الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 777 لسنة 30 ق – جلسة 04 /07 /1985 

مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الثلاثون – العدد الثاني (من أول مارس سنة 1985 إلى آخر سبتمبر سنة 1985) – صـ 1416


جلسة 4 من يوليه سنة 1985

برئاسة السيد الأستاذ المستشار محمد هلال قاسم رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة الأساتذة: المستشار عبد الفتاح السيد بسيوني – نائب رئيس مجلس الدولة، المستشار عبد الفتاح محمد إبراهيم صقر – نائب رئيس مجلس الدولة، المستشار محمود مجدي أبو النعاس – وكيل مجلس الدولة، المستشار فاروق عبد الرحيم غنيم – وكيل مجلس الدولة، ومن الشخصيات العامة: السيد الأستاذ المستشار/ أحمد فؤاد السيد عبد الوهاب أبو العيون نائب رئيس مجلس الدولة سابقاً، السيد الأستاذ المستشار/ رضا عبد القادر عبد الرازق وكيل مجلس الدولة سابقاً، السيد الأستاذ المستشار/ محمد صلاح الدين مازن وكيل مجلس الدولة سابقاً، السيد الأستاذ المستشار/ عبد القادر محمد شتا وكيل مجلس الدولة سابقاً، السيد الأستاذ المستشار/ عبد السلام كمال محمد حامد حجازي وكيل مجلس الدولة سابقاً.

الطعن رقم 777 لسنة 30 القضائية

أحزاب سياسية – شروط تأسيسها واستمرار قيامها.
المادة الرابعة من القانون رقم 40 لسنة 1977 بشأن نظام الأحزاب السياسية أوردت الشروط الواجب توافرها لتأسيس أو استمرار أي حزب سياسي – يتعين أن تتوافر جميع الشروط للموافقة على تأسيس الحزب – أثر ذلك: يترتب على تخلف أي شرط من هذه الشروط قيام السبب المانع من الموافقة على قيام الحزب – هي شروط واجبة للموافقة على تأسيس الحزب عند قيامه وشروط صلاحية لاستمرار الحزب بعد قيامه في مباشرة نشاطه – إذا تبين تخلف أحد هذه الشروط أو زواله كان لرئيس لجنة شئون الأحزاب السياسية أن يطلب من المحكمة الإدارية العليا بتشكيلها الوارد في القانون رقم 40 لسنة 1977 حل الحزب وفقاً للإجراءات الواردة في المادة 17 منه – للجنة شئون الأحزاب السياسية بعد صدور قرارها بالاعتراض على تأسيس الحزب أن تضيف أسباباً جديدة لقرارها متى كانت هذه الأسباب تتعلق بتخلف شروط أخرى أوجبها القانون وكانت هذه الأسباب قائمة وموجودة عند صدور قرارها بالاعتراض – الطعن أمام المحكمة الإدارية العليا في القرار الصادر بالاعتراض على تأسيس أي حزب سياسي بسيط رقابة هذه المحكمة للتحقق من توافر كافة الشروط التي حددها القانون – الشرط الوارد في البند سابعاً من المادة الرابعة – مصادرته لحرية الرأي الواردة في المادة 47 من الدستور – استخلاص المحكمة فيما تضمنه البندان ثانياً وسابعاً من المادة الرابعة مخالفة لأحكام الدستور – وقف الطعن وإحالة الأوراق إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في مدى دستورية البندين – أساس ذلك: المادة 29 من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979 – تطبيق.


إجراءات الطعن

في يوم الأربعاء 18 من يناير سنة 1984 أودع الأستاذ الدكتور/ عصمت سيف الدولة نيابة عن كمال محمد أحمد عن نفسه وبصفته وكيل طالبي تأسيس الحزب الناصري قلم كتاب هذه المحكمة تقرير طعن قيد تحت رقم 777 لسنة 30 القضائية عليا ضد الدكتور/ محمد صبحي عبد الحكيم بصفته رئيساً للجنة شئون الأحزاب السياسية طلب فيه الحكم بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع بإلغاء القرار الصادر من لجنة شئون الأحزاب السياسية في 18 من ديسمبر سنة 1983 بالاعتراض على تأسيس الحزب الناصري، وإلزام المطعون ضده بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة.
وأعلن الطعن إلى المطعون ضده على النحو المقرر قانوناً.
وقدمت هيئة مفوضي الدولة تقريراً برأيها القانوني في الطعن انتهت فيه، لما ارتأته من أسباب إلى أنها ترى الحكم أولاً بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع بإلغاء القرار المطعون فيه، وثانياً: الأمر بمحو العبارات التي تضمنتها صحيفة الطعن، والتي أشارت إليها مذكرة إدارة قضايا الحكومة، وثالثاً: بإلزام المطعون ضده بالمصروفات.
وحددت لنظر الطعن جلسة 12 من مايو سنة 1985 وتم تداوله على النحو الثابت في المحاضر وبجلسة 20 من أكتوبر سنة 1984 حضر الأستاذ/ عطية سليمان المحامي وطلب تدخله في الطعن منضماً إلى الطاعن، وبجلسة أول ديسمبر سنة 1984 قدم طالب التدخل مذكرة جاء فيها أنه من المؤمنين بالمنهج الناصري فكراً وسياسة ومنهاجاً وأنه أحد الذين يؤمنون بحقهم الطبيعي والشرعي في أن يكون للناصريين حزبهم الذي يعبر عنهم، الأمر الذي يقيم له مصلحة شخصية مباشرة في طلب التدخل انضمامياً إلى الطاعن في طلباته، وبعد تداول الطعن على ما هو ثابت في المحضر قررت المحكمة إصدار الحكم فيه بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن عناصر هذه المنازعة تخلص، على ما يبين من أوراق الطعن، في أن الطاعن عن نفسه وبصفته تقدم نائباً عن 60 عضواً مؤسساً، إلى لجنة شئون الأحزاب السياسية في 11 من أغسطس سنة 1983 بإخطار كتابي عن تأسيس الحزب الناصري "تنظيم تحالف قوى الشعب العامل" أرفق به جميع المستندات التي تطلبها القانون، وقد عرض الإخطار على اللجنة المشار إليها في 23 من أغسطس سنة 1983 وتوالت اجتماعاتها إلى أن أصدرت في 18 من ديسمبر سنة 1983 قرارها المطعون فيه بالاعتراض على تأسيس الحزب، وأقامت اللجنة قرارها على أنه قد بان لها من الاطلاع على برنامج الحزب ولائحته ونظامه الداخلي ما يلي:
أولاً: أن الإعلان السياسي وبرنامج الحزب ونظامه الداخلي تدل بوضوح على أنه يقوم على النظام الشمولي ولا يؤمن بالديمقراطية أو بتعدد الأحزاب طبقاً لما جاء بالدستور إذ نصت المادة الرابعة من نظامه الداخلي على أن يلتزم أعضاء الحزب بالمنهج الناصري الموجود في وثائق ثورة يوليو (الميثاق الوطني وبيان 30 مارس)، كما أكد الإعلان السياسي للحزب أن ثورة يوليو رسمت طريقاً واضحاً أمام الجماهير لتكون لها حركتها الواحدة وتنظيمها الواحد، وهو ما ردده أيضاً برنامج الحزب من أن الناصرية، التي ينتمي إليها الحزب "ترى في الثورة الطريق الوحيد الذي تستطيع المجتمعات أن تعبر عليه من الماضي إلى المستقبل" وأنها "الوسيلة الوحيدة التي تستطيع بها الشعوب المقهورة أن تخلص نفسها من الأغلال التي كبلتها" وأن "الثورة هي الوسيلة الوحيدة لمقابلة التحدي الكبير الذي ينتظر الأمة العربية وغيرها من الأمم التي تستكمل نموها".
ثانياً: أن ما جاء ببرنامج الحزب على ما سلف بيانه يتعارض مع الشرعية الدستورية التي يقوم عليها نظام الحكم في مصر، ويرمى إلى عودة الشرعية الثورية التي تستبيح أي تغيير عن غير السبيل الدستوري لمواجهة ما أسماه التحدي الكبير الذي ينتظر – في المستقبل بداهة – الأمة العربية.
