الطعن رقم 1203 لسنة 7 ق – جلسة 14 /12 /1963
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة التاسعة – العدد الأول (من أكتوبر سنة 1963 إلى آخر يناير 1964) – صـ 212
جلسة 14 من ديسمبر 1963
برئاسة السيد/ مصطفى كامل إسماعيل وكيل المجلس وعضوية السادة/ حسن السيد أيوب والدكتور ضياء الدين صالح وعبد المنعم سالم مشهور ومحمد مختار العزبي المستشارين.
القضية رقم 1203 لسنة 7 القضائية
( أ ) طرح النهر وأكله – حق ملكية الطرح – اعتبار القانون رقم 73
لسنة 1952 طرح النهر من أملاك الدولة الخاصة – سند ملكية أصحاب الأكل – هو القرار الوزاري
باعتماد التوزيع بعد شهره بالطريق المرسوم قانوناً – أثر ذلك: أن عملية التسليم والاعتماد
عملية قانونية وليست عملية مادية – وجوب توافر الشروط التي يتطلبها القانون في شخص
المستلم.
(ب) طرح النهر وأكله – توزيع الطرح – لا يرتب أثره القانوني إلا بعد الاستلام المعتبر
قانوناً.
(جـ) طرح النهر وأكله – توزيع الطرح – المقصود بعبارة توزيع الطرح في تطبيق أحكام القانون
رقم 73 لسنة 1953 – هو المعنى الأعم وهو تسليم الطرح لمن خصص لهم من أصحاب الأكل –
اختلاف سند الملكية في هذه الحالة عن سند الملكية العادية.
1) إن القانون رقم 73 لسنة 1953 الخاص بطرح النهر وأكله يجعل طرح النهر من الأملاك
الخاصة للدولة التي تقوم بدورها بتوزيع كل طرح يظهر في زمام بلد أو مدينة على أصحاب
أكل النهر بنسبة ما فقدوه وأن يكون التوزيع بقرار إداري يصدر من وزير المالية والاقتصاد
ويعتبر هذا القرار دون غيره سند الملكية وانتقالها بعد شهره بالطريق الذي رسمه القانون
فليس إذن بصحيح القول بأن أصحاب الأكل يستمدون حقهم مباشرة في الطرح من القانون ذلك
أن هذا القول يتجافى مع ما نص عليه القانون ومن اعتبار الطرح من الأملاك الخاصة للدولة
ومع تعليق ملكية الطرح على صدور قرار الوزير باعتماد التوزيع، والأمر في ذلك لا يزال
في يد السلطة الإدارية المختصة بالتوزيع على أصحاب الأكل تقوم به طبقاً للشروط والأوضاع
المنصوص عليها في القانون المذكور تعويضاً لهؤلاء عن أكل النهر لأملاكهم فالعملية إذا
متصلة الحلقات تنتهي بالتسليم واعتماده من الوزير المختص وقبل ذلك لا ينشأ لأصحاب الأكل
أي حق في الطرح، ومن ثم فعملية التسليم واعتماده ليست عملية مادية كما يقول الطاعنان
وإنما هي تصرف قانوني يتولد عنه الحق في تملك الطرح وآثاره فيجب أن يتوافر في التسليم
وفي شخص المستلم ما تطلبه القانون من شروط خاصة. ولما كان القانون رقم 12 لسنة 1958
قد نص في المادة 13 على أن "طرح النهر الذي لم يوزع توزيعاً ابتدائياً حتى تاريخ العمل
بهذا القانون، يباع طبقاً لأحكامه فإذا كان الطرح قد تم توزيعه ابتدائياً وكان مطابقاً
لأحكام القانون رقم 73 لسنة 1973 وصالحاً للاعتماد ولم يتم اعتماده بقرار من وزير المالية
والاقتصاد أو وزير الخزانة فيتعين صدور قرار من وزير الإصلاح الزراعي باعتماده في خلال
سنة من تاريخ العمل بهذا القانون إذا كان الطرح قد وزع على مستحقيه الأصليين أو على
من انتقلت إليهم ملكية الأكل قبل صدور القانون رقم 73 لسنة 1953. مع ذلك فإذا كان التوزيع
المشار إليه في الفقرة السابقة قد تم إلى أصحاب وكالة حصلوا عليها بعد العمل بالقانون
رقم 73 لسنة 1953 فلا يعتمد منه إلا الحالات التي تكون فيها الوكالة صادرة إلى أقارب
لغاية الدرجة الرابعة" أما التوزيعات التي لا تطابق الأحكام المنصوص عليها في الفقرتين
السابقتين فتلغى ولو كانت قد اعتمدت وتم شهرها وفي جميع الحالات التي يلغى فيها التوزيع
تستلم هيئة الصندوق أراضي الطرح الملغى توزيعه بالطريق الإداري من أول السنة الزراعية
1958/ 1959 إذا كان التوزيع قد تم اعتماده وشهره أما ما لم يتم اعتماده وشهره فيحاسب
صاحب التوزيع على إيجاره وقت استلامه ابتدائياً بعد خصم ما دفع من الضرائب وملحقاتها
ويباع الطرح الملغى توزيعه طبقاً لأحكام هذا القانون ويطبق على أصحاب التوزيعات الملغاة
بالنسبة لحق تعويض الأكل حكم المواد 7، 8، 9 من هذا القانون.
ومن حيث إن الحالة المعروضة هي حالة توزيع قد تم اعتماده لصاحب وكالة بعد العمل بالقانون
رقم 73 لسنة 1953 وغير قريب لأصحاب الشأن في الطرح وكما سبق القول.
2) إن عملية توزيع الطرح تبدأ ببحث حالة الأشخاص أصحاب الأكل ثم يوزع طرح النهر على
هؤلاء الأشخاص بحسب القواعد المرسومة قانوناً وهذا العمل إجراء إداري بحت يتم من جانب
واحد ولا يكون له من أثر قانوني إلا بعد الاستلام المعتبر قانوناً وينفتح من هنا باب
الشكوى والاعتراض وبمعنى آخر أن التسلم هو الإجراء النهائي الذي به يتم التوزيع كعملية
قانونية متكاملة بعد اعتماده من الجهة المختصة بذلك.
