الطعن رقم 625 لسنة 7 ق – جلسة 18 /01 /1964
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة التاسعة – العدد الأول (من أكتوبر سنة 1963 إلى آخر يناير 1964) – صـ 426
جلسة 18 من يناير سنة 1964
برئاسة السيد/ مصطفى كامل إسماعيل وكيل المجلس وعضوية السادة/ حسن السيد أيوب والدكتور ضياء الدين صالح وعبد المنعم سالم مشهور ومحمد مختار العزبي المستشارين.
القضية رقم 625 لسنة 7 القضائية
( أ ) جنسية – دعاوى الجنسية – مدى اختصاص جهتي القضاء الإداري
والمدني بالفصل فيها قبل العمل بالقانون رقم 55 لسنة 1959 بتنظيم مجلس الدولة.
(ب) جنسية – دعاوى الجنسية – الصور التي تتخذها – هي الدعوى الأصلية، وتلك التي ترفع
طعناً في قرار إداري نهائي صادر في شأن الجنسية؛ وتلك التي ترفع للفصل في مسألة أولية
في خصومة أخرى.
(جـ) جنسية – اختصاص القضاء الإداري وحده بدعاوى الجنسية طبقاً لأحكام القانون رقم
55 لسنة 1959 – شمول هذا الاختصاص لدعاوى الجنسية الأصلية وغيرها – تفصيل ذلك.
(د) جنسية – دعاوى الجنسية الأصلية – عدم خضوعها للمواعيد المقررة قانوناً للطعن بالإلغاء
إذ لا يوجد قرار إداري يرتبط به ميعاد رفع الدعوى.
(هـ) جنسية – إثبات العثماني إقامته في مصر في الفترة من سنة 1914 إلى سنة 1918 بشهادة
عرفية يقرر فيها موقعها بأن المدعي كان يقطن بمنزل والدهم من سنة 1914 إلى سنة 1922
– جواز الأخذ بمثل هذه الشهادة إذا عززتها الأدلة والقرائن الأخرى – مثال.
(و) جنسية – الدعوى الأصلية بالجنسية – عدم خضوع مثل هذه الدعوى لميعاد السنة المنصوص
عليه في الفقرة التاسعة من المادة الأولى من القانون رقم 160 لسنة 1950 الخاص بالجنسية
المصرية لأن الدعوى الأصلية بطلب الاعتراف بالجنسية خلاف طلب شهادة بإثبات الجنسية.
1) إن قانون الجنسية العثماني الصادر في سنة 1869، وكذلك قانون الجنسية المصري الصادر
في سنة 1926، وقانون الجنسية الصادر في سنة 1929 لم يبين أيهما – وكان ذلك قبل إنشاء
القضاء الإداري – الجهة القضائية التي تختص بنظر المنازعات الخاصة بالجنسية. وقد صدر
بعد ذلك قانون إنشاء مجلس الدولة رقم 112 لسنة 1946 وجاء خلواً من النص بوجه خاص على
الدعاوى المتعلقة بالجنسية فيما عدا ما نص عليه بصفة عامة في البند من المادة الرابعة
منه من اختصاص محكمة القضاء الإداري بالفصل في "الطلبات التي يقدمها الأفراد بإلغاء
القرارات الإدارية النهائية". وكذلك الحال في القانون رقم 9 لسنة 1949 الخاص بمجلس
الدولة. وعندما وضع مشروع القانون رقم 160 لسنة 1950 الخاص بالجنسية المصرية أراد المشرع
علاج هذا النقض بنص في التشريع يحسم الخلاف في الاختصاص القضائي بمنازعات الجنسية ويقضي
بأن تختص المحاكم المدنية الكلية بالنظر في جميع المسائل المتعلقة بالجنسية سواء أكانت
في صورة دعوى أصلية أم في صورة طعن في قرار من قرارات وزير الداخلية، وذلك باعتبار
الجنسية من عناصر الحالة المدنية، على أن تمثل فيها النيابة العامة. ثم عدل المشروع
بأن نص فيه على اختصاص المحاكم المدنية الكلية بالنظر في دعاوى الاعتراف بالجنسية المصرية،
أما الطعن في القرارات الإدارية الصادرة في شأن مسائل الجنسية المصرية فتختص به محكمة
القضاء الإداري بمجلس الدولة. وقد اتجه رأي إلى أن يعهد بالمنازعات في مسائل الجنسية
إلى القضاء الإداري وحده، سواء رفعت إليه بصفة أصلية، أم في صورة مسألة أولية في خصومة
أخرى، أم طعناً في قرار إداري، وذلك على أساس كون الجنسية من أنظمة القانون العام الذي
يختص القضاء الإداري بنظر المنازعات المتعلقة به. ثم رؤى أخيراً حذف هذا النص اكتفاء
بما لمحكمة القضاء الإداري من اختصاص في هذا الشأن. وعلى هذا صدر قانون الجنسية المشار
إليه غفلاً من نص يتناول بيان الجهة القضائية التي تستند إليها ولاية الفصل في مسائل
الجنسية. وهذا أيضاً هو ما اتبعه المشرع في قانون الجنسية المصرية رقم 391 لسنة 1956
الذي لم يتعرض لبيان الاختصاص القضائي في منازعات الجنسية أو لحكم الدعوى الأصلية بالجنسية.
كما أن القانون رقم 165 لسنة 1955 في شأن تنظيم مجلس الدولة لم يستحدث جديداً في هذا
الخصوص. ثم صدر قرار رئيس الجمهورية العربية المتحدة بالقانون رقم 55 لسنة 1959 في
شأن تنظيم مجلس الدولة للجمهورية العربية المتحدة، ونص لأول مرة في البند تاسعاً من
مادته الثامنة على اختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري دون غيره بالفصل في "دعاوى
الجنسية" التي تكون له فيها ولاية القضاء كاملة.
2) المنازعات في الجنسية إما أن تتخذ صورة دعوى أصلية مجردة بالجنسية ترفع ابتداء مستقلة
عن أي نزاع آخر ويكون الطلب الأصلي فيها هو الاعتراف بتمتع شخص بجنسية معينة، وإما
أن تطرح في صورة طعن في قرار إداري نهائي صادر في شأن الجنسية يطلب إلغاؤه لسبب من
الأسباب التي نصت عليها الفقرة قبل الأخيرة من المادة الثامنة من قانون تنظيم مجلس
الدولة رقم 55 لسنة 1959 وهي التي تعيب القرار الإداري وتعقد اختصاص القضاء الإداري
بنظر الطعن فيه، وتنحصر في عدم الاختصاص أو وجود عيب في الشكل أو مخالفة القوانين أو
اللوائح أو الخطأ في تطبيقها وتأويلها أو إساءة استعمال السلطة، وإما أن تثار في صورة
مسألة أولية أثناء نظر دعوى أصلية يتوقف الفصل فيها على الفصل في مسألة الجنسية.
3) لا خلاف على اختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري بالفصل في الطعون التي ترفع بطلب
إلغاء القرارات الصريحة التي تصدرها الجهة الإدارية بالتطبيق لقانون الجنسية، وكذا
القرارات الحكمية التي ترفض أو تمتنع الجهة المذكورة عن اتخاذها في شأن الجنسية، وفي
طلبات التعويض عن هذه القرارات جميعاً. ومناط الاختصاص في هذه الحالة وفقاً لنص الفقرتين
الأخيرتين من المادة الثامنة ولنص المادة التاسعة من قانون تنظيم مجلس الدولة رقم 55
لسنة 1959 أن يكون مرجع الطعن عدم الاختصاص أو وجود عيب في الشكل أو مخالفة القوانين
أو اللوائح أو الخطأ في تطبيقها وتأويلها أو إساءة استعمال السلطة، وأن يكون طلب التعويض
عن قرار من هذه القرارات. وغني عن البيان أنه إذا ما أثيرت أمام القضاء الإداري مسألة
أولية في شأن الجنسية بصفة تبعية أثناء نظر منازعة أخرى أصلية معروضة عليه أو على القضاء
العادي يتوقف الفصل فيها على الفصل في تلك المسألة فإنه يلزم الفصل في المنازعة المتعلقة
بالجنسية لإمكان الفصل في الدعوى الأصلية وذلك على تفصيل لا يحتمل المقام التعرض له
في الخصوصية الراهنة. وثمة الدعوى المجردة بالجنسية، وهي الدعوى الأصلية التي يقيمها
استقلالاً عن أي نزاع آخر أو أي قرار إداري أي فرد له مصلحة قائمة أو محتملة وفقاً
لنص المادة الرابعة من قانون المرافعات في المواد المدنية والتجارية في أن يثبت أنه
يتمتع بجنسية الجمهورية العربية المتحدة أو لا يتمتع بها إذا ما أنكرت عليه هذه الجنسية
ونوزع فيها أو من كان يهمه من الوجهة الأدبية الحصول على حكم مثبت لجنسيته احتياطاً
لنزاع مستقبل. ويكون الموضوع الأصلي المباشر لهذه الدعوى هو طلب الحكم لرافعها بكونه
مصرياً أو غير مصري وتختصم فيها وزارة الداخلية بوصفها الطرف الآخر الذي يمثل الدولة
في رابطة الجنسية أمام القضاء، لكي يصدر حكم مستقل واحد يكون حاسماً أمام جميع الجهات
وله حجية قاطعة في شأن جنسية المدعي بدلاً من أن يلجأ إلى وزير الداخلية بالتطبيق لنص
المادة 28 من قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 82 لسنة 1958 بشأن جنسية الجمهورية
العربية المتحدة لإعطائه شهادة بالجنسية المصرية، بعد التحقق من ثبوت هذه الجنسية،
يكون لها حجتيها القانونية ما لم تبلغ بقرار مسبب من الوزير المذكور. وقد كان المشرع
إلى ما قبل قانون مجلس الدولة رقم 55 لسنة 1959 لا ينظم هذه الدعوى ولا يعين جهة القضاء
المختصة بنظرها إلا أن تكون في صورة طعن بطلب إلغاء قرار إداري إيجابي أو سلبي صادر
من وزارة الخارجية برفض الاعتراف لصاحب الشأن بالجنسية المصرية أو رفض تسليمه شهادة
بها تاركاً قبولها للقواعد العامة بوصفها دعوى وقائية تهدف إلى تقرير مركز قانوني وإلى
حماية الحق الذاتي في الجنسية استناداً إلى المصلحة الاحتمالية. فلما صدر القانون المذكور
استحدث في مادته الثامنة حكماً خاصاً بدعوى الجنسية يقضي بأن "يختص مجلس الدولة بهيئة
قضاء إداري دون غيره بالفصل في المسائل الآتية، ويكون له فيها ولاية القضاء كاملة:
أولاً -… تاسعاً – دعاوى الجنسية". وهذا النص صريح في إسناد الاختصاص إلى القضاء
الإداري دون غيره بالفصل في دعاوى الجنسية التي تكون له فيها ولاية القضاء كاملة. ويتناول
بداهة حالة الطعن بطلب إلغاء القرارات الإدارية الصريحة والحكمية الصادرة في شأن الجنسية
وإليها ينصرف الحكم الوارد في الفقرة قبل الأخيرة من هذه المادة الذي يشترط في هذه
الحالة أن يكون مبنى الطعن عدم الاختصاص أو وجود عيب في الشكل أو مخالفة القوانين أو
اللوائح أو الخطأ في تطبيقها وتأويلها أو إساءة استعمال السلطة. كما يدخل في مدلول
عبارة "دعاوى الجنسية" التي وردت في البند تاسعاً من المادة المذكورة الدعاوى الأصلية
بالجنسية، وآية ذلك – في ضوء ما سلف التنويه إليه من مناقشات أثناء إعداد مشروع القانون
رقم 160 لسنة 1950 الخاص بالجنسية المصرية – أنه لو قصر فهم هذه العبارة على الطعون
بطلب إلغاء القرارات الإدارية الصادرة في شأن الجنسية لما كان لاستحداثها أي جدوى أو
معنى يضيف جديداً إلى ما استقر عليه القضاء الإداري من اختصاصه بنظر هذه الطعون بحسب
تشريعات مجلس الدولة السابقة على القانون رقم 55 لسنة 1959، ومن أن القرارات التي تصدرها
السلطة التنفيذية تطبيقاً لقانون الجنسية إنما تعتبر أعمالاً إدارية تخضع لرقابة القضاء
الإداري لكون قواعد الجنسية من أوثق المسائل صلة بالقانون العام وبالحقوق العامة والسياسية
مما يخرجها من نطاق الأحوال الشخصية من جهة، ولكون ما تصدره الإدارة من قرارات تنفيذاً
للتشريعات الصادرة من الدولة في شأن الجنسية لا يعتبر من جهة أخرى من الأعمال المتعلقة
بالسياسة العليا للدولة ويبعد تبعاً لذلك عن دائرة أعمال السيادة. وهذا إلا أن انصراف
قصد الشارع في قانون تنظيم مجلس الدولة رقم 55 لسنة 1959 إلى الدعاوى الأصلية بالجنسية
إلى جانب الطعون بطلب إلغاء القرارات الإدارية الصادرة في شأن الجنسية يستنتج بجلاء
من استعماله اصطلاح "دعاوى الجنسية" لأول مرة في البند تاسعاً من المادة الثامنة من
هذا القانون، وهو الذي درج على التحدث عن "الطعون" و"المنازعات"" و"الطلبات" عندما
تكلم في المادة الثامنة المشار إليها – ومن قبل في مختلف قوانين مجلس الدولة المتعاقبة
– عن المسائل التي يختص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري بالفصل فيها وبذلك حصر الشارع
بالنص الجديد الاختصاص بنظر هذه الدعاوى في القضاء الإداري وحده دون غيره، وحسم بهذا
النص ما كان قائماً في شأنها من خلاف بين القضاء العادي والقضاء الإداري.
4) ينفرد مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري بالاختصاص بالفصل في دعاوى الجنسية ويستهدف
المدعي في الدعوى الأصلية بالجنسية الاعتراف له بتمتعه بجنسية الجمهورية العربية المتحدة،
ولا يختصم فيها قراراً إدارياً معيناً، صريحاً أو ضمنياً، يطعن فيه بطلب إلغائه، وإنما
بطلب الحكم بثبوت جنسيته المصرية استقلالاً عن أي قرار من هذا القبيل، وعلى أساس هذا
التكييف فإنها لا تخضع للمواعيد المقررة قانوناً للطعن بالإلغاء في القرارات الإدارية
ما دام لا يوجد فيها القرار الإداري الذي يرتبط به ميعاد رفع طلب الإلغاء. ولا يغير
من هذا كون المدعي سبق أن تقدم في 26 من أغسطس سنة 1953 إلى إدارة الجوازات والجنسية
بطلب إعطائه شهادة بالجنسية المصرية وأنه أبلغ في 30 من سبتمبر سنة 1956 برفض طلبه
هذا، فتظلم من قرار الرفض إلى السيد وزير الداخلية في 8 من نوفمبر 1956 ولم يتقدم بطلب
إعفائه من الرسوم القضائية المستحقة على الدعوى الحالية إلا في 27 من ديسمبر سنة 1958
ذلك أن طلبه في الماضي إنما كان ينصب على الحصول على دليل إثبات قوامه شهادة لها حجيتها
القانونية ما لم تلغ بقرار مسبب من وزير الداخلية، أي تعد دليلاً قاطعاً في الجنسية،
وتخضع في منحها لما يقدمه طالبها من الأدلة المثبتة لتمتعه بهذه الجنسية. وقد يعوزه
الدليل على ذلك في وقت ما فيرفض طلبه، ثم يتوافر لديه الدليل في وقت آخر فلا يحال بينه
– بسبب فوات ميعاد الطعن في قرار الرفض هذا – وبين وصوله إلى تقرير مركز قانوني له
يتعلق بحالته الشخصية التي يستمد أصل حقه فيها من القانون دون توقف على إرادة الجهة
الإدارية الملزمة أو على تدخلها في المنح بسلطة تقديرية، ذلك أن الجنسية هي رابطة قانونية
وسياسية بين الفرد والدولة ينظم القانون ثبوتها واكتسابها وفقدها واستردادها فإذا تحققت
لشخص أسباب تمتعه بها فلا يحرم من الحق في الاعتراف له بهذه الحالة الواقعية القائمة
به بحكم القانون لمجرد عجزه في وقت ما عن تقديم دليل على توافر عناصرها لديه، أو لاضطراره
بسبب هذا العجز الوقتي إلى السكوت عن الطعن في القرار الصادر من الإدارة في شأنها.
ومن أجل هذا وجدت الدعوى الأصلية بالجنسية لتكون علاجاً متاحاً في كل وقت لمثل هذا
الوضع، وتحررت من التقيد بالمواعيد المقررة للطعن بالإلغاء وموضوع هذه الدعوى في الخصوصية
المعروضة ليس هو الطعن في القرار السابق صدوره برفض منح المدعي شهادة بالجنسية المصرية،
وإنما المطالبة بالإقرار له بهذه الجنسية استقلالاً عن أي قرار إداري. ومن ثم فإن الدفع
بعدم قبولها شكلاً بمقولة إنها رفعت بعد الميعاد يكون على غير أساس سليم من القانون
ويتعين رفض هذا الدفع والحكم بقبول الدعوى وإذ انتهى حكم محكمة القضاء الإداري المطعون
فيه إلى هذه النتيجة فإنه يكون قد أصاب الحق في هذا الشق منه.
5) إذا قدم المدعي للتدليل على إقامته بمصر في الفترة من سنة 1914 إلى سنة 1918 شهادة
عرفية يقرر فيها موقعوها ورثة الحاج علي إسماعيل الفحام أنه كان يقطن بمنزل والدهم
رقم 23 بحارة الفوالة شارع رشدي باشا قسم عابدين محافظة مصر من سنة 1914 إلى سنة 1922
وأنه تزوج بالمنزل المذكور وأنجب بنتاً. وهذه الشهادة وإن لم تكن ورقة رسمية ذات حجية
بما اشتملت عليه، أو ورقة عرفية منشأة في التاريخ الذي تشهد بدلالتها على تحقق واقعة
الإقامة فيه، إذ أنها محررة في سنة 1954 أي في تاريخ لاحق للفترة المراد إثبات الإقامة
فيها ولا تنبئ بذاتها عن الإقامة بل تتضمن رواية بهذا المعنى على لسان شهود وبهذه المثابة
يمكن ألا تعد محلاً للاعتبار حتى لا يؤخذ في إثبات الإقامة التي يترتب عليها ثبوت الجنسية
بدليل يسهل اصطناعه ويشق الاطمئنان إليه، إلا أن المدعي قد عززها بالاستناد في التدليل
في إقامته بالأراضي المصرية في الفترة من سنة 1914 حتى سنة 1918 إلى وقائع عينها زماناً
ومكاناً يصعب وجود دليلها بين يديه إن لم يكن بين يدي جهة الإدارة نفسها، فمن كشوف
الوافدين إلى مصر من ركاب الباخرة المحروسة سنة 1912 الذين يقول أنه كان من بينهم،
إلى سجلات المعتقلين في الحرب العالمية الأولى بمعتقلات سافوى، وقصر النيل، والجيزة
والمعادى التي يقرر أنه اعتقل بها في سنتي 1915، 1916، وكل أولئك – وبوجه خاص القبض
والاعتقال – يرقى إلى مرتبة العذر القاهر الذي يشفع في إمكان إثبات الإقامة خلال الفترة
المذكورة بالشواهد الميسرة وقرائن الأحوال، وإذ كانت مغادرة البلاد بالنسبة إلى مثل
المدعي إبان الحرب المشار إليها من الأمور العسيرة والعودة إليها خلال تلك الحرب أكثر
عسراً، وكان وجوده في الديار المصرية في أول فبراير سنة 1918 تاريخ عقد قرانه ثابتة
من وثيقة زواجه الرسمية وهذا الزواج يفترض عادة أن يسبقه تعارف بين الزوجين والأهل
ومورد رزق يكفل العيش وهو ما يستغرق تحققه قدراً من الزمن – كما أن وجوده في شهر إبريل
من السنة ذاتها ثابت كذلك من رخصة قيادة السيارة المقدمة منه والمجددة بعد ذلك حتى
سنة 1952 وكانت واقعة قدومه إلى مصر على الباخرة المحروسة في سنة 1912 غير مجادل فيها
جدياً، وواقعة اعتقاله في سنة 1915 حتى سنة 1916 يؤيد إثباتها بدليل من عنده، وهي قرينة
التصديق ولا سيما أنه لم ينهض على دحضها دليل إيجابي تملك الإدارة أكثر منه السبيل
إليه، إذ كان كل ذلك فإن هذه القرائن في جملتها بالإضافة إلى ما يوحي به استصحاب الحال
من وجوده بالبلاد قبل سنة 1918 بحكم الظروف التي ثبت فيها وجوده بها في سنة 1918 وظروف
الحرب العالمية التي كانت ناشبة وقتذاك، هذه القرائن جميعاً تزكي الاقتناع بصدق دعواه
أنه كان مقيماً بالأراضي المصرية إقامة عادية غير منقطعة منذ قبل سنة 1914، ذلك الاقتناع
الذي أخذ به الحكم المطعون فيه في مقام الدليل على إقامة المذكور بالبلاد في الفترة
من سنة 1914 إلى نهاية سنة 1917، والذي هو في ذاته استخلاص سائغ سليم تبرره ظروف الحال
وشواهده في الخصوصية المعروضة. ومتى كان الأمر كذلك فإن المدعي يكون مصرياً وفقاً لنص
الفقرة الخامسة من المادة الأولى من القانون رقم 160 لسنة 1950 الخاص بالجنسية المصرية
باعتباره من الرعايا العثمانيين الذين كانوا يقيمون عادة في الأراضي المصرية في 5 نوفمبر
سنة 1914 وحافظوا على تلك الإقامة حتى تاريخ 10 مارس سنة 1929 سواء أكانوا بالغين أم
قصراً.
6) وإذا كانت الفقرة التاسعة من المادة الأولى من القانون رقم 160 لسنة 1950 تقضي بألا
تقبل طلبات بإعطاء شهادات بالجنسية المصرية من الأشخاص الذين ينطبق عليهم حكم الفقرة
الخامسة من هذه المادة بعد مضي سنة من تاريخ العمل بهذا القانون وبالنسبة إلى القصر
بعد مضي سنة من بلوغهم سن الرشد وكان المدعي قد تقدم إلى وزارة الداخلية بطلب تسليمه
هذه الشهادة في 11 من يوليه سنة 1953 فإن الأمر يتعلق في الدعوى الراهنة لا بطلب شهادة
بجنسية الجمهورية العربية المتحدة كدليل إثبات غير مطلق الحجية، وإنما بدعوى أصلية
بالجنسية يراد بها الاعتراف للمذكور بتمتعه بهذه الجنسية، وهي لا تخضع للميعاد المتقدم
على نحو ما سلف بيانه في مقام قبول هذه الدعوى.
إجراءات الطعن
في يوم السبت الموافق 21 من يناير سنة 1961 أودعت إدارة قضايا الحكومة بصفتها نائبة عن السيد وزير الداخلية سكرتيرية المحكمة عريضة طعن أمام هذه المحكمة قيد بجدولها تحت رقم 625 لسنة 7 القضائية في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري "هيئة منازعات الأفراد والهيئات" بجلسة 22 من نوفمبر سنة 1960 في الدعوى رقم 1164 لسنة 13 القضائية المقامة من السيد/ حسين رمزي فطين ضد وزارة الداخلية القاضي برفض الدفع بعدم قبول الدعوى – وبقبولها، وفي الموضوع بأحقية المدعي للجنسية المصرية، وألزمت الحكومة بالمصروفات وبمبلغ خمسمائة قرش مقابل أتعاب المحاماة. وطلب السيد الطاعن للأسباب التي استند إليها في عريضة طعنه "إحالة الطعن إلى المحكمة الإدارية العليا، والحكم بعدم قبول الدعوى شكلاً لرفعها بعد الميعاد، واحتياطياً وفي الموضوع برفضها وإلزام المطعون ضده بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة". وقد أعلن هذا الطعن إلى المطعون عليه في 4 من فبراير سنة 1961 وعقبت عليه هيئة مفوضي الدولة بمذكرة بالرأي القانوني مسبباً انتهت فيها لما أبدته بها من أسباب إلى أنها ترى "قبول الطعن شكلاً، والحكم أصلياً بإلغاء الحكم المطعون فيه والحكم بعدم قبول الدعوى لرفعها بعد الميعاد واحتياطياً رفض الطعن وإلزام الطاعنة المصروفات". وبعد أن انقضت المواعيد القانونية المقررة دون أن يقدم أي من الطرفين مذكرة بملاحظاته عين لنظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون بهذه المحكمة جلسة 12 من أكتوبر سنة 1963 التي أبلغ بها الطرفان في 20 من يوليه سنة 1963. وقد قررت الدائرة إحالة الطعن إلى المحكمة الإدارية العليا حيث عين لنظره أمام الدائرة الأولى جلسة 21 من ديسمبر سنة 1963 التي أبلغ بها الطرفان في 27 من نوفمبر سنة 1963. وبعد أن سمعت المحكمة ما رأت لزوماً لسماعه من إيضاحات ذوي الشأن على الوجه المبين بمحضر الجلسة قررت إرجاء النطق بالحكم في الطعن إلى جلسة اليوم. وقد قدم المطعون عليه بجلسة المرافعة مذكرة بدفاعه التمس فيها الحكم بمنحه الجنسية المصرية.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع الإيضاحات، وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة، حسبما يبين من أوراق الطعن، تتحصل في أن المدعي حسين
رمزي فطين أقام الدعوى رقم 1164 لسنة 13 القضائية ضد السيد/ وزير الداخلية أمام محكمة
القضاء الإداري "هيئة منازعات الأفراد والهيئات" بصحيفة أودعها سكرتيرية المحكمة في
27 من يوليه سنة 1959 ذكرت فيها أنه في سنة 1912 أرسلت الحكومة المصرية الباخرة المحروسة
لإحضار المهاجرين من قولة نتيجة حرب البلقان، وأنه كان ضمن المهاجرين ركاب هذه الباخرة
وكان سنه حينئذ 18 سنة تقريباً، وقد تقدم للسيد وزير الداخلية يطلب منحه الجنسية المصرية
مؤسساً طلبه على ما يأتي: –
أن اسمه مدرجاً بكشف ركاب الباخرة المحروسة في سنة 1912.
أنه تزوج في 31 من يناير سنة 1918 بموجب وثيقة زواج قدمها إلى وزارة الداخلية وضمت
إلى الملف الخاص به.
أنه أقام مسكناً بحي الفوالة بمنزله بحارة الفحام رقم 23 قسم عابدين حتى أزيل هذا
الحي.
أنه اعتقل أثناء الحرب العالمية الأولى في سنة 1915 وظل بمعتقل سافوى (قصر النيل
– الجيزة والمعادى) طوال سنة 1915 حتى أطلق سراحه في سنة 1916.
أنه استخرج رخصة قيادة سيارات عمومي في 7 من إبريل سنة 1918 من قلم المرور برقم
323. وقد استمر طوال هذه المدة لا يعرف له موطناً سوى القطر المصري، ومع ذلك لم يمنح
الجنسية المصرية حتى الآن على الرغم من سداده رسوم الطلب في 7 من أغسطس سنة 1953 بمديرية
الشرقية ولما كان قد جاوز في العمر الخامسة والستين وتحطمت صحته ولا يتمنى شيئاً قبل
وفاته سوى منحه الجنسية المصرية التي اكتسبها بالإقامة منذ سنة 1912 حيث لم يغادر البلاد
من تاريخ وفوده إليها حتى الآن، وقد أنجب كريمته المولودة في سنة 1921 بموجب شهادة
ميلاد، فإنه يطلب "الحكم بمنح الطالب الجنسية المصرية، مع إلزام الوزارة بالمصاريف
ومقابل أتعاب المحاماة".
وقد ردت وزارة الداخلية على هذه الدعوى أثناء نظر طلب الإعفاء رقم 106 لسنة 13 القضائية
أمام لجنة المساعدة القضائية بمذكرة دفعت فيها بعدم قبول الطلب شكلاً لتقديمه بعد الميعاد
وذلك تأسيساً على أن المدعي سبق أن تقدم في 26 من أغسطس سنة 1953 إلى إدارة الجوازات
والجنسية طالباً إعطاءه شهادة بالجنسية المصرية على اعتبار أنه عثماني الأصل وأنه حضر
إلى مصر في سنة 1910 وأقام بالبلاد منذ ذلك التاريخ وأرفق بطلبه بعض الأوراق والمستندات
التي انتهت الإدارة من بحثها إلى عدم كفايتها في إثبات إقامته خلال المدة من 5 من فبراير
سنة 1914 حتى نهاية سنة 1917. وفي 30 من سبتمبر سنة 1956 أخطرته الإدارة برفض طلبه
لهذا السبب وقد تظلم إلى السيد وزير الداخلية من قرار الرفض هذا في 8 من نوفمبر سنة
1956. وقدم طلب إعفائه من رسوم الدعوى الحالية في 17 من ديسمبر سنة 1958 أي بعد فوات
ميعاد الطعن في القرار الضمني برفض تظلمه المستفاد من مضي أكثر من ستين يوماً على تقديم
التظلم وقالت في الموضوع إن ما ينطبق على المدعي هو نص الفقرة الخامسة من المادة الأولى
من القانون رقم 160 لسنة 1950 بشأن الجنسية المصرية وهي التي تقر بهذه الجنسية للرعايا
العثمانيين الذين كانوا يقيمون عادة في الأراضي المصرية في 5 نوفمبر سنة 1914 وحافظوا
على تلك الإقامة حتى تاريخ 10 مارس سنة 1929 سواء كانوا بالغين أو قصراً – وهذا النص
يستلزم توافر شرطين أولهما الرعوية العثمانية، وثانيهما المحافظة على الإقامة العادية
منذ 5 من نوفمبر سنة 1914 حتى 10 من مارس سنة 1929. وقد استقر القضاء الإداري على أن
مسائل الجنسية هي من صميم الأمور الداخلية في كيان الدولة وأن تنظيمها يتعلق بسيادتها
لاتصالها بالنظام العام من جهة ولكونها من عناصر الحالة الشخصية من جهة أخرى. ومن ثم
فإن السلطة التنفيذية وهي بصدد إعمال رقابتها على تطبيق تشريعات الجنسية فيما يعرض
لها من طلبات الجنسية تتمتع بسلطة تقديرية واسعة تكفل للدولة الاطمئنان إلى الأفراد
الداخلية في جنسيتها والمنطوين تحت لوائها. وإعمال هذه السلطة التقديرية يتطلب من جهة
الإدارة فحص المستندات التي يتقدم بها طالب الجنسية وتكوين عقيدتها سنة 1915 حتى سنة
1916 معتقلاً بمعتقل سافوى بقصر النيل الذي ظل بشأنها فإذا هي لم تطمئن إلى تلك المستندات
كلفت طالب الجنسية تقديم ما يعزز طلبه من أوراق ومستندات أخرى تطمئن إليها وتعول عليها
في خلع الجنسية على طالبها وما يترتب على ذلك من قيام علاقة سياسية وقانونية بينه وبين
الدولة. وقد تقدم المدعي إلى الجهة الإدارية بطلب إعطائه شهادة بالجنسية المصرية ولم
يقدم للتدليل على إقامته بمصر منذ نوفمبر سنة 1914 سوى شهادة زواج في سنة 1918، وقرر
أنه كان خلال المدة من به حتى أطلق سراحه في سنة 1916 دون أن يقدم دليلاً رسمياً على
صحة هذا الادعاء وبذلك يكون قد عجز عن إثبات تحقق شرط الإقامة فيه ويتعين رفض طلبه.
وقد أودعت هيئة مفوضي الدولة مذكرة بالرأي القانوني مسبباً انتهت فيها لما أبدته بها
من أسباب إلى أنها ترى "الحكم برفض الدفع بعدم قبول الدعوى وبقبولها، وفي الموضوع بأحقية
المدعي في الحصول على الجنسية المصرية، مع إلزام الحكومة بالمصروفات".
وبجلسة 22 من نوفمبر سنة 1960 قضت محكمة القضاء الإداري "برفض الدفع بعدم قبول الدعوى
وبقبولها وفي الموضوع بأحقية المدعي للجنسية المصرية، وألزمت الحكومة بالمصروفات وبمبلغ
خمسمائة قرش مقابل أتعاب المحاماة". وأقامت قضاءها فيما يتعلق بالدفع بعدم قبول الدعوى
شكلاً على أن القانون رقم 55 لسنة 1959 الخاص بتنظيم مجلس الدولة قد قضى بنظر دعاوى
الجنسية بطريق الطلب الأصلي لا بطريق الطعن في قرار إداري صريح أو ضمني. وبذلك أصبحت
لمجلس الدولة بهيئة قضاء إداري الولاية الكاملة في نظر دعاوى الجنسية ولو لم تكن في
صورة طلب إلغاء أي قرار إداري أصدرته الجهة المختصة في هذا الخصوص لأن حق الشخص في
الجنسية يستمده من القانون مباشرة وليس من قرار إداري تصدره الجهة الإدارية. وعلى ذلك
أصبحت دعوى الجنسية من دعاوى الحقوق التي لا تتقيد بميعاد الستين يوماً الذي نص عليه
بالنسبة إلى طلب إلغاء القرارات الإدارية. ومن ثم فإن الدفع يكون في غير محله متعيناً
رفضه. وذكرت في الموضوع أنه يبين من المستندات المودعة بملف المدعي بإدارة الجوازات
والجنسية أنه ولد في محرم سنة 1305 هجرية بمدينة سالونيك التي كانت وقتذاك تابعة للدولة
العثمانية، وهاجر إلى مصر في سنة 1912 وأقام بها منذ ذلك التاريخ حتى الآن ويشتغل ناظراً
لزراعة تفتيش بردين وتدل التحريات على أنه ليس له نشاط ضار بالبلاد وقد أفادت القنصلية
التركية بأنه ووالده غير مقيدين بسجلاتها كما دلت الشهادة الصادرة من القنصلية اليونانية
على عدم قيده بسجلاتها كذلك. وقد شهد السكان المجاورين له بأنه أقام بالمنزل رقم 22
بحارة الفوالة من سنة 1914 حتى سنة 1922 وتزوج فيه كما تؤيد ذلك وثيقة الزواج المؤرخة
أول فبراير سنة 1918، وكان يشتغل وقتذاك سائق سيارة برخصة قيادة عمومية صادرة في سنة
1918 ومجددة حتى الآن. ولا تنكر الحكومة عليه أصله العثماني ولا حضوره إلى البلاد قبل
سنة 1914، وإنما تقول بأن إقامته لم تكن مستمرة لأنه لم يستطع إثبات هذه الإقامة من
سنة 1914 إلى سنة 1918، ومن ثم يتخلف في حقه أحد شروط كسب الجنسية المصرية والواقع
أن الحرب العالمية الأولى كانت قائمة خلال هذه الفترة وما كان في استطاعة مثله مغادرة
البلاد إبانها. وقد قرر أنه اعتقل بمعتقل سافوى بقصر النيل والجيزة والمعادي طوال سنة
1915 حتى أطلق سراحه في سنة 1916 ولم تقدم الحكومة دليلاً على عدم صحة قوله من كشوف
المعتقلين في ذلك التاريخ وعلى هذا فإن الظاهر يؤيد صحة الشهادة التي قدمها من السكان
المجاورين له. ولما كان لا نزاع في أنه من أصل عثماني وأنه أقام بالبلاد بصفة مستمرة
من قبل سنة 1914 حتى الآن فإنه يستحق الجنسية المصرية طبقاً للمادة الأولى من القانون
رقم 160 لسنة 1950 التي تقضي بأن يعتبر مصرياً الرعايا العثمانيون الذين كانوا يقيمون
عادة في الأراضي المصرية في 5 نوفمبر سنة 1914 وحافظوا على تلك الإقامة حتى تاريخ 10
مارس سنة 1929 سواء كانوا بالغبن أو قصراً، ويتعين والحالة هذه إجابته إلى طلباته في
الدعوى.
وبعريضة مودعة سكرتيرية هذه المحكمة في 21 من يناير سنة 1961 طعنت وزارة الداخلية في
هذا الحكم طالبة "إحالة الطعن إلى المحكمة الإدارية العليا، والحكم بعدم قبول الدعوى
شكلاً لرفعها بعد الميعاد، واحتياطياً وفي الموضوع برفضها وإلزام المطعون ضده بالمصروفات
ومقابل أتعاب المحاماة". واستندت في أسباب طعنها إلى أن الحكم المطعون فيه قد خالف
القانون وأخطأ في تطبيقه وتأويله إذ قضى برفض الدفع بعدم قبول الدعوى لرفعها بعد الميعاد
للأسباب التي أقام عليها قضاءه ذلك أن قانون مجلس الدولة رقم 55 لسنة 1959 أعطى في
الفقرة 9 من المادة 8 منه مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري دون غيره اختصاص الفصل في دعاوى
الجنسية، إلا أن هذا لا يخرج عن القاعدة العامة الأصولية التي تنص عليها المادة 8 من
وجوب أن يكون الطعن موجهاً لقرار إداري نهائي. ومما يؤيد هذا النظر أن المشرع في الفقرة
9 من هذه المادة قد حدد أسباب الطعن بأن يكون مرجعها إلى عدم الاختصاص أو وجود عيب
في الشكل أو مخالفة القوانين واللوائح أو الخطأ في تطبيقها أو تأويلها أو إساءة استعمال
السلطة ولا ريب أن هذه العيوب لا تلحق إلا القرار الإداري الصادر في صدد الجنسية. وعلى
ذلك فاختصاص مجلس الدولة في دعاوى الجنسية وفقاً للقانون رقم 55 لسنة 1959 لا يخرج
عن القاعدة العامة وهي وجوب أن يكون الطعن موجهاً إلى قرار إداري. وإذ ذهب الحكم المطعون
فيه خلاف هذا المذهب بمقولة إن الاختصاص ينعقد لمجلس الدولة في نظر دعاوى الجنسية بطريق
الطلب الأصلي دون أن يكون هناك طعن في قرار إداري صريح أو ضمني فإنه يكون قد خالف القانون
وأخطأ في تطبيقه وتأويله. هذا وقد جرى الحكم المذكور فيما يتعلق بالموضوع على خلاف
القاعدة العامة في الإثبات وهي أن البينة على من ادعى الجنسية المصرية، فعبء الإثبات
يقع على عاتق المدعي الذي كان عليه أن يقدم ما يثبت إقامته بالأراضي المصرية خلال الفترة
من سنة 1914 حتى سنة 1918، لا أن تطلب المحكمة من الحكومة تقديم دليل من جانبها وأن
تنقل عبء الإثبات هكذا على عاتقها. وبذلك يكون الحكم قد خالف القانون وأخطأ في تطبيقه
ويتعين إلغاءه فيما قضى به.
وقد عقبت هيئة مفوضي الدولة على هذا الطعن بمذكرة بالرأي القانوني مسبباً انتهت فيها
إلى أنها ترى "قبول الطعن شكلاً، والحكم أصلياً بإلغاء الحكم المطعون فيه، والحكم بعدم
قبول الدعوى لرفعها بعد الميعاد. واحتياطياً رفض الطعن وإلزام الطاعنة المصروفات".
وأسست رأيها فيما يتعلق بالدفع بعدم قبول الدعوى لرفعها بعد الميعاد على أن المادة
20 من القانون رقم 160 لسنة 1950 الخاص بالجنسية المصرية نصت على أن يعطي وزير الداخلية
كل ذي شأن شهادة الجنسية مقابل دفع الرسوم التي تفرض بقرار منه وذلك بعد التحقق من
ثبوت الجنسية، ويكون لهذه الشهادة حجيتها القانونية ما لم تلغ بقرار مسبب من وزير الداخلية.
ويجب أن تعطى هذه الشهادة لطالبها خلال سنة على الأكثر من تاريخ تقديم الطلب. ويعتبر
امتناع وزير الداخلية عن إعطائها في الميعاد المذكور رفض الطلب، وإن رفض طلبه يحق له
التظلم والطعن أمام الجهات المختصة. واختصاص مجلس الدولة بدعاوى الجنسية طبقاً للمادة
8 من القانون رقم 55 لسنة 1959 لا يكون إلا حيث يبنى الطعن على أحد الأسباب المنصوص
عليها في الفقرتين الأخيرتين من هذه المادة بما في ذلك رفض السلطات الإدارية أو امتناعها
عن اتخاذ قرار كان من الواجب عليها قانوناً اتخاذه. فلا ينظر مجلس الدولة دعاوى الجنسية
عن طريق الطلب الأصلي دون الطعن في قرار إداري صريح أو ضمني. ولما كان المدعي قد فوت
المواعيد المقررة للطعن في قرار وزير الداخلية الذي قضى برفض طلبه فإن دعواه تكون غير
مقبولة شكلاً لرفعها بعد الميعاد مما يتعين معه إلغاء الحكم المطعون فيه والقضاء بعدم
قبول الدعوى أما من ناحية الموضوع فقد قدم المدعي المستندات المثبتة لاستمرار إقامته
في المدة من سنة 1914 حتى سنة 1923. وليس صحيحاً أن المحكمة قلبت قواعد الإثبات حين
قررت أنه كان على الحكومة أن تقدم الدليل على أن المدعي لم يكن معتقلاً طوال سنة 1915
وأطلق سراحه في سنة 1916 ذلك أنه حدد مكان الاعتقال وزمانه، وما كان في وسعه أن يفعل
أكثر من ذلك ما دامت الأوراق المثبتة لهذه الواقعة في حوزة الحكومة، فإذا عجزت هذه
الأخيرة عن إثبات العكس بسبب فقد السجلات فلا ينبغي أن يضار بذلك ولا سيما أن الاعتقال
ينزل منزلة القوة ويخوله إثبات إقامته بالقطر المصري خلال هذه الفترة بكافة طرق الإثبات
بما فيها شهادة الجيران التي قدمها مصداقاً لقوله فضلاً عن التحريات التي أجرتها مباحث
مديرية الشرقية. ومن ثم فلا تثريب على الحكم المطعون فيه حين قرر أن الظاهر يؤيد صحة
المستندات المقدمة من المدعي. ويكون هذا الوجه من الطعن واجب الرفض.
أ – عن الدفع بعدم قبول الدعوى:
من حيث إن مبنى الدفع بعدم قبول الدعوى شكلاً لرفعها بعد الميعاد الذي أثارته وزارة
الداخلية أمام محكمة القضاء الإداري التي قضت برفضه، والذي تمسكت به الوزارة في طعنها
وأيدتها فيه هيئة مفوضي الدولة أمام هذه المحكمة هو أن اختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء
الإداري بنظر دعاوى الجنسية وفقاً للمادة الثامنة من القانون رقم 55 لسنة 1959 في شأن
تنظيم مجلس الدولة منوط بوجوب أن يكون ثمة طعن موجه إلى قرار إداري نهائي – صريحاً
كان أو ضمنياً – إذ استلزمت الفقرة قبل الأخيرة من هذه المادة أن يكون مرجع الطعن عدم
الاختصاص أو وجود عيب في الشكل أو مخالفة القوانين أو اللوائح أو الخطأ في تطبيقها
أو تأويلها أو إساءة استعمال السلطة، وهذه العيوب لا تلحق إلا القرار الإداري الصادر
في شأن الجنسية. ومن ثم فلا يختص القضاء الإداري بنظر دعاوى الجنسية بطريق الطلب الأصلي،
أي لا يختص إلا بطلب إلغاء وارد في صورة طعن على قرار إداري صريح أو ضمني صادر من الجهة
المختصة في هذا الشأن.
ومن حيث إن قانون الجنسية العثماني الصادر في سنة 1869، وكذلك قانون الجنسية المصري
الصادر في سنة 1926، وقانون الجنسية الصادر في سنة 1929 لم يبين أيهما – وكان ذلك قبل
إنشاء القضاء الإداري – الجهة القضائية التي تختص بنظر المنازعات الخاصة بالجنسية.
وقد صدر بعد ذلك قانون إنشاء مجلس الدولة رقم 112 لسنة 1946 وجاء خلواً من النص بوجه
خاص على الدعاوى المتعلقة بالجنسية فيما عدا ما نص عليه بصفة عامة في البند 6 من المادة
الرابعة منه من اختصاص محكمة القضاء الإداري بالفصل في "الطلبات التي يقدمها الأفراد
بإلغاء القرارات الإدارية النهائية". وكذلك الحال في القانون رقم 9 لسنة 1949 الخاص
بمجلس الدولة. وعندما وضع مشروع القانون رقم 160 لسنة 1950 الخاص بالجنسية المصرية
أراد المشرع علاج هذا النقص بنص في التشريع يحسم الخلاف في الاختصاص القضائي بمنازعات
الجنسية ويقضي بأن تختص المحاكم المدنية الكلية بالنظر في جميع المسائل المتعلقة بالجنسية
سواء أكانت في صورة دعوى أصلية أم في صورة طعن في قرار من قرارات وزير الداخلية، وذلك
باعتبار الجنسية من عناصر الحالة المدنية، على أن تمثل فيها النيابة العامة. ثم عدل
المشروع بأن نص فيه على اختصاص المحاكم المدنية الكلية بالنظر في دعاوى الاعتراف بالجنسية
المصرية، أما الطعن في القرارات الإدارية الصادرة في شأن مسائل الجنسية المصرية فتختص
به محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة. وقد اتجه رأي إلى أن يعهد بالمنازعات في مسائل
الجنسية إلى القضاء الإداري وحده، سواء رفعت إليه بصفة أصلية أم في صورة مسألة أولية
في خصومة أخرى، أم طعناً في قرار إداري، وذلك على أساس كون الجنسية من أنظمة القانون
العام الذي يختص القضاء الإداري بنظر المنازعات المتعلقة به. ثم رؤى أخيراً حذف هذا
النص اكتفاء بما لمحكمة القضاء الإداري من اختصاص في هذا الشأن. وعلى هذا صدر قانون
الجنسية المشار إليه غفلاً من نص يتناول بيان الجهة القضائية التي تستند إليها ولاية
الفصل في مسائل الجنسية. وهذا أيضاً هو ما اتبعه المشرع في قانون الجنسية المصرية رقم
391 لسنة 1956 الذي لم يتعرض لبيان الاختصاص القضائي في منازعات الجنسية أو لحكم الدعوى
الأصلية بالجنسية. كما أن القانون رقم 165 لسنة 1955 في شأن تنظيم مجلس الدولة لم يستحدث
جديداً في هذا الخصوص. ثم صدر قرار رئيس الجمهورية العربية المتحدة بالقانون رقم 55
لسنة 1959 في شأن تنظيم مجلس الدولة للجمهورية العربية المتحدة، ونص لأول مرة في البند
تاسعاً من مادته الثامنة على اختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري دون غيره بالفصل
في "دعاوى الجنسية" التي تكون له فيها ولاية القضاء كاملة.
ومن حيث إن المنازعات في الجنسية إما أن تتخذ صورة دعوى أصلية مجردة بالجنسية ترفع
ابتداء مستقلة عن أي نزاع آخر ويكون الطلب الأصلي فيها هو الاعتراف بتمتع شخص بجنسية
معينة، وأما أن تطرح في صورة طعن في قرار إداري نهائي صادر في شأن الجنسية يطلب إلغاؤه
لسبب من الأسباب التي نصت عليها الفقرة قبل الأخيرة من المادة الثامنة من قانون تنظيم
مجلس الدولة رقم 55 لسنة 1959 وهي التي تعيب القرار الإداري وتعقد اختصاص القضاء الإداري
بنظر الطعن فيه، وتنحصر في عدم الاختصاص أو وجود عيب في الشكل أو مخالفة القوانين أو
اللوائح أو الخطأ في تطبيقها وتأويلها أو إساءة استعمال السلطة، وإما أن تثار في صورة
مسألة أولية أثناء نظر دعوى أصلية يتوقف الفصل فيها على الفصل في مسألة الجنسية.
ومن حيث إنه لا خلاف على اختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري بالفصل في الطعون التي
ترفع بطلب إلغاء القرارات الصريحة التي تصدرها الجهة الإدارية بالتطبيق لقانون الجنسية،
وكذا القرارات الحكمية التي ترفض أو تمتنع الجهة المذكورة عن اتخاذها في شأن الجنسية،
وفي طلبات التعويض عن هذه القرارات جميعاً. ومناط الاختصاص في هذه الحالة وفقاً لنص
الفقرتين الأخيرتين من المادة الثامنة ولنص المادة التاسعة من قانون تنظيم مجلس الدولة
رقم 55 لسنة 1959 أن يكون مرجع الطعن عدم الاختصاص أو وجود عيب في الشكل أو مخالفة
القوانين أو اللوائح أو الخطأ في تطبيقها وتأويلها أو إساءة استعمال السلطة، وأن يكون
طلب التعويض عن قرار من هذه القرارات. وغني عن البيان أنه إذا ما أثيرت أمام القضاء
الإداري مسألة أولية في شأن الجنسية بصفة تبعية أثناء نظر منازعة أخرى أصلية معروضة
عليه أو على القضاء العادي يتوقف الفصل فيها على الفصل في تلك المسألة، فإنه يلزم الفصل
في المنازعة المتعلقة بالجنسية لإمكان الفصل في الدعوى الأصلية وذلك على تفصيل لا يحتمل
المقام التعرض له في الخصوصية الراهنة. وثمة الدعوى المجردة بالجنسية، وهي الدعوى الأصلية
التي يقيمها استقلالاً عن أي نزاع آخر أو أي قرار إداري أي فرد له مصلحة قائمة أو محتملة
وفقاً لنص المادة الرابعة من قانون المرافعات في المواد المدنية والتجارية في أن يثبت
أنه يتمتع بجنسية الجمهورية العربية المتحدة أو لا يتمتع بها إذا ما أنكرت عليه هذه
الجنسية ونوزع فيها أو من كان يهمه من الوجهة الأدبية الحصول على حكم مثبت لجنسيته
احتياطياً لنزاع مستقبل. ويكون الموضوع الأصلي المباشر لهذه الدعوى هو طلب الحكم لرافعها
بكونه مصرياً أو غير مصري وتختصم فيها وزارة الداخلية بوصفها الطرف الآخر الذي يمثل
الدولة في رابطة الجنسية أمام القضاء، لكي يصدر حكم مستقل واحد يكون حاسماً أمام جميع
الجهات وله حجية قاطعة في شأن جنسية المدعي بدلاً من أن يلجأ إلى وزير الداخلية بالتطبيق
لنص المادة 28 من قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 82 لسنة 1958 بشأن جنسية الجمهورية
العربية المتحدة لإعطائه شهادة بالجنسية المصرية، بعد التحقق من ثبوت هذه الجنسية،
يكون لها حجيتها القانونية ما لم تلغ بقرار مسبب من الوزير المذكور. وقد كان المشرع
إلى ما قبل صدور قانون مجلس الدولة رقم 55 لسنة 1959 لا ينظم هذه الدعوى ولا يعين جهة
القضاء المختصة بنظرها إلا أن تكون في صورة طعن بطلب إلغاء قرار إداري إيجابي أو سلبي
صادر من وزارة الداخلية برفض الاعتراف لصاحب الشأن بالجنسية المصرية أو رفض تسليمه
شهادة بها تاركاً قبولها للقواعد العامة بوصفها دعوى وقائية تهدف إلى تقرير مركز قانوني
وإلى حماية الحق الذاتي في الجنسية استناداً إلى المصلحة الاحتمالية فلما صدر القانون
المذكور استحدث في مادته الثامنة حكماً خاصاً بدعاوى الجنسية يقضي بأن "يختص مجلس الدولة
بهيئة قضاء إداري دون غيره بالفصل في المسائل الآتية: ويكون له فيها ولاية القضاء كاملة:
أولاً -… تاسعاً – – دعاوى الجنسية". وهذا النص صريح في إسناد الاختصاص إلى القضاء
الإداري دون غيره بالفصل في دعاوى الجنسية التي تكون له فيها ولاية القضاء كاملة. ويتناول
بداهة حالة الطعن بطلب إلغاء القرارات الإدارية الصريحة والحكمية الصادرة في شأن الجنسية
وهي التي ينصرف إليها الحكم الوارد في الفقرة قبل الأخيرة من هذه المادة الذي يشترط
في هذه الحالة أن يكون مبنى الطعن عدم الاختصاص أو وجود عيب في الشكل أو مخالفة القوانين
أو الخطأ في تطبيقها وتأويلها أو إساءة استعمال السلطة. كما يدخل في مدلول عبارة "دعاوى
الجنسية" التي وردت في البند تاسعاً من المادة المذكورة الدعاوى الأصلية بالجنسية،
وآية ذلك – في ضوء ما سلف التنويه إليه من مناقشات أثناء إعداد مشروع القانون رقم 160
لسنة 1950 الخاص بالجنسية المصرية – أنه لو قصر فهم هذه العبارة على الطعون بطلب إلغاء
القرارات الإدارية الصادرة في شأن الجنسية لما كان لاستحداثها أي جدوى أو معنى يضيف
جديداً إلى ما استقر عليه القضاء الإداري من اختصاصه بنظر هذه الطعون بحسب تشريعات
مجلس الدولة السابقة على القانون رقم 55 لسنة 1959، ومن أن القرارات التي تصدرها السلطة
التنفيذية تطبيقاً لقانون الجنسية إنما تعتبر أعمالاً إدارية تخضع لرقابة القضاء الإداري
لكون قواعد الجنسية من أوثق المسائل صلة بالقانون العام وبالحقوق العامة والسياسية
مما يخرجها من نطاق الأحوال الشخصية من جهة، ولكون ما تصدره الإدارة من قرارات تنفيذاً
للتشريعات الصادرة من الدولة في شأن الجنسية لا يعتبر من جهة أخرى من الأعمال المتعلقة
بالسياسة العليا للدولة ويبعد تبعاً لذلك عن دائرة أعمال السيادة. وهذا إلى أن انصراف
قصد الشارع في قانون تنظيم مجلس الدولة رقم 55 لسنة 1959 إلى الدعاوى الأصلية بالجنسية
إلى جانب الطعون بطلب إلغاء القرارات الإدارية الصادرة في شأن الجنسية يمتنع بجلاء
من استعماله لاصطلاح "دعاوى الجنسية" لأول مرة في البند تاسعاً من المادة الثامنة من
هذا القانون، وهو الذي درج على التحدث عن "الطعون" و"المنازعات" و"الطلبات" عندما تكلم
في المادة الثامنة المشار إليها – ومن قبل مختلف قوانين مجلس الدولة المتعاقبة – عن
المسائل التي يختص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري بالفصل فيها وبذلك حصر الشارع بالنص
الجديد الاختصاص بنظر هذه الدعاوى في القضاء الإداري وحده دون غيره، وحسم بهذا النص
ما كان قائماً في شأنها من خلاف بين القضاء العادي والقضاء الإداري.
ومن حيث إن الدعوى الحالية، كما يبين من سياق ما ورد في صحيفتها ومن طلبات المدعي فيها،
إنما هي دعوى أصلية بالجنسية مما ينفرد مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري بالاختصاص بالفصل
في دعاوى الجنسية، ويستهدف المدعي في الدعوى الأصلية بالجنسية الاعتراف له بتمتعه بجنسية
الجمهورية العربية المتحدة. ولا يختصم فيها قراراً إدارياً معيناً، صريحاً أو ضمنياً،
يطعن فيه بطلب إلغائه، وإنما يطلب الحكم بثبوت جنسيته المصرية استقلالاً عن أي قرار
من هذا القبيل، وعلى أساس هذا التكييف فإنها لا تخضع للمواعيد المقررة قانوناً للطعن
بالإلغاء في القرارات الإدارية ما دام لا يوجد فيها القرار الإداري الذي يرتبط به ميعاد
رفع طلب الإلغاء. ولا يغير من هذا كون المدعي سبق أن تقدم في 26 من أغسطس سنة 1953
إلى إدارة الجوازات والجنسية بطلب إعطائه شهادة بالجنسية المصرية وأنه أبلغ في 30 من
سبتمبر سنة 1956 برفض طلبه هذا، فتظلم من قرار الرفض إلى السيد وزير الداخلية في 8
من نوفمبر سنة 1956 ولم يتقدم بطلب إعفائه من الرسوم القضائية المستحقة على الدعوى
الحالية إلا في 27 من ديسمبر سنة 1958 ذلك أن طلبه في الماضي إنما كان ينصب على الحصول
على دليل إثبات قوامه شهادة لها حجيتها القانونية ما لم تلغ بقرار مسبب من وزير الداخلية،
أي لا تعد دليلاً قاطعاً في الجنسية، وتخضع في منحها لما يقدمه طالبها من الأدلة المثبتة
لتمتعه بهذه الجنسية، وقد يعوزه الدليل على ذلك في وقت ما فيرفض طلبه، ثم يتوافر لديه
الدليل في وقت آخر فلا يحال بينه – بسبب فوات ميعاد الطعن في قرار الرفض هذا – وبين
وصوله إلى تقرير مركز قانوني له يتعلق بحالته الشخصية التي يستمد أصل حقه فيها من القانون
دون توقف على إرادة الجهة الإدارية الملزمة أو على تدخلها في المنح أو المنع بسلطة
تقديرية، ذلك أن الجنسية هي رابطة قانونية وسياسية بين الفرد والدولة ينظم القانون
ثبوتها واكتسابها وفقدها واستردادها فإذا تحققت لشخص أسباب تمتعه بها فلا يحرم من الحق
في الاعتراف له بهذه الحالة الواقعية القائمة به بحكم القانون لمجرد عجزه في وقت ما
عن تقديم دليل على توافر عناصرها لديه، أو لاضطراره بسبب هذا العجز الوقتي إلى السكوت
عن الطعن في القرار الصادر من الإدارة في شأنها. ومن أجل هذا وجدت الدعوى الأصلية بالجنسية
لتكون علاجاً متاحاً في كل وقت لمل هذا الوضع، وتحررت من التقيد بالمواعيد المقررة
للطعن بالإلغاء وموضوع هذه الدعوى في الخصوصية المعروضة ليس هو الطعن في القرار السابق
صدوره برفض منح المدعي شهادة بالجنسية المصرية، وإنما المطالبة بالإقرار له بهذه الجنسية
استقلالاً عن أي قرار إداري. ومن ثم فإن الدفع بعدم قبولها شكلاً بمقولة أنها رفعت
بعد الميعاد يكون على غير أساس سليم من القانون ويتعين رفض هذا الدفع والحكم بقبول
الدعوى وإذ انتهى حكم محكمة القضاء الإداري المطعون فيه إلى هذه النتيجة فإنه يكون
قد أصاب الحق في هذا الشق منه.
ب – عن الموضوع:
من حيث إنه يتضح من الأوراق أن المدعي يطلب الاعتراف له بالجنسية المصرية استناداً
أنه عثماني الأصل من مواليد سالونيك وأنه أقام بمصر منذ أن أحضرته إليها الحكومة المصرية
في سنة 1912 على الباخرة المحروسة ضمن المهاجرين من قوله بسبب حرب البلقان وكانت سنه
وقتذاك زهاء 18 سنة، وأنه حافظ على هذه الإقامة حتى الآن حيث تزوج بمصرية في سنة 1918
وأنجب بنتاً في سنة 1921 وزاول أعمالاً مختلفة في البلاد منذ وفوده إليها، بينما تنكر
عليه وزارة الداخلية هذه الجنسية بحجة عجزه عن إثبات إقامته العادية في الأراضي المصرية
في المدة من 5 من نوفمبر سنة 1914 حتى نهاية سنة 1917.
ومن حيث إنه يبين من الاطلاع على ملف إدارة الجوازات والجنسية رقم 23/ 38/ 211 الخاص
بالمدعي أن المدة التي ينقصها دليل إثبات الإقامة هي تلك الواقعة بين 5 من نوفمبر سنة
1914 ونهاية سنة 1917، أما المدة التالية لذلك حتى تاريخ 10 من مارس سنة 1929 وما بعده
فلا تنازع وزارة الداخلية في إقامة المذكور خلالها بالأراضي المصرية، وذلك نظراً إلى
ما قدمه إليها من أدلة مشتة لهذه الإقامة وأخصها الرخصة رقم 313 بقيادة سيارة عمومي
الصادرة باسمه في 7 من إبريل سنة 1918 من محافظة مصر والمجددة حتى سنة 1958، ووثيقة
زواجه الحاصل عليها بالقطر المصري في أول فبراير سنة 1918 على يد مأذون ناحية قسم عابدين
التابعة لمحكمة مصر الابتدائية الشرعية. كما أن الوزارة لا تنكر عليه أصله العثماني
بناء على شهادة النفوس المقدمة منه والدالة على ولادته في محرم سنة 1305 الهجرية بمدينة
سالونيك التي كانت تابعة وقتذاك للدولة العثمانية. هذا إلى أن اسمه واسم والده وجده
غير مدرج أي منها في كشوف من اختاروا الجنسية التركية أو جنسية إحدى البلاد التي فصلت
عن الدولة العثمانية القديمة بمقتضى معاهدة لوزان المعقودة في 24 من يوليه سنة 1923،
كما أنه غير مقيد بسجلات القنصلية التركية بمصر ولا بسجلات القنصلية اليونانية بالقاهرة
أو بور سعيد كما يبين من إجابات هذه القنصليات. وقد دلت تحريات المباحث العامة على
أنه ملم باللغة العربية وحسن السير والسلوك وليس له أي نشاط ضار.
ومن حيث إن المدعي قدم للتدليل على إقامته بمصر في الفترة من سنة 1914 إلى سنة 1918
شهادة عرفية يقرر فيها موقعوها ورثة الحاج علي إسماعيل الفحام أنه كان يقطن بمنزل والدهم
رقم 23 بحارة الفوالة شارع رشدي باشا قسم عابدين محافظة مصر من سنة 1914 إلى سنة 1922
وأنه تزوج بالمنزل المذكور وأنجب بنتاً. وهذه الشهادة وإن لم تكن ورقة رسمية ذات حجية
بما اشتملت عليه، أو ورقة عرفية منشأة في التاريخ الذي تشهد بدلالتها على تحقيق واقعة
الإقامة فيه، إذ أنها محررة في سنة 1954 أي في تاريخ لاحق للفترة المراد إثبات الإقامة
فيها ولا تنبئ بذاتها عن الإقامة بل تتضمن رواية بهذا المعنى على لسان شهود وبهذه المثابة
يمكن ألا تعد محلاً للاعتبار حتى لا يؤخذ في إثبات الإقامة التي يترتب عليها ثبوت الجنسية
بدليل يسهل اصطناعه ويشق الاطمئنان إليه، إلا أن المدعي قد عززها بالاستناد في التدليل
في إقامته بالأراضي المصرية في الفترة من سنة 1914 حتى سنة 1918 إلى وقائع عينها زماناً
ومكاناً يصعب وجود دليلها بين يديه إن لم يكن بين يدي جهة الإدارة نفسها، فمن كشوف
الوافدين إلى مصر من ركاب الباخرة المحروسة سنة 1912 الذين يقول إنه كان من بينهم،
إلى سجلات المعتقلين في الحرب العالمية الأولى بمعتقلات سافوى، وقصر النيل، والجيزة،
والمعادي التي يقرر أنه اعتقل بها في سنتي 1915، 1916، وكل أولئك – وبوجه خاص القبض
والاعتقال يرقى إلى مرتبة العذر القاهر الذي يشفع في إمكان إثبات الإقامة خلال الفترة
المذكورة بالشواهد الميسرة وقرائن الأحوال، وإذ كانت مغادرة البلاد بالنسبة إلى مثل
المدعي إبان الحرب المشار إليها من الأمور العسيرة والعودة إليها خلال تلك الحرب أكثر
عسراً، وكان وجوده في الديار المصرية في أول فبراير سنة 1918 تاريخ عقد قرانه ثابتاً
من وثيقة زواجه الرسمية وهذا الزواج يفترض عادة أن يسبقه تعارف بين الزوجين والأهل
ومورد رزق يكفل العيش وهو ما يستغرق تحققه قدراً من الزمن – كما أن وجوده في شهر إبريل
من السنة ذاتها ثابت كذلك من رخصة قيادة السيارة المقدمة منه والمجددة بعد ذلك حتى
سنة 1952 وكانت واقعة قدومه إلى مصر على الباخرة المحروسة في سنة 1912 غير مجادل فيها
جدياً، وواقعة اعتقاله في سنة 1915 حتى سنة 1916 يؤيده إثباتها بدليل من عنده، وهي
قريبة التصديق ولا سيما أنه لم ينهض على دحضها دليل إيجابي تملك الإدارة أكثر منه السبيل
إليه، إذا كان كل ذلك فإن هذه القرائن في جملتها بالإضافة إلى ما يوحي به استصحاب الحال
من وجوده بالبلاد قبل سنة 1918 بحكم الظروف التي ثبت فيها وجوده بها في سنة 1918 وظروف
الحرب العالمية التي كانت ناشبة وقتذاك، هذه القرائن جميعاً تزكي الاقتناع بصدق دعواه
أنه كان مقيماً بالأراضي المصرية إقامة عادية غير منقطعة منذ قبل سنة 1914، ذلك الاقتناع
الذي أخذ به الحكم المطعون فيه في مقام الدليل على إقامة المذكور بالبلاد في الفترة
من سنة 1914 إلى نهاية سنة 1917، والذي هو في ذاته استخلاص سائغ سليم تبرره ظروف الحال
وشواهده في الخصوصية المعروضة. ومتى كان الأمر كذلك فإن المدعي يكون مصرياً وفقاً لنص
الفقرة الخامسة من المادة الأولى من القانون رقم 160 لسنة 1950 الخاص بالجنسية المصرية
باعتباره من الرعايا العثمانيين الذين يقيمون عادة في الأراضي المصرية في 5 نوفمبر
سنة 1914 وحافظوا على تلك الإقامة حتى تاريخ 10 مارس سنة 1929 سواء أكانوا بالغين أم
قصراً.
وإذا كانت الفقرة التاسعة من المادة الأولى من القانون رقم 160 لسنة 1950 تقضي بألا
تقبل طلبات بإعطاء شهادات بالجنسية المصرية من الأشخاص الذين ينطبق عليهم حكم الفقرة
الخامسة من هذه المادة بعد مضي سنة من تاريخ العمل بهذا القانون وبالنسبة إلى القصر
بعد مضي سنة من بلوغهم سن الرشد وكان المدعي قد تقدم إلى وزارة الداخلية بطلب تسليمه
هذه الشهادة في 11 من يوليه سنة 1953 فإن الأمر يتعلق في الدعوى الراهنة لا بطلب شهادة
بجنسية الجمهورية العربية المتحدة كدليل إثبات غير مطلق الحجية، وإنما بدعوى أصلية
بالجنسية يراد بها الاعتراف للمذكور بتمتعه بهذه الجنسية، وهي لا تخضع للميعاد المتقدم
على نحو ما سلف بيانه في مقام قبول هذه الدعوى.
ومن ثم فإن حكم محكمة القضاء الإداري المطعون فيه يكون قد صادف الصواب في النتيجة التي
انتهى إليها في قضائه بالنسبة إلى موضوع الدعوى ويكون الطعن فيه في غير محله متعيناً
رفضه مع إلزام الحكومة بالمصروفات.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وبرفضه موضوعاً، وألزمت الحكومة بالمصروفات.