ثالثاً: أن البرنامج يقرر في الصحيفة رقم 12 أن واقع المجتمع المصري فرض أن تكون الاشتراكية العلمية هي المخرج العلمي من قيود التخلف، وأن الاشتراكية ترتبط بأسلوب معين للتفكير العلمي، فالاشتراكية العلمية التي ينادي بها الحزب هي بعينها الماركسية التي تختلف كلية عن النظام الاشتراكي الديمقراطي الذي يقوم عليه الأساس الاقتصادي للبلاد طبقاً للمادة الرابعة من الدستور، كما أن النظام الماركسي الذي يدعو إليه يؤدي في حقيقة الأمر إلى نظام شمولي تتحكم فيه طبقة واحدة بالمخالفة لأحكام الدستور وقانون الأحزاب.
رابعاً: أن الحزب المطلوب تأسيسه يرتد في تكوين تصوره السياسي والاقتصادي إلى حقبة ماضيه من تاريخ مصر هي التي كان يحكمها ميثاق العمل الوطني الصادر سنة 1962، فقد اقتبس في برنامجه مقتطفات عديدة من الميثاق منها تعريفه للديمقراطية بأنها توكيد السيادة للشعب ووضع السلطة كلها في يده وتكريسها لتحقيق أهدافه (ص 4)، كما ورد في البرنامج أن قيام الديمقراطية السياسية السليمة يجب أن يرتكز أساسية، كما أنه وقد جعل من أهدافه تجريد الرجعية من كافة أدواتها والرأسمالية الوطنية وبين العمال والفلاحين مرهون بتجريد الرجعية من كافة أدواتها (ص 7، 8). وبذلك يكون هذا البرنامج قد خالف ما نصت عليه مبادئ الاستفتاء من الالتزام بالدستور وحده كوثيقة أساسية، كما أنه وقد جعل من أهدافه تجريد الرجعية من كافة أدواتها دون تحديد لما أطلق عليه الرجعية يفتح الباب لصراعات طبقية عديدة مما يتنافى مع السلام الاجتماعي الذي نص قانون الأحزاب على وجوب الالتزام به.
خامساً: بأن البرنامج يدعو إلى إلغاء الملكيات الوهمية المفروضة على الصحافة، ونقل ملكيتها للشعب ملكية حقيقية بحيث لا يسمح بسيطرة فرد أو سيطرة قلة عليها (ص 8)، وهو ما يعني حرمان جميع الأحزاب من حقها في إصدار الصحف بالمخالفة للمادة 15 من قانون الأحزاب ويؤدي بالتالي إلى مظهر من مظاهر النظام الشمولي الذي يهدف الحزب إلى عودته.
سادساً: أن النظام الداخلي للحزب لا يتضمن ما توجبه المادة الخامسة من قانون الأحزاب من وجوب تحديد الجهة التي تؤول إليها أموال الحزب في حالة الحل حتى يخضع ذلك لتقدير لجنة شئون الأحزاب عند نظر طلب تأسيس الحزب وترك أمر تحديد هذه الجهة للمؤتمر العام للحزب عندما يقرر حله مما يسمح بتوجيه هذه الأموال عندئذ إلى جهات غير شرعية أو مشروعة.
ويأخذ الطاعن على القرار المطعون فيه أنه جاء مشوباً بالبطلان وعدم المشروعية، متسماً بعيب الانحراف في استعمال السلطة وذلك على التفصيل التالي:
أولاً: عدم صلاحية رئيس اللجنة، ذلك أن الذي تولى رئاسة لجنة شئون الأحزاب التي أصدرت القرار المطعون فيه هو الأستاذ الدكتور/ صبحي عبد الحكيم رئيس مجلس الشورى وهو ليس مجرد عضو عادي في الحزب الوطني الديمقراطي بل هو أحد قادته وأقطابه وعضو مكتبه السياسي ورئيس اللجنة الفكرية فيه الذي يصوغ مبادئه ويشرف على تلقينها وتعليمها للأعضاء وتجميع المواطنين عليها، وهي أفكار ومبادئ متميزة عن أفكار ومبادئ الحزب المعترض عليه، وقد كان واجباً أن يتخلى عن صفته الحزبية بعد اختياره رئيساً لمجلس الشورى إذ أنه بحكم منصبه هذا يرأس لجنة شئون الأحزاب السياسية التي لا يصلح رئيساً لها إلا إذا كان محايداً بين الأحزاب، وإذ لم يفعل فإنه لم يكن، بلا ريب، صالحاً لرئاسة اللجنة والمساهمة برأيه المرجح في فحص ودراسة الأخطار المقدم إليه من الطاعن والاعتراض على الحزب موضوع القرار المطعون فيه لعدم توافر شرط الحياد فيه ويكون من ثمن القرار الذي شارك في إصداره باطلاً.
ثانياً: بطلان الإجراءات التي اتخذتها اللجنة في فحص واتخاذ القرار المطعون فيه، وآية ذلك أن المادة 8 من قانون الأحزاب السياسية رقم 40 لسنة 1977 أوصت أن يصدر قرار اللجنة بالاعتراض على تأسيس الحزب مسبباً بعد سماع الإيضاحات اللازمة من ذوي الشأن فإذا صدر القرار دون سماع الإيضاحات غدا باطلاً، والذي حدث، أنه تحت تأثير التحيز، وخلافاً لما جرت عليه اللجنة في حالات أخرى استدعت فيها ذوي الشأن وناقشتهم وطلبت ما يلزم من إيضاحات منهم بل ومكنتهم من التغيير والتبديل والحذف والإضافة في الصياغة والمضمون، تجاهلت اللجنة ذوي الشأن في الحزب موضوع القرار المطعون عليه، الأمر الذي يتعدى أن يكون مجرد دليل على انعدام الحياد ليوقع بالقرار الأثر الحتمي وهو البطلان.
ثالثاً: بطلان الأسباب، ينعى الطاعن على الأسباب التي قام عليها القرار المطعون فيه بمخالفة الواقع والقانون وحسن النية وتناول ما يأخذه على هذه الأسباب واحداً تلو الآخر على النحو التالي:
1 – السبب الأول وهو قيام الحزب على نظام شمولي لا يؤمن بالديمقراطية أو تعدد الأحزاب: يذهب الطاعن إلى أن اختصاص لجنة شئون الأحزاب السياسية كما هو محدد في الفقرة 3 من المادة الثامنة محصور في فحص ودراسة إخطارات تأسيس الأحزاب السياسية طبقاً لأحكام القانون وليس من سلطتها أن تضع شروطاً أو تفرض قيوداً على تأسيس الأحزاب لم يضعها أو يفرضها المشرع، فإذا كان قانون الأحزاب السياسية قد حدد في المادة الرابعة منه، على سبيل الحصر، تسعة شروط يتعين توافرها لتأسيس الحزب أو استمراره، وليس من بينها السبب الأول الذي استند إليه القرار المطعون فيه، فإن اللجنة تكون قد تجاوزت اختصاصها عند إضافة شرط من عندها إلى شروط تأسيس الأحزاب بإطلاق عبارة قيام الحزب على نظام شمولي لا يؤمن بالديمقراطية، وهي إذ فعلت تكون قد انحرفت بذلك عن سلطتها على محو ينطوي على اغتصاب سلطة التشريع ومخالفة الدستور، وقد انتهت اللجنة إلى ما انتهت إليه في هذا الخصوص من نصوص منتزعة انتزاعاً تعسفياً من مواضع متباينة الموضوع متباعدة السياق موزعة فيما بين الإعلان والبرنامج والنظام جمعت معاً في محاولة خلق تركيبة لغوية تساند الغاية غير المشروعة التي استهدفها القرار، فالنص الذي يقول "يلتزم أعضاء الحزب بالمنهج الناصري الموجود في وثائق ثورة يوليو" (الميثاق الوطني وبيان 30 مارس) لم يرد في النظام الداخلي للحزب منفرداً بل اقتطفته اللجنة من مكونات الالتزام وهي أربعة مجتمعة، المنهج الناصري وبرنامج الحزب ونصوص اللائحة وقرارات الحزب، وهذا المنهج ليس مبادئ ولا سياسات ولكن طريقة للفهم ثم أن الإعلان السياسي للحزب قيد النهج الناصري بما هو إيجابي فيه ولم يأخذه على إطلاقه فقرر أنه "يؤمن بمبادئ ثورة يوليو على النهج الناصري بأبعادها الإيجابية" وهو مفهوم لا يتعارض مع قبول تعدد الأحزاب أما النص الذي يقول "أن ثورة يوليو وسمعت طريقاً واضحاً أمام الجماهير لتكون لها حركتها الواحدة وتنظيمها الواحد" (ص 2 من الإعلان) فقد جاء في سياق الحديث عن موضوع آخر انتزعته اللجنة من سياقه ونقلته إلى النظام الداخلي، وبالرجوع إلى هذا النص يتضح أنه لا يتحدث عن مصر أو الأحزاب فيها تعدداً أو توحداً ولكنه يتحدث عن حركة القومية العربية موحدة الجماهير العربية، وأن ما جاء في هذا الخصوص ترديد لما جاء في المادة الأولى من دستور جمهورية مصر العربية الصادر سنة 1971، وأخيراً فإن النصوص التي تقول أن الناصرية ترى في الثورة الطريق الوحيد الذي تستطيع المجتمعات أن تعبر عليه الماضي إلى المستقبل" وأنها "الوسيلة الوحيدة التي تستطيع بها الشعوب المقهورة أن تخلص نفسها من الأغلال التي كبلتها" وأن "الثورة هي الوسيلة الوحيدة لمقابلة التحدي الكبير الذي ينتظر الأمة العربية وغيرها من الأمم التي تستكمل نموها". فواضح أن كلمة الثورة هنا تستعمل بمفهومها المجازي كما قيل ويقال عن الثورة الصناعية أو الزراعية أي مضاعفة الجهد، وليس بمعناها القانوني أو السياسي أي الخروج على الشريعة، إلا أن لجنة شئون الأحزاب السياسية حرفت المعنى لتوحي بأن كلمة الثورة مستعملة لإرادة تغيير النظام الدستوري عن غير الطريق الديمقراطي، أي بالعنف.
2 – السبب الثاني وهو أن برنامج الحزب يتعارض مع الشرعية الدستورية ويرمى إلى عودة الشرعية الثورية فإن هذا السبب بدوره باطل على نحو ما ورد في الرد على السبب الأول.
3 – السبب الثالث وحاصله أن الحزب ينادي بالاشتراكية العلمية وهي بعينها الاشتراكية المادية. وهذا السبب ينقضه ما جاء في برنامج الحزب من أن المقصود بالاشتراكية العلمية والاعتماد على المنهج العلمي في معالجة قضايا الواقع وهي تختلف بالقطع عن الاشتراكية المادية لأن صيغة العلمية ترتبط بأسلوب معين للتفكير العلمي.
4 – السبب الرابع وهو مخالفة الحزب لما نصت عليه مبادئ الاستفتاء من الالتزام بالدستور وحده كوثيقة أساسية، كما أنه إذ جعل من أهدافه تجريد الرجعية من كافة أدواتها دون تحديد لما أطلق عليه لفظ "الرجعية" يفتح الباب لصراعات عديدة مما يتنافى مع السلام الاجتماعي الذي نص قانون الأحزاب على وجوب الالتزام به، هذا السبب بدوره غير صحيح فهو يتعارض مع ما صرح به رئيس الجمهورية السابق في المؤتمر القومي الثاني للإتحاد الاشتراكي العربي حين تقدم بوثيقة تتضمن مشروع دستور 1971 من أن هذه الوثيقة قد استقت نبعها من ميثاق العمل الوطني. هذا إلى أن أساتذة العلوم الدستورية قد أكدوا العلاقة بين دستور سنة 1971 وبين ميثاق العمل الوطني، كما أن الميثاق هو المرجع الرئيسي في معرفة المبادئ التي قامت عليها ثورة 23 يوليو سنة 1952، وقد اشترط قانون الأحزاب رقم 40 لسنة 1977 لتأسيس أو استمرار أي حزب سياسي عدم تعارض مقوماته أو مبادئه أو أهدافه أو برامجه أو سياساته أو أساليبه في ممارسة نشاطه مع مبادئ ثورة يوليو سنة 1952، ومتى كان ذلك فإن مبادئ الميثاق لا تنتمي إلى حقبة ماضية من تاريخ مصر، كما ذهب إلى ذلك القرار المطعون فيه، بل أنها ما تزال تحكم دستورياً الحقبة الحاضرة من تاريخ مصر، أما عن عبارة تجريد الرجعية من كافة أدواتها، فإن المقصود بها تجريد الرجعية التي تحول بأدواتها دون (تحقيق التقدم السياسي والاجتماعي والاقتصادي للوطن) الذي حدده القانون هدفاً للأحزاب السياسية (م 3 من قانون الأحزاب) وليس في ذلك ما يتنافى أو يتعارض مع السلام الاجتماعي، فالسلام الاجتماعي كما عرفته المذكرة الإيضاحية لقانون الأحزاب هو احترام الحزب في نشاطه وقراراته وتصرفاته للمشروعية وسيادة القانون وعدم خروجه في ممارسته الحزبية لهذه الأمور عن الأساليب الشرعية والسلمية والديمقراطية "وهو شرط متعلق بمستقبل ممارسة الحزب نشاطه بعد أن يقوم، وقد فرض عليه القانون رقابة بحيث إن أخل بالسلام الاجتماعي جاز إيقاف نشاطه أو حله (م 17) وليس في برنامج الحزب ولا في لائحته ما يفهم منه أن مبادئه عدم الالتزام بالأساليب الشرعية والسلمية والديمقراطية، أما أن يكون من غاياته المحافظة على التقدم السياسي والاجتماعي والاقتصادي للوطن بتجريد الرجعية من أدواتها المعوقة لهذا التقدم بالأساليب الشرعية فهذا حقه المشروع، بل أنه لا يفعل ذلك إلا دفاعاً عن الشرعية وعن الدستور وعن الأهداف التي أسند القانون إلى الأحزاب السياسية مهمة تحقيقها.
5 – السبب الخامس والذي يقوم على أن برنامج الحزب يدعو إلى إلغاء الملكيات الوهمية المفروضة على الصحافة بما يعني حرمان جميع الأحزاب من الحق في إصدار الصحف والعودة إلى النظام الشمولي، فإن القرار المطعون فيه لكي يصل إلى ما قال به في هذا الشأن قد ابتسر ما جاء في البرنامج متعلقاً بالصحافة وبالرجوع إلى البرنامج يتضح أن ما جاء به في هذا الخصوص يتعلق بالصحف القومية التي تملكها الشعب بمقتضى القانون رقم 156 لسنة 1960، والمقصود على ما جاء في البرنامج هو ضمان حرية الصحافة بتحصين الصحفيين ضد الفصل والنقل الإداري وإلغاء الملكيات الوهمية المفروضة على الصحافة ونقل ملكيتها للشعب ملكية حقيقية عن طريق الاكتتاب الشعبي بحيث لا يسمح بسيطرة فرد أو سيطرة قلة عليها مع مراعاة تخصيص نسبة ملحوظة للعاملين، وهذا لا يصدق إلا على الصحف القومية دون غيرها إذ لا سلطة للإدارة على المؤسسات الصحفية الحزبية أو الخاصة.
6 – السبب السادس وحاصله أن النظام الداخلي للحزب لم يتضمن تعيين الجهة التي تؤول إليها أمواله عندما يصفى على ما نصت عليه المادة الخامسة من قانون الأحزاب ضماناً لعدم استبداد قياداته بأعضائه، فهذا السبب بدوره غير صائب، ذلك أن غاية ما قصده القانون في هذا الخصوص هو أن يضع الحزب في نظامه الداخلي قواعد وإجراءات تصفية أمواله لحماية أموال الحزب تجنباً لاستبداد قياداته، وهذا ما نص عليه النظام الداخلي للحزب إذ قرر أن يتولى الأعضاء جميعاً (الجمعية العمومية) تصفية أموال الحزب عند حله.
وخلص الطاعن في تقرير الطعن إلى التماس الحكم له بطلباته سالفة الذكر.