3) إن القرار الوزاري باعتماد التسليم هو المعتبر سند الملكية وله قوة العقد الرسمي
ويسجل فلا يوجد قرار باعتماد التوزيع تترتب عليه آثار قانونية وإذ عبر القانون بلفظ
"توزيع" فإنما قصد التوزيع بمعناه الأعم وهو تسليم الطرح لمن خصص لهم من أصحاب الأكل
وأما قبل ذلك فلا يعدو أن يكون تقسيماً تمهيدياً أو هو على حد التعبير الوارد في سند
الملكية "كشف ببيان الأطيان التي تسلمت في سنة 1955 نتيجة مباحث سنة 1945" فالتسليم
إذا هو المرحلة الأخيرة التي يتقرر بها الحق في الطرح وفي تملكه وأما قبل ذلك فالأمر
مجرد مباحث واستقصاء عن المستحقين للطرح وتحديد لنصيب كل منهم وللموقع الذي سيكون فيه
هذا النصيب وبالتالي فالتسليم هنا تصرف قانوني لا مادي ولا محل لقياس هذه الحالة بحالة
عقود التملك العادية التي ينشأ الحق فيها بمجرد توافق الإيجاب والقبول إذ يختلف سند
التملك في كل من الحالتين عنه في الأخرى.
إجراءات الطعن
في 18 من مايو سنة 1961 أودع السيد الوكيل عن الطاعنين سكرتيرية
هذه المحكمة عريضة طعن في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري بجلسة 4 من إبريل سنة
1961 في القضية رقم 353 لسنة 14 القضائية المقامة من السيدين وهبة يعقوب برسوم ولبيب
يعقوب برسوم ضد السادة وزير الإصلاح الزراعي ومدير عام مصلحة الأموال المقررة ومحافظ
المنيا والقاضي برفض الدعوى وإلزام المدعيين بالمصروفات، وقد طلب السيدان الطاعنان
للأسباب التي أورداها في عريضة الطعن "قبول الطعن شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون
فيه والحكم أولاً: بإلغاء القرار الصادر من وزير الإصلاح الزراعي في 5 من أغسطس سنة
1959 فيما تضمنه من إلغاء تسليم 4 س، 7 ط، 40 ف من أطيان طرح النهر ملك الحكومة بناحية
الشيخ نمر غرب مركز أبي قرقاص مديرية المنيا والسابق تسليمها للطالبين في سنة 1955
وما ترتب عليه من آثار (ثانياً) إلغاء القرار الصادر من وزير الإصلاح الزراعي في 3
من أكتوبر سنة 1959 فيما تضمنه من إلغاء تسليم 16 س، 10 ط، 14 ف من أطيان طرح النهر
ملك الحكومة بناحية البهو مركز سمالوط مديرية المنيا والسابق تسليمها للطاعنين في سنة
1955 وما يترتب عليه من آثار – ثالثاً – إلزام الطاعنين في الحالتين بالمصروفات ومقابل
أتعاب المحاماة.
وبعد إعلان هذا الطعن لذوي الشأن تحدد لنظره جلسة أمام دائرة فحص الطعون أخطروا بها،
وهذه إحالته إلى المحكمة الإدارية العليا التي بعد أن سمعت ما رأت لزوم سماعه من إيضاحات
أرجأت النطق بالحكم فيه لجلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع عن الأوراق، وسماع الإيضاحات، وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن واقعة النزاع تتحصل حسبما يبين من أوراق الطعن في أن المدعيين أقاما الدعوى
رقم 353 لسنة 14 القضائية في 2 من ديسمبر سنة 1959 ضد السادة وزير الإصلاح الزراعي
ومدير عام مصلحة الأموال المقررة ومدير المنيا طلبا فيها الحكم أولاً بإلغاء القرار
الصادر من وزير الإصلاح الزراعي في 5 من أغسطس سنة 1959 فيما تضمنه من إلغاء تسليم
4 س و7 ط و40 ف من أطيان طرح النهر ملك الحكومة بناحية الشيخ نمر غرب مركز أبي قرقاص
مديرية المنيا والسابق تسليمها للطالبين في سنة 1955 وما ترتب عليه من آثار مع إلزام
المعلن إليهم بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة ثانياً إلغاء القرار الصادر من وزير
الإصلاح الزراعي في 3 من أكتوبر سنة 1959 فيما تضمنته من إلغاء تسليم 16 س و10 ط و14
ف من أطيان طرح النهر ملك الحكومة بناحية البهو مركز سمالوط مديرية المنيا والسابق
تسليمها للطالبين في سنة 1955 وما ترتب عليه من آثار مع إلزام المعلن إليهم بالمصروفات
ومقابل أتعاب المحاماة وقال المدعيان في بيان هذه الدعوى أن من بين ما يملكانه بطريق
الإرث عن المرحوم والدهما مساحة قدرها 7 س و23 ط و49 ف من أرض أكل النهر الكائنة بناحية
الشرابنة مركز سمالوط مديرية المنيا.. ولما صدر القانون رقم 73 لسنة 1953 وخول لملاك
أكل النهر الحق في تعويضهم من أرض طرح البحر تقدما في يونيه سنة 1955 لتعويضها عن أكل
النهر طبقاً للمادة 9 من هذا القانون وقد تسلما 4 س و7 ط و40 ف من أطيان طرح النهر
ملك الحكومة بناحية الشيخ نمر غرب مركز أبي قرقاص في سنة 1955 بدلاً من الأكل في ناحية
الشرابنة مركز سمالوط مديرية المنيا كما تسلما 16 س و10 ط و14 ف من أطيان طرح النهر
ملك الحكومة بناحية البهو مركز سمالوط في سنة 1955 بدلاً من الأكل بناحية الشرابنة
مركز سمالوط مديرية المنيا وقد تم إشهار هذا الطرح، وتنص المادة 10 من القانون 73 لسنة
1953 المشار إليه على أن يوزع الطرح بقرار من وزير المالية والاقتصاد ويصدر هذا القرار
خلال السنة التالية في الميعاد المبين بالمادة السابقة على الأكثر ويكون له قوة العقد
الرسمي ويسجل بدون رسم ويؤشر بعد تسجيله في تكليف كل من أرباب الأملاك أصحاب الشأن.
وواضح مما تقدم أن نصوص القانون رقم 73 لسنة 1953 تقضي بتعويض أصحاب أكل النهر وقد
تولت الجهة الإدارية تسليم الطالبين القدر من الأطيان الذي يمثل مقدار التعويض وصدر
القرار الوزاري بذلك وأنتج أثره القانوني إذ يعتبره المشرع في قواعد العقد الرسمي الذي
يسجل بدون رسم ويؤشر بعد تسجيله في تكليف الملاك أصحاب الشأن. وقد تم كل ذلك بالنسبة
للطالبين منذ سنة 1955 وتم نقل التكليف في سنتي 1956 و1957 هذا إلى أن الطلب المقدم
منهما طبقاً للفقرة الأخيرة من المادة 9 من القانون رقم 73 لسنة 1953 موقع منهما وأشارا
فيه إلى حقهما في الحصول على التعويض من طرح النهر بدلاً من أكل النهر وقد ظلا يضعان
اليد على الأرض التي أعطيت لهما كتعويض بين وقت توزيعها عليهما حتى سنة 1959 إذ تلقى
الطالب الأول في 25 من أغسطس سنة 1959 خطاباً من مديرية المنيا بصدور قرار من وزير
الإصلاح الزراعي في 5 من أغسطس سنة 1959 بإلغاء تسليم 4 س و7 ط و40 ف من أطيان طرح
النهر ملك الحكومة بناحية الشيخ نمر غرب مركز أبي قرقاص السابق تسليمها في سنة 1955
بدلاً من الأكل بناحية الشرابنة مركز سمالوط وحددت المديرية يوم 3 من سبتمبر سنة 1959
موعداً لتسليم الطرح الملغي في الطبيعة إلى اللجنة التي قضت بها اللائحة التنفيذية
للقانون رقم 192 لسنة 1958 في شأن طرح النهر وأكله فتظلم الطالبان من هذا القرار في
3 من أكتوبر سنة 1959 وقد أخطرا في نوفمبر سنة 1959 بأن الأطيان التي ألغي تسليمها
سلمت إلى أشخاص من غير أقاربهم بالمخالفة للقانون رقم 192 لسنة 1958. وفي 14 من أكتوبر
سنة 1959 تلقى وكيل الطالبين في إدارة أعمالهما خطاباً من القسم المالي بمديرية المنيا
جاء فيه أنه تنفيذاً للمادة 13 من القانون رقم 192 لسنة 1958 قد اعتمد السيد/ وزير
الإصلاح الزراعي بقراره الصادر في 3 من أكتوبر سنة 1959 إلغاء تسليم 16 س و10 ط و14
ف السابق تسليمها لهما في سنة 1955 بدلاً من الأكل بناحية الشرابنة مركز سمالوط ويقول
المدعيان إن القرارين الصادرين بإلغاء التسليم يعتورهما عيب مخالفة القانون فضلاً عن
عيب إساءة استعمال السلطة ذلك أن القانون 192 لسنة 1958 مخالف لأحكام الدستور المعلن
في 5 مارس سنة 1958 الذي ينص في مادته الخامسة عن أن الملكية الخاصة مصونة وينظم القانون
أداء وظيفتها الاجتماعية ولا تنزع الملكية إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل وفقاً
للقانون". وبالرجوع إلى القانون رقم 73 لسنة 1953 يتبين أن توزيع الطرح يتم بقرار من
وزير المالية والاقتصاد وبمجرد صدور هذا القرار تصبح الأرض الموزعة ملكاً لمن وزعت
عليه ملكية تامة ويتم التسجيل ويؤشر بنقل التكليف فكيف يسوغ إذن للمشرع أن يعود في
نوفمبر سنة 1958 ويصدر تشريعاً يخول جهة الإدارة انتزاع الملكية التي نص الدستور على
أنها مصونة والتي لا يجوز نزعها إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل.
ومخالفة القرارين المذكورين للقانون مردها إلى أن التوزيع قد تم فعلاً في سنة 1955
وتم إشهار العقد باسم الطالبين وتسلما الأرض منذ هذا التاريخ وقاما باستغلالها وتأجيرها
باسميهما الشخصي باعتبارهما ملاكاً لها ولم يقل أحد بأن التوزيع قد تم لصاحب وكالة
ليس قريباً للطالبين ولم يكن دور السيد/ نصيف شكري الموظف بدائرتهما الزراعية ووكيلها
في أعمالهما المختلفة سوى دور من يقوم بعمل مادي محض بعملية التسليم والحضور أمام اللجنة
للاستلام نيابة عن الملاك. ومما يؤكد ذلك أن طلب التوزيع موقع منهما لا من وكيلهما
وقد حصل التوزيع لشخصهما لا لمستخدمهما الذي أناباه في عملية الاستلام المادية ويبدو
أن جهة الإدارة قد اختلط عليها الأمر بين عملة التوزيع وهي عملية قانونية مؤداها نقل
ملكية طرح النهر إلى المالك وبين عملية إتمام التسليم وهي عملية مادية خاصة بكيفية
استلام الشخص الذي تم التوزيع له من قبيل العوض عن أكل النهر. وليس بمستغرب أن يعهد
المالك إلى مستخدم لديه في مرافقة اللجنة التي تتولى القيام بعملية التسليم لتسلم الأرض
نيابة عنه ولو قيل بغير ذلك لكان من المستحيل على بعض السيدات المحجبات في الصعيد أو
الرجال المرضى أن يحصلوا على حقوقهم في طرح النهر بسبب ظروفهم العائلية أو الصحية التي
تحول بينهم وبين الحضور شخصياً أمام لجان التسليم بل لقد كان يستحيل على أي شخص معنوي
مثل الشركات العقارية والجمعيات والمؤسسات التي لها حق تملك العقارات والتي لا تستطيع
بحكم طبيعتها أن تجد ممثلاً لها في الاستلام يمت لها بصلة القرابة إلى الدرجة الرابعة
كان يستحيل على كل هؤلاء أن يحصلوا على تعويض لأكل النهر من طرحه لمجرد أن التوزيع
الحاصل لهم من ذلك الطرح لا يمكنهم تسلمه بأنفسهم أو بواسطة قريب تربطه بهم صلة قرابة
للدرجة الرابعة وهو أمر لم يرده المشرع على الإطلاق بل لقد قصد المشرع التفرقة بين
التوزيع وهو نقل الملكية والتسليم وهو عملية مادية. وقد نصت المادة 10 من القانون رقم
73 لسنة 1953 على أن "يوزع الطرح بقرار من وزير المالية.. ويصدر هذا القرار.. ويكون
سنداً وله قوة العقد الرسمي ويسجل.." ومفهوم هذا النص أن التوزيع مقصود به عملية قانونية
هي نقل الملكية وقد تم نقل الملكية فعلاً إلى الطالبين منذ سنة 1955. وقد حظر المشرع
أن يكون التوزيع باسم الوكيل غير القريب ولم يحظر التسليم إلى الوكيل، إذ مراد الشارع
هو حماية صاحب الحق الأصلي في التعويض وما دام الطالبان قد حصلا على حقوقهما في التعويض
وسجلا العقد فما كان يسوغ بعد ذلك صدور قرار بإلغاء التسليم بمقولة إن هذا التسليم
قد تم لوكيل غير قريب.. وأما عن توافر عيب إساءة استعمال السلطة في القرارين المطعون
فيهما فإن مرد ذلك إلى أن القانون رقم 192 لسنة 1958 قصد به حماية صغار الزراع من استغلال
بعض كبار الملاك الذين كانوا قد حصلوا على توكيلات من صغار الزراع حتى يحصل كبار الملاك
على حقوق صغار الزراع في أرض طرح النهر وقد كشفت المذكرة الإيضاحية للقانون المذكور
عن هذا الغرض إذ جاء فيها "لما أن تبين للحكومة نتيجة تطبيق أحكام القانون 73 لسنة
1953 أن بعض المستغلين من كبار الملاك أو الماليين أخذوا في شراء أكل النهر بثمن بخس
من صغار الملاك أو ممن يعجز من الملاك عن استلام الطرح في بلاد بعيدة عن بلادهم الأصلية
الأمر الذي انتفت معه الفائدة التي كان يهدف إليها المشرع من مساعدة صغار الزراع من
أصحاب الأكل بتعويضهم.." وواضح أن الطالبين عندما وزعت عليهما أرض الطرح حصلا عليها
كتعويض عن أكل نهر مال مورثهما وقد تم التوزيع لهما شخصياً فلم يحاولا استغلال أحد
من صغار الزراع أو الحصول على حقوق مشروعة وعيب إساءة استعمال السلطة يتحقق كلما استعمل
مصدر القرار نصوص القانون ونفذها بقصد الخروج على القانون وأهدافه وعلى ذلك يكون القراران
المطعون فيهما قد صدرا خلافاً للقانون وأهدافه.. وقد أجاب المدعى عليهم عن الدعوى بأنه
في 15 من أكتوبر سنة 1955 تم تسليم 16 س و10 ط و14 ف من أطيان طرح النهر ملك الحكومة
بناحية البهو تعويضاً عن أكل النهر الوارد في تكليف المدعيين وذلك طبقاً لحكم المادة
5 من القانون رقم 73 لسنة 1953 وقد تم تسليم هذه المساحة إلى السيد/ نصيف ناشد شكري
بصفته وكيلاً عن أصحاب التكليف بموجب توكيل رسمي رقم 3583 لسنة 1955 توثيق إسكندرية
وفي 28 من فبراير سنة 1957 اعتمد مدير عام مصلحة الأموال المقررة تسليم هذا القدر وأشهر
العقد برقم 2547 في 4 من يوليه سنة 1957 بمأمورية الشهر العقاري بالمنيا ثم وبتاريخ
12 من أكتوبر سنة 1955 تم تسليم 4 س و7 ط و40 ف من طرح النهر بناحية الشيخ نمر غرب
مركز أبي قرقاص تعويضاً عن أكل النهر الوارد بتكليف المدعيين في الكلفة رقم 425 بناحية
الشرابنة مركز سمالوط.. وتم التوقيع على قائمة التسليم من السيد/ نصيف ناشد شكري بصفته
وكيلاً عن أصحاب التكليف واعتمد تسليم هذا القدر في 12 من يوليه سنة 1956 وأشهر العقد
بمأمورية الشهر العقاري بالمنيا بتاريخ 15 من نوفمبر سنة 1956. وعلى أثر صدور القانون
رقم 192 لسنة 1958 وإعمالاً لحكم المادة 13 منه قامت الجهة الإدارية المختصة بفحص حالات
التسليم التي تمت في ضوء أحكام القانون رقم 73 لسنة 1953 وبفحص التسليم الذي تم بالنسبة
للأطيان موضوع النزاع الحالي تبين للجنة أن طلب الاستعراض المقدم في 29 من يونيه سنة
1955 موقع من صاحبي التكليف وأن التوكيل رقم 3583 لسنة 1955 توثيق الإسكندرية صادر
من صاحبي التكليف إلى السيد/ نصيف ناشد شكري بالتوقيع على محاضر التسليم وقد أرسل المدعيان
إلى السيد/ مدير المنيا بأن الوكيل المذكور هو وكيل الدائرة ولا تربطهما به أية صلة
قرابة وتنص المادة 13 من القانون رقم 192 لسنة 1958 على أن "طرح النهر الذي لم يوزع
توزيعاً ابتدائياً حتى تاريخ العمل بهذا القانون يباع طبقاً لأحكامه فإذا كان الطرح
قد تم توزيعه ابتدائياً وكان مطابقاً لأحكام القانون رقم 73 لسنة 1953 وصالحاً للاعتماد
ولم يتم اعتماده بقرار من وزير المالية والاقتصاد أو وزير الخزانة فيتعين صدور قرار
من وزير الإصلاح الزراعي باعتماده في خلال سنة من تاريخ العمل بهذا القانون، إذا كان
الطرح قد وزع على مستحقيه الأصليين أو على من انتقلت إليهم ملكية الأكل قبل صدور القانون
رقم 73 لسنة 1953.. ومع ذلك فإذا كان التوزيع المشار إليه في الفقرة السابقة قد تم
إلى أصحاب وكالة حصلوا عليها بعد العمل بالقانون رقم 73 لسنة 1953 فلا يعتمد منه إلا
الحالات التي تكون الوكالة فيها صادرة إلى أقارب لغاية الدرجة الرابعة" وعلى ذلك إذا
ثبت للجهة الإدارية أن الوكيل الذي قام بتسليم الأرض بموجب توكيل صادر بعد العمل بالقانون
رقم 73 لسنة 1953 لا تربطه أية صلة قرابة، بالمدعيين فإنه يتعين إلغاء هذا التوزيع
بصرف النظر عن سابقة اعتماده وتوزيعه أو عن كون الوكيل المذكور يقوم على إدارة دائرة
المدعيين ويباشر إدارة أطيانهما.. وبتاريخ 4 من إبريل سنة 1961 قضت محكمة القضاء الإداري
"برفض الدعوى وألزمت المدعيين بالمصروفات" بانية قضاءها على أن الأمر لا يتعلق بنزع
ملكية أرض للمنافع العامة وإنما يتعلق بتنظيم سبب من أسباب الملك فإن كان سبب ملكية
المدعيين للطرح وسندها هو أحكام القانون رقم 73 لسنة 1953 فإنه ليس ثمة ما يمنع المشرع
من أن يعدل أحكام هذا القانون تعديلاً يكون من مقتضاه زوال هذا السبب بأثر رجعي وليس
هناك من الناحية الدستورية ما يمنع من أن يكون القانون ذا أثر رجعي ومن ثم لا يصح قول
المدعيين بعدم دستورية القانون رقم 192 لسنة 1958 ما دام أن سند ملكيتهما للأرض موضوع
النزاع هو القانون رقم 73 لسنة 1953 وقد زال هذا السند بالأثر الرجعي الذي تضمنته المادة
13 من القانون رقم 192 لسنة 1958 وبالرجوع إلى أحكام هذا القانون يبين أن المادة 13
المذكورة تنص على أن طرح النهر الذي لم يوزع توزيعاً ابتدائياً حتى تاريخ العمل بهذا
القانون يباع طبقاً لأحكامه فإذا كان الطرح قد تم توزيعه ابتدائياً وكان مطابقاً لأحكام
القانون 73 لسنة 1953 وصالحاً للاعتماد ولم يتم اعتماده بقرار من وزير المالية والاقتصاد
أو وزير الخزانة فيتعين صدور قرار من وزير الإصلاح الزراعي باعتماده في خلال سنة من
تاريخ العمل بهذا القانون "إذا كان الطرح قد وزع على مستحقيه الأصليين أو على من انتقلت
إليهم ملكية الأكل قبل صدور القانون رقم 73 لسنة 1953 ومع ذلك فإذا كان التوزيع المشار
إليه في الفقرة السابقة قد تم إلى أصحاب وكالة حصلوا عليها بعد العمل بالقانون رقم
73 لسنة 1953 فلا يعتمد منه إلا الحالات التي تكون فيها الوكالة صادرة إلى أقارب لغاية
الدرجة الرابعة". والثابت من الأوراق أن الذي قام باستلام التعويض عن أكل النهر نيابة
عن المدعيين هو السيد/ نصيف شكري وهو موكل في هذه العملية بتوكيل صدر في 19 يوليه سنة
1955 وهو غير قريب للمدعيين بل هو أجنبي عنهما كما قررا ذلك في الأوراق الموجودة في
الدعوى وعلى ذلك فهذا التسليم يندرج تحت الحكم الذي جاءت به المادة 13 من القانون رقم
192 لسنة 1958 فهم باطل لأنه تسليم لغير قريب وبتوكيل جاء بعد العمل بالقانون رقم 73
لسنة 1953 ومن هنا تحققت شرائط إلغائه ويكون القرار الصادر بإلغائه قد صدر مطابقاً
للقانون ولا حجية في الأوراق التي قدمها المدعيان للتدليل على أن السيد/ نصيف شكري
له وكالة عنهما سابقة على العمل بالقانون المشار إليه إذ أن الورقة الصادرة من بنك
التسليف الزراعي لا تفيد وكالته عن المدعيين إلا في خصوصية واحدة هي استلام النفقات
الزراعية وشراء الأسمدة والتقاوي وهذا لا يفيد أن المذكور كان وكيلاً عنهما في إدارة
كافة أطيانهما وأعمالهما بتوكيل سابق على القانون المذكور.. وبناء على ما تقدم يكون
القراران المطعون فيهما مطابقين للقانون وغير مشوبين بسوء استعمال السلطة ولا يؤثر
في ذلك قول المدعيين بأن مستلم الطرح موظف بدائرتهما مما ينفي عنهما نية التصرف في
الطرح لأن نص القانون مطلق أو ما يزعمانه من وجوب التفرقة بين التوزيع والتسليم باعتبارهما
عمليتين منفصلتين وأن القانون لم يتحدث إلا عن التوزيع دون التسليم لأن هذا الزعم غير
صحيح لأن العمليتين مرتبطتان ببعضهما ارتباطاً لا يقبل التجزئة بحيث لا يمكن القول
بأن توزيعاً تم قبل استلام صاحب الأكل للطرح الموزع عليه إذ أن مجرد توزيعه على أصحاب
الأكل هو مجرد عرض من الجهة الإدارية عليهم يلزم لتمامه قبول أصحاب الأكل له باستلامهم
أطيان الطرح فعلاً وبهذا الاستلام وحده تتم عملية التوزيع وتنتقل الملكية.
ومن حيث إن الطعن يقوم على أن الحكم المطعون فيه قد خالف القانون واعتوره قصور في التسبيب
كما أنه خالف ما هو ثابت في الأوراق ذلك أن المشرع قد فرق بين عملية التوزيع وعملية
التسليم فعملية التوزيع هي العملية القانونية التي تتضمن التصرف القانوني الذي يكسب
صاحبه الحق في تعويض الملكية بمجرد صدور قرار التوزيع هذا أما عملية التسليم المادي
للقدر الذي كان محلاً للتوزيع فلا يترتب عليها أي أثر سوى نقل وضع اليد بطريق قانوني
بحيث يستطيع من صدر له قرار بالتوزيع أن يطالب قانوناً بالتسليم الجبري كأي مشتر لم
يتسلم المبيع إذ تنتقل الملكية بمجرد صدور قرار التوزيع الذي هو السند الناقل للملكية
وإتمام التسليم أو عدمه لا يؤثر في الملكية كما تدل على ذلك نصوص القانون رقم 73 لسنة
1953 الخاص بطرح النهر والقرار رقم 78 الصادر في 28 من سبتمبر سنة 1953 باللائحة التنفيذية
لهذا القانون إذ يتبين من الرجوع إلى المادة السابقة من هذه اللائحة أنها تضمنت في
فقرتها الثالثة أنه "يجب على رئيس اللجنة وأعضائها والمستلمين أن يوقعوا على القوائم
الخاصة بالتوزيع وإذا لم يحضر صاحب الأكل أو من ينوب عنه بتوكيل رسمي أو حضر وامتنع
عن التوقيع ترك الطرح بدون تسليم حتى تقيد شكواه طبقاً للأوضاع الموضحة بعد" وتضمنت
تلك المادة أيضاً أنه "يجوز لأصحاب الشأن الاعتراض على هذا التوزيع بمقتضى شكوى تقدم
إلى المديرية خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ النشر في الجريدة الرسمية تبين فيها أسباب
الاعتراض وتقوم بتحقيق هذه الشكوى لجنة يشكلها مدير المصلحة المختص وبعد تحقيق الشكاوى
والفصل فيها يصدر وزير المالية والاقتصاد قراراً بالتوزيع" ونصت المادة 8 من اللائحة
المذكورة على أنه "في تطبيق حكم المادتين الخامسة والتاسعة من القانون (73 لسنة 1953)
يعوض صاحب الأكل الذي يبلغ قيراطاً فأقل بالكامل من الطرح المعد للتوزيع ويوزع الباقي
على أرباب الأكل بنسبة ما فقده ويراعى في التوزيع قرب الطرح الموزع من أراضي أرباب
