الطعن رقم 2423 لسنة 27 ق – جلسة 09 /05 /1987
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة أحكام
المحكمة الإدارية العليا
السنة 32 – الجزء الثاني (أول مارس 1987 – 30 سبتمبر 1987) – صـ 1203
جلسة 9 من مايو سنة 1987
برئاسة السيد الأستاذ المستشار الدكتور أحمد يسري عبده رئيس مجلس الدولة وعضو السادة الأساتذة محمد المهدي مليحي ومحمد أمين المهي وحسن حسنين علي والسيد السيد عمر – المستشارين.
الطعن رقم 2423 لسنة 27 القضائية
أ ) قرار إداري – عيوب القرار الإداري – صدور القرار بناء على غش
أو تدليس – يعتبر التدليس عيباً من عيوب الإرادة إذ شاب التصرف أبطله وما يترتب عليه
من آثار – أساس ذلك: – أن الغش يفسد كل شيء – التدليس عمل قصدي يتوافر باستعمال صاحب
الشأن طرقاً احتيالية بنية التضليل للوصول على غرض غير مشروع – يدفع الإدارة فعلاً
إلى إصدار قرارها – الطرق الاحتيالية إما أن تكون طرقاً مادية كافية لإخفاء الحقيقة
أو عملاً سلبياً محضاً يتمثل في صورة كتمان صاحب الشأن عمداً بعض المعلومات الأساسية
التي تجهلها جهة الإدارة ولا تستطيع معرفتها ويؤثر جهلها تأثيراً جوهرياً في إرادتها
– مناط ترتيب التدليس أثره في إبطال التصرف أن يكون التدليس صادراً من المستفيد – يكفي
في هذا الشأن ثبوت علم المستفيد بهذا التدليس أو أنه كان من المفروض حتماً أن يعلم
به – أساس ذلك: – ألا يضار المستفيد من فعل غيره – فكرة التدليس تقوم على معاقبة المدلس
ذاته وحرمانه من الاستفادة من ناتج عمله – تطبيق.
ب) تراخيص – محال تجارية وصناعية.
لا يجوز منح ترخيص نشاط مغاير لترخيص قائم – أساس ذلك: يتعين إلغاء الترخيص السابق
لسبب من الأسباب التي حددها المشرع ثم يمنح الترخيص الجديد متى توافرت شروطه – يعتبر
الترخيص الجديد رغم وجود ترخيص سابق ساري المفعول بمضي ستين يوماً على صدوره – أساس
ذلك: – أن العيب في هذه الحالة لا يرقى على مرتبة إعدام القرار الإداري طالما خلا من
الغش – تطبيق.
إجراءات الطعن
في يوم الخميس 30 من يوليه سنة 1981 أودع الأستاذ موريس ميخائيل
جرجس المحامي نائباً عن الأستاذ عبد السلام رجب رمضان المحامي الوكيل عن السيد/ محمد
محمود علي قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا تقرير طعن قيد بجدولها برقم 2423 لسنة
27 قضائية عليا ضد كل من السادة محافظ الإسكندرية ورئيس حي غرب الإسكندرية ومراقب عام
إدارة الرخص بالمحافظة بصفاتهم، وذلك عن الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية
بجلسة 4 من يونيه سنة 1981 في الدعوى رقم 32 لسنة 34 القضائية المقامة من الطاعن ضد
المطعون ضدهم بصفاتهم، والقاضي بقبول الدعوى شكلاً ورفضها موضوعاً وإلزام الطاعن بالمصروفات،
وطلب الطاعن – للأسباب الواردة بتقرير الطعن – الحكم بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع
بإلغاء الحكم المطعون فيه وإلغاء القرار الصادر بإلغاء الرخصة رقم 4098 وما يترتب على
ذلك من آثار، مع إلزام الجهة المطعون ضدها بالمصروفات.
وقد أعلن الطعن قانوناً إلى المطعون ضدهم، وقدمت هيئة مفوضي الدولة تقريراً بالرأي
القانوني مسبباً ارتأت فيه الحكم بقبول الطعن شكلاً ورفضه موضوعاً وإلزام الطاعن المصروفات،
وعين لنظر الطعن جلسة 3 من نوفمبر سنة 1986 أمام دائرة فحص الطعون وتداول أمامها بالجلسات
على الوجه الثابت بالمحاضر حتى قررت بجلسة 6 من إبريل سنة 1978 إحالة الطعن إلى المحكمة
الإدارية العليا (دائرة منازعات الأفراد والهيئات والعقود الإدارية والتعويضات) وحددت
لنظره جلسة 11 من إبريل سنة 1987، وبهذه الجلسة نظرته المحكمة على الوجه الثابت بالمحضر
وقررت إصدار الحكم بجلسة اليوم، حيث صدر وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق
به.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات والمداولة.
ومن حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر النزاع تخلص – حسبما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق – في
أن الطاعن أقام دعواه بصحيفة أودعها قلم كتاب محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية بتاريخ
28 من أكتوبر سنة 1979 طالباً الحكم بإلغاء القرار الصادر من جهة الإدارة بإلغاء الرخصة
رقم 498 في 14 من فبراير سنة 1978 مع إلزام جهة الإدارة المصروفات. وبجلسة 4 من يونيه
سنة 1981 أصدرت المحكمة حكمها المطعون فيه ويقضي بقبول الدعوى شكلاً ورفضها موضوعاً
وألزمت الطاعن بالمصروفات. وقد قبلت المحكمة تدخل السيد/ السيد محمد علي منضماً إلى
جهة الإدارة. واستندت في قضائها إلى أن القرار المطعون فيه صدر بتاريخ 25 من نوفمبر
سنة 1978 وقد خلت الأوراق مما يدل على إخطار الطاعن بهذا القرار، وإذ قام الأخير بإنذار
الإدارة بتاريخ 9 من سبتمبر سنة 1979 طالباً إلغاء القرار المطعون فيه، فيكون ذلك هو
التاريخ الذي يبدأ منه سريان ميعاد دعوى الإلغاء، وإذ أقيمت الدعوى في 28 من أكتوبر
سنة 1979 فإنها تكون مقامة في الميعاد. ومن ناحية الموضوع فإن الثابت من ملف الرخصة
أن الطاعن تقدم إلى جهة الإدارة بطلب مؤرخ 4 من ديسمبر سنة 1977 لمنحه رخصة عن محل
"مستودع حديد خردة" وذلك عن المحل رقم 8 شارع حجازي الشيخ وذلك على النموذج المعد لذلك.
وأورد الطاعن بهذا النموذج أمام بند 6 الخاص بمدى سبق الترخيص لهذا المحل لأي صناعة
أخرى، أنه لم يسبق الترخيص. وبناء على ذلك الطلب وبعد استيفاء باقي الإجراءات صدر قرار
بمنح الطاعن الرخصة رقم 4098 بتاريخ 14 من فبراير سنة 1978، إلا أنه بناء على الشكوى
المقدمة من السيد/ السيد محمد علي سليمان – الخصم المتدخل – بوجود ترخيص قائم على ذات
المحل، وما أثبتته التحقيقات التي أجرتها الإدارة من أن المحل سبق صدور رخصه إسطبل
بشأنه برقم 15987 بتاريخ 12 من ديسمبر سنة 1916 باسم محمد علي سليمان ونقلت الرخصة
بعد ذلك بأسماء ورثته وما زالت قائمة وسارية المفعول، وسدد عنها رسم التفتيش حتى نهاية
عام 1977، فقد قامت الإدارة بإلغاء الرخصة الجديدة الصادرة للطاعن. واستطردت المحكمة
إلى أنه يبين من الوقائع السابقة أن الرخصة الممنوحة للطاعن صدرت بناء على بيانات غير
صحيحة مقدمة من الطاعن وهو ما يؤدي إلى اعتبار الترخيص مبنياً على غش، مما يوجب على
الإدارة بمجرد اكتشافها وجود الترخيص السابق والذي لا يزال قائماً إلغاء الرخصة الممنوحة
للطاعن، ولا يغير من ذلك إقرار الشاكي – السيد محمد علي سليمان – بعد ذلك بأن المحل
موضوع النزاع لم يكن مستعملاً كإسطبل طوال سنتين سابقتين على صدور الرخصة للمدعي، ذلك
أن مثل هذا القرار – بفرض صحته – يمكن أن يكون سبباً لإلغاء الرخصة الأولى وفقاً لحكم
القانون رقم 453 لسنة 1954، إلا أنه إلى أن يتم هذا الإلغاء لا يجوز للمدعي الحصول
على رخصة عن ذات المحل. وانتهت المحكمة من ذلك إلى أن القرار الصادر بإلغاء الرخصة
رقم 4098 الصادرة في 14 من فبراير سنة 1978 يكون قد صدر على سند سليم من القانون.
ومن حيث إن مبنى الطعن أن الحكم المطعون فيه قد خالف القانون وأخطأ في تطبيقه حيث انتهى
إلى سلامة القرار الصادر بإلغاء الرخصة الصادرة للطاعن بمقوله أنها أصدرت بناء على
غش من جانبه بأن أورد بيانات غير صحيحة في حين أنه أستأجر المحل خالياً بعد توقف النشاط
السابق الترخيص به كإسطبل لمدة سنتين سابقتين على تاريخ استئجاره للمحل. ووفقاً لحكم
المادة 26/ 2 من القانون رقم 453 لسنة 1954 يعتبر الترخيص السابق ملغي بحكم القانون
حتى ولو تم سداد رسم الرخصة بعد ذلك، وجهة الإدارة قامت بإلغاء ترخيص الطاعن دون إجراء
معاينة للتحقيق من نوع النشاط القائم بالمحل – وقد افترضت المحكمة أن هناك غشاً اقترن
بإصدار ترخيص الطاعن مما يوجب على جهة الإدارة بمجرد اكتشاف الغش إلغاء الرخصة الممنوحة
له، في حين أن من المبادئ المستقرة أن الغش لا يفترض بل لا بد من وجود قرائن أو دلائل
قوية تؤكده، وقد خلت الأوراق من أي دليل على ذلك، والطاعن لا تربطه بمؤجري المحل أية
علاقة سوى عقد الإيجار ولم يكن يعلم مسبقاً أن المحل كان مرخصاً به كإسطبل. وطبقاً
لمعاينة جهة الإدارة وكذلك مكتب القوى العاملة فإن النشاط السابق قد توقف من سنتين
سابقتين، وأخيراً فإنه لا يجوز لجهة الإدارة أن تعدل أو تلغي الترخيص إلى لمصلحة عامة
وإلا كان قرارها مشوباً بعيب إساءة استعمال السلطة، وقرار الإلغاء لم يستند إلى أسباب
تبرره قانوناً.
ومن حيث إن هذه المحكمة سبق أن قضت بأن "التدليس عيب من عيوب الإرادة إذا شاب التصرف
أبطله وما يترتب عليه من آثار، إذا الأصل أن الغش يفسد كل شيء. والتدليس الذي يصاحب
مراحل القرار الإداري عمل بطبيعته قصدي يتوافر باستعمال صاحب الشأن طرقاً احتيالية
بنية التضليل للوصول إلى غرض غير مشروع يدفع الإدارة فعلاً إلى إصدار قرارها. وقد تكون
هذه الطرق الاحتيالية.. طرقاً مادية كافية للتضليل وإخفاء الحقيقة، وقد تكون عملاً
سلبياً محضاً في صورة كتمان صاحب الشأن عمداً بعض المعلومات الأساسية التي تجهلها جهة
الإدارة ولا تستطيع معرفتها عن طريق آخر، ويؤثر جهلها تأثيراً جوهرياً في إرادتها،
وذلك مع علم صاحب الشأن بهذه المعلومات وبأهميتها وخطرها، وأن الإدارة تعول عليها في
إصدار قرارها ولو لم تطلبها منه صراحة. على أن مناط إنزال حكم قيام التدليس أن يكون
صادراً من المستفيد أو يثبت أنه كان يعلم به أو كان من المفروض حتماً أن يعلم به، فلا
يضار المستفيد من عمل غيره، لأن أساس فكرة التدليس هي معاقبة المدلس ذاته وحرمانه من
الاستفادة من عمله. "حكم المحكمة الإدارية العليا بجلسة 2 من مارس سنة 1968 في الطعن
رقم 268 لسنة 11 ق".
ومن حيث إن قرار جهة الإدارة بمنح الطاعن الرخصة رقم 498 في 14 من فبراير سنة 1978
لفتح مستودع حديد خردة، بالمحل الكائن بالعقار رقم 8 شارع حجازي الشيخ بالإسكندرية
قد استند إلى طلب مقدم من الطاعن إلى جهة الإدارة تضمن بياناً غير صحيح مفاده أن المحل
المذكور لم يسبق الترخيص له بأية صناعة أخرى، إلا أن أوراق الدعوى لا تكشف عن علم الطاعن
لدى استئجاره لذلك المحل في أول يناير سنة 1977 أو تقديمه لطلب الترخيص في 4 من ديسمبر
سنة 1977 أن للمحل رخصة سابقة كإسطبل، حيث لم يذكر شيء من ذلك في عقد الإيجار. كما
لا يبين من الأوراق أن له صلة بأصحاب الترخيص المذكور تجاوز صلته كمستأجر للمحل، وغاية
المحل وما إذا كان مرخصاً به. ولقد كان في وسع جهة الإدارة القائمة على أمر الترخيص
لدى تقديم الطاعن لطلبه أن تكشف من واقع سجلاتها أن المحل المذكور مرخص له بالفعل كإسطبل،
ذلك أنها تعتبر المرجع بالنسبة لمثل هذا البيان حيث لم يكن أمام الطاعن من سبيل ليستوثق
من الأمر سوى الرجوع إلى جهة الإدارة المرخصة ذاتها إذا ما حجب المؤجر عنه مثل هذا
البيان. ومن ناحية أخرى فإن كون المحل المؤجر للطاعن مرخصاً به كإسطبل ما كان يمنع
جهة الإدارة – وقد خرج المحل من حوزة المرخص لهم بذلك النشاط إلى يد الطاعن بالإيجار
– من اتخاذ إجراءات إلغاء الترخيص السابق والنظر في أمر الترخيص الجديد. وكل ذلك مما
يفيد بأن شرائط الغش غير متوافرة في واقعة الحال. وعلى ذلك فإنه مع التسليم بأن منح
ترخيص جديد عن ذات المحل كمستودع حديد خردة، رغم قيام ترخيص سابق للمحل كإسطبل أمر
يخالف القانون طالما لم يصدر قرار بإلغاء الترخيص السابق استناداً إلى عدم مزاولة النشاط
أو لغير ذلك من الأسباب، إلا أن الترخيص الجديد الصادر في 14 من فبراير سنة 1978 يتحصن
بمضي ستين يوماً على صدوره، بالنظر إلى أن العيب الذي شابه لا يرقى إلى مرتبة إعدام
القرار الإداري أو يعتبر من قبيل الغش الذي يفسد كل شيء، وما كان يجوز لجهة الإدارة
– من ثم – أن تصدر قرارها في 25 من نوفمبر سنة 1978 بإلغاء الترخيص المذكور بعد فوات
مواعيد تحصن ذلك القرار، وإذ قضى الحكم المطعون فيه بغير ذلك فيكون أخطأ في تطبيق القانون
وتأويله ويتعين القضاء بإلغائه.
ومن حيث إن من يخسر دعواه يلزم بمصروفاتها.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، وبإلغاء القرار المطعون فيه وألزمت جهة الإدارة بالمصروفات.