وقدمت إدارة قضايا الحكومة مذكرة أولى بدفاعها في الطعن عقبت فيها على ما أورده الطاعن بصفته في تقرير الطعن، جاء فيها أنه لا وجه لما نعاه الطاعن على عدم صلاحية رئيس لجنة الأحزاب لرئاسة اللجنة، ذلك أن قانون الأحزاب رقم 40 لسنة 1977 بعد تعديله بالقانون رقم 30 لسنة 1981 وإسناده رئاسة اللجنة إلى رئيس مجلس الشورى لم يتضمن نصاً بتنحي رئيس اللجنة عن صفته الحزبية، هذا إلى أن لجنة شئون الأحزاب السياسية إن هي إلا هيئة إدارية يغلب في تشكيلها العنصر الإداري ولا تتبع الإجراءات القضائية في فحص طلبات تشكيل الأحزاب التي تختص بنظرها، ذلك أن ما تصدره من قرارات هي في حقيقتها قرارات إدارية تخضع للطعن بالإلغاء، وبالبناء على ما تقدم ينتفي مناط الاستناد إلى قواعد الحيدة وحالات عدم الصلاحية للقضاة المنصوص عليها في قانون المرافعات وقانون الإجراءات الجنائية، وينتفي بالتالي ما رتبه الطاعن على ذلك من القول ببطلان القرار المطعون فيه لانعدام الحيدة في رئيس اللجنة وعدم صلاحيته لرئاستها والمساهمة برأيه المرجح في فحص ودراسة الأخطار المقدم إليه من الطاعن والاعتراض على الحزب، هذا إلى أن المشرع قد فتح الطريق للطعن في قرار الاعتراض أمام القضاء وطلب إلغائه ومتى كان ذلك فإن ما ينعاه المدعي في هذا الخصوص يضحي على غير أساس من الواقع أو القانون، أما ما ينعاه الطاعن من أن لجنة شئون الأحزاب قد أهدرت الإجراءات التي أوجبها القانون قبل إصدار قرارها بعدم طلب الإيضاحات من ذوي الشأن على ما نصت عليه المادة الثامنة من القانون الأحزاب فإنه بالرجوع إلى نص هذه المادة يبين أن طلب الإيضاحات هو أمر جوازي للجنة، وبالتالي يكون ما أخذه الطاعن على القرار المطعون فيه في هذا الشأن على غير سند من القانون متعين الرفض، وفيما يتعلق بما نعاه الطاعن على القرار المطعون فيه من مطاعن موضوعية فقد ذهبت مذكرة قضايا الحكومة إلى أن الإعلان السياسي للحزب قد فرق بين وحدة الجماهير العربية وحركتها الواحدة، وتنظيمها الواحد، الأمر الذي يكشف عن التنظيم الواحد للحزب لا في مصر وحدها بل وفي جميع أنحاء العالم العربي، كذلك فإن كلمة الثورة التي وردت في برنامج الحزب مقصود بها المعنى الحرفي للكلمة وليس المعنى المجازي الذي تكلم عنه الطاعن، ولم يعد هناك محل بعد صدور دستور سنة 1971 وبعد السماح بتعدد الأحزاب لقيام حزب يدعو إلى الثورة، وبرنامج الحزب حين يردد عبارة الثورة باعتبارها الوسيلة الوحيدة التي يعتمد عليها الحزب فإن ذلك يعني أن طريق الإصلاح في نظره لن يكون من خلال المؤسسات الدستورية والشرعية واتباع الأساليب الديمقراطية الدستورية وأضافت مذكرة قضايا الحكومة أن برنامج الحزب خالف الدستور باتخاذه الاشتراكية العلمية مخرجاً علمياً لواقع مجتمعنا من التخلف وسبيلاً لتنمية المجتمع اقتصادياً وعلمياً، واصطلاح الاشتراكية العلمية لا يعني سوى الماركسية التي تركز على الملكية العامة لأدوات الإنتاج والتخطيط الشامل المركزي وسيطرة القطاع العام على وسائل الإنتاج الرئيسية على نحو ما هو متبع في دول الكتلة الشرقية، ولا شك أن هذا الاتجاه يخالف مبادئ ثورة 15 مايو سنة 1971 والحفاظ على الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي والنظام الاشتراكي الديمقراطي والمكاسب الاشتراكية والتي نص قانون الأحزاب على وجوب مراعاتها في شأن تأسيس أي حزب، ويؤيد ما سبق من اتجاه الحزب الناصري إلى اليسار الماركسي ما جاء في برنامجه عن السياسة الخارجية والذي يدل بجلاء على تعاطف المؤسسين للحزب الذي يوثق علاقته مع النظم العربية التقدمية والإتحاد السوفيتي على أن الأفكار والمبادئ التي يؤمن بها أعضاء الحزب هي نفس المبادئ التي تؤمن بها الدول التقدمية العربية والتي تسير في فلك الإتحاد السوفيتي، وأردفت إدارة قضايا الحكومة في مذكرتها قائلة أن هناك تفرقة بين مبادئ ثورتي يوليو سنة 1952 ومايو سنة 1971 وبين وثائق هاتين الثورتين، إذ المبادئ التي أعلنتها الثورة غداة قيامها هي 1 – القضاء على الاستعمار وأعوانه من الخونة المصريين، 2 – القضاء على الإقطاع. 3 – القضاء على الاحتكار وسيطرة رأس المال على الحكم. 4 – إقامة عدالة اجتماعية. 5 – إقامة جيش وطني. 6 – إقامة حياة ديمقراطية سليمة. أما وثائق الثورة فلا تعدو أن تكون وثائق تاريخية للثورة، ومن هذه الوثائق الميثاق الوطني الذي يعد وثيقة سياسية لثورة 23 يوليو سنة 1952 وينتمي إلى حقبة ماضيه من تاريخ مصر وليس دستوراً ولا قانوناً ملزماً، وهو ما أكدته المحكمة العليا (الدستورية) في حكمها الصادر بجلسة 5 من إبريل سنة 1975 من أن الميثاق كوثيقة سياسية عليا تتضمن مبادئ عامة نظريات فلسفية أقرها المؤتمر القومي للقوى الشعبية لتكون دليلاً للعمل الوطني يقود خطي المستقبل ولكنه ليس دستوراً ولا قانوناً ولن يكون كذلك إلا إذا وصيغت مبادئه في نصوص تشريعية محددة، ونصت مذكرة إدارة القضايا قائلة أن الطاعن في كلامه عن الملكية الوهمية للصحف ذهب إلى تجريح القانون رقم 120 لسنة 1980 في شأن مجلس الشورى على أساس أن أعضاءه ينتخبون طبقاً للقوائم الحزبية وبالتالي يمكن لحزب واحد السيطرة على هذه الصحف ومجال الطاعن إن شاء، الطعن في دستورية هذا القانون، هذا وإذ لم يحدد برنامج الحزب الجهة التي تؤول إليها أموال الحزب عند حله فإنه يكون قد خالف صحيح حكم القانون.
وأضافت مذكرة إدارة القضايا، من باب الاحتياط الكلي إلى ما سبق أن الجهة الإدارية تملك تقديم أسباب جديدة إلى قرارها المطعون فيه أثناء نظر الدعوى، أما بناء على طلب المحكمة أو من تلقاء نفسها لتدعيم ما سبق أن قدمته من مبررات، ما دام أن هذه الأسباب كانت قائمة وقت صدور القرار، واستناداً إلى ذلك فقد تضمنت مذكرة إدارة القضايا سببين جديدين أولهما أن الحزب الناصري ليس متميزاً في برنامجه وسياساته تميزاً ظاهراً عن الأحزاب الأخرى كما يشترط القانون رقم 40 لسنة 1977 بنظام الأحزاب السياسية معدلاً بالقانون رقم 36 لسنة 1979، بل أن برنامجه، يكاد يكون مطابقاً لبرنامج حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي في الأساسيات التي يقوم عليها البرنامجان، وخاصة فيما يتعلق بالجوانب السياسية والاقتصادية وآية ذلك التطابق التام بين ما جاء في البرنامجين من تمجيد لثورة 23 يوليو سنة 1952 والميثاق الوطني سنة 1962 والمناداة بالثورة كوسيلة لتحقيق أهدافهما، وأخذ البرنامجين بالاشتراكية العلمية باعتبارها المنهج الملائم لتجديد شباب مصر وتحرير شعبها العامل والمخرج العلمي من قيود التخلف، كما ينادي كلا البرنامجين بالعودة إلى الاقتصاد الموجه وسيطرة القطاع العام على وسائل الإنتاج الرئيسية، كذلك يتفق البرنامجان فيما يتعلق بالقطاع الخاص ونظرة كل منهما للقطاع التعاوني ورؤيتهما للانفتاح الاقتصادي والاستمارات الأجنبية، والسبب الثاني على مناهضة مبادئ الحزب الناصري لما وافق عليه الشعب في الاستفتاء على معاهدة السلام بالمخالفة للمادة الرابعة من قانون الأحزاب التي يستفاد منها عدم مناهضة مبادئ الحزب للمبادئ التي وافق عليها الشعب في الاستفتاء على معاهدة السلام بتاريخ 20 من إبريل سنة 1979، الأمر الذي يتخلف معه في حق الحزب أحد الشروط التي تطلبها القانون لتأسيسه، وأخيراً فقد طلبت إدارة قضايا الحكومة في مذكرتها محو بعض العبارات التي تراها جارحة والتي أشارت إليها تفصيلاً في المذكرة وخلصت إدارة القضايا إلى طلب محو العبارات الجارحة الواردة في تقرير الطعن والحكم برفض الطعن وإلزام الطاعن بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة.
وقدم الطاعن مذكرتين بدفاعه مؤرختين 12 من مايو سنة 1984 و23 من يونيو سنة 1984 أضاف فيهما إلى ما سبق أن أورده في تقرير الطعن أنه من المسلم أنه إذا كان الباعث على إصدار القرار الإداري أو غايته تحقيق مصلحة خاصة لمصدره أو لغيره أو أهداف حزبية أو سياسية أو مجرد الإضرار بالغير فإن القرار يكون باطلاً واجب الإلغاء لمخالفته للقانون، وهو باطل لعيب الانحراف بالسلطة إذا كان مصدره قد قصد به غير المصلحة العامة، والقرار المطعون فيه جاء مشوباً بالبطلان مقترناً بالانحراف بالسلطة، ذلك أن الثابت أنه قبل أن يعرض طلب تأسيس الحزب الناصري على لجنة شئون الأحزاب بنحو شهر وقبل صدور القرار بالاعتراض على تأسيسه بنحو ثلاثة أشهر أن أبدى رئيس لجنة شئون الأحزاب رأيه علناً وأصدر قراره منفرداً بالاعتراض على الحزب لأسباب لا تمت بصلة للحزب ووثائقه، وقد أعلن ذلك، على ما نشر في جريدة مايو في عددها الصادر في 3 من أكتوبر سنة 1983، ونفى الطاعن ما نسبه القرار المطعون فيه من أن الحزب يقوم على الماركسية بعد أن ساوى هذا القرار بين الاشتراكية العلمية والماركسية ذلك أن الماركسية تقوم على ديكتاتورية البوليتاريا، وليس هذا شأن الحزب المعترض عليه الذي يؤمن بتحالف قوى الشعب العاملة، وهو ما أورده الدستور في مادته الأولى.
وذهب الطاعن إلى أنه ليس لإدارة قضايا الحكومة أن تضيف أسباباً جديدة للقرار المطعون فيه غير تلك التي أوردتها لجنة شئون الأحزاب – كما أن هذه الأسباب لا يمكن إسنادها للجنة، وبالتالي تكون هذه الأسباب صادرة من غير ذي اختصاص ومقدمة من غير ذي صفة، وناقش الطاعن من باب الاحتياط السببين الجديدين اللذين تقدمت بهما قضايا الحكومة قائلاً أن القول بعدم وجود تمايز ظاهر بين برنامج الحزب الناصري وبين حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي هو قول خاطئ ووجه الخطأ أنه اتخذ من أوجه التشابه بين برامج الأحزاب دليلاً على عدم التمايز ويبدو هذا الخطأ واضحاً إذ لوحظ أن القانون ذاته فرض لشرعية كل الأحزاب أن تتفق برامجها على كثير من المبادئ والسياسات والأساليب التي تضمنتها المادة الرابعة من قانون الأحزاب وما أحالت إليه من تشريعات واستفتاءات بالإضافة إلى ما تضمنه الدستور ذاته، ومن هنا فإن الأساسيات التي تقوم عليها كل الأحزاب في مصر متشابهة أو متطابقة لأنها صياغات مختلفة لما صاغه القانون والدستور وألزما الأحزاب بتبنيها وبالبناء على ذلك فإن ما ذكر عن تطابق برنامج الحزب الناصري مع برنامج حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي في تمجيد ثورة 23 يوليو سنة 1952 والميثاق الوطني سنة 1962 ما هو إلا شرط فرضه القانون على الأحزاب جميعاً في البند الثاني من الفقرة أولاً من المادة الرابعة من قانون الأحزاب السياسية، كما أن مناداة كل من البرنامجين بالعودة إلى الاقتصاد الموجه هو بدوره شرط فرضه القانون على الأحزاب جميعاً حينما أحال في الفقرة سادساً من المادة الرابعة من قانون الأحزاب إلى أحكام القانون رقم 33 لسنة 1978 الذي أحال بدوره إلى الدستور الذي نص على الاقتصاد الموجه في المادتين 23، 24 منه واللتين تفصحان عن أن الدستور يأخذ بالاقتصاد الموجه وليس بالاقتصاد الحر، أما ما قيل من اتفاق البرنامجين على نظرة كل منهما للقطاع العام ووجوب سيطرته على وسائل الإنتاج الرئيسية فهو أيضاً شرط فرضه القانون عن ذات الطريق السابق وما تؤكده المادة 30 من الدستور، وعن أخذ كل من البرنامجين بالاشتراكية العلمية فإن ما قالت به إدارة قضايا الحكومة في هذا الخصوص هو قول مبتسر، إذ حرص برنامج الحزب على أن ينفي عن الاشتراكية العلمية نفياً صريحاً أن تكون هي الاشتراكية المادية وهو ما لا يمكن أن يرد في برنامج حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي الذي يضم في الظروف التي نشأ فيها بعض الماركسيين والشيوعيين، أما عن القول بأن الحزبيين يتشابهان في استعمال تعبير الثورة فلقد سبق القول بأن تعبير الثورة في كل الحالات التي ورد فيها في برنامج الحزب الناصري هو استعمال مجازي لكلمة أصبحت دذلتها المجازية دراجة على الألسن وفي الكتابات السياسية، وخلص الطاعن من كل ما تقدم إلى أن الحزب الناصري هو حزب متميز عن حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، ذلك أنه حزب تحالف قوى الشعب العاملة وليس حزب أية طبقة أو تحالف طبقات في جبهة، وإذ كانت وسيلة هي الديمقراطية فإن ذلك يعني سيادة الشعب كله وليس سيادة أية طبقة، وأنه ينتهج العلم في البناء الاشتراكي وهذا بالطبع يختلف عن الماركسية، وهذه وتلك من الملامح التي تميز الحزب الناصري والتي حالت بين مؤسسيه وبين الدخول في حزب التجمع منذ أن كان منبراً إلى أن أصبح حزباً، أما عن السبب الثاني الذي أضافته إدارة قضايا الحكومة من مناهضة مبادئ الحزب للمبادئ التي وافق عليها الشعب في الاستفتاء على معاهدة السلام بتاريخ 20 من إبريل سنة 1979 مخالف بذلك حكم الفقرة سادساً من المادة الرابعة من قانون الأحزاب السياسية فإنه بالرجوع إلى هذا الاستفتاء نجد أنه تضمن موضوعين منفصلين، أحدهما معاهدة السلام وملحقاتها، وثانيهما تسعة مبادئ لإعادة تنظيم الدولة، ويبين من ذلك أن الشعب استفتى في اتفاق دولي اسمه معاهدة السلام كان قد صدق عليه مجلس الشعب وأصبح له قوة القانون، كما استفتى أيضاً في المبادئ التسعة الخاصة بإعادة تنظيم الدولة، والمعاهدة ليست مبدأ ومن ثم فإن ما قصده القانون حقيقة هو قصر تطبيق حكم الفقرة سادساً من المادة الرابعة من قانون الأحزاب السياسية على المبادئ الخاصة بتنظيم الدولة، وأنه لو كان المشرع قد قصد أن يرتب الحرمان على مناهضة أو معاداة كل ما جرى عليه الاستفتاء، لما كان في حاجة إلى أن يخصص فيذكر المبادئ فقط، والقاعدة أنه في تفسير القواعد التشريعية المقيدة للحرية يتعين الأخذ بالتفسير الضيق، وانتهى الطاعن في مذكرتيه إلى التصميم على طلباته.
وقدمت إدارة قضايا الحكومة مذكرة في 12 من مايو سنة 1984 عقبت فيها على ما جاء في تقرير هيئة مفوضي الدولة جاء فيها أن ما أورده هذا التقرير من أنه لم يكن لإدارة قضايا الحكومة أو للجنة شئون الأحزاب أن يدليا بأسباب جديدة للقرار المطعون فيه مردود بما قررته المحكمة الإدارية العليا في حكمها الصادر في الطعن رقم 1202 لسنة 26 قضائية عليا في 25 من يونيو سنة 1983 من إنزال حكم قانون الأحزاب السياسية رقم 40 لسنة 1977 والقوانين المعدلة له على المنازعة بشأن الطعن في القرار الضمني السلبي من لجنة شئون الأحزاب السياسية بالاعتراض على تأسيس حزب الأمة، إذ ناقشت المحكمة مدى توافر كافة الشروط التي أوردها ذلك القانون في شأن الحزب المذكور باعتبار أن هذه الشروط هي شروط قانونية يجب توافرها بحيث إذا فقد الحزب المراد تأسيسه أي شرط منها فلا تقوم للحزب قائمة والنتيجة القانونية والمنطقية أنه في حالة رفض تأسيس أي حزب وعرض أمره على القضاء فإن سلطة القضاء هي التحقق من توافر الشروط الواردة في المادة الرابعة من قانون تنظيم الأحزاب، وسلطة القضاء في ذلك لا قيد عليها بل أن ضرورة مراجعة تلك الشروط تعتبر من النظام العام بحيث إذا اتضح للمحكمة عدم توافر أي من هذه الشروط فإن لها أن تقضى بعدم قيام الحزب، وإذ كانت مبادئ الحزب الناصري تناهض المبادئ التي وافق عليها الشعب في الاستفتاء على معاهدة السلام وملحقاته فإنه يكون قد تخلف في قيام هذا الحزب أحد الشرائط القانونية المتطلبة قانوناً إعمالاً لحكم الفقرة سادساً من المادة الرابعة من قانون الأحزاب، وهذا ما أخذت به المحكمة الإدارية العليا حين قضت برفض تأسيس حزب الجبهة الوطنية في الطعن رقم 1252 لسنة 25 القضائية عليا المحكوم فيه بجلسة 25 من يونيو سنة 1983 استناداً إلى أن بعض الذين وقعوا على إخطارات تأسيس حزب الجبهة قد توافرت في حقهم أدلة جديدة على قيامهم بأفعال لا تعتبر مجرد تعبير عن رأي في معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية. وإنما هي قد صدرت في بيانات موقعة من مجموعة من الأشخاص أو على شكل تحقيقات ومقالات صحفية نشرت في الداخل والخارج وتضمنت دعوة إلى تحبيذ وترويج اتجاهات تتعارض مع معاهدة السلام المذكورة بل أنه قد وصل الأمر إلى حد خلق جبهة وصفت بأنها تولدت من تلك البيانات ومن ثم فإن تلك الأفعال تندرج تحت مدلول البند سابعاً من المادة الرابعة من القانون رقم 40 لسنة 1977 بنظام الأحزاب السياسية كما يشكل ثبوت هذه الأفعال في حق المؤسسين سبباً كافياً للاعتراض على تأسيس الحزب الذي وقعوا على إخطار تأسيسه، وإذ كان ما تقدم وكان الثابت في الطعن الماثل أن الطاعن نفسه هو أحد الموقعين على البيان الذي أورده حكم المحكمة الإدارية العليا سالف الذكر والذي يتضمن الدعوة إلى تحبيذ وترويج اتجاهات تتعارض مع معاهدة السلام المذكورة فمن ثم فإن ما أتاه على هذا النحو يندرج تحت مدلول البند سابعاً من المادة الرابعة من قانون تنظيم الأحزاب السياسية ويشكل في حق الطعن عن نفسه وبصفته أحد طالبي تأسيس الحزب الناصري سبباً كافياً للاعتراض على تأسيس الحزب الناصري، ورددت إدارة قضايا الحكومة في مذكرتها ما سبق أن أوردته في مذكرتها الأولى من عدم تميز الحزب الناصري في سياساته أو برنامجه تميزاً ظاهراً عن حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي على التفصيل الوارد في المذكرة الأولى وانتهت إدارة قضايا إلى التصميم على الطلبات التي انتهت إليها في المذكرة المشار إليها.
وقدم الطاعن في أول ديسمبر سنة 1984 مذكرة أخيرة بدفاعه أضاف فيها أنه لا خلاف بين الميثاق والدستور بل أن الدستور يردد ما جاء في الميثاق سواء في مقدمته أو ضمن نصوصه وأورد الطاعن بياناً بالأحكام التي أوردها الميثاق الوطني ورددها الدستور على النحو المبين تفصيلاً في مذكرته وخلص من ذلك إلى أن الميثاق الوطني هو الأساس الفلسفي للدستور وأن الأخير هو مجموعة القواعد القانونية لفلسفة الأول، وردد الطاعن في مذكرته ما سبق أن أبداه من وجود تمايز ظاهر بين برنامج الحزب الناصري وبرنامج حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي وساق في مذكرته مقارنة بين ما جاء في برنامج كل من الحزبين خلص منها إلى وجود كثير من أوجه التمييز بين البرنامجين، وأضاف الطاعن أنه إذا كان الاستفتاء على معاهدة السلام مع إسرائيل الحاصل في 20 من إبريل سنة 1979 قوة ملزمة فإنها لا تسرى إلا من تاريخ إعلان نتيجة الاستفتاء في التاريخ المذكور وأنه إذا كان للمعاهدة سريان قانوني فهو من تاريخ تصديق مجلس الشعب عليها في 10 من إبريل سنة 1979، والثابت من المذكرة المقدمة لمجلس الشعب والتي استندت إليها إدارة قضايا الحكومة، في القول بأنها تتضمن تحبيذاً وترويجاً للمبادئ التي وافق عليها الشعب في الاستفتاء الذي تم في 20 من إبريل سنة 1979 أنها قدمت من الموقعين عليها لمجلس الشعب في 25 من مارس سنة 1979، ومن الواضح أنه تاريخ سابق للسريان القانوني للمعاهدة، سواء من 20 إبريل سنة 1979 تاريخ الاستفتاء أو من 10 من إبريل سنة 1979 تاريخ موافقة مجلس الشعب عليها، والقاعدة، كما أوردتها المادة 66 من الدستور أنه لا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لتاريخ نفاذ القانون كما أنه لا سبيل لمؤاخذة أعضاء مجلس الشعب عما يبدونه من الأفكار والآراء على ما نصت عليه المادة 98 من الدستور، وأنه متى بان ما تقدم فإن ما ساقته إدارة قضايا الحكومة في هذا الخصوص يضحى غير متفق مع الواقع أو القانون وطلب الطاعن في ختام مذكرته الأمر بمحو العبارات الواردة في مذكرة دفاع إدارة قضايا الحكومة التي تحاول إلصاق الماركسية بمؤسسي الحزب والتشكيك في عقيدتهم الدينية وخاصة العبارة الواردة بالصفحة رقم 5 من مذكرة إدارة القضايا المقدمة بجلسة 12 من مايو سنة 1984، وخلص الطاعن إلى التصميم على طلباته.
وعقبت إدارة قضايا الحكومة بمذكرة ختامية أحالت فيها إلى ما سبق أن أوردته في مذكرتيها السابقتين رددت فيها أوجه دفاعها السابق وأضافت أنه لا يجدي الطاعن استناده إلى أحكام المادتين 66، 98 من الدستور على نحو ما جاء في مذكرته لأن مناهضة اتفاقية السلام يستدل عليه بالأعمال السابقة أو اللاحقة على الاستفتاء عليها ما دام الأمر يتعلق بموقف سياسي يسانده فكر سياسي معين لطالبي تأسيس حزب سياسي وليس بصدد عقاب أو ثواب حتى يعتصم الطالب بحكم المادة 66 من الدستور، كما أن الطاعن ليس يصدد مساءلة عما كان يبديه من آراء، داخل مجلس الشعب حتى يلوذ بالمادة 98 من الدستور ولكن الأمر يتعلق بأقدام جماعة على تأسيس حزب سياسي يدين بتلك الأفكار السياسية التي يرتب عليها المشروع في قانون الأحزاب تحريم قيام الحزب، وهو ما أخذت به المحكمة الإدارية العليا في حكمها الصادر بجلسة 25 من يونيو سنة 1983 المشار إليه آنفاً من أعمال أثر هذا الموقف السياسي بالنسبة لطالبي تأسيس حزب الجبهة الوطنية وكان من بين طالبي تأسيسه من وقعوا على البيان المؤرخ 25 من مارس سنة 1979 بالذات مقرره أن ما صدر منهم من أعمال لا يعد مجرد تعبير عن رأي في معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية وإنما صدرت في صورة بيانات موقعة من مجموعة من الأشخاص ورتبت على ذلك قيام السبب القانوني المانع من تأسيس الحزب، وطلبت إدارة قضايا الحكومة في مذكرتها محو بعض العبارات التي وردت في مذكرة الطاعن المقدمة في أول ديسمبر سنة 1984 على التفصيل الوارد في مذكرة إدارة القضايا وذلك بالإضافة إلى محو العبارات الواردة في تقرير الطعن والتي سبق أن بينتها في مذكرتها الأولى وأخيراً طلبت إدارة القضايا رفض طلب التدخل الانضمام استناداً إلى أن الحكم في الطعن الأصلي برفضه يترتب عليه انهيار طلب التدخل الانضمام وانتهت إدارة قضايا الحكومة في مذكرتها إلى طلب الحكم برفض الطعن وإلزام الطاعن بالمصروفات، فضلاً عن الأمر بمحو العبارات التي ارتأتها جارحة والواردة في تقرير الطعن ومذكرة الطاعن المقدمة في أول ديسمبر سنة 1984 على التفصيل السابق إيراده، ورفض طلب التدخل الانضمامي.
ومن حيث إن المادة الرابعة من القانون رقم 40 لسنة 1977 الخاص بنظام الأحزاب السياسية تنص على أنه يشترط لتأسيس أو استمرار أي حزب سياسي ما يلي:
أولاً: – عدم تعارض مقومات الحزب أو مبادئه أو أهدافه أو برامجه أو سياساته أو أساليبه في ممارسة نشاطه مع:
1 – مبادئ الشريعة الإسلامية باعتبارها المصدر الرئيسي للتشريع.
2 – مبادئ ثورتي 23 من يوليو سنة 1952، 15 مايو سنة 1971.
3 – الحفاظ على الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي والنظام الاشتراكي الديمقراطي والمكاسب الاشتراكية.
ثانياً: تميز برنامج الحزب وسياساته أو أساليبه في تحقيق هذا البرنامج تميزاً ظاهراً عن الأحزاب الأخرى.
ثالثاً: عدم قيام الحزب في مبادئه أو برامجه أو في مباشرة نشاطه أو اختيار قياداته أو أعضائه على أساس يتعارض مع أحكام القانون رقم 33 لسنة 1978 بشأن حماية الجبهة الوطنية والسلام الاجتماعي، أو على أساس طبقي أو طائفي أو فئوي أو جغرافي، أو على أساس التفرقة بسبب الجنس أو الأصل أوالدين أو العقيدة.
رابعاً: عدم انطواء وسائل الحزب على إقامة أي تشكيلات عسكرية أو شبه عسكرية.
خامساً: عدم قيام الحزب كفرع أو تنظيم سياسي في الخارج، وعدم ارتباط الحزب أو تعاونه مع أية أحزاب أو تنظيمات أو جماعات أو قوى سياسية تقوم على معاداة أو مناهضة المبادئ أو القواعد أو الأحكام المنصوص عليها في البند التالي:
سادساً: عدم انتماء أي من مؤسسي أو قيادات الحزب أو ارتباطه أو تعاونه مع أحزاب أو تنظيمات أو جماعات معادية أو مناهضة للمبادئ المنصوص عليها في البند أولاً من هذه المادة أو في المادة الأولى من القانون رقم 33 لسنة 1978 المشار إليه أو للمبادئ التي وافق عليها الشعب في الاستفتاء على معاهدة السلام وإعادة تنظيم الدولة بتاريخ 20 إبريل سنة 1979.
سابعاً: ألا يكون بين مؤسسي الحزب أو قياداته من تقوم أدلة جدية على قيامه بالدعوة أو المشاركة في الدعوة أو التحبيذ أو الترويح بأية طريقة من طرق العلانية لمبادئ أو اتجاهات تتعارض مع المبادئ المنصوص عليها في البند السابق.
ثامناً: ألا يترتب على قيام الحزب إعادة تكوين أي حزب من الأحزاب التي خضعت للمرسوم بقانون رقم 27 لسنة 1953 بشأن حل الأحزاب السياسية.
تاسعاً: علانية مبادئ وأهداف وبرامج ونظام وتنظيمات وسياسات ووسائل وأساليب مباشرة نشاط الحزب وعلانية تشكيلاته وقياداته وعضويته ووسائل ومصادر تمويله.
وأوجبت المادة الخامسة من القانون أن يشمل النظام الداخلي للحزب القواعد التي تنظم كل شئونه السياسية والتنظيمية والمالية والإدارية بما يتفق وأحكام القانون وأن يتضمن النظام بصفة خاصة البيانات التي أوردتها تلك المادة، كما أوجبت المادة السابعة تقديم إخطار كتابي عن تأسيس الحزب إلى رئيس لجنة شئون الأحزاب السياسية المنصوص عليها في المادة الثامنة بالشروط والأوضاع التي حددتها المادة، وبينت المادة الثامنة من القانون كيفية تشكيل لجنة شئون الأحزاب السياسية واختصاصات هذه اللجنة، وإجراءاتها وأوجبت أن يكون قرار اللجنة في حالة الاعتراض على تأسيس الحزب مسبباً وأجازت المادة لطالبي تأسيس الحزب أن يطعنوا بالإلغاء في القرار الصادر بالاعتراض على تأسيس الحزب خلال ثلاثين يوماً من تاريخ نشر هذا القرار في الجريدة الرسمية أمام الدائرة الأولى بالمحكمة الإدارية العليا على أن ينضم لتشكيلها عدد مماثل من الشخصيات العامة يصدر باختيارهم قرار من وزير العدل بمد موافقة المجلس الأعلى للهيئات القضائية.
كما تنص المادة 17 من ذات القانون على أنه "يجوز لرئيس لجنة شئون الأحزاب السياسية بعد موافقتها أن يطلب من المحكمة الإدارية العليا بتشكلها المنصوص عليه في المادة 8 الحكم بصفة مستعجلة بحل الحزب وتصفية أمواله وتحديد الجهة التي تؤول إليها هذه الأموال وذلك إذا ثبت من تقرير المدعي الاشتراكي بعد التحقيق الذي يجريه تخلف أو زوال أي شرط من الشروط المنصوص عليها في المادة 4 من هذا القانون".
ومن حيث إنه يخلص من أحكام القانون رقم 40 لسنة 1977 بنظام الأحزاب السياسية السابق بيانها أن الشروط التي أوردتها المادة الرابعة من هذا القانون هي شروط واجبة للموافقة على تأسيس أي حزب سياسي بحيث يتعين أن تتوافر جميعها للموافقة على تأسيس الحزب ويترتب على تخلف أي من هذه الشروط قيام السبب المانع من الموافقة على قيام الحزب، وإذا كانت هذه الشروط الواجبة للموافقة على تأسيس الحزب فإنها في الوقت ذاته شروط صلاحية لاستمرار الحزب بعد قيامه في مباشرة نشاطه بحيث إذا تبين تخلف أحد هذه الشروط أو زواله كان لرئيس لجنة شئون الأحزاب السياسية أن يطلب من المحكمة الإدارية العليا بتشكلها المنصوص عليه في المادة الثامنة من القانون أن يطلب حل الحزب بالشروط والإجراءات المنصوص عليها في المادة 17 من ذلك القانون، ومتى كان ذلك فإنه يكون للجنة شئون الأحزاب السياسية بعد صدور قرارها بالاعتراض على تأسيس الحزب أن تضيف أسباباً جديدة لقرارها متى كانت هذه الأسباب تتعلق بتخلف شروط أخرى أوجبها القانون وكانت تلك الأسباب قائمة وموجودة عند صدور قرارها بالاعتراض ذلك أنه ما دام أن لرئيس لجنة شئون الأحزاب السياسية بعد موافقتها أن يطلب حل حزب وتصفيته فإنه يكون للجنة من باب أولى أن تضيف أسباباً جديدة للقرار بالاعتراض على تأسيس الحزب، وهذا فضلاً عن أن هذه المحكمة ترى أن الطعن في القرار الصادر بالاعتراض على تأسيس أي حزب سياسي يبسط رقابة هذه المحكمة للتحقق من توافر كافة الشروط التي حددها القانون للموافقة على تأسيس الحزب وإنزال حكم القانون على المنازعة، وبناء على ما تقدم فإنه لا تثريب ولا مأخذ فيما لجأت إليه لجنة شئون الأحزاب السياسية من إضافة سببين جديدين لقرارها المطعون فيه ويضحى من ثم إنكار الطاعن لحق اللجنة في هذا الخصوص على غير أساس سليم من القانون ويتعين بالتالي الالتفات عنه.
ومن حيث إن حاصل السببين الجديدين اللذين أضافتهما لجنة شئون الأحزاب السياسية لقرارها المطعون فيه أن الحزب الناصري ليس متميزاً في برنامجه وسياساته تميزاً ظاهراً عن حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي في الأساسيات التي يقوم عليها البرنامجان وخاصة فيما يتعلق بالجوانب السياسية والاقتصادية ومناهضة مبادئ الحزب الناصري لما وافق عليه الشعب في الاستفتاء على معاهدة السلام مع إسرائيل وملحقاتها، وقيام الطاعن بالتوقيع على أحد البيانات التي تضمنت دعوة إلى تحبيذ وترويج اتجاهات تتعارض مع معاهدة السلام المذكورة، الأمر الذي يتحقق معه انتفاء الشرطين الواردين في البندين ثانياً وسابعاً من المادة الرابعة من قانون تنظيم الأحزاب السياسية.
ومن حيث إنه عن السبب القائل بتخلف الشرط المنصوص عليه في البند ثانياً من المادة الرابعة من قانون تنظيم الأحزاب السياسية في شأن الحزب الناصري على قول بأن الحزب ليس متميزاً في برنامجه وسياساته تميزاً ظاهراً عن حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي فإنه يبين من مطالعة أحكام المادة الرابعة من قانون تنظيم الأحزاب السياسية أنها أوجبت لتأسيس أي حزب سياسي توافر العديد من الشروط التي حددتها تلك المادة، ومن هذه الشروط عدم تعارض مقومات الحزب أو مبادئه أو أهدافه أو برامجه أو سياساته أو أساليبه في ممارسة نشاطه مع مبادئ الشريعة الإسلامية ومبادئ ثورتي 23 يوليو سنة 1952، 15 مايو سنة 1971 والحفاظ على الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي والنظام الاشتراكي الديمقراطي، وعدم قيام الحزب في مبادئه أو برامجه أو في مباشرة نشاطه أو اختيار قياداته أو أعضائه على أساس يتعارض مع أحكام القانون رقم 33 لسنة 1978 بشأن حماية الجبهة الداخلية والسلام الاجتماعي، ولا ريب أن هذه الشروط من الإفاضة والشمول على نحو يجعل الأساسيات والأساليب والمبادئ والبرامج التي تقوم عليها الأحزاب السياسية ترد من معين واحد وتفيض من نبع محدد، الأمر الذي يجعل التشابه بين مبادئها وبرامجها وأساليبها أمراً وارداً وبالتالي يضحى اشتراط التمايز الظاهر بين هذه المبادئ والبرامج والأساليب هو أمر جد عسير على نحو يخرج بهذا الشرط من دائرة التنظيم إلى مجال التقييد وينطوي على تعارض واضح لمبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين الذي كفلته المادة الثامنة من الدستور ويخل بالمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات العامة على نحو يتعارض وحكم المادة 40 من الدستور، ووجه هذا التعارض أن إيراد هذا الشرط ينطوي على تفرقة بين المواطنين وإخلال بمبدأ تكافؤ الفرص في تأسيس الأحزاب السياسية لما ينطوي عليه من إباحة للبعض وحظر للبعض الآخر. ولا يسوغ الرد على ذلك بأنه ما دام أن حزباً قائماً يقوم على ذات الأسس والمبادئ والأهداف التي يؤمن بها طالبو تأسيس حزب آخر فإنه يمكن لهؤلاء الانضواء تحت لواء هذا الحزب، ذلك أنه بفرض التسليم باعتناق هؤلاء لذات الأسس والمبادئ والأهداف إلا أنهم قد لا يؤمنون بقدرة وكفاءة القائمين على الحزب على تحقيق هذه المبادئ وتلك الأهداف وهذا فضلاً عن أن انضمامهم إلى الحزب القائم يجعل أمر ترشيحهم لمجلس الشعب والشورى وقد أصبح الترشيح لهذين المجلسين عن طريق القوائم الحزبية رهناً بإرادة وهدي قيادات الحزب، وهنا يبرز عنه قيد جديد على حرية المواطن في الترشيح وهو إحدى الحريات السياسية التي كفلتها المادة 62 من الدستور عندما نصت على أن للمواطن حق الانتخاب والترشيح.
ومن حيث إن ما ساقته لجنة شئون الأحزاب السياسية في دفاعها من أن الطاعن هو أحد الموقعين على أحد البيانات التي تضمنت دعوة إلى تحبيذ وترويج اتجاهات تتعارض مع معاهدة السلام مع إسرائيل وملحقاتها الأمر الذي يتعارض مع البند سابعاً من المادة الرابعة من قانون تنظيم الأحزاب السياسية ويفقد بالتالي الحزب الناصري (تحت التأسيس) شرطاً من الشروط اللازمة للموافقة على تأسيسه، فإن هذه المحكمة ترى في الشرط الذي أورده البند سابعاً من المادة الرابعة سالفة الذكر من ألا يكون بين مؤسسي الحزب أو قياداته من تقدم أدلة جدية على قيامه بالدعوة أو المشاركة أو التحبيذ أو الترويج بأية طريقة من طرق العلانية لمبادئ أو اتجاهات أو أعمال تتعارض مع المبادئ المنصوص عليها في البند سادساً من المادة المذكورة ومنها المبادئ التي ووافق عليها الشعب في الاستفتاء على معاهدة السلام وإعادة تنظيم الدولة في 20 من إبريل سنة 1979، ترى المحكمة في هذا الشرط مصادرة لحرية الرأي وهي إحدى الحريات التي كفلها الدستور بما نصت عليه المادة 47 منه من أن "حرية الرأي مكفولة ولكل إنسان التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير في حدود القانون" ذلك أنه وإن كان يتعين على الدولة احترام تعاقداتها الدولية ومنها معاهدة السلام مع إسرائيل طالما كانت هذه المعاهدة قائمة ونافذة، إلا أن ذلك لا يعنى بحال مصادرة أي رأي مخالف لما تضمنته تلك المعاهدة، متى كان أبداء هذا الرأي أو التحبيذ أو الترويج له قد تم في حدود القانون وبالتالي فإنه يستقر في يقين هذه المحكمة ووجدانها أن إيراد الشرط الوارد في البند سابعاً من المادة الرابعة من قانون الأحزاب السياسية هو أمر يتعارض مع حكم المادة 47 من الدستور.
ومن حيث إنه يخلص مما تقدم أن هذه المحكمة ترى فيما تضمنه البندان ثانياً وسابعاً من المادة الرابعة من القانون رقم 40 لسنة 1977 الخاص بنظام الأحزاب السياسية مخالفة لأحكام الدستور على النحو السابق بيانه ومتى كانت المادة 29 من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979 تقضي بأنه إذا تراءى لإحدى المحاكم أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي أثناء نظر إحدى الدعاوى عدم دستورية نص في قانون أو لائحة لازم للفصل في النزاع أوقفت الدعوى وأحالت الأوراق بغير رسوم إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في المسألة الدستورية، ومتى كان ذلك وكان الفصل في هذا الطعن يتوقف على الفصل في مدى دستورية البندين ثانياً وسابعاً من المادة الرابعة من قانون نظام الأحزاب السياسية سالف الذكر، فمن ثم فقد تعين وقف هذا الطعن وإحالة أوراقه إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في مدى دستورية هذين البندين.

فلهذه الأسباب

"حكمت المحكمة بوقف الطعن وإحالة الأوراق إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في مدى دستورية البندين (ثانياً) و(سابعاً) من المادة الرابعة من القانون رقم 40 لسنة 1977 الخاص بنظام الأحزاب السياسية".

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات