الرئيسية الاقسام القوائم البحث

قاعدة رقم الطعن رقم 89 لسنة 18 قضائية “دستورية” – جلسة 12 /02 /2006 

أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء الحادي عشر (المجلد الثاني)
من أول أكتوبر 2003 حتى آخر أغسطس 2006 – صـ 2251

جلسة 12 فبراير سنة 2006

برئاسة السيد المستشار/ ممدوح مرعي – رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: ماهر البحيري ومحمد علي سيف الدين وعدلي محمود منصور ومحمد عبد القادر عبد الله وعلي عوض محمد صالح وأنور رشاد العاصي، وحضور السيد المستشار/ نجيب جمال الدين علما – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ ناصر إمام محمد حسن – أمين السر.

قاعدة رقم
القضية رقم 89 لسنة 18 قضائية "دستورية"

1 – عقود "تنظيم بعض جوانبها بقواعد آمرة – تحديد أجرة".
المشرع يملك أن يتناول أنواعاً من العقود ليحيط بعض جوانبها بتنظيم آمر – شرط ذلك: أن يكون مستنداً إلى مصلحة مشروعة.
2 – دستور "شريعة إسلامية – ما لا يجوز الاجتهاد فيها – تنظيم العقود".
الأحكام الشرعية القطعية في ثبوتها ودلالتها معاً هي وحدها التي يمتنع الاجتهاد فيها ظنية دلالة النص بالرغم من قطعية ثبوته، يجيز للمشرع التدخل لتنظيم العقود تحقيقاً لمصلحة مشروعة. مثال: عقد الإيجار.
3 – دستور – الملكية الخاصة: "تنظيمها".
الحماية الدستورية للملكية الخاصة لا تحول دون تنظيمها. شرط ذلك.
4 – حرية شخصية "حرية التعاقد – جواز تنظيمها".
حرية التعاقد من صور الحرية الشخصية. جواز فرض قيود عليها – شرط ذلك: أن يكون وفق أسس موضوعية.
5 – دستور – مساواة: "المساواة بين طرفي عقد الإيجار: تباين المراكز القانونية".
المساواة في المعاملة بين طرفي العلاقة الإيجارية – تباين المراكز القانونية، يهدم مظنة التمايز. مثال: تقدير الأجرة والتنظيم التشريعي لتحديدها.
6 – دعوى دستورية "التجهيل بالمسائل الدستورية وأوجه المخالفة".
خلو الصحيفة من بيان النص الدستوري المدعي مخالفته وأوجه تلك المخالفة – أثره: عدم قبول الدعوى.
1 – المشرع يملك أن يتناول أنواعاً من العقود ليحيط بعض جوانبها بتنظيم آمر يكون مستنداً إلى مصلحة مشروعة؛ وإذ يهيمن على تحديد أجرة الأماكن الخاضعة لقوانين الإيجارات الاستثنائية بتنظيم آمر؛ بحيث لا يعدو كل اتفاق على مقدار الأجرة أن يكون تقديراً مبدئياً لا يعطل عمل القواعد الآمرة ولا يمنعها بل تظل هذه القواعد هي وحدها الحاكمة لتقديرها؛ ولا ريب أن المشرع يملك بالمثل العدول دفعة واحدة أو تدريجياً عن هذه الفلسفة، فإذا ما اعتنق فلسفة جديدة تدعو تحديد الأجرة لنظرية العرض والطلب اعتباراً من تاريخ العمل بالقانون رقم 4 لسنة 1996 وفي النطاق الذي حدده؛ فلا يسري على الأماكن الخاضعة للقوانين السابقة عليه؛ فتلك سنة التدرج.
2 – استقر قضاء هذه المحكمة على أن الأحكام الشرعية القطعية في ثبوتها ودلالتها معاً، هي وحدها التي يمتنع الاجتهاد فيها لأنها تمثل من الشريعة ثوابتها التي لا تحتمل تأويلاً أو تبديلاً، أما الأحكام غير القطعية في ثبوتها أو في دلالتها أو فيهما معاً، فإن باب الاجتهاد يتسع فيها لتغير الزمان والمكان، وتطور الحياة، وتنوع مصالح العباد؛ وهو اجتهاد وإن كان جائزاً ومندوباً من أهل الفقه؛ فهو أوجب وأولى لولي الأمر ليواجه ما تقتضيه مصلحة الجماعة درءاً لمفسدة، أو جلباً لمنفعة، أو درءاً وجلباً للأمرين معاً.
