبمقابل عادل.
5 – عدالة الأجر لا تنفصل عن الأعمال التي يؤديها العامل سواء في نوعها أم كمها، فلا عمل بلا أجر، ولا يكون الأجر مقابلاً للعمل إلا بشرطين: الأول أن يكون متناسباً مع الأعمال التي أداها العامل، مقدراً بمراعاة أهميتها وصعوبتها وتعقدها وزمن إنجازها، وغير ذلك من العناصر الواقعية التي يتحدد على ضوئها نطاقها ووزنها. والثاني: أن يكون ضابط التقدير موحداً، فلا تتعدد معايير هذا التقدير بما يباعد بينها وبين الأسس الموضوعية لتحديد الأجر. وهو ما يعني بالضرورة ألا يكون مقدار الأجر محدداً التواءً أو انحرافاً، فلا يمتاز بعض العمال عن بعض إلا بالنظر إلى طبيعة الأعمال التي يؤدونها وأهميتها، فإذا كان عملهم واحداً، فإن الأجر المقرر لجميعهم ينبغي أن يكون متماثلاً، بما مؤداه أن قاعدة التماثل في الأجر للأعمال ذاتها، تفرضها وتقتضيها موضوعية الشروط التي يتحدد الأجر في نطاقها.
6 – مجلس إدارة الشركة المشكل وفقاً لنص المادة من قانون شركات قطاع الأعمال العام الصادر بالقانون رقم 203 لسنة 1991، هو أداة تسييرها وتصريف شئونها وتقرير سياستها العامة بلوغاً لأهدافها في إطار اختصاصاته المقررة قانوناً. وكان أعضاء هذا المجلس يتولون مهامهم فيه متضامنين معاً، ويتحملون المسئولية الجماعية الكاملة عما يصدر عن مجلسهم في الشئون التي يتولاها، فإن مناط استحقاق مكافأة العضوية والمكافأة السنوية يكون متحققاً سواء بالنسبة للأعضاء المعينين أم الأعضاء المنتخبين، ولا يجوز تقدير كلتا المكافأتين على غير معيار التماثل بالنسبة إليهم جميعاً.
7 – مكافأة العضوية والمكافأة السنوية التي يستحقها أعضاء مجلس الإدارة المنتخبون، واقعتها المنشئة هي عملهم فيه، ولا شأن لها بالمزايا التي يحصلون عليها من شركتهم بوصفهم من العاملين بها، بل قوامها ذلك الجهد المبذول في مجلس إدارتها من أجل إدارة الشركة وتصريف شئونها، متكاتفين في ذلك مع الأعضاء المعينين في هذا المجلس.
8 – صور التمييز التي تناهض مبدأ المساواة أمام القانون المنصوص عليه في المادة من الدستور – على ما جرى به قضاء هذه المحكمة – وإن تعذر حصرها، إلا أن قوامها كل تفرقة أو تقييد أو تفضيل أو استبعاد ينال بصورة تحكمية من الحقوق والحريات التي كفلها الدستور أو القانون، وذلك سواء بإنكار أصل وجودها، أم تعطيل أو انتقاص آثارها، بما يحول دون مباشرتها على قدم من المساواة الكاملة بين المؤهلين للانتفاع بها.
9 – الحماية التي كفلها الدستور لحق الملكية – على ما جرى به قضاء هذه المحكمة – تمتد إلى كل حق ذي قيمة مالية، سواء كان هذا الحق شخصياً أم عينياً أم كان من حقوق الملكية الفنية أم الأدبية أم الصناعية، وهو ما يعني اتساعها للأموال بوجه عام، وكان النصين الطعينين قد انتقصا – دون مقتض – من الحقوق التي تثري الجانب الإيجابي للذمة المالية للمخاطبين بحكميهما، فإنهما يكونان قد انطويا على عدوان على الملكية الخاصة بالمخالفة لحكم المادتين (32 و34) من الدستور.


الإجراءات

بتاريخ الثامن من أبريل سنة 2002، أودع المدعيان صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة، طالبين الحكم بعدم دستورية نص الفقرتين الثانية والثالثة من المادة من قانون شركات قطاع الأعمال العام الصادر بالقانون رقم 203 لسنة 1991.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونُظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – حسبما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن المدعي الأول – باعتباره عضواً منتخباً عن العمال بمجلس إدارة شركة آمون للتوكيلات الملاحية – كان قد أقام الدعوى رقم 86 لسنة 2000 أمام محكمة العمال الجزئية بالإسكندرية ضد وزير قطاع الأعمال العام، والممثل القانوني للشركة القابضة للنقل البحري، ورئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لشركة آمون للتوكيلات البحرية، بطلب إلزام المدعى عليهما الثاني والثالث بصرف كل من مكافأة العضوية والمكافأة السنوية المستحقة له أسوة بأعضاء مجلس الإدارة المعينين وذلك من الميزانية المنتهية في 30/ 6/ 1997 و30/ 6/ 1998، وأثناء نظر تلك الدعوى تدخل المدعي الثاني انضمامياً إلى المدعي الأول في طلباته مضيفاً إليها طلب الحكم له بمكافأة العضوية والمكافأة السنوية المستحقة له عن عام 98/ 1999. وبجلسة 23/ 10/ 2001 دفع المدعيان بعدم دستورية نص الفقرتين الثانية والثالثة من المادة من قانون شركات قطاع الأعمال العام الصادر بالقانون رقم 203 لسنة 1991، فيما تضمنه النص الأول من قصر مكافأة العضوية على الأعضاء المعينين دون المنتخبين، وما قرره النص الثاني من ألا تجاوز المكافأة السنوية التي يستحقها أعضاء مجلس الإدارة المنتخبون الأجر السنوي الأساسي لهم، فقررت المحكمة تأجيل نظر الدعوى لجلسة 18/ 12/ 2001 للمذكرات. وبجلسة 12/ 2/ 2002 صمم الحاضر عن المدعيين على الدفع بعدم الدستورية فقررت المحكمة تأجيل نظر الدعوى لجلسة 28/ 5/ 2002 لاتخاذ إجراءات الطعن بعدم الدستورية، فأقاما الدعوى الماثلة، وبجلسة 26/ 11/ 2002 قضت محكمة العمال الجزئية بالإسكندرية بعدم اختصاصها نوعياً وقيمياً بنظر الدعوى وأمرت بإحالتها إلى محكمة الإسكندرية الابتدائية بدائرة عمالية حيث قيدت أمامها برقم 2750 لسنة 2002 عمال كلي الإسكندرية، وبجلسة 30/ 1/ 2003 قضت تلك المحكمة بوقف الدعوى تعليقاً لحين الفصل في الطعن بعدم الدستورية.
وحيث إن المادة من قانون شركات قطاع الأعمال العام الصادر بالقانون رقم 203 لسنة 1991 تنص على أن:
"مع مراعاة أحكام المادة من هذا القانون يتولى إدارة الشركة التي يساهم في رأس مالها أفراد أو أشخاص اعتبارية من القطاع الخاص، مجلس إدارة يعين لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد يتكون من عدد فردى من الأعضاء لا يقل عن خمسة ولا يزيد على تسعة بما فيهم رئيس المجلس وذلك على النحو التالي:
( أ ) رئيس غير متفرغ من ذوى الخبرة، يعينه رئيس الجمعية العامة للشركة بناء على ترشيح مجلس إدارة الشركة القابضة.
(ب) أعضاء غير متفرغين، من ذوى الخبرة يختارهم مجلس إدارة الشركة القابضة يمثلون الجهات المساهمة في الشركة.
(ج) أعضاء غير متفرغين بنسبة ما تملكه الأشخاص الاعتبارية من القطاع الخاص أو الأفراد المساهمين في الشركة يختارهم ممثلو هذه الجهات في الجمعية العامة.
(د) أعضاء غير متفرغين يتم انتخابهم من العاملين بالشركة طبقاً للقانون المنظم لذلك ويكون عددهم مساوياً لمجموع عدد أعضاء مجلس الإدارة طبقاً للبندين (ب) و(ج).
(هـ) رئيس اللجنة النقابية ولا يكون له صوت معدود وفي حالة تعدد اللجان النقابية في الشركة تختار النقابة العامة أحد رؤساء هذه اللجان.
وتحدد الجمعية العامة ما يتقاضاه كل من رئيس وأعضاء المجلس المشار إليهم في البنود أ وب وج من مكافأة العضوية، كما يحدد النظام الأساسي للشركة المكافأة السنوية التي يستحقونها بمراعاة نص المادة من هذا القانون.
وتحدد الجمعية العامة ما يتقاضاه أعضاء المجلس من بدل حضور الجلسات وما يستحقه أعضاء المجلس المنتخبون من مكافأة سنوية بما لا يجاوز الأجر السنوي الأساسي.
ويختار مجلس إدارة الشركة القابضة………".
وحيث إن المدعيين يستهدفان بنزاعهما الموضوعي مساواتهما بأعضاء مجلس الإدارة المعينين في مجال استحقاق كل من مكافأة العضوية والمكافأة السنوية، وكانت الفقرة الثانية من المادة من قانون شركات قطاع الأعمال العام بما تضمنه من قصر مكافأة العضوية على أعضاء مجلس الإدارة المعينين دون غيرهم، وما نصت عليه الفقرة الثالثة من ذات المادة من حد أقصى للمكافأة السنوية التي يستحقها الأعضاء المنتخبون يتمثل في الأجر السنوي الأساسي، يحولان دون إجابتهما إلى طلبهما، فإن تقرير صحة أو بطلان النصين المذكورين – في هذا النطاق – يؤثر بالضرورة على النزاع الموضوعي، ومن ثم تتوفر للمدعيين مصلحة شخصية ومباشرة في الطعن عليهما بعدم الدستورية.
وحيث إن المدعيين ينعيان على النصين الطعينين – محددين نطاقاً على ما تقدم – مخالفتهما للمواد 13 و23 و25 و34 و40 من الدستور، ذلك أنهما قد انطويا على تمييز غير مبرر بين أعضاء مجلس الإدارة المعينين ونظرائهم المنتخبين في شأن مكافأة العضوية والمكافأة السنوية رغم تماثلهم جميعاً في المركز القانوني باعتبارهم أعضاء في مجلس إدارة الشركة، فأهدرا بذلك مبدأ المساواة أمام القانون، ونقضا مبدأ التضامن الاجتماعي فضلاً عن إخلالهما بحق العمل وبقاعدة ربط الأجر بالإنتاج تحقيقاً لزيادة الدخل القومي، ومساسهما كذلك بحق الملكية.
وحيث إن السلطة التي يملكها المشرع في مجال تنظيم الحقوق وإن كان الأصل فيها هو إطلاقها، إلا أن القيود التي قد يفرضها الدستور لصون هذه الحقوق من صور العدوان المحتمل عليها هي التي تبين تخوم الدائرة التي لا يجوز أن يتدخل التنظيم التشريعي فيها هادماً للحقوق التي يكفلها الدستور، أو مؤثراً في محتواها بما ينال منها. ومن ثم تمثل هذه الدائرة مجالاً حيوياً لا يتنفس الحق إلا من خلالها بحيث لا يكون تنظيم الحق ممكناً من زاوية دستورية إلا فيما وراء حدودها الخارجية، ليكون اقتحامها مجافياً لتنظيمه، وعدواناً عليه أدخل إلى مصادرته أو تقييده. كذلك لا يجوز أن تنفصل النصوص القانونية التي نظم بها المشرع موضوعاً محدداً عن أهدافها، بل يجب أن تكون هذه النصوص مدخلاً إليها وموطئاً لإشباع مصلحة عامة لها اعتبارها، ومرد ذلك أن كل تنظيم تشريعي لا يصدر عن فراغ، ولا يعتبر مقصوداً لذاته، بل مرماه إنفاذ أغراض بعينها يتوخاها، وتعكس مشروعيتها إطاراً للمصلحة العامة التي أقام المشرع عليها هذا التنظيم باعتباره أداة تحقيقها، وطريق الوصول إليها.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن العمل – وفي إطار الخصائص التي يقوم عليها باعتباره حقاً وواجباً وشرفاً وفقاً للمادة من الدستور – مكفول من الدولة سواء بتشريعاتها أو بغير ذلك من التدابير. وإعلاؤها لقدر العمل وارتقاؤها بقيمته، يحملها على تقدير من يمتازون فيه، ليكون التمايز في أداء العاملين، مدخلاً للمفاضلة بينهم. وهو ما يعني بالضرورة أن الشروط الموضوعية وحدها هي التي يعتد بها في تقدير العمل وتحديد المقابل المستحق عنه، والأوضاع التي ينبغي أن يمارس فيها، والحقوق التي يتصل بها، وأشكال حمايتها ووسائل اقتضائها، وأن ما تنص عليه الفقرة الثانية من المادة من الدستور من أن العمل لا يجوز أن يُفرض جبراً على المواطنين إلا بمقتضى قانون، ولأداء خدمة عامة، وبمقابل عادل، مؤداه أن الأصل في العمل أن يكون إرادياً قائماً على الاختيار الحر، فلا يُفرض عنوة على أحد، إلا أن يكون ذلك وفق القانون – وباعتباره تدبيراً استثنائياً متصلاً بدواعي الخدمة العامة مرتبطاً بمتطلباتها – وبمقابل عادل. وهو ما يعني أن عدالة الأجر لا تنفصل عن الأعمال التي يؤديها العامل سواء في نوعها أم كمها، فلا عمل بلا أجر، ولا يكون الأجر مقابلاً للعمل إلا بشرطين: الأول أن يكون متناسباً مع الأعمال التي أداها العامل، مقدراً بمراعاة أهميتها وصعوبتها وتعقدها وزمن إنجازها، وغير ذلك من العناصر الواقعية التي يتحدد على ضوئها نطاقها ووزنها. والثاني: أن يكون ضابط التقدير موحداً، فلا تتعدد معايير هذا التقدير بما يباعد بينها وبين الأسس الموضوعية لتحديد الأجر. وهو ما يعني بالضرورة ألا يكون مقدار الأجر محدداً التواءً أو انحرافاً، فلا يمتاز بعض العمال عن بعض إلا بالنظر إلى طبيعة الأعمال التي يؤدونها وأهميتها، فإذا كان عملهم واحداً، فإن الأجر المقرر لجميعهم ينبغي أن يكون متماثلاً، بما مؤداه أن قاعدة التماثل في الأجر للأعمال ذاتها، تفرضها وتقتضيها موضوعية الشروط التي يتحدد الأجر في نطاقها.
وحيث إن مجلس إدارة الشركة المشكل وفقاً لنص المادة من قانون شركات قطاع الأعمال العام الصادر بالقانون رقم 203 لسنة 1991، هو أداة تسييرها وتصريف شئونها وتقرير سياستها العامة بلوغاً لأهدافها في إطار اختصاصاته المقررة قانوناً، وكان أعضاء هذا المجلس يتولون مهامهم فيه متضامنين معاً، ويتحملون المسئولية الجماعية الكاملة عما يصدر عن مجلسهم في الشئون التي يتولاها، فإن مناط استحقاق مكافأة العضوية والمكافأة السنوية يكون متحققاً سواء بالنسبة للأعضاء المعينين أم الأعضاء المنتخبين، ولا يجوز تقدير كلتا المكافأتين على غير معيار التماثل بالنسبة إليهم جميعاً، دون أن ينال من ذلك ما ذهبت إليه هيئة قضايا الدولة من أن الأعضاء المنتخبين بمجلس الإدارة يختلفون في مركزهم القانوني عن المعينين من أعضائه، لتمتعهم دون الآخرين بمزايا تقتصر عليهم سواء في مجال الأرباح التي يتم توزيعها، أو من خلال مزايا عينية تقدمها إليهم شركتهم في مجال الإسكان وغيره مع بقائهم في الشركة عمالاً بها بعد انتهاء عضويتهم بمجلس الإدارة، على خلاف المعينين، ذلك أن مكافأة العضوية والمكافأة السنوية التي يستحقها أعضاء مجلس الإدارة المنتخبون، واقعتها المنشئة هي عملهم فيه، ولا شأن لها بالمزايا التي يحصلون عليها من شركتهم بوصفهم من العاملين بها، بل قوامها ذلك الجهد المبذول في مجلس إدارتها من أجل إدارة الشركة وتصريف شئونها، متكاتفين في ذلك مع الأعضاء المعينين في هذا المجلس. وإذ وقع التمييز بالنصين الطعينين بين الأعضاء المعينين والمنتخبين في مجال مكافأة العضوية والمكافأة السنوية والتي تندرج كلتاهما تحت مفهوم الأجر دون مقتض، وكانت صور التمييز التي تناهض مبدأ المساواة أمام القانون المنصوص عليه في المادة من الدستور – على ما جرى به قضاء هذه المحكمة – وإن تعذر حصرها، إلا أن قوامها كل تفرقة أو تقييد أو تفضيل أو استبعاد ينال بصورة تحكمية من الحقوق والحريات التي كفلها الدستور أو القانون، وذلك سواء بإنكار أصل وجودها، أم تعطيل أو انتقاص آثارها، بما يحول دون مباشرتها على قدم من المساواة الكاملة بين المؤهلين للانتفاع بها، فإن النصين الطعينين يكونان هادمين لمبدأ المساواة أمام القانون، مُخلين بالتضامن الاجتماعي الذي يقوم عليه المجتمع، منتهكين حق العامل – أياً كان موقعه أو دوره في تسيير دفة الإنتاج – في اقتضاء الأجر العادل لقاء عمله الذي يتكافأ مع عمل نظيره، متصادمين مع مبدأ ربط الأجر بالإنتاج تحقيقاً لزيادة الدخل القومي، ومخالفين بالتالي للمواد (7 و13 و23 و40) من الدستور.
وحيث إن الحماية التي كفلها الدستور لحق الملكية – على ما جرى به قضاء هذه المحكمة – تمتد إلى كل حق ذي قيمة مالية، سواء كان هذا الحق شخصياً أم عينياً أم كان من حقوق الملكية الفنية أم الأدبية أم الصناعية، وهو ما يعني اتساعها للأموال بوجه عام، وكان النصين الطعينين قد انتقصا – دون مقتض – من الحقوق التي تثري الجانب الإيجابي للذمة المالية للمخاطبين بحكميهما، فإنهما يكونان قد انطويا على عدوان على الملكية الخاصة بالمخالفة لحكم المادتين (32 و34) من الدستور.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم دستورية نص الفقرة الثانية من المادة من قانون شركات قطاع الأعمال العام الصادر بالقانون رقم 203 لسنة 1991 وذلك فيما تضمنه من حرمان أعضاء مجلس الإدارة المنتخبين من مكافأة العضوية، وعدم دستورية ما نصت عليه الفقرة الثالثة من ذات المادة من تحديد حد أقصى للمكافأة السنوية التي يتقاضاها أعضاء مجلس الإدارة المنتخبون، وألزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات