قاعدة رقم الطعن رقم 113 لسنة 26 قضائية “دستورية” – جلسة 15 /01 /2006
أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء الحادي
عشر (المجلد الثاني)
من أول أكتوبر 2003 حتى آخر أغسطس 2006 – صـ 2211
جلسة 15 يناير سنة 2006
برئاسة السيد المستشار/ ممدوح مرعي – رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: عدلي محمود منصور وعلي عوض محمد صالح وأنور رشاد العاصي والسيد عبد المنعم حشيش ومحمد خيري طه والدكتور عادل عمر شريف، وحضور السيد المستشار/ نجيب جمال الدين علما – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ ناصر إمام محمد حسن – أمين السر.
قاعدة رقم
القضية رقم 113 لسنة 26 قضائية "دستورية"
1 – دعوى دستورية "تجهيل: انتفاؤه".
المسائل الدستورية التي تقضي محكمة الموضوع بإحالتها إلى المحكمة الدستورية العليا،
لازمها: بيان النصوص التشريعية الطعينة، والنصوص الدستورية المدعي مخالفتها، وأوجه
تلك المخالفة.
2 – دعوى دستورية "تحديد نطاق المسائل الدستورية في الدعوى المحالة".
تحري المسائل الدستورية المحالة، في ضوء ما قصدت إليه محكمة الموضوع، تتحراه المحكمة
الدستورية العليا، وصولاً لتحديد نطاق الدعوى الدستورية.
3 – دعوى دستورية "المصلحة الشخصية المباشرة: مناطها".
المصلحة الشخصية المباشرة – وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية – مناطها أن يكون ثمة ارتباط
بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية. شرط ذلك.
4 – دستور – شريعة إسلامية: "الالتزام بمبادئها في أصولها الثابتة التي يمتنع الاجتهاد
فيها".
اعتباراً من تعديل نص المادة الثانية من الدستور في 22/ 5/ 1980 تتقيد السلطة التشريعية
فيما تقره من النصوص القانونية بألا تناقض أحكامها مبادئ الشريعة الإسلامية في أصولها
الثابتة – مصدراً وتأويلاً – والتي يمتنع الاجتهاد فيها أو الخروج عليها أو الالتواء
بها عن معناها.
5 – دستور – شريعة إسلامية "الأحكام الظنية يجوز الاجتهاد فيها".
الأحكام الظنية غير المقطوع بثبوتها أو بدلالتها أو بهما معاً، ويجوز الاجتهاد فيها.
ضوابط ذلك.
6 – طلاق "إثباته – أحكام الشريعة الإسلامية".
الطلاق من فرق النكاح التي ينحل الزواج الصحيح بها بلفظ مخصوص صريحاً كان أم كتابة.
القانون رقم 25 لسنة 1929 وتعديلاته لم يضع قيداً على جواز إثبات الطلاق قضاءً بكافة
طرق الإثبات. مخالفة للنص الطعين ذلك، مؤداه.
7 – دستور "الحرية الشخصية – حقوق طبيعية – إثبات وقوع الطلاق".
منع المطلقة من إثبات وقوع الطلاق في حالة الإنكار وعدم توثيقه، يتعارض مع الحرية الشخصية.
أساس ذلك.
8 – دستور "حرية شخصية: حق الزواج والطلاق" – "قوام الأسرة ورعاية الأخلاق والقيم والتقاليد
والحفاظ عليها".
حق الزواج والطلاق وما يتفرع عنهما من الحقوق الشخصية التي لا تتجاهل القيم الدينية
أو الخلقية أو تفويض روابطها بعيداً أو انعزالاً عن التقاليد التي تؤمن بها الجماعة،
بل تعززها بما يصون حدودها ويرعى مقوماتها.
9 – دستور "سلطة المشرع في تنظيم الحقوق: ضوابطها".
الأصل في سلطة المشرع في موضوع تنظيم الحقوق أنها سلطة تقديرية، ضوابط هذه السلطة.
1 – المسائل الدستورية التي تقضي محكمة الموضوع بإحالتها مباشرة إلى المحكمة الدستورية
العليا عملاً بالبند ( أ ) من المادة من قانونها الصادر بالقانون رقم 48 لسنة
1979، لازمها: أن تبين النصوص القانونية التي تقدر مخالفتها للدستور، ونصوص الدستور
المدعي بمخالفتها، ونطاق التعارض بينهما، وأن يكون قضاؤها هذا دالاً على انعقاد إرادتها
على عرض المسائل الدستورية التي ارتأتها مباشرة على المحكمة الدستورية العليا استنهاضاً
لولايتها بالفصل فيها.
2 – وجوب أن يكون حكم الإحالة دالاً على انعقاد إرادة محكمة الموضوع على عرض المسائل
الدستورية التي ارتأتها مباشرة على المحكمة الدستورية العليا استنهاضاً لولايتها بالفصل
فيها، وهو ما يتعين على هذه المحكمة تحريه في ضوء ما قصدت إليه محكمة الموضوع، وضمنته
قضاؤها بالإحالة، وصولاً لتحديد نطاق المسائل الدستورية التي تدعى المحكمة للفصل فيها.
3 – المصلحة الشخصية المباشرة – وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية – مناطها أن يكون ثمة
ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، بأن يكون الفصل في المسائل
الدستورية لازماً للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها والمطروحة على محكمة الموضوع.
4 – المقرر في قضاء هذه المحكمة أن حكم المادة الثانية من الدستور – بعد تعديلها في
22 / 5/ 1980 – يدل على أن الدستور أوردها ليفرض بمقتضاها – واعتباراً من تاريخ العمل
بهذا التعديل – قيداً على السلطة التشريعية يلزمها فيما تقره من النصوص القانونية بألا
تناقض أحكامها مبادئ الشريعة الإسلامية في أصولها الثابتة – مصدراً وتأويلاً – والتي
يمتنع الاجتهاد فيها، ولا يجوز الخروج عليها، أو الالتواء بها عن معناها.
5 – الأحكام الظنية غير المقطوع بثبوتها أو بدلالتها أو بهما معاً، يجوز الاجتهاد فيها
وحدها ، وهي بطبيعتها متطورة تتغير بتغير الزمان والمكان لضمان مرونتها وحيويتها. وإذا
كان الاجتهاد في الأحكام الظنية وربطها بمصالح الناس عن طريق الأدلة الشرعية – النقلية
منها والعقلية – حقاً لأهل الاجتهاد، فأولى أن يكون هذا الحق مقرراً لولي الأمر، ينظر
في كل مسألة بخصوصها بما يناسبها، وبمراعاة: أن يكون الاجتهاد دوماً واقعاً في إطار
الأصول الكلية للشريعة لا يجاوزها، ملتزماً بضوابطها الثابتة، متحرياً مناهج الاستدلال
على الأحكام العملية والقواعد الضابطة لفروعها، كافلاً صون المقاصد الكلية للشريعة،
بما تقوم عليه من حفاظ على الدين والنفس والعقل والعرض والمال، مستلهماً في ذلك كله
حقيقة أن المصالح المعتبرة هي تلك التي تكون مناسبة لمقاصد الشريعة ومتلاقية معها.
ومن ثم كان حقاً على ولي الأمر عند الخيار بين أمرين مراعاة أيسرهما ما لم يكن إثماً،
وكان واجباً كذلك ألا يشرع حكماً يضيق على الناس أو يرهقهم في أمرهم عسراً، وإلا كان
مصادماً لقوله تعالى {ما يريد الله ليجعل عليكم في الدين من حرج}.
6 – الطلاق وقد شرع رحمة من الله بعباده، هو من فرق النكاح التي ينحل الزواج الصحيح
بها بلفظ مخصوص، صريحاً كان أم كتابة، ولذلك حرص المشرع في القانون رقم 25 لسنة 1929
الخاص ببعض أحكام الأحوال الشخصية وتعديلاته – وفقاً لما أوضحت عنه المذكرة الإيضاحية
للقانون رقم 100 لسنة 1985 بتعديل بعض أحكام قوانين الأحوال الشخصية – على عدم وضع
قيد على جواز إثبات الطلاق قضاء بكافة طرق الإثبات. غير أن المشرع قد انتهج في النص
الطعين نهجاً مغايراً في خصوص إثبات الطلاق عند الإنكار، فلم يعتد في هذا المجال بغير
طريق واحد هو الإشهاد والتوثيق معاً، بحيث لا يجوز الإثبات بدليل آخر، مع تسليم المشرع
في ذات الوقت – كما جاء بالمذكرة الإيضاحية للقانون رقم 1 لسنة 2000 المشار إليه –
بوقوع الطلاق ديانة. وهذا النص وإن وقع في دائرة الاجتهاد والمباح شرعاً لولي الأمر،
إلا أنه – في حدود نطاقه المطروح في الدعوى الماثلة – يجعل المطلقة في حرج ديني شديد،
ويرهقها من أمرها عسراً، إذا ما وقع الطلاق وعلمت به وأنكره المطلق، أو امتنع عن إثباته
إضراراً بها، مع عدم استطاعتها إثبات الطلاق بالطريق الذي أوجبه النص المطعون فيه،
وهو ما يتصادم مع ضوابط الاجتهاد والمقاصد الكلية للشريعة الإسلامية.
7 – عدم إجازة إثبات وقوع الطلاق عند الإنكار، يترتب عليه تعرض المطلقة لأخطر القيود
على حريتها الشخصية وأكثرها تهديداً ومساساً بحقها في الحياة، التي تعتبر الحرية الشخصية
أصلاً يهيمن عليها بكل أقطارها، تلك الحرية التي حرص الدستور على النص في المادة منه على أنها من الحقوق الطبيعية التي لا يجوز الإخلال بها أو تقييدها بالمخالفة لأحكامه،
والتي يندرج تحتها بالضرورة تلك الحقوق التي لا تكتمل الحرية الشخصية في غيبتها، ومن
بينها حقي الزواج والطلاق وما يتفرع عنهما.
8 – حقي الزواج والطلاق وما يتفرع عنهما، من الحقوق الشخصية التي لا تتجاهل القيم الدينية
أو الخلقية أو تقوض روابطها بعيداً أو انعزالاً عن التقاليد التي تؤمن بها الجماعة،
بل تعززها بما يصون حدودها ويرعى مقوماتها، ومن أجل ذلك جعل الدستور في المادة (9/
1) منه قوام الأسرة الدين والأخلاق، كما جعل رعاية الأخلاق والقيم والتقاليد والحفاظ
عليها والتمكين لها، التزاماً دستورياً على عاتق الدولة بسلطاتها المختلفة والمجتمع
ككل، ضمنه المادتين (9/ 2، 12) من الدستور، والذي غدا إلى جانب الحرية الشخصية قيداً
على السلطة التشريعية فلا يجوز لها أن تأتي عملاً يخل بهما.
9 – وإن كان الأصل في سلطة المشرع في موضوع تنظيم الحقوق أنها سلطة تقديرية، إلا أن
المشرع يلتزم بما يسنه من قوانين باحترام الأُطر الدستورية لممارسته لاختصاصاته، وأن
يراعى كذلك أن كل تنظيم للحقوق لا يجوز أن يصل في منتهاه إلى إهدار هذه الحقوق أو ينتقص
منها، ولا أن يرهق محتواها بقيود لا تكفل فاعليتها.
الإجراءات
بتاريخ 10 مايو سنة 2004، ورد إلى قلم كتاب المحكمة ملف الدعوى
رقم 1299 لسنة 2003 شرعي كلي شبين الكوم، بعد أن قضت محكمة شبين الكوم الكلية للأحوال
الشخصية نفس، بوقفها وإحالة الأوراق إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في دستورية
نص المادة من قانون تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية
الصادر بالقانون رقم 1 لسنة 2000.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة
اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من حكم الإحالة وسائر الأوراق – تتحصل في أن المدعية
كانت قد أقامت الدعوى رقم 1299 لسنة 2003 شرعي كلي، أمام محكمة شبين الكوم الكلية للأحوال
الشخصية نفس، بطلب الحكم بإثبات طلاقها من المدعى عليه طلاقاً بائناً بينونة كبرى المكمل
للثلاث طلقات اعتباراً من شهر مايو سنة 2003، قولاً منها بأنها تزوجت من المدعى عليه
بالعقد الصحيح بتاريخ 15/ 12/ 1971، ودخل بها وعاشرها معاشرة الأزواج وأنجب منها ذكوراً
وإناثاً، وأنه دأب على طلاقها ومراجعتها من نفسه دون توثيق الطلاق رغم وقوعه شرعاً،
إلى أن قام في غضون شهر مايو سنة 2003 بطلاقها الطلقة الثالثة، التي غدا بها طلاقها
منه بائناً بينونة كبرى، وقد اعترف بذلك أمام شهود عدول، وأفتت دار الإفتاء المصرية
في مواجهته بأن المدعية أصبحت محرمة عليه شرعاً لطلاقها المكمل لثلاث، بحيث لا تحل
له إلا أن تنكح زوجاً غيره، دون أن تكون هناك فتوى مكتوبة، وعلى أثر ذلك انتقلت المدعية
للإقامة مع ذويها، غير أن المدعى عليه رفض توثيق الطلاق، مما حدا بها إلى إقامة دعواها
المشار إليها توصلاً للقضاء لها بطلباتها المتقدمة. وأثناء نظر الدعوى قررت المحكمة
ضم الدعوى رقم 1449 لسنة 2003 شرعي كلي شبين الكوم – المقامة من المدعية ضد المدعى
عليه للاعتراض على إنذار الطاعة الموجه منه لها – إلى هذه الدعوى للارتباط وليصدر فيهما
حكم واحد، وبجلسة 31/ 3/ 2004 قضت المحكمة بوقف الدعوى رقم 1299 لسنة 2003 شرعي كلي
شبين الكوم وإحالتها إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في دستورية نص المادة من القانون رقم 1 لسنة 2000 لما تراءى لها من مخالفته للمادتين (2، 12) من الدستور،
وفي الدعوى رقم 1449 لسنة 2003 شرعي كلي شبين الكوم بوقف الاعتراض وقفاً تعليقياً لحين
الفصل في موضوع الدعوى رقم 1299 لسنة 2003 شرعي كلي شبين الكوم بإثبات طلاق المعترضة
بحكم نهائي.
وحيث إن المادة من القانون رقم 1 لسنة 2000 المشار إليه تنص على أن "لا يعتد في
إثبات الطلاق عند الإنكار إلا بالإشهاد والتوثيق، وعند طلب الإشهاد عليه وتوثيقه يلتزم
الموثق بتبصير الزوجين بمخاطر الطلاق، ويدعوهما إلى اختيار حكم من أهله وحكم من أهلها
للتوفيق بينهما، فإن أصر الزوجان معاً على إيقاع الطلاق فوراً، أو قرراً معاً أن الطلاق
قد وقع، أو قرر الزوج أنه أوقع الطلاق، وجب توثيق الطلاق بعد الإشهاد عليه.
وتطبق جميع الأحكام السابقة في حالة طلب الزوجة تطليق نفسها إذا كانت قد احتفظت لنفسها
بالحق في ذلك في وثيقة الزواج.
ويجب على الموثق إثبات ما تم من إجراءات في تاريخ وقوع كل منها على النموذج المعد لذلك،
ولا يعتد في إثبات الطلاق في حق أي من الزوجين إلا إذا كان حاضراً إجراءات التوثيق
بنفسه أو بمن ينوب عنه، أو من تاريخ إعلانه بموجب ورقة رسمية".
وحيث إن المسائل الدستورية التي تقضي محكمة الموضوع بإحالتها مباشرة إلى المحكمة الدستورية
العليا عملاً بالبند ( أ ) من المادة من قانونها الصادر بالقانون رقم 48 لسنة
1979، لازمها أن تبين النصوص القانونية التي تقدر مخالفتها للدستور، ونصوص الدستور
المدعي بمخالفتها، ونطاق التعارض بينهما، وأن يكون قضاؤها هذا دالاً على انعقاد إرادتها
على عرض المسائل الدستورية التي ارتأتها مباشرة على المحكمة الدستورية العليا استنهاضاً
لولايتها بالفصل فيها، وهو ما يتعين على هذه المحكمة تحريه في ضوء ما قصدت إليه محكمة
الموضوع وضمنته قضاؤها بالإحالة، وصولاً لتحديد نطاق المسائل الدستورية التي تدعى المحكمة
للفصل فيها.
وحيث إن المصلحة الشخصية المباشرة – وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية – مناطها أن يكون
ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الفصل في
المسائل الدستورية لازماً للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها والمطروحة على محكمة
الموضوع.
وحيث إن الثابت من الاطلاع على الأوراق، أن نطاق الإحالة كما قصدت إليه محكمة الموضوع،
وضمنته أسباب حكمها بالإحالة، إنما ينصب على ما تضمنه نص المادة المطعون فيه من
قصر الاعتداد في إثبات الطلاق عند الإنكار على الإشهاد والتوثيق دون غيره من طرق الإثبات
المقررة، وهو الشق من النص الطعين الذي تتحقق المصلحة الشخصية المباشرة بالنسبة له،
بحسبان أن مبنى النزاع الموضوعي هو طلب الحكم بإثبات الطلاق لامتناع المدعى عليه المطلق
عن إثباته طبقاً للنص المشار إليه، وأن القضاء في مدى دستورية هذا النص سيكون له أثره
وانعكاسه على الطلب الموضوعي سالف الذكر، وقضاء محكمة الموضوع فيه، ومن ثم فإن نطاق
الدعوى الراهنة والمصلحة فيها تكون قائمة بالنسبة للنص المذكور في حدود إطاره المتقدم،
ولا تمتد إلى غير ذلك من الأحكام التي وردت بنص المادة المطعون فيه.
وحيث إن حكم الإحالة ينعى على هذا النص الطعين، محدداً نطاقاً على النحو المتقدم، مخالفته
لنص المادتين (2، 12) من الدستور، على سند من أن هذا النص بقصره إثبات الطلاق عند الإنكار
على الإشهاد والتوثيق، خلافاً للأصل المقرر شرعاً من جواز إثبات الطلاق بكافة طرق الإثبات
من بينة وإقرار ويمين، يترتب عليه نتائج يأباها الشرع ويتأذى لها الضمير، وذلك إذا
ما وقع الطلاق بالتلفظ بألفاظه الدالة عليه صراحة أو ضمناً، رغم عدم إمكان إثباته بغير
الدليل الذي حدده النص الطعين، بما مؤداه اعتبار العلاقة الزوجية قائمة ومستمرة قانوناً،
رغم ما يشوبها من حرمة شرعية، وهو ما يخالف أحكام الدستور.
وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن حكم المادة الثانية من الدستور – بعد تعديلها
في 22 من مايو سنة 1980 – يدل على أن الدستور أوردها ليفرض بمقتضاها – واعتباراً من
تاريخ العمل بهذا التعديل – قيداً على السلطة التشريعية يلزمها فيما تقره من النصوص
القانونية، بألا تناقض أحكامها مبادئ الشريعة الإسلامية في أصولها الثابتة – مصدراً
وتأويلاً – والتي يمتنع الاجتهاد فيها، ولا يجوز الخروج عليها، أو الالتواء بها عن
معناها، ولا كذلك الأحكام الظنية غير المقطوع بثبوتها أو بدلالتها أو بهما معاً، ذلك
أن دائرة الاجتهاد تنحصر فيها ولا تمتد لسواها، وهي بطبيعتها متطورة تتغير بتغير الزمان
والمكان لضمان مرونتها وحيويتها. وإذا كان الاجتهاد في الأحكام الظنية وربطها بمصالح
الناس عن طريق الأدلة الشرعية – النقلية منها والعقلية – حقاً لأهل الاجتهاد، فأولى
أن يكون هذا الحق مقرراً لولي الأمر ينظر في كل مسألة بخصوصها بما يناسبها، وبمراعاة
أن يكون الاجتهاد دوماً واقعاً في إطار الأصول الكلية للشريعة لا يجاوزها، ملتزماً
ضوابطها الثابتة، متحرياً مناهج الاستدلال على الأحكام العملية والقواعد الضابطة لفروعها،
كافلاً صون المقاصد الكلية للشريعة، بما تقوم عليه من حفاظ على الدين والنفس والعقل
والعرض والمال، مستلهماً في ذلك كله حقيقة أن المصالح المعتبرة هي تلك التي تكون مناسبة
لمقاصد الشريعة ومتلاقية معها، ومن ثم كان حقاً على ولي الأمر عند الخيار بين أمرين
مراعاة أيسرهما ما لم يكن إثماً، وكان واجباً كذلك ألا يشرع حكماً يضيق على الناس أو
يرهقهم في أمرهم عسراً، وإلا كان مصادماً لقوله تعالى "ما يريد الله ليجعل عليكم في
الدين من حرج".
وحيث إن الطلاق وقد شرع رحمة من الله بعباده، وكان الطلاق هو من فرق النكاح التي ينحل
الزواج الصحيح بها بلفظ مخصوص صريحاً كان أم كناية، ولذلك حرص المشرع في القانون رقم
25 لسنة 1929 الخاص ببعض أحكام الأحوال الشخصية وتعديلاته – وفقاً لما أفصحت عنه المذكرة
الإيضاحية للقانون رقم 10 لسنة 1985 بتعديل بعض أحكام قوانين الأحوال الشخصية – على
عدم وضع قيد على جواز إثبات الطلاق قضاء بكافة طرق الإثبات المقررة، غير أن المشرع
قد انتهج في النص الطعين نهجاً مغايراً في خصوص إثبات الطلاق عند الإنكار، فلم يعتد
في هذا المجال بغير طريق واحد هو الإشهاد والتوثيق معاً، بحيث لا يجوز الإثبات بدليل
آخر، مع تسليم المشرع في ذات الوقت – كما جاء بالمذكرة الإيضاحية للقانون رقم 1 لسنة
2000 المشار إليه – بوقوع الطلاق ديانة، وهذا النص وإن وقع في دائرة الاجتهاد المباح
شرعاً لولي الأمر، إلا أنه – في حدود نطاقه المطروح في الدعوى الماثلة – يجعل المطلقة
في حرج ديني شديد، ويرهقها من أمرها عسراً، إذا ما وقع الطلاق وعلمت به وأنكره المطلق،
أو امتنع عن إثباته إضراراً بها، مع عدم استطاعتها إثبات الطلاق بالطريق الذي أوجبه
النص المطعون فيه، وهو ما يتصادم مع ضوابط الاجتهاد، والمقاصد الكلية للشريعة الإسلامية،
فضلاً عما يترتب على ذلك من تعرض المطلقة لأخطر القيود على حريتها الشخصية وأكثرها
تهديداً ومساساً بحقها في الحياة، التي تعتبر الحرية الشخصية أصلاً يهيمن عليها بكل
أقطارها، تلك الحرية التي حرص الدستور على النص في المادة منه على أنها من الحقوق
الطبيعية التي لا يجوز الإخلال بها أو تقييدها بالمخالفة لأحكامه، والتي يندرج تحتها
بالضرورة تلك الحقوق التي لا تكتمل الحرية الشخصية في غيبتها، ومن بينها حقي الزواج
والطلاق وما يتفرع عنهما، وكلاهما من الحقوق الشخصية التي لا تتجاهل القيم الدينية
أو الخلقية أو تقوض روابطها، ولا تعمل بعيداً أو انعزالاً عن التقاليد التي تؤمن بها
الجماعة، بل تعززها وتزكيها بما يصون حدودها ويرعى مقوماتها، ومن أجل ذلك جعل الدستور
في المادة (9/ 1) منه قوام الأسرة الدين والأخلاق، كما جعل رعاية الأخلاق والقيم والتقاليد
والحفاظ عليها والتمكين لها، التزاماً دستورياً على عاتق الدولة بسلطاتها المختلفة
والمجتمع ككل، ضمنه المادتين (9/ 2، 12) من الدستور، والذي غدا إلى جانب الحرية الشخصية
قيداً على السلطة التشريعية فلا يجوز لها أن تأتي عملاً يخل بهما، ذلك أنه وإن كان
الأصل في سلطة المشرع في موضوع تنظيم الحقوق أنها سلطة تقديرية، إلا أن المشرع يلتزم
بما يسنه من قوانين باحترام الأُطر الدستورية لممارسته لاختصاصاته، وأن يراعي كذلك
أن كل تنظيم للحقوق لا يجوز أن يصل في منتهاه إلى إهدار هذه الحقوق أو أن ينتقص منها،
ولا أن يرهق محتواها بقيود لا تكفل فاعليتها، الأمر الذي يضحى معه هذا النص فيما تضمنه
من قصر الاعتداد في إثبات الطلاق عند الإنكار على الإشهاد والتوثيق، دون غيرهما من
طرق الإثبات المقررة، مخالفاً للمواد (2، 9، 12، 41) من الدستور.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بعدم دستورية نص المادة من قانون تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية الصادر بالقانون رقم 1 لسنة 2000 فيما تضمنه من قصر الاعتداد في إثبات الطلاق عند الإنكار على الإشهاد والتوثيق.