وإذ كان الحكم القطعي الثبوت في شأن العقود كافة، هو النص القرآني الكريم في مستهل سورة المائدة: "يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود". وقد اختلف الفقهاء اختلافاً كبيراً فيما هو المقصود بالعقد في مدلول الآية الكريمة، ونضخت كتب المفسرين بهذا الاختلاف بما يؤكد على ظنية دلالة هذا النص بالرغم من قطعية ثبوته، كما رحبت الآفاق لاجتهاد الفقهاء في أحكام عقد الإيجار سواء من حيث مدته أو من ناحية قيمة الأجرة وجواز التسعير فيها شرعاً، فحرمه البعض بينما أجازه آخرون بل أوجبه تحقيقاً للعدل الاجتماعي، الأمر الذي تعين معه القول بأن تدخل المشرع في أمر تحديد الأجرة ووضع ضوابط لتقديرها بقصد علاج أزمة الإسكان وتيسير الانتفاع بالأعيان المؤجرة لغالبية المواطنين، ومواجهة الارتفاع الفاحش في الإيجارات، وتحقيق للتوازن في العلاقة بين المؤجر والمستأجر دون حيف أو جور بما يؤدي إلى مصلحة معتبرة شرعاً، لا يكون قد خرج عن دائرة ما اجتهد فيه الفقهاء؛ ولم يخالف حكماً شرعياً قطعي الثبوت والدلالة؛ ومن ثم مخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية بأي وجه من الوجوه.
3 – ولئن كان الدستور قد كفل حق الملكية الخاصة، وحوطه بسياج من الضمانات التي تصون هذه الملكية، وتدرأ كل عدوان عليها، إلا أنه في ذلك كله لم يغفل الدور الاجتماعي لحق الملكية، ومافتئ يجيز تحميلها ببعض القيود التي تقتضيها أو تفرضها ضرورة اجتماعية، طالما لم تبلغ هذه القيود مبلغاً يصيب حق الملكية في جوهره أو يعدمه جل خصائصه.
4 – قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن حرية التعاقد – وهي وثيقة الصلة بالحق في الملكية – قاعدة أساسية يقتضيها الدستور صوناً للحرية الشخصية، وهذه الحرية التي تعتبر حقاً طبيعياً ولازماً لكل إنسان يستحيل وصفها بالإطلاق؛ بل يجوز فرض قيود عليها وفق أسس موضوعية تكفل متطلباتها دون زيادة أو نقصان؛ وفي إطار هذا التوازن تتحدد دستورية القيود التي يفرضها المشرع عليها.
5 – المساواة في المعاملة بين طرفي العلاقة الإيجارية، تقتضى – وقد أفرد التنظيم الآمر الذي وضعه المشرع لتحديد الأجرة، أحدهما (وهو المالك) بمكنة التقدير المبدئي للأجرة بل وزيادتها بمقدار الخمس، وإخطار المستأجر بذلك خلال ميعاد معين من تاريخ إتمام البناء؛ أن يمكن طرفها الآخر (وهو المستأجر) من الطعن على هذا التقدير أمام لجنة تحديد الأجرة في ميعاد معين، وإلا صار نهائياً، فهذه المفارقة مردها إلى تباين مركز الطرفين، بما تنهدم به مظنة التمايز بين طرفي العلاقة الإيجارية من هذا الوجه.
6 – الطعن طال الفقرتين الثانية والثالثة من المادة من القانون رقم 136 لسنة 1981 المشار إليه؛ واللتين انتظمتا المحكمة المختصة بنظر الطعن على قرارات اللجان، واحتكمتا في شأن استئناف أحكامها إلى القواعد العامة، إلا أن صحيفته خلت من بيان النص الدستوري المدعي مخالفته وأوجه المخالفة، بما يجعله غير مقبول عملاً بنص المادة من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979.