الأكل" وليس أدل على أن هناك تفرقة واضحة بين عملية التوزيع التي تؤدي لاكتساب الملكية
وعملية التسليم المادية أثرها على مجرد نقل الحيازة مما تضمنته الفقرة الثالثة من المادة
السابعة من اللائحة المشار إليها من أن "رفض التوقيع على محضر التسليم من صاحب الحق
في التعويض أو وكيله لا يؤثر في أصل الحق المتصل بالتوزيع وحده".. وفي الدعوى الحالية
ثم التوزيع واعتمد لصالح الطاعنين وحدهما وكانت مهمة وكيل دائرتهما لا تعدو مجرد التوقيع
على محضر نيابة عنهما.. وبطبيعة الحال كان التوزيع قد تم للطاعنين شخصياً اللذين آلت
إليهما الملكية بمجرد صدور قرار التوزيع واعتماده ومع وضوح هذه التفرقة بين التوزيع
والتسليم فإن الحكم المطعون فيه له يشر إليها في أسبابه مكتفياً بقوله "إنه غير صحيح
ما قيل من وجود تفرقة بين التوزيع والتسليم" دون أي سند أو تبرير من فقه أو قانون أو
قضاء كذلك جاء الحكم للقانون في مدلوله وفي ألفاظه فقد أبطل القانون في المادة 13 منه
"التوزيع" الذي يتم لوكيل غير قريب وقد تحدث الحكم المطعون فيه عن تسليم تم لوكيل غير
قريب وبناء على ذلك قضي ببطلان التوزيع وقد نشأ هذا الخطأ نتيجة للخلط بين التوزيع
والتسليم وعدم تفهم المقصود من العبارتين من الناحية القانونية، هذا إلى مخالفة الحكم
المطعون فيه للثابت في الأوراق فالتوزيع قد تم للطاعنين شخصياً وطلب الاستعراض موقع
منهما ولما وزعت أطيان الطرح نقل التكليف باسميهما ووضعا اليد عليها وأوقعا الحجز التحفظي
على أحد المستأجرين لهذه الأطيان في 26 من إبريل سنة 1958 أما عمل السيد/ نصيف ناشد
شكري وكيل دائرتهما فكان قاصراً على مجرد التوقيع على محاضر التسليم نيابة عنهما وغير
خاف أن جهة الإدارة هي التي طلبت إصدار توكيل خاص للتوقيع على محضر التسليم استناداً
إلى المادة 7 من القرار رقم 78 لسنة 1953 باللائحة التنفيذية للقانون رقم 73 لسنة 1953.
وليس أدل على أن الوكيل المذكور كان ولا يزال وكيلاً عن الطاعنين في إدارة أعمالهما
من الرجوع إلى التوكيلين الصادرين له من الطاعنين في 18 من يونيه سنة 1953 و7 من ديسمبر
سنة 1953 ووكالة المذكور للطاعنين سابقة على صدور القانون 73 لسنة 1953 ويتضح ذلك من
الرجوع إلى التوكيل الصادر منهما إليه في 11 من فبراير سنة 1951 والذي وكل فيه في "عقد
القروض سواء منها ما يتعلق بنفقات الزراعة وشراء الأسمدة والتقاوي أو غيرها وفي إيداع
الحاصلات ورهنها والتوقيع على استمارات الرهن وفي قبض السلفة وإعطاء الإيصالات اللازمة
وفي التصريح للبنك بخصم مطلوباته منها وفي استلام المحاصيل المودعة والمرتهنة أو التصريح
ببيعها للغير وعلى العموم القيام بكل ما تستلزمه تلك المعاملات من إجراءات، يقضي بها
نظام البنك أو يوجبها القانون مع الإذن في أن يوكل عنه من يشاء".
وقد أشارت المحكمة في حكمها المطعون فيه إلى هذا التوكيل وقالت عنه إنه لا يفيد إلا
في استلام التقاوي الزراعية وشراء الأسمدة ولا يفيد أنه كان وكيلاً عنهما في إدارة
أملاكهما وأعمالهما في تاريخ سابق على القانون رقم 73 لسنة 1953 وهذا الذي ذهب إليه
الحكم المطعون فيه وخالف الثابت في الأوراق مما يعيبه ويبطله. ومما يقطع بثبوت وكالة
المذكور عنهما منذ سنة 1951 ما وجه إليه من اتهام في الجنحة رقم 3095 لسنة 1952 بوصفه
وكيلاً عن ورثة المرحوم يعقوب (بك) برسوم بأنه لم يزرع مساحة القمح المقررة قانوناً
والظاهر من المذكرة الإيضاحية للقانون رقم 192 لسنة 1958 هو تلافي استغلال صغار الزراع
من مالكي الأكل فإذا ما صدر القرار المطعون فيه غير متفق وحكمة التشريع أو الغرض منه
كان مشوباً بعيب إساءة استعمال السلطة خليقاً بالإلغاء. وواضح أن الطاعنين عندما وزع
عليهما أرض الطرح حصلا عليها كتعويض عن أكل نهر مال موروث ولم يحاولا استغلال أحد من
صغار الزراع والحالة المطروحة لا يمكن عقلاً أن يتصور فيها استغلال المستلم لأصحاب
الحق في التوزيع إذا المستلم مستخدم قديم لديهما.. وقد قدم الطاعنان أمام هذه المحكمة
مذكرة تناولت ردهما على الحكم المطعون فيه وهو لا يخرج عما سبق أن ردداه في صحيفة الطعن
وأضافا إليه الإشارة إلى حكم صادر من محكمة القضاء الإداري في الدعوى رقم 2 لسنة 14
القضائية في حالة مماثلة قضى بوجهة نظر تخالف ما ذهب إليه الحكم المطعون فيه وذلك على
أساس أن عملية التسليم لا تعدو أن تكون عملية مادية لاستيفاء حق صاحب الأكل في الطرح
وهو الحق الذي يستمده من القانون مباشرة حتى استوفى شروطه.. وإذا كان الدفاع عن المطعون
ضدهم قد أقر في جلسة المرافعة أمام هذه المحكمة "بأن حق الطاعنين في التعويض باستلام
أطيان أخرى لم ينته بعد ويصح لهما أن يتقدما بطلب آخر للحصول على قطعة أرض جديدة" فإن
هذا القرار قاطع في أن ما سبق توزيعه على الطاعنين هو تعويض عما أكله النهر من أرضهما
وقد حصلا عليه فعلاً فكيف يجوز بعد ذلك أن تهدر حقوقهما بغير مقتضى وليس من السائغ
بأي حال من الأحوال أن يرغم شخص على ترك حقه الذي حصل عليه استناداً للقانون ثم يكلف
بالسعي بعد ذلك للحصول على هذا الحق الذي لا ينكره عليه خصمه.
ومن حيث إن هيئة المفوضين قدمت مذكرة برأيها القانوني في هذا الطعن جاء فيها أن الثابت
من الأوراق أن الذي قام باستلام التعويض عن أكل النهر نيابة عن الطاعنين هو السيد/
نصيف شكري وهو موكل في هذه العملية بتوكيل صدر في 19 من يوليه سنة 1955 وهو غير قريب
للطاعنين بل هو أجنبي عنهما وهذا التسليم يندرج تحت الحكم الذي جاءت به المادة 13 من
القانون رقم 192 لسنة 1958 فهو باطل لأنه تسليم لغير قريب وبتوكيل صدر بعد العمل بالقانون
رقم 73 لسنة 1953 ومن هنا تحققت شرائط إلغائه ولا صحة لما ذهب إليه الطاعنان من اعتبار
تسليم طرح النهر إلى مستحقيه عملية مادية منفصلة عن عملية التوزيع وتالية لها وأنه
يكفي لكي يكون التوزيع صحيحاً مطابقاً لأحكام القانون أن يقدم طلب الاستعواض من صاحب
الحق في الطرح أو من صاحب وكالة تتوافر بشأنها شروط المادة 13 من القانون رقم 192 لسنة
1958 وأن يصدر باسم هؤلاء قرار وزير الإصلاح الزراعي بالتوزيع وأما التسليم وهو عملية
مادية تالية التوزيع الذي يصدر به قرار الوزير فلم يتطلب بشأنه المشرع شروطاً خاصة
ذلك أن التوزيع في مفهوم قوانين طرح النهر وأكله ليس تسليمه إلى المستحقين فقد نصت
المادة 7 من اللائحة التنفيذية للقانون رقم 73 لسنة 1953 على أن "تقوم بعملية توزيع
وتسليم أطيان طرح النهر لجنة مؤلفة من… ويكون التوزيع في كل ناحية بحضور أصحاب الشأن
بعد تعليق إعلان ميعاد التوزيع على دار العمدة ويجب على رئيس اللجنة وأعضائها والمستلمين
أن يوقعوا على القوائم الخاصة بالتوزيع ويجوز لأصحاب الشأن الاعتراض على هذا التوزيع
بمقتضى شكوى تقدم إلى المديرية خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ النشر في الجريدة الرسمية..
وبعد تحقيق الشكاوى والفصل فيها يصدر وزير المالية والاقتصاد قراراً باعتماد التوزيع"
وهذا النص قاطع في أن المقصود بالتوزيع المشار إليه في المادة 13 من القانون رقم 192
لسنة 1958 هو تسليم الطرح إلى مستحقيه من أصحاب الأكل بواسطة اللجنة المنصوص عليها
في المادة 7 المشار إليها ولا يمكن القول بأن توزيعاً قد تم قبل استلام صاحب الأكل
للطرح ووزير المالية والاقتصاد لا يصدر قراراً بتوزيع الطرح بل يصدر قراراً باعتماد
التسليم الذي يتم لذوي الشأن.. وليس بصحيح ما ذهب إليه الطاعنان من أنه يكفي لصحة التوزيع
أن يقدم طلب الاستعراض من المستحق الأصلي.. ذلك أن المادة 13 من القانون رقم 192 لسنة
1958 قد تضمنت أن يكون التوزيع قد تم إلى من ذكروا في النص دون غيرهم وإلا ألغيت التوزيعات
دون اعتداد بطلب الاستعراض.. وقد انتهت هيئة المفوضين في هذه المذكرة إلى طلب رفض الطعن
موضوعاً.
ومن حيث إنه تبين من الاطلاع على الأوراق المودعة ملف الطعن أن إضافة الأطيان من طرح
النهر إلى تكاليف الطاعنين لم تتم إلا بعد إجراء التسليم وكذلك ربط الأموال الأميرية
عليها وكل ذلك قد تم بعد اعتماد التسليم من المدير العام لمصلحة الأموال المقررة بتفويض
من الوزير المختص أصلاً بالاستناد إلى المادة العاشرة من القانون رقم 73 لسنة 1953
الخاص بطرح النهر وأكله التي تنص على أن "يوزع الطرح بقرار من وزير المالية والاقتصاد
ويكون لهذا القرار قوة العقد الرسمي ويسجل بدون رسم..".
وثابت أن الذي تولى الاستلام نيابة عن الطاعنين هو السيد/ نصيف ناشد شكري بموجب توكيل
خاص مصدق عليه أمام مكتب توثيق الإسكندرية بتاريخ 19 من يوليه 1955 ومن المسلم أن هذا
الوكيل لا يمت للطاعنين بأية صلة من القرابة ولا مجال للبحث أو التصدي لتوكيلات أخرى
صادرة منهما لهذا الشخص سواء كانت قبل صدور القانون رقم 73 لسنة 1953 أو بعده ما دام
تسليم الطرح قد تم إليه بناء على هذا التوكيل الخاص وليس على أساس أي توكيل آخر.
1 – ومن حيث إن القانون رقم 73 لسنة 1953 الخاص بطرح النهر وأكله يجعل طرح النهر من
الأملاك الخاصة للدولة التي تقوم بدورها بتوزيع كل طرح يظهر في زمام بلد أو مدينة على
أصحاب أكل النهر بنسبة ما فقدوه وأن يكون التوزيع بقرار إداري يصدر من وزير المالية
والاقتصاد ويعتبر هذا القرار دون غيره سند ملكية وانتقالها بعد شهر بالطريق الذي رسمه
القانون فليس إذن بصحيح القول بأن أصحاب الأكل يستمدون حقهم مباشرة في الطرح من القانون
ذلك أن هذا القول يتجافى مع ما نص عليه القانون من اعتبار الطرح من الأملاك الخاصة
للدولة ومع تعليق ملكية الطرح على صدور قرار الوزير باعتماد التوزيع، والأمر في ذلك
لا يزال في يد السلطة الإدارية المختصة بالتوزيع على أصحاب الأكل تقوم به طبقاً للشروط
والأوضاع المنصوص عليها في القانون المذكور تعويضاً لهؤلاء عن أكل النهر لأملاكهم فالعملية
إذا متصلة الحلقات تنتهي بالتسليم واعتماده من الوزير المختص وقبل ذلك لا ينشأ لأصحاب
الأكل أي حق في الطرح، ومن ثم فعملية التسليم واعتماده ليست عملية مادية كما يقول الطاعنان،
وإنما هي تصرف قانوني يتولد عنه الحق في تملك الطرح وآثاره فيجب أن يتوافر في التسليم
وفي شخص المستلم ما تطلبه القانون من شروط خاصة.
ولما كان القانون رقم 192 لسنة 1958 قد نص في المادة 13 على أن "طرح النهر الذي لم
يوزع توزيعاً ابتدائياً حتى تاريخ العمل بهذا القانون، نباع طبقاً لأحكامه. فإذا كان
الطرح قد تم توزيعه ابتدائياً وكان مطابقاً لأحكام القانون رقم 73 لسنة 1953 وصالحاً
للاعتماد ولم يتم اعتماده بقرار من وزير المالية والاقتصاد أو وزير الخزانة فيتعين
صدور قرار من وزير الإصلاح الزراعي باعتماده في خلال سنة من تاريخ العمل بهذا القانون
إذا كان الطرح قد وزع على مستحقيه الأصليين أو على من انتقلت إليهم ملكية الأكل قبل
صدور القانون رقم 73 لسنة 1953. ومع ذلك فإذا كان التوزيع المشار إليه في الفقرة السابقة
قد تم إلى أصحاب وكالة حصلوا عليها بعد العمل بالقانون رقم 73 لسنة 1953 فلا يعتمد
منه إلا الحالات التي تكون فيها الوكالة صادرة إلى أقارب لغاية الدرجة الرابعة" أما
التوزيعات التي لا تطابق الأحكام المنصوص عليها في الفقرتين السابقتين فتلغى ولو كانت
قد اعتمدت وتم شهرها وفي جميع الحالات التي يلغى فيها التوزيع تستلم هيئة الصندوق أراضي
الطرح الملغى توزيعه بالطريق الإداري من أول السنة الزراعية 1958/ 1959 إذا كان التوزيع
قد تم اعتماده وشهره أما ما لم يتم اعتماده وشهره فيحاسب صاحب التوزيع على إيجاره وقت
استلامه ابتدائياً بعد خصم ما دفع من الضرائب وملحقاتها ويباع الطرح الملغى توزيعه
طبقاً لأحكام هذا القانون ويطبق على أصحاب التوزيعات الملغاة بالنسبة لحق تعويض الأكل
حكم المواد 7 و8 و9 من هذا القانون..".
ومن حيث إن الحالة المعروضة هي حالة توزيع قد تم اعتماده لصاحب وكالة بعد العمل بالقانون
رقم 73 لسنة 1953 وغير قريب لأصحاب الشأن في الطرح وكما سبق القول.
2 – إن عملية توزيع الطرح تبدأ ببحث حالة الأشخاص أصحاب الأكل ثم يوزع طرح النهر على
هؤلاء الأشخاص بحسب القواعد المرسومة قانوناً وهذا العمل إجراء إداري بحت يتم من جانب
واحد ولا يكون له من أثر قانوني إلا بعد الاستلام المعتبر قانوناً وينفتح من هنا باب
الشكوى والاعتراض وبمعنى آخر أن التسلم هو الإجراء النهائي الذي به يتم التوزيع كعملية
قانونية متكاملة بعد اعتماده من الجهة المختصة بذلك.
ومن ثم يكون التوزيع بهذا المعنى في خصوصية النزاع الحالي قد تم على خلاف القانون لأنه
حصل لوكيل غير قريب لغاية الدرجة الرابعة مما يستدعي إلغاءه، ولا حجية فيما أثاره الطاعنان
من استعراض لنصوص اللائحة التنفيذية للقانون رقم 73 لسنة 1953 المشار إليه ولا فيما
استخلصاه من هذه النصوص من وجود تفرقة ما بين التوزيع والتسليم وأن اشتراط درجة قرابة
الوكيل لأصحاب الطرح إنما يقصر على التوزيع دون التسليم إذ ليس لهذا القول من واقع
يسانده ذلك.
3 – إن القرار الوزاري باعتماد التسليم هو المعتبر سند الملكية وله قوة العقد الرسمي
ويسجل فلا يوجد قرار باعتماد التوزيع تترتب عليه آثار قانونية وإذ عبر القانون بلفظ
"توزيع" فإنما قصد التوزيع بمعناه الأعم وهو تسليم الطرح لمن خصص لهم من أصحاب الأكل
وأما قبل ذلك فلا يعدو أن يكون تقسيمها تمهيدياً أو تملك حد التعبير الوارد في سند
الملكية "كشف ببيان الأطيان التي تسلمت في سنة 1955 نتيجة مباحث سنة 1954" فالتسليم
إذا هو المرحلة الأخيرة التي يتقرر بها الحق في الطرح وفي تملكه وأما قبل ذلك فالأمر
مجرد مباحث واستقصاء عن المستحقين للطرح وتحديد لنصيب كل منهم وللموقع الذي سيكون فيه
هذا النصيب وبالتالي فالتسليم هنا تصرف قانوني لا مادي ولا محل لقياس هذه الحالة بحالة
عقود التملك العادية التي ينشأ الحق فيها بمجرد توافق الإيجاب والقبول إذ يختلف سند
التملك في كل من الحالتين عنه في الأخرى.
وأما الاستناد إلى ما جاء في نصوص اللائحة التنفيذية المشار إليها من لفظ "التوزيع"
و"التسليم" فلا يغير شيئاً من وجهة النظر السابقة لأن اللائحة المذكورة إذ ورد بها
"تقوم بعملية التوزيع والتسليم" "ويجب على رئيس اللجنة وأعضائها والمستلمين أن يوقعوا
على القوائم الخاصة بالتوزيع. فإن ذلك مما يؤيد أن الإجراء فيما يختص بتوزيع الطرح
يبدأ بتحرير قوائم التوزيع بعد إجراء المباحث اللازمة ثم ينتهي بالتسليم فالعملية إذا
واحدة تتدرج في مراحل والتسليم هو المعتبر قانوناً كسند للتملك بعد اعتماده على النحو
السالف بيانه. كما أنه لا حجية في الاستدلال بما ورد في المذكرة الإيضاحية للقانون
والقول بناء على ذلك بعدم توافر الحكمة التي استهدفها المشرع في تقرير الحكم الذي أورده
في المادة 13 من القانون رقم 192 لسنة 1958 وانبنى عليه بطلان التصرف الصادر للطاعنين
لا حجية في ذلك إزاء صراحة النص هذا إلى أن حكمة التشريع إنما تبني على الغالب من الأمور
– ولا وجه للاحتجاج أمام هذه المحكمة بقضاء سابق صادر من محكمة القضاء الإداري في دعوى
مشابهة أخذ بوجهة النظر التي يقول بها الطاعنان في خصوصية مغايرة بظروفها لا محل للتعرض
لها في هذا المقام أو للقياس عليها.
ومن حيث إنه لكل ما تقدم وللأسباب التي أوردها الحكم المطعون فيه يكون هذا الحكم قد
صادف الصواب ويكون الطعن متعين الرفض مع إلزام المدعيين بالمصروفات.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وبرفضه موضوعاً، وألزمت المدعيين بالمصروفات.
