الطعن رقم 875 لسنة 7 ق – جلسة 04 /01 /1964
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة التاسعة – العدد الأول (من أكتوبر سنة 1963 إلى آخر يناير 1964) – صـ 362
جلسة 4 من يناير سنة 1964
برئاسة السيد/ مصطفى كامل إسماعيل وكيل المجلس، وعضوية السادة: حسن السيد أيوب والدكتور ضياء الدين صالح وعبد المنعم سالم مشهور ومحمد مختار العزبي المستشارين.
القضية رقم 875 لسنة 7 القضائية
( أ ) موظف – حسن السمعة – هو شرط صلاحية تقتضيه طبيعة الوظيفة
العامة – أثر ذلك – وجوب توافره دواماً في الموظف لاستمراره في تقلد وظيفته والبقاء
فيها – خروج الموظف على مقتضى واجبات وظيفته قبل العمل بالقانون رقم 117 لسنة 1958
بإعادة تنظيم النيابة الإدارية والمحاكمات التأديبية في الإقليم المصري لا يمنع من
مجازاته بإحدى العقوبات المقررة في هذا القانون، والقانون رقم 210 لسنة 1951 – أساس
ذلك.
(ب) تأديب – النظام القانوني للتأديب – اختلافه عن النظام المقرر بالقوانين الجنائية
للأفعال المؤثمة – عدم تحديد الأفعال المكونة للذنب الإداري حصراً ونوعاً وردها بوجه
عام إلى الإخلال بواجبات الوظيفة أو الخروج على مقتضياتها واعتبارها سبباً للقرار التأديبي
– تحقق هذا السبب بكل فعل أو مسلك من الموظف راجع إلى إرادته إيجاباً أو سلباً يكون
في ذاته سلوكاً معيباً ينعكس أثره على كرامة الوظيفة ويمس اعتبار شاغلها – أساس ذلك
– مثال.
1) تشترط المادة 6 من القانون رقم 210 لسنة 1951 في فقرتها الثانية فيمن يعين في إحدى
الوظائف أن يكون محمود السيرة ولما كان هذا شرط صلاحية تقتضيه طبيعة الوظيفة العامة
فإنه لا يستلزم عند التعيين فيها ابتداء فحسب بل يتطلب توافره دواماً للاستمرار في
تقلدها والبقاء فيها وتقضي المادة 83 من القانون ذاته بأن كل موظف يخالف الواجبات المنصوص
عليها في هذا القانون أو يخرج على مقتضى الواجب في أعمال وظيفته يعاقب تأديبياً وإذا
كان القانون رقم 117 لسنة 1958 بإعادة تنظيم النيابة الإدارية والمحاكمات التأديبية
قد صدر في تاريخ لاحق لتاريخ ارتكاب المتهم للأفعال المنسوبة إليه فإن هذا القانون
لم يتضمن في المادة 31 منه أي تعديل للجزاءات التأديبية المنصوص عليها في المادة 84
من القانون رقم 210 لسنة 1951 بالنسبة إلى الموظفين من الدرجة الثانية فما دونها ومنهم
المتهم الذي يشغل الدرجة السادسة وكل ما قد استحدثه في هذه المادة إنما هو تنظيم لاختصاص
المحاكم التأديبية فيما يتعلق بنوع الجزاءات التي توقعها كل منها على أساس اختلاف تشكيل
هذه المحاكم تبعاً لما إذا كان الموظف المقدم للمحاكمة من الدرجة الثانية فما دونها
أو من الدرجة الأولى فما فوقها. وبهذه المثابة فإن القانون رقم 117 لسنة 1958 بوصفه
قانوناً إجرائياً في هذا الخصوص متعلقاً بالتنظيم القضائي وبالاختصاص يسري بأثره المباشر
وفقاً للقواعد العامة ولنص المادة 47 منه على جميع الدعاوى التأديبية المنظورة أمام
مجالس التأديب والتي أصبحت بمقتضى أحكامه من اختصاص المحاكم التأديبية ولا وجه للاحتجاج
بعدم جواز معاقبة المتهم بعقوبة قررها قانون لاحق على الفعل المراد تأثيمه، ذلك أن
العقوبة الواردة في المادة 31 من القانون رقم 117 لسنة 1958 بالنسبة إلى فئة الموظفين
التي ينتمي إليها المتهم هي بذاتها عين العقوبة المقررة في المادة 84 من القانون رقم
210 لسنة 1951 الذي ارتكبت في ظله الأفعال المسندة إليه ولا يزال حكم هذه المادة قائماً.
2) إن القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة لم ينتهج مسلك قانون العقوبات
والقوانين الجنائية الأخرى في حصر الأفعال المؤثمة وتحديد أركانها ونوع العقوبة المقررة
لكل منها ومقدارها وإنما سرد في الفصل السادس من الباب الأول منه أمثلة من واجبات الموظفين
والأعمال المحرمة عليهم ونص في المادة 83 منه على أن كل موظف يخالف الواجبات المنصوص
عليها فيه أو يخرج على مقتضى الواجب في أعمال وظيفته يعاقب تأديبياً ثم أورد في المادة
84 بياناً بالجزاءات التي يجوز توقيعها على هؤلاء الموظفين عن المخالفات المالية والإدارية
فالأفعال المكونة للذنب الإداري إذن ليست محددة حصراً ونوعاً وإنما مردها بوجه عام
إلى الإخلال بواجبات الوظيفة أو الخروج على مقتضياتها وهذا هو سبب القرار التأديبي
فكل فعل أو مسلك من جانب الموظف راجع إلى إرادته إيجاباً أو سلباً تتحقق به المخالفة
لواجبات الوظيفة العامة أو الخروج على مقتضى الواجب في أعمالها أو الإخلال بالنهي عن
الأعمال المحرمة عليه إنما يعد ذنباً إدارياً يسوغ مؤاخذته تأديبياً ولو كان المجال
الذي ارتكب فيه خارج نطاق العمل الوظيفي ما دام هذا العمل يكون في ذاته سلوكاً معيباً
ينعكس أثره على كرامة الوظيفة ويمس اعتبار شاغلها بما يقلل من هيبتها ويزعزع الاطمئنان
إلى استقامة القائم بأعبائها أو يشكك في نزاهته ونقاء سيرته أو يلقي على خلقه أو ذمته
ظلاً من الريب يتنافى مع ما ينبغي أن يتحلى به من كريم الخصال وليس من شك في أن المعلم
وهو القوام على تربية الناشئة وتهذيب تلاميذه من الجنسين وتثقيف عقولهم وتغذية أرواحهم
بالقيم من مبادئ الأخلاق وغرس الفضائل في نفوسهم والأمين على أرواحهم وأعراضهم يجب
أن يكون قدوة مثلى في سلوكه هو قبل أن يقوم سلوك غيره، وأن ينأى بتصرفاته عن مواطن
الريب والشبهات فلا ينزلق إلى مسلك موصوم بالانحراف ترين عليه ظنون تنزع الثقة فيه
والاطمئنان إليه في مباشرته لاختصاصات وظيفته.
إجراءات الطعن
في 23 من فبراير سنة 1961 أودع الأستاذ حنا تادرس المحامي المقبول لدى المحكمة الإدارية العليا بصفته وكيلاً عن السيد/ فائق الياس يعقوب سكرتيرية المحكمة عريضة طعن أمام هذه المحكمة قيد بجدولها تحت رقم 875 لسنة 7 القضائية في الحكم الصادر من المحكمة التأديبية لوزارات التربية والتعليم والشئون الاجتماعية والعمل والثقافة والإرشاد القومي "الهيئة الثانية" بجلسة 25 من مايو سنة 1960 في الدعوى التأديبية رقم 174 للسنة الأولى القضائية المقامة من النيابة الإدارية ضد السيد/ فائق الياس يعقوب القاضي بمجازاة السيد/ فائق الياس يعقوب بخصم خمسة أيام من مرتبه عما ثبت في حقه وطلب الطاعن للأسباب التي استند إليها في عريضة طعنه "الحكم بقبول هذا الطعن شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه بكافة أجزائه واعتباره كأن لم يكن مع إلزام المدعى عليه السيد/ مدير عام النيابة الإدارية بالمصروفات والأتعاب مع حفظ كافة الحقوق الأخرى" وقد أعلن هذا الطعن إلى النيابة الإدارية في 6 من مارس سنة 1961، فعقبت عليه هيئة مفوضي الدولة بمذكرة بالرأي القانوني مسبباً انتهت فيها لما أبدته له بها من أسباب إلى أنها ترى "قبول الطعن شكلاً، ورفضه موضوعاً وإلزام الطاعن المصروفات" وبعد أن انقضت المواعيد القانونية المقررة دون أن يقدم أي من الطرفين مذكرة بملاحظاته عين لنظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون بهذه المحكمة جلسة 5 من أكتوبر سنة 1963 التي أبلغ بها الطرفان في 18 من يوليه سنة 1963 وقد قررت الدائرة إحالة الطعن إلى الدائرة الأولى بالمحكمة العليا حيث عين لنظره أمامها جلسة 14 من ديسمبر سنة 1963 التي أبلغ بها الطرفان في 28 من أكتوبر سنة 1963 وبعد أن سمعت المحكمة ما رأت لزوماً لسماعه من إيضاحات ذوي الشأن على الوجه المبين بمحضر الجلسة قررت إرجاء النطق بالحكم في الطعن إلى جلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع الإيضاحات، وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية بمراعاة أن حكم المحكمة التأديبية المطعون
فيه قد صدر بجلسة 25 من مايو سنة 1960 وأن السيد/ فائق الياس يعقوب تقدم في 24 من يوليه
سنة 1960 أي خلال ستين يوماً إلى لجنة المساعدة القضائية بالمحكمة الإدارية العليا
بطلب قيد تحت رقم 297 لسنة 6 القضائية لإعفائه من رسوم الطعن الذي يزمع رفعه عن هذا
الحكم وأن اللجنة قررت بجلسة 24 من ديسمبر سنة 1960 رفض هذا الطلب فرفع طعنه الحالي
برسوم أداها وذلك بعريضة أودعها سكرتيرية هذه المحكمة في 23 من فبراير سنة 1961 أي
في الميعاد القانوني وفقاً لما جرى عليه قضاء المحكمة العليا في خصوص أثر طلب المساعدة
القضائية القاطع لميعاد رفع الطعن أمامها وبمراعاة أن آخر يوم لهذا الميعاد وافق عطلة
رسمية هي عيد قيام الجمهورية العربية المتحدة وهو يوم 22 من فبراير سنة 1961 فامتد
إلى أول يوم بعدها وهو يوم 23 منه الذي أودعت فيه عريضة الطعن وذلك بالتطبيق لنص المادة
23 من قانون المرافعات المدنية والتجارية.
ومن حيث إن وقائع الدعوى حسبما يبين من أوراق الطعن تتحصل في أن النيابة الإدارية أحالت
في القضية رقم 290/ 1958 بناء على التحقيقات التي أجرتها في القضية رقم 153/ 1/ 1956
السيد/ فائق الياس يعقوب المدرس بمدرسة الإيمان الثانوية للبنين بشبرا من الدرجة السادسة
إلى المحكمة التأديبية لأنه بصفته موظفاً عمومياً ارتكب المخالفة الإدارية الآتية:
في الفقرة من 8 ديسمبر سنة 1955 إلى 14 ديسمبر سنة 1955 آوى بمنزله حالة كونه عزباً
إحدى تلميذات مدارس الزقازيق كانت قد هربت من ذويها وأبقاها لديه المدة المذكورة دون
أن يعمل على إعادتها إلى أهلها أو يبلغ البوليس عنها ليتخذ شئونه نحوها واصطحب الفتاة
معه إلى إحدى دور السينما دون أن تربطه بها رابطة مما يحيطه بالشبهات ويسيء إلى سمعته
خاصة وأن تقرير الطبيب الشرعي على الفتاة وإن دل على سلامة غشاء بكارتها إلا أنه أردف
بأن ذلك لا ينفي احتمال حدوث احتكاك جنسي خارجي لها لم يترك أثراً وبناء عليه يكون
الموظف المذكور قد خالف نص المادتين 6/ 2 و83 من القانون 210 لسنة 1951 والقوانين المعدلة
له وطلبت النيابة الإدارية محاكمة الموظف المذكور تأديبياً بالمادتين المذكورتين وتطبيق
المادة 31/ 1 من القانون رقم 117 لسنة 1958 سالف الذكر ويتلخص موضوع هذا الاتهام وفقاً
لما تضمنه تحقيق البوليس والنيابة العامة في المحضر رقم 10770 لسنة 1955 إداري الأزبكية
في أن السيد/ زكريا محمد حسن عم الفتاة سعدية حسن محمد تقدم في 14 من ديسمبر سنة 1955
ببلاغ إلى قسم بوليس الأزبكية مفاده أنه في هذا التاريخ حوالي الساعة الحادية عشرة
مساء وجد ابنة أخيه المذكورة تسير بميدان محطة مصر بصحبة المتهم. ولما كانت هذه الفتاة
قد هربت من أهلها في الزقازيق يوم 8 من ديسمبر سنة 1955 فقد طلب ضبط الواقعة وقرر أنه
لا يتهم هذا الأخير بتحريض الفتاة على الهرب إذ أنها هربت من تلقاء نفسها وقد قررت
الفتاة أنها هربت من أهلها بالزقازيق في يوم 8 من ديسمبر سنة 1955 لأن والدها كان يضربها
وأن أحداً لم يحرضها على الهرب وأنها سافرت إلى القاهرة بمفردها حيث قابلها مصادفة
السيد/ فائق الياس الذي لم تكن تعرفه من قبل وسألها عن سبب بكائها فلما أخبرته بموضوعها
سألها عما إذا كانت تريد المبيت عنده، ولما وافقت اصطحبها إلى منزله حيث مكثت عنده
أسبوعاً حتى شاهدها عمها مقدم البلاغ وهي في طريقها مع المتهم إلى منزله بعد خروجهما
من إحدى دور السينما بشارع عماد الدين وبسؤالها عما إذا كان هذا الأخير قد اعتدى على
عفافها أجابت بالنفي ولكنها ذكرت أنها طلبت منه مراراً إعادتها إلى أهلها فكان يراوغها
وقد قرر المذكور في التحقيق أنه وجد هذه الفتاة تبكي عند موقف الأتوبيس رقم 25 ولما
سألها عن سبب بكائها أخبرته بموضوع هربها من أهلها بالزقازيق ولما عرض عليها أن تبيت
بمنزله وافقت وفي اليوم التالي اصطحبها إلى خياطة لكي تعمل عندها وقد كانت تذهب إليها
يومياً بالفعل وتعود إلى منزله للمبيت عنده وكان قصده من هذا التصرف أن تحصل على رزقها
وعلل عدم تسليمه إياها للبوليس من أول الأمر بأنها رفضت ذلك وأضاف أنه كان في نيته
أن يرسلها إلى أهلها بالزقازيق لولا عدم استطاعته ذلك بسبب نفاذ نقوده وقد أيدت الفتاة
في أنها اشتغلت فعلاً لدى خياطة تدعى لوريس وإنما لمدة ثلاثة أيام فقط وبسؤالها عن
المكان الذي كانت تبيت فيه بمنزله أجابت بأنها كانت تبيت في حجرته بينما كان يبيت هو
على منضدة بالصالة وأنه كان يعيش بمفرده في هذا المنزل ونفت حدوث أي اعتداد عليها وقد
جاء بتقرير الطبيب الشرعي الذي تولى توقيع الكشف عليها أنه لم يتبين بجسمها أي أثر
للعنف وأنه وجد غشاء بكارتها سليماً ولم يتبين بها أثراً لتسلخ أو تلوث جنسي أو مرض
وليس بها أثر لفسق قديم أو حديث وأنها بكر إلا أنها ذلك لا ينفي احتمال حدوث احتكاك
جنسي خارجي لها لم يترك أثراً وبمواجهة المتهم في التحقيق الإداري بمسئوليته الأدبية
عن عدم إبلاغ البوليس من بادئ الأمر وعن إيوائه الفتاة بمنزله مع أنه رجل أعزب ومن
رجال التعليم الذين يجب أن ينأوا بأنفسهم عن الشبهات أجاب بأن هذا التصرف لم يخطر بباله
وأنه لم يقصد إلا خيراً وعلل ما أخذ عليه من سوء التصرف باصطحابه الفتاة إلى السينما
على الرغم من عدم ارتباطها به بأي رباط بأنها هي التي طلبت منه ذلك وقد حفظت النيابة
العامة الموضوع جنائياً لعدم وجود جريمة إلا أن النيابة الإدارية رأت أن تصرف المدرس
المذكور لم يكن سليماً من الناحية الأدبية باعتباره معلماً ومربياً وأن ما دفع به من
أنه لم تخطر بباله فكرة إبلاغ البوليس عن الفتاة فور التقائه بها هو دفاع واه لا يعفيه
من المسئولية الإدارية كما أن تعليله عدم إعادته الفتاة إلى أهلها بضياع نقوده هو تعليل
لا يتفق مع اصطحابه إياها إلى دار السينما وقد كان من الواجب عليه باعتباره شخصاً متعلماً
أن يفطن إلى حالة القلق التي سببها لأهلها نتيجة إيوائه لها مدة سبعة أيام دون علمهم،
فضلاً عن أنه ما كان يليق بوصفه مدرساً أن يأوى تلميذة قاصر بمنزله وهو أعزب لمدة سبعة
أيام بدون مبرر يشفع له في ذلك، الأمر الذي يحيطه بشبهات على الرغم من عدم إدانته من
الناحية الجنائية ويسيء إلى سمعته، وقد كان يجدر به وهو القائم على تربية النشء وتهذيبه
أن يبتعد عن مواطن الشبهات وينأى عن كل ما يريب.
وقد أودع المتهم مذكرة بدفاعه طلب فيها (الحكم ببراءته مما نسبته النيابة الإدارية
إليه) واستند في ذلك إلى أنه لم يرتكب أية مخالفة لنص الفقرة الثانية من المادة السادسة
من قانون نظام موظفي الدولة رقم 210 لسنة 1951 التي تشترط فيمن يعين في إحدى الوظائف
العامة أن يكون محمود السيرة إذ أن مجال تطبيق حكم هذه المادة بسائر فقراتها إنما يكون
عند ترشيح الموظف لوظيفة عامة وحتى صدور قرار تعيينه لا بعد ذلك فلا ينسحب الفعل المنسوب
إليه ارتكابه في المدة ما بين 8 و14 من ديسمبر سنة 1955 إلى تاريخ تعيينه الحاصل في
أول أكتوبر سنة 1946 ولا يؤثر في توافر شروط هذا التعيين في حينه، ومن ثم فإن اتهامه
بمخالفة الفقرة الثانية من المادة السادسة من القانون رقم 210 لسنة 1951 يكون غير قائم
على سند واقعي أو قانوني ويكون بريئاً من هذه المخالفة، كما أنه بريء من مخالفة نص
المادة 83 من القانون ذاته لا في المواد من 73 إلى 82 مكرراً من هذا القانون ولم تتضمن
في واحد من أحكامها ما من شأنه اعتبار الفعل المنسوب إليه من النيابة الإدارية إخلالاً
بواجباته الوظيفية أو خروجاً على مقتضياتها فضلاً عن أنها لم تقرر له أية عقوبة هذا
إلى أنه لا يجوز معاقبة المتهم بعقوبة قررها قانون لاحق على ارتكاب الفعل المزعوم تجريمه
هو القانون رقم 117 لسنة 1958 الذي صدر بعد هذا الفعل بزهاء ثلاث سنوات على أن إيواءه
للطالبة سعدية حسن محمد بمنزله إنما هو تصرف يجزى عليه بالشكر لا بالعقاب لأنه صانها
عن الطريق وأكرم مثواها ووجهها للعمل ولم يمسها بسوء، وكفل لها الأمان الذي عز عليها
في بيت أمها الذي هجرته لما لقيته فيه من تعذيب وقد كانت المعصية قريبة منه سهلة المنال
فلم يقترفها على الرغم من دوافع المن والعزوبة ومع ذلك سلط عليه سوط الاتهام لمجرد
ما ورد بزيل تقرير الطب الشرعي من احتمال حدوث احتكاك جنسي خارجي للفتاة لم يترك أثر
ولم تدر النيابة الإدارية عند الحد بالشبهة مع أن الفتاة نفسها قطعت بعدم حصول شيء
من ذلك مطلقاً ولم تثبه على مروءته ومتانة خلقه ولا يعرف ما إذا كانت ستقر تصرفه فيما
لو ترك الفتاة الهاربة من أهلها تهيم في عرض الطريق ليتصيدها أول طالب بمتعة محرمة
وإذا كان قد توانى في إبلاغ البوليس أو في رد الفتاه إلى أهلها عامداً أو غير عامد
فإن هذا لا يجرح قصده الشريف ولا يجب أن يعرضه لأية لائمة لأن إبلاغ البوليس لا يكون
إلا عن جرائم وليس في هرب الفتاة من عدوان والدها جريمة يفرض القانون جزاء على عدم
التبليغ عنها كما أن القانون لا يلزمه باتخاذ أي فعل إيجابي نحو ترحيل الفتاة إلى أسرتها
وإعادتها لأبويها وإذا كان هذا أو ذاك واجباً أدبياً فإنه لا يحوز مساءلته تأديبياً
عن عدم قيامه بهذا الواجب هذا إلى أن وزارة التربية والتعليم قد أوقعت عليه جزاء النقل
والتشريد متكرراً بسبب الفعل المنسوب إليه إذ قررت إقصاءه من التدريس بمدرسة الإيمان
الثانوية بمنطقة القاهرة الشمالية إلى مدرسة أسوان الثانوية فمدرسة اسنا الثانوية فمدرسة
ارمنت الثانوية فمدرسة الأقصر الثانوية فمدرسة الخديوي إسماعيل الثانوية وما كان يستحق
شيئاً من هذه الجزاءات ثم أنها أحالت موضوعه إلى النيابة الإدارية لاتهامه ومحاكمته
تأديبياً عن فعل هو فيه شريف القصد.
وبجلسة 25 من مايو سنة 1960 قضت المحكمة التأديبية لوزارات التربية والتعليم والشئون
الاجتماعية والعمل الثقافة والإرشاد القومي التي أحالت النيابة الإدارية إليها المتهم
بقرار صادر في 5 من أغسطس سنة 1959 أودع سكرتيرية المحكمة في 9 من أغسطس سنة 1959 لمحاكمته
تأديبياً عما أسند إليه في هذا القرار "بمجازاة السيد فائق الياس يعقوب بخصم خمسة أيام
من مرتبه عما ثبت في حقه" وأقامت قضاءها على أن سلوك الموظف في غير نطاق الوظيفة ينعكس
دون شك على سلوكه العام في مجال الوظيفة من حيث الإخلال بكرامتها ومقتضياتها فإذا ما
وصم بالسلوك المعيب والانحراف عما يجب أن يتحلى به من استقامة الخلق وحسن السيرة فإنه
يرتكب ذنباً إدارياً يسوغ تأديبه ولم يأت القانون رقم 117 لسنة 1958 بإعادة تنظيم النيابة
الإدارية والمحاكمات التأديبية في الإقليم المصري بجديد في شأن المخالفات الإدارية
والمالية التي تسوغ تأديب الموظف وإنما ترك هذا لقوانين التوظف التي ظلت هي الأساس
في المساءلة إذ أن الجزاءات التي نصت عليها المادة 31 منه هي ذات الجزاءات التي تضمنها
نص المادة 84 من القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة فهو لا يعدو أن
يكون من قوانين التنظيم القضائي والاختصاص التي تسري على كل محاكمة تأديبية لم يحكم
فيها وذلك بصريح نص المادة 47 منه وهذا ترديد لما قررته المادة الأولى من قانون المرافعات
كأصل عام ومن ثم فلا يجوز والحالة هذه القول بأن العقوبة المطلوب توقيعها على المتهم
وردت بقانون لاحق لأن هذه العقوبة هي بذاتها المقررة في المادة 84 من القانون رقم 210
لسنة 1951 هذا إلى أن القاعدة الأساسية هي أن الجرائم يعاقب عليها بمقتضى القانون المعمول
به وقت ارتكابها بمراعاة القانون الأصلح للمتهم وفقاً للمادة الخامسة من قانون العقوبات
وظاهر أن ما نسب إلى المتهم من مخالفة إدارية يندرج في نطاق حكم المادتين 6 و83 من
القانون رقم 210 لسنة 1951 وهو حكم لا يزال قائماً كما أن الجزاءات التي نصت عليها
المادة 84 من هذا القانون هي عين الجزاءات التي تضمنها حكم المادة 31 من القانون رقم
117 لسنة 1958 وليس شك في أن المحكمة التأديبية تختص بنظر جميع المخالفات الإدارية
والمالية أياً كان القانون الذي ينص عليها إذ أن اختصاصها جامع شامل والمخالفات التأديبية
لا تقع تحت حصر ولا تسقط طوال مدة وجود الموظف في الخدمة وإذا كان المتهم لم يقم بإيواء
الفتاة الهاربة من أهلها بنية إيجاد علاقة جنسية معها على الرغم من إبقائه إياها بمنزله
وهو أعزب فترة من الزمن تمكنه من ذلك وأياً كان الدافع له على إبقائها فإنه على أية
حال كان واجباً عليه بعد أن أواها أول ليلة وعلم ببلدتها وأنها تلميذة لم تبلغ سن الرشد
وهاربة من أهلها إما أن يصحبها إلى هؤلاء أو أن يبلغ عنها سلطات الأمن لتتخذ الإجراءات
لإعادتها إلى أبيها ولا يسعفه في دفاعه ما تذرع به من أنها رفضت إبلاغ الشرطة أو أنه
كان ينتوي إعادتها إلى أهلها في أول الشهر عندما يقبض مرتبه بعد إذ نفدت نقوده ذلك
أنه كان في وسعه تسلمها إلى سلطات الأمن دون نفقات مع أن الثابت أنه ليلة ضبطه كان
خارجاً معها من مشاهدة فيلم سينمائي يبلغ ثمن تذكرتي الدخول إلى الدار الذي كانت تعرضه
ما يوازى أجرة القطار إلى الزقازيق فضلاً عن أنه لم تكن قد انقضت من الشهر إلا أيام
معدودات عند مقابلته لها أول مرة مما لا يرجح معه ما يدعيه من عسر حالته في ذلك الحين
بل إن الثابت من أقوال الفتاه نفسها أنها طلبت منه أكثر من مرة أن يدعها تسافر إلى
أهلها فكان يراوغها مع أنه وهو مدرس كان واجبه أن يكون مثلاً في الخلق القويم وحسن
السيرة فلا يستبقى الفتاة المذكورة لديه وهي قاصر دون إبلاغ أهلها أو إبلاغ سلطات الأمن
طوال مدة سبعة أيام الأمر الذي يتنافى مع الأخلاق الفاضلة والصفات الكريمة ويوجب مساءلته
كمرب مفروض فيه البعد عن مواطن الزلل حفظاً لكرامة المهنة التي ينتسب إليها بعد إذ
وضع نفسه باختياره موضع الشبهات كل هذا مع أخذه الرأفة تقديراً لحسن نيته وأملاً في
استقامة مسلك في تصرفاته مستقبلاً.
وبعريضة مودعة سكرتيرية المحكمة الإدارية العليا في 23 من فبراير سنة 1961 طعن السيد/
فائق الياس يعقوب في هذا الحكم طالباً "الحكم بقبول هذا الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء
الحكم المطعون فيه بكافة أجزائه واعتباره كأن لم يكن مع إلزام المدعى عليه السيد/ مدير
عام النيابة الإدارية بالمصروفات والأتعاب مع حفظ كافة الحقوق الأخرى" واستند في أسباب
طعنه إلى أن المحكمة التأديبية لا ولاية لها على ما يفعله خارج نطاق عمله خصوصاً إذا
كانت هذه الأفعال منبتة الصلة بعمله ولا سيما أنه لم يثبت أن الفتاة تلميذة وأنه لم
يعلم بهذه الواقعة التي لم يقل بها أحد في التحقيقات وهذا إلى أن مسئوليته منعدمة إذ
يتضح من التحقيقات أنه لم يخطئ بل قام بواجبه على أكمل وجه مدفوعاً بناحية إنسانية
بحقه إذ وجد الفتاة تبكي وقررت له وقائع غير صحيحة منها أن قائلتها تقيم ببنها فأخذها
إلى خياطة لتعمل عندها ولكن الخياطة طلبت منه أن يهيئ لها مكاناً تبيت فيه بضع ليالي
حتى تدبر لها محلاً بمنزلها وعندئذ أخذها إلى منزله وترك لها غرفة نومه وقام هو في
غرفة أخرى ولم يمسها بسوء بل حماها من ذئاب الليل الذين يتصيدون من كانت في مثل ظروفها
وهذا ما أيده تقرير الطبيب الشرعي وما قطع به الحكم المطعون فيه إذ انتهى إلى تقرير
أن نية الطاعن لم تنصرف إلى إيجاد علاقة جنسية مع الفتاة المذكورة بيد أن الحكم عاب
عليه أنه لم يبلغ البوليس لإعادتها إلى أهلها وأنه راوغها فيما طلبته إليه من الرجوع
إلى أهلها مؤكداً في الوقت ذاته حسن نيته وإن كان قد وضع نفسه موضع الشبهات وهذا في
ذاته كاف لإهدار الحكم التأديبي لانعدام سببه أما عدم تبليغ الشرطة فراجع إلى الخوف
على الفتاة من وجودها بالسجن وقد كان في نيته السفر معها إلى أهلها بالزقازيق لإصلاح
ذات البين بينهما بمجرد حصوله على مبلغ من المال بعد إذ سرقت نقوده ولا صحة لزعمها
بأنها طالبته بإرجاعها إلى أهلها فراوغها إذ أنها كانت طليقة تذهب كل يوم إلى الخياطة
وكان في وسعها العودة إلى أهلها والواقع أنه كان من الواجب أن يكون تصرفه محل ثناء
لا موضع مؤاخذة.
وقد عقبت هيئة مفوضي الدولة على هذا الطعن بمذكرة بالرأي القانوني مسبباً انتهت فيها
إلى أنها ترى "قبول الطعن شكلاً ورفضه موضوعاً وإلزام الطاعن المصروفات" وأسست رأيها
على أن مسئولية الموظف لا تقف عند نطاق عمله الحكومي بل تمتد كذلك إلى ما يرتكبه من
تصرف خارج نطاق عمله ما يلقي ظلالاً من الريبة على مسلكه العام وحسن سمعته ويخل بالثقة
فيه والطمأنينة إليه في أدائه لهذا العمل فلا يمكن الاطمئنان إلى مرب يبيح لنفسه أن
يأوى بمنزله وهو أعزب فتاة مراهقة لا تربطه بها أي علاقة ويتردد بها على دور السينما
ويلحقها بخدمة إحدى الخياطات وهو عالم بظروف هربها من أهلها مع ما في ذلك من ريبة ومظنة
تسيء إلى الفتاة مهما حسنت النية بالنسبة إليها وقد كان الواجب يقتضيه المبادرة إلى
إرسالها إلى أهلها أو الاتصال بهم أو تبليغ جهات الأمن لتعمل على ردها إليهم ولا يغير
من هذا أو يؤثر في واقعة الاتهام كون الفتاة تلميذة أو غير تلميذة. ولا وجه لما يدفع
به من انعدام مسئوليته لأن هذه المسئولية قائمة على النحو الذي عرض له الحكم المطعون
فيه بما فيه الكفاية. والناحية الإنسانية في هذه المسألة ليست في الاحتفاظ بالفتاة
في منزله أو في إلحاقها بعمل بدعوى حمايتها من الغواية إذ أن هذا يوقع بها المضرة ويشجعها
على الانحراف وإنما العمل الإنساني هو في إبلاغ أهلها أو إخطار الجهات المسئولة بظروف
وجودها عنده ولما كانت الوقعة المنسوبة إليه لها أصل ثابت في الأوراق وقد قدرتها المحكمة
وكيفتها تكييفاً سليماً واستخلصت منها نتيجة سائغة بعد إذ كونت عقيدتها واقتناعها بإدانته
فلا محل للتعقيب على حكمها الذي يكون قد صدر سليماً لأسبابه التي بني عليها ويكون الطعن
عليه واجب الرفض.
ومن حيث إن وقائع المؤاخذة التأديبية المسندة إلى السيد/ فائق الياس يعقوب بمقتضى قرار
الإحالة الذي قدم به للمحاكمة التأديبية هي أنه بصفته موظفاً عمومياً من الدرجة السادسة.
مدرساً بمدرسة الإيمان الثانوية للبنين بشبرا – آوى بمنزله في الفترة من 8 إلى 14 من
ديسمبر سنة 1955 حالة كونه عزباً، إحدى تلميذات مدارس الزقازيق الهاربة من ذويها وأبقاها
لدية المدة المذكورة دون أن يعمل على إعادتها إلى أهلها أو يبلغ الشرطة عنها لتتخذ
شئونها نحوها واصطحب هذه الفتاة معه إلى إحدى دور السينما دون أن تربطه بها رابطة مما
يحيطه بالشبهات ويسيء إلى سمعته.
ومن حيث إنه يتضح من محضر البوليس والنيابة العامة رقم 10770 لسنة 1955 إداري الأزبكية
وكذا من محضر التحقيق الإداري الذي أجراه ناظر مدرسة الإيمان الثانوية في 10 من يناير
سنة 1956 ومن محضر تحقيق النيابة الإدارية في القضية رقم 152 القضائية 1 لسنة 1956
أن المتهم لا ينكر الوقائع الثابتة بهذه الأوراق والتي تتحصل في لقائه للفتاة سعدية
حسن محمد التي لم تكن تبلغ من العمر أربعة عشر ربيعاً في يوم 8 من ديسمبر سنة 1955
عند موقف أوتوبيس شبرا رقم 25 وعلمه بموضوع هربها من أهلها بالزقازيق وعرضه عليها أن
تبيت بمنزله وأخذه إياها إلى هذا المنزل الذي كان يقيم فيه بمفرده، وذهابه بها في اليوم
التالي إلى إحدى الحائكات لكي تشتغل عندها وبقائها معه بمنزله أسبوعاً كاملاً إلى أن
ضبطت في مساء يوم 14 من ديسمبر سنة 1955 وهي تسير برفقته في ميدان محطة مصر واصطحابه
إياها إلى إحدى دور الخيالة في تلك الليلة.
ومن حيث إن النيابة الإدارية قدمت المدرس المذكور للمحاكمة التأديبية بسبب الوقائع
المتقدمة باعتبارها تكون مخالفة لنص المادة 6 فقرة 2 والمادة 83 من القانون رقم 210
لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة والقوانين المعدلة له وطلبت محاكمته تأديبياً بهاتين
المادتين مع تطبيق المادة 31 فقرة أولى من القانون رقم 117 لسنة 1958 بإعادة تنظيم
النيابة الإدارية والمحاكمات التأديبية في الإقليم المصري في حقه وتشترط المادة 6 من
القانون رقم 210 لسنة 1951 في فقرتها الثانية فيمن يعين في إحدى الوظائف أن يكون محمود
السيرة ولما كان هذا شرط صلاحية تقتضيه طبيعة الوظيفة العامة فإنه لا يستلزم عند التعيين
فيها ابتداء فحسب بل يتطلب توافره دواماً للاستمرار في تقلدها والبقاء فيها وتقضي المادة
83 من القانون ذاته بأن كل موظف يخالف الواجبات المنصوص عليها في هذا القانون أو يخرج
على مقتضى الواجب في أعمال وظيفته يعاقب تأديبياً وإذا كان القانون رقم 117 لسنة 1958
بإعادة تنظيم النيابة الإدارية والمحاكمات التأديبية قد صدر في تاريخ لاحق لتاريخ ارتكاب
المتهم للأفعال المنسوبة إليه فإن هذا القانون لم يتضمن في المادة 31 منه أي تعديل
للجزاءات التأديبية المنصوص عليها في المادة 84 من القانون رقم 210 لسنة 1951 بالنسبة
إلى الموظفين من الدرجة الثانية فما دونها ومنهم المتهم الذي يشغل الدرجة السادسة وكل
ما قد استحدثه في هذه المادة إنما هو تنظيم لاختصاص المحاكم التأديبية فيما يتعلق بنوع
الجزاءات التي توقعها كل منها على أساس اختلاف تشكيل هذه المحاكم تبعاً لما إذا كان
الموظف المقدم للمحاكمة من الدرجة الثانية فما دونها أو من الدرجة الأولى فما فوقها.
وبهذه المثابة فإن القانون رقم 117 لسنة 1958 بوصفه قانوناً إجرائياً في هذا الخصوص
متعلقاً بالتنظيم القضائي وبالاختصاص يسري بأثره المباشر وفقاً للقواعد العامة ولنص
المادة 47 منه على جميع الدعاوى التأديبية المنظورة أمام مجالس التأديب والتي أصبحت
بمقتضى أحكامه من اختصاص المحاكم التأديبية ولا وجه للاحتجاج بعدم جواز معاقبة المتهم
بعقوبة قررها قانون لاحق على الفعل المراد تأثيمه، ذلك أن العقوبة الواردة في المادة
31 من القانون رقم 117 لسنة 1958 بالنسبة إلى فئة الموظفين التي ينتمي إليها المتهم
هي بذاتها عين العقوبة المقررة في المادة 84 من القانون رقم 210 لسنة 1951 الذي ارتكبت
في ظله الأفعال المسندة إليه ولا يزال حكم هذه المادة قائماً.
ومن حيث إن القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة لم ينتهج مسلك قانون
العقوبات والقوانين الجنائية الأخرى في حصر الأفعال المؤثمة وتحديد أركانها ونوع العقوبة
المقررة لكل منها ومقدارها وإنما سرد في الفصل السادس من الباب الأول منه أمثلة من
واجبات الموظفين والأعمال المحرمة عليهم ونص في المادة 83 منه على أن كل موظف يخالف
الواجبات المنصوص عليها فيه أو يخرج على مقتضى الواجب في أعمال وظيفته يعاقب تأديبياً
ثم أورد في المادة 84 بياناً بالجزاءات التي يجوز توقيعها على هؤلاء الموظفين عن المخالفات
المالية والإدارية فالأفعال المكونة للذنب الإداري إذن ليست محددة حصراً ونوعاً وإنما
مردها بوجه عام إلى الإخلال بواجبات الوظيفة أو الخروج على مقتضياتها وهذا هو سبب
القرار التأديبي فكل فعل أو مسلك من جانب الموظف راجع إلى إرادته إيجاباً أو سلباً
تتحقق به المخالفة لواجبات الوظيفة العامة أو الخروج على مقتضى الواجب في أعمالها أو
الإخلال بالنهي عن الأعمال المحرمة عليه إنما يعد ذنباً إدارياً يسوغ مؤاخذته تأديبياً
ولو كان المجال الذي ارتكب فيه خارج نطاق العمل الوظيفي ما دام هذا العمل يكون في ذاته
سلوكاً معيباً ينعكس أثره على كرامة الوظيفة ويمس اعتبار شاغلها بما يقلل من هيبتها
ويزعزع الاطمئنان إلى استقامة القائم بأعبائها أو يشكك في نزاهته ونقاء سيرته أو يلقى
على خلقه أو ذمته ظلاً من الريب يتنافى مع ما ينبغي أن يتحلى به من كريم الخصال وليس
شك في أن المعلم وهو القوام على تربية الناشئة وتهذيب تلاميذه من الجنسين وتثقيف عقولهم
وتغذية أرواحهم بالقيم من مبادئ الأخلاق وغرس الفضائل في نفوسهم والأمين على أرواحهم
وأعراضهم يجب أن يكون قدوة مثلى في سلوكه هو قبل أن يقوم سلوك غيره وأن ينأى تصرفاته
عن مواطن الريب والشبهات فلا ينزلق إلى مسلك موصوم بالانحراف ترين عليه ظنون الثقة
فيه والاطمئنان إليه في مباشرته لاختصاصات وظيفته. فإذا آوى المتهم في منزله وهو أعزب
فتاة دون الرابعة عشرة – تلميذة كانت أو غير تلميذة هاربة من أهلها، التقطها من الطريق
العام مع علمه بظروفها وأن يكن بدافع الشفقة ابتداء، ثم احتجزها لديه بعد ذلك أسبوعاً
كاملاً وألحقها بخدمة إحدى الحائكات واصطحبها إلى إحدى دور الخيالة ليلة أن ضبطه معها
عمها السيد/ زكريا محمد حسن وأبلغ شرطة الأزبكية بالأمر حوالي الساعة الحادية عشرة
مساء واستحوذ عليها بإبقائها عنده طوال هذه المدة وكان له ولاية التصرف في أمرها مع
أنه لا تربطه بها أية صلة دون مراعاة لسنها ودون إبلاغ سلطات الأمن بموضوع هربها من
أهلها أو العمل على إعادتها إلى أهلها هؤلاء في الزقازيق أو إخطارهم بوجودها عنده للحضور
لتسلمها فإنه يكون دون ريب قد أتى فعلاً مجافياً لمبادئ الأخلاق وقواعد السلوك القويم
التي كان المفروض فيه أن يحرص على مراعاتها فيسمو بنفسه بصفته من رجال التعليم عما
أوردها فيه من موارد الظن التي اقتضت إحالة الفتاة إلى الطبيب الشرعي الذي لم ينف احتمال
حدوث احتكاك جنسي خارجي بها لم يترك أثراً ويتجنب التعريض بسمعته إذ ضبطه عم الفتاة
بصحبتها في ساعة متأخرة من الليل بميدان محطة مصر وأبلغ الأمر إلى الشرطة التي اقتاده
إليها والمساس بالمهنة التي ينتسب إليها بسبب إذاعة الحادث في الصحف كما يبين من قصاصة
جريدة الأخبار في يوم 30 من ديسمبر 1955 المرفقة بملف تحقيق النيابة الإدارية وليس
يشفع له في موقفه الموجب للمؤاخذة أو يعفيه من المسئولية ما يتذرع به من فقد نقوده
أو حسن مقصده بدافع المروءة أو عدم ورود فكرة إبلاغ الشرطة على خاطره إذ أن هذا الدفاع
لا يستقيم مع إنفاقه على الفتاة طوال مدة بقائها عنده واصطحابه إياها إلى إحدى دور
الخيالة وما كان يعجزه أن يرسل أو أن يجعلها ترسل إلى أهلها بالزقازيق خطاباً بالبريد
لا يكلفه شيئا لكي يحضروا لتسلمها أو أن يبلغ رجال الشرطة عنها لاتخاذ شئونهم نحو إيصالها
إليهم كما أن المروءة ليست في إيواء الفتاة القاصر في منزله الذي يعيش فيه بمفرده بدعوى
حمايتها وترك أهلها الذين غادرتهم هاربة في حسرة وقلق دون تقدير لآلامهم النفسية ولا
في مراوغتها حسبما جاء بأقوالها في التحقيق عندما طلبت منه عدة مرات السفر إليهم ولا
حجة في فوات فكرة إبلاغ الشرطة لانطوائها على سذاجة يتنزه عنها الرجل العادي فضلاً
عن رجل التعليم، وليس يسوغ القول تبريراً لهذا الموقف السلبي من جانبه بأن إبلاغ أهل
الفتاة أو رجال الأمن بأمرها لا يعدو أن يكون مجرد عمل إنساني لا مسئولية عن التواني
في المبادرة به إذ أن هذا العمل قد أصبح واجباً عليه ألزم نفسه به بإقدامه على إيواء
الفتاة لديه وتحمله بذلك ما يفرضه عليه هذا الوضع من تصرف تمليه الضرورة في مثل هذه
الحالة وكل أولئك مسلك غير سوي يعيب سمعة من يسلكه ويجاوز أثره نطاق الحياة الخاصة
إلى كرامة الوظيفة ذاتها التي يشغلها واعتبارها في نظر الكافة، ولا وجه للقياس في خصوصية
هذه الحالة على ما سبق أن قضت به هذه المحكمة بجلسة 5 من يناير سنة 1957 في الطعن رقم
1134 لسنة 2 القضائية في شأن المأذون الذي تزوج بعقد عرفي إذ رأت أن هذا الفعل لا يعتبر
إخلالاً من المذكور بواجبات وظيفته أو بسلوكه الوظيفي حيث لم يكن عليه حرج في أن يتزوج
زواجاً عرفياً دون أن يوثقه ما دام لم يكن يباشر عمله الرسمي بصفته مأذوناً بل فعل
هذا كفرد عادي ولا سيما أن الزواج العرفي غير محظور ولا معتبر غير قائم شرعاً بل ما
زال على وضعه الشرعي عقد يقوم على الإيجاب والقبول ويتم صحيحاً شرعاً متى استوفى شرائطه
القانونية دون ما حاجة إلى إثباته كتابة وعلى المحاكم سماع دعوى الزوجية المترتبة عليه
إذ لم يجحدها أحد الزوجين ولا وجه للقياس على هذه الحالة لوضوح المغايرة بينها وبين
حالة المتهم الراهنة حيث فعله في ذاته الذي وضع نفسه به موضع الشبهات مستنكر خلقياً
وأدبياً وإن لم يرق إلى مرتبة الجريمة، الجنائية وحيث ينعكس أثر هذا الفعل الماس بالسمعة
على مركزه الوظيفي كمعلم مرب للنشء وداعية للفضائل ومكارم الأخلاق وما دامت الوقائع
المسندة إلى المذكور لها أصل ثابت في الأوراق ووجود صحيح وقد قدرتها المحكمة التأديبية
المطعون في حكمها بملابستها على نحو سائغ بعد إذ كيفتها تكييفاً سليماً واستخلصت منها
النتيجة التي انتهت إليها مستهدية في ذلك بمجموع العناصر التي طرحت عليها والتي كونت
منها عقيدتها واقتناعها بإدانة سلوكه ومعاقبته بخصم خمسة أيام من مرتبه عما ثبت في
حقه مع مراعاة باقي الظروف التي شفعت في التدليل على حسن نيته وأخذها في الاعتبار عند
تقدير العقوبة فإن هذا الحكم يكون قد أصاب الحق في قضائه ويكون الطعن فيه على غير أساس
سليم من القانون متعيناً القضاء برفضه مع إلزام الطاعن بالمصروفات.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وبرفضه موضوعاً، وألزمت الطاعن بالمصروفات.