الإجراءات

بتاريخ السابع من أغسطس سنة 1996، أودع المدعون صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة، طلباً للحكم بعدم دستورية نص المادتين (4 و5) من القانون رقم 136 لسنة 1981 في شأن بعض الأحكام الخاصة بتأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت في ختامها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن المدعى عليهم كانوا قد أقاموا الدعوى رقم 568 لسنة 1986 أمام محكمة الإسكندرية الابتدائية طعناً على قرار لجنة تحديد الأجرة في شان الطوابق التي يشغلونها بالعقار المبين بالأوراق، كما طعن المدعون – الملاك – على القرار ذاته بالدعوى رقم 572 لسنة 1986 – ندبت المحكمة خبيراً خلص في تقريره إلى أن الطوابق المعلاة تخضع في تقدير أجرتها للقانون رقم 136 لسنة 1981، وأن أجرتها تتراوح بين 79.60 جنيهاً و81.90 جنيهاً شهرياً للوحدة؛ والمحكمة قضت بما انتهى إليه الخبير؛ طعن المدعون على ذلك الحكم بالاستئناف رقم 717 لسنة 45 قضائية الإسكندرية، وأثناء نظره دفعوا بعدم دستورية نص المادتين (4 و5) من القانون رقم 136 لسنة 1981 المشار إليه، وبعد تقديرها جدية الدفع رخصت لهم محكمة الموضوع رفع الدعوى الدستورية فأقاموها، قاصرين أسباب طعنهم عن نص المادتين (4 و5 فقرة أولى) من القانون رقم 136 لسنة 1981.
وحيث إن النصين المطعون عليهما يجريان على النحو التالي:
مادة 4 -" يتولى مالك المبنى تحديد الأجرة وفقاً للضوابط والمعايير والتقارير والدراسات المنصوص عليها في المواد السابقة، ويتضمن عقد الإيجار مقدار الأجرة المحددة على هذه الأسس. فإذا أبرم عقد الإيجار قبل إتمام البناء، وحددت فيه الأجرة بصفة مبدئية، كان على مالك المبنى إخطار المستأجر بالأجرة المحددة للمكان وفقاً لأحكام هذا القانون وذلك خلال ثلاثين يوماً من تاريخ إتمام البناء، وبشرط ألا تجاوز الأجرة المبدئية إلا بمقدار الخمس.
وعلى المالك أن يمكن المستأجر من الاطلاع على المستندات اللازمة لتحديد الأجرة وذلك خلال شهر من تاريخ التعاقد أو من تاريخ الإخطار بحسب الأحوال".
مادة 5/ 1 "إذا رأى المستأجر أن الأجرة التي حددها المالك تزيد على الحدود المنصوص عليها في هذا القانون جاز له خلال تسعين يوماً من تاريخ التعاقد أو من تاريخ الأخطار أو من تاريخ شغله للمكان، أن يطلب من لجنة تحديد الأجرة المختصة القيام بتحديد أجرة المكان وفقاً للأسس المنصوص عليها في هذا القانون".
وحيث إن المدعين ينعون على النصين المطعون عليهما:
أولا: أن المالك يستقل بتحديد الأجرة وفقاً لضوابط ومعايير وتقارير منصوص عليها في القانون بما لا يجيز للجنة أعمال رأيها في تحديد الأجرة، لما في ذلك من إهدار لإرادة المالك وراغب الإيجار، في حين أخرج القانون التالي له – 4 لسنة 1996 – علاقة التأجير من نطاق القواعد الاستثنائية الآمرة وتركها خاضعة لسلطان الإرادة، بما يخل بمبدأ حرية التعاقد.
ثانياً: أنهما إذ يجيزان إنقاص الأجرة بغير إرادة العاقدين إنما يناهضان مبادئ الشريعة الإسلامية التي تقضي بأن العقد شريعة المتعاقدين.
ثالثاً: مساسهما بالملكية الخاصة، وتقييدهما المالك في غير ضرورة اجتماعية من مباشرة المكنات التي يتيحها هذا الحق، وأهمها حقه في احترام إرادته في الأجرة التي حددها.
رابعاً: إخلالهما بمبدأ المساواة، إذ انحازا وأوجدا تميزاً غير مبرر بمنحهما المستأجر دون المالك حق إخطار لجنة تحديد الأجرة.
خامساً: عدم ضبطهما سريان ميعاد إخطار اللجان، بل ترك الخيار فيه للمستأجر بين تاريخ التعاقد أو الإخطار أو شغل المكان، وإخلالهما من ثم بمبدأ تكافؤ الفرص تغليباً لجانب المستأجرين على الملاك.
وحيث إن هذا النعي مردود، ذلك أن القانون وإن ألزم المالك في تحديده المبدئي للأجرة بضوابط ومعايير وتقارير ودراسات نص عليها، إلا أنه يبقى للجنة دور هام في مراقبة التزام هذه الضوابط، سيما وأن المالك يستطيع إذا ما أبرم العقد قبل إتمام البناء زيادة الأجرة المبدئية بمقدار الخمس، وإخطار المستأجر بذلك خلال ثلاثين يوماً من تاريخ إتمام البناء، ومن أجل ذلك نصت الفقرة الأخيرة من المادة الرابعة على وجوب تمكين المستأجر من الاطلاع على المستندات اللازمة لتحديد الأجرة خلال شهر من تاريخ التعاقد أو من تاريخ الإخطار بحسب الأحوال، فالعبرة إذن هي بوحدة الواقعة المتخذة مبدأ للجوء إلى اللجنة، ممثلة في استنفاد المالك فرصته في تقدير الأجرة تقديراً مبدئياً، وتحقق علم المستأجر علماً يقينياً بهذا التقدير.
ولا محاجة في هذا الشأن بمبدأ حرية التعاقد، لما جرى عليه قضاء هذه المحكمة من أن المشرع يملك أن يتناول أنواعاً من العقود ليحيط بعض جوانبها بتنظيم آمر يكون مستنداً إلى مصلحة مشروعة؛ وإذ يهيمن على تحديد أجرة الأماكن الخاضعة لقوانين الإيجارات الاستثنائية بتنظيم آمر؛ بحيث لا يعدو كل اتفاق على مقدار الأجرة أن يكون تقديراً مبدئياً لا يعطل عمل القواعد الآمرة ولا يمنعها بل تظل هذه القواعد هي وحدها الحاكمة لتقديرها؛ ولا ريب أن المشرع يملك بالمثل العدول دفعة واحدة أو تدريجياً عن هذه الفلسفة، فإذا ما اعتنق فلسفة جديدة تدعو تحديد الأجرة لنظرية العرض والطلب اعتباراً من تاريخ العمل بالقانون رقم 4 لسنة 1996 وفي النطاق الذي حدده؛ فلا يسري على الأماكن الخاضعة للقوانين السابقة عليه؛ فتلك سنة التدرج.
وحيث إن النعي في وجهه الثاني مردود، بما استقر عليه قضاء هذه المحكمة من أن الأحكام الشرعية القطعية في ثبوتها ودلالتها معاً، هي وحدها التي يمتنع الاجتهاد فيها لأنها تمثل من الشريعة ثوابتها التي لا تحتمل تأويلاً أو تبديلاً، أما الأحكام غير القطعية في ثبوتها أو في دلالتها أو فيهما معاً، فإن باب الاجتهاد يتسع فيها لتغير الزمان والمكان، وتطور الحياة، وتنوع مصالح العباد؛ وهو اجتهاد وإن كان جائزاً ومندوباً من أهل الفقه؛ فهو أوجب وأولى لولي الأمر ليواجه ما تقتضيه مصلحة الجماعة درءاً لمفسدة، أو جلباً لمنفعة، أو درءاً وجلباً للأمرين معاً. وإذ كان الحكم القطعي الثبوت في شأن العقود كافة، هو النص القرآني الكريم في مستهل سورة المائدة: "يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود". وقد اختلف الفقهاء اختلافاً كبيراً فيما هو المقصود بالعقد في مدلول الآية الكريمة، ونضخت كتب المفسرين بهذا الاختلاف بما يؤكد على ظنية دلالة هذا النص بالرغم من قطعية ثبوته، كما رحبت الآفاق لاجتهاد الفقهاء في أحكام عقد الإيجار سواء من حيث مدته أو من ناحية قيمة الأجرة وجواز التسعير فيها شرعاً، فحرمه البعض بينما أجازه آخرون بل أوجبه تحقيقاً للعدل الاجتماعي، الأمر الذي تعين معه القول بأن تدخل المشرع في أمر تحديد الأجرة ووضع ضوابط لتقديرها بقصد علاج أزمة الإسكان وتيسير الانتفاع بالأعيان المؤجرة لغالبية المواطنين، ومواجهة الارتفاع الفاحش في الإيجارات، وتحقيق للتوازن في العلاقة بين المؤجر والمستأجر دون حيف أو جور بما يؤدي إلى مصلحة معتبرة شرعاً، لا يكون قد خرج عن دائرة ما اجتهد فيه الفقهاء؛ ولم يخالف حكماً شرعياً قطعي الثبوت والدلالة؛ ومن ثم مخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية بأي وجه من الوجوه.
وحيث إنه عن النعي بمساس النصين الطعينين بالملكية الخاصة، فإنه ولئن كان الدستور قد كفل حق الملكية الخاصة، وحوطه بسياج من الضمانات التي تصون هذه الملكية، وتدرأ كل عدوان عليها، إلا أنه في ذلك كله لم يغفل الدور الاجتماعي لحق الملكية، ومافتئ يجيز تحميلها ببعض القيود التي تقتضيها أو تفرضها ضرورة اجتماعية، طالما لم تبلغ هذه القيود مبلغاً يصيب حق الملكية في جوهره أو يعدمه جل خصائصه.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن حرية التعاقد – وهي وثيقة الصلة بالحق في الملكية – قاعدة أساسية يقتضيها الدستور صوناً للحرية الشخصية، وهذه الحرية التي تعتبر حقاً طبيعياً ولازماً لكل إنسان يستحيل وصفها بالإطلاق؛ بل يجوز فرض قيود عليها وفق أسس موضوعية تكفل متطلباتها دون زيادة أو نقصان؛ وفي إطار هذا التوازن تتحدد دستورية القيود التي يفرضها المشرع عليها. لما كان ذلك، وكان المشرع قد أورد بالنصين المطعون عليهما وغيرهما من مواد القانون رقم 136 لسنة 1981 المشار إليه، تنظيماً متكاملاً لتحديد أجرة الأماكن التي تسري عليها أحكامه؛ واضعاً أسساً وقواعد موضوعية لتقدير الأجرة، وإجراءات تحديدها؛ وأوكل ذلك إلى لجان إدارية تلتزم بالأسس الموضوعية التي حددها لها، دون أن يجعل قراراتها نهائية، وإنما أباح لذوي الشأن حق الطعن فيها أمام المحكمة الابتدائية المختصة، ومن ثم كان لزاماً على المشرع – بما له من سلطة تقديرية – أن يتدخل بالتنظيم موازناً بين مصلحة طائفة الملاك وطائفة المستأجرين ودون عسف أو استغلال، عن طريق وضع أسس موضوعية عادلة لتقدير الأجرة، فإن تدخله على هذا النحو يكون مستنداً إلى ضرورة اجتماعية تبرره.
وحيث إن المساواة في المعاملة بين طرفي العلاقة الايجارية، تقتضي – وقد أفرد التنظيم الآمر الذي وضعه المشرع لتحديد الأجرة، أحدهما – (وهو المالك) – بمكنة التقدير المبدئي للأجرة بل وزيادتها بمقدار الخمس، وأخطار المستأجر بذلك خلال ميعاد معين من تاريخ إتمام البناء؛ أن يمكن طرفها الآخر – وهو المستأجر – من الطعن على هذا التقدير أمام لجنة تحديد الأجرة في ميعاد معين، وإلا صار نهائيا،ً فهذه المفارقة مردها إلى تباين مركز الطرفين، وإلا فهل يطعن المالك على تقدير وضعه بنفسه، وارتضاه لأجرة الأماكن محل المنازعة؛ بما تنهدم به مظنة التمايز بين طرفي العلاقة الإيجارية من هذا الوجه.
وحيث إن الطعن طال الفقرتين الثانية والثالثة من المادة من القانون رقم 136 لسنة 1981 المشار إليه؛ واللتين انتظمتا المحكمة المختصة بنظر الطعن على قرارات اللجان، واحتكمتا في شأن استئناف أحكامها إلى القواعد العامة، إلا أن صحيفته خلت من بيان النص الدستوري المدعي مخالفة وأوجه المخالفة، بما يجعله غير مقبول عملاً بنص المادة من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم قبول الدعوى في شقها المتعلق بالطعن بعدم دستورية نص الفقرتين الثانية والثالثة من المادة من القانون رقم 136 لسنة 1981 المشار إليه، وبرفض ما عدا ذلك من طلبات، وبمصاريف الكفالة، وألزمت المدعين المصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات