الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 599 لسنة 28 ق – جلسة 01 /06 /1985 

مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الثلاثون – العدد الثاني (من أول مارس سنة 1985 إلى آخر سبتمبر سنة 1985) – صـ 1219


جلسة 1 من يونيه سنة 1985

برئاسة السيد الأستاذ المستشار محمود عبد العزيز الشربيني نائب رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة الأساتذة عادل عبد العزيز بسيوني وعبد العزيز أحمد سيد حماده وثروت عبد الله أحمد عبد الله وعادل محمود فرغلي – المستشارين.

الطعن رقم 599 لسنة 28 القضائية

عاملون مدنيون بالدولة – تأديب – المخالفات التأديبية.
حق الشكوى يكفله القانون ويحميه الدستور – لممارسة هذا الحق شرط وأوضاع في مقدمتها أن تكون للسلطة المختصة التي تملك رفع الظلم ورد الحق إلى أصحابه – إذا وجهت الشكوى إلى غير الجهات الأصلية المختصة أو اندفعت في عبارات جارحة تكيل الاتهامات بغير دليل فإنها تكون قد ضلت سبيلها وأخطأت هدفها وفقدت سندها المشروع وانقلبت إلى فعل شائن وتصرف معيب غير مشروع – لا يجوز للموظف أن يتخذ من شكواه ذريعة للتطاول على الرؤساء أو تحديهم أو التمرد عليهم ليسخر هذا الحق الدستوري في غير ما شرع له – تطبيق.


إجراءات الطعن

في يوم السبت الموافق 13/ 3/ 1982 أودع الأستاذ/ نبيل حسن متولي المحامي نيابة عن الطاعن قلم كتاب المحكمة تقرير طعن قيد بجدولها تحت رقم 599 لسنة 28 ق وذلك في الحكم الصادر من المحكمة التأديبية لوزارة الصناعة بجلسة 13/ 2/ 1982 في الطعن المقام من السيد/………. برقم 83 لسنة 15 ق ضد الشركة المصرية لتعبئة الزجاجات "بيبسي كولا" بقبول الطعن شكلاً ورفضه موضوعاً وطلب الطاعن في ختام طعنه وللأسباب المبينة بتقرير الطعن الحكم بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه مع ما يترتب على ذلك من آثار.
وبعد أن تم إعلان الطعن إلى ذوي الشأن على الوجه المبين بالأوراق أودعت هيئة مفوضي الدولة تقريراً بالرأي القانوني ارتأت فيه – للأسباب المبينة بالتقرير الحكم بقبول الطعن شكلاً ورفضه موضوعاً.
وقد عين لنظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون بالدائرة الثالثة جلسة 12/ 8/ 1984 وبتلك الجلسة قررت الدائرة إحالة الطعن إلى المحكمة الإدارية العليا (الدائرة الثالثة) لنظره بجلسة 13/ 11/ 1984 وبجلسة 9/ 2/ 1985 قررت الدائرة إحالة الطعن إلى المحكمة الإدارية العليا (الدائرة الرابعة) لنظره بجلسة 9/ 3/ 1985، وبعد أن استمعت المحكمة إلى ما رأت لزوماً لسماعه من إيضاحات ذوي الشأن، قررت إصدار الحكم بجلسة اليوم وفيها صدر الحكم بعد أن أودعت مسودته المشتملة على أسبابه قبل النطق به.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة تتحصل – حسبما يتضح من الأوراق – في أنه بتاريخ 23/ 6/ 1981 أقام الطاعن الطعن رقم 83 لسنة 15 القضائية أمام المحكمة التأديبية لوزارة الصناعة طالباً الحكم بإلغاء القرار الصادر من رئيس مجلس إدارة الشركة المطعون ضدها فيما تضمنه من مجازاته بخفض درجته التي يشغلها من الدرجة الثانية إلى الدرجة الأدنى مباشرة الثالثة ليشغل وظيفة سائق موزع أول مع تخفيض مرتبه بالقدر الذي كان عليه قبل الترقية، وذلك اعتباراً من 1/ 6/ 1981 مع ما يترتب على ذلك من آثار، وقال شرحاً لدعواه أن القرار المطعون فيه قد صدر على غير سند من القانون لصدوره غير مسبب طبقاً للمادة 81 من القانون رقم 48 لسنة 1978 في شأن القطاع العام، وليس في الأوراق ما يفيد أن الطاعن قد خرج على مقتضى الواجب في أعمال وظيفته، ولم يحقق معه كتابة في هذا الشأن، ولم تسمع أقواله مما يجعل القرار الطعين غير قائم على أساس سليم من القانون.
وبجلسة 13/ 2/ 1982 أصدرت المحكمة حكمها الطعين القاضي بقبول الطعن شكلاً ورفضه موضوعاً، وأقامت قضاءها على ما ثبت لها من الأوراق في أن الطاعن استغلالاً منه لرغبة زملائه في رفع نسبة العمل وخفض قيمة الكسر والشطف من الزجاج الذي يجرى تحميلهم به، فقد تمكن من إقناعهم بأنه سيسعى لدى الإدارة لتحقيق مطالبهم، وقام بتحرير شكوى حصل على توقيعاتهم عليها احتفظ بأصلها وأرسل منها صوراً إلى العديد من الجهات – ذكر فيها أنه مع زملائه الموزعين يعاملون معاملة العبيد، فالأفواه مكممة والألسنة مقطعة والإرهاب قائم، والوعيد بالنقل والتشريد لمن يفتح فمه، فلا حرية ولا ديمقراطية، ولا احترام لآدمية الإنسان، وأنه يجرى التحكم في الشركة بواسطة جماعة متسلطة يحميها رئيس الشركة تعمل لمصالح شخصية، أما حقوق العاملين من ترقيات وعلاوات ومكافآت فتؤخذ منهم لتعطي لغيرهم من المقربين لرئيس مجلس الإدارة لأنهم يساندونه فيما يغضب الله بخلق سوق سوداء ولجمع الإتاوات من العملاء وأن التنكيل والتعنيف مصير كل من يشير إلى المصلحة العامة، وقد اعترف الطاعن بإرساله الشكوى متضمنة هذه العبارات متناثرة إلى غير جهاتها الأصلية الأمر الذي يعد منه تجاوزاً للحدود القانونية التي تقتضيها ضرورة إلى ما فيه تحد للرؤساء والتطاول والتمرد عليهم بالتشهير بهم، وبذلك يكون أخل بوظيفته وما تقتضيه من توفير لرؤسائه، مما يجعل القرار الصادر بمجازاته قد قام على أساس سليم من القانون.
ومن حيث إن مبنى الطعن الماثل أن الحكم المطعون فيه قد أخطأ في تأويل القانون وتطبيقه للأسباب الآتية:
أولاً: أن القضاء بتجاوز الطاعن للحدود القانونية للشكوى إلى ما فيه تحد لرؤسائه هو قضاء ينطوي على خطأ وفساد في الاستدلال لأن الطاعن لم يقصد بشكواه إلا تصحيح وضع عام له ولزملائه ورفع الظلم عنهم وإن ما جاء بالشكوى من عبارات لم يقصد بها التشهير بالرؤساء أو التطاول عليهم، وإنما قصد بها التحقيق في الوقائع التي وردت بها باعتبارها بلاغاً ضد هؤلاء المسئولين وحق الإبلاغ عن كل انحراف حق مكفول بل واجب يحتمه القانون.
ثانياً: أن الحكم المطعون فيه قد أخل بحق الدفاع لأنه لم يعتد بالتحقق مما أثاره الطاعن من أن الأمور التي نسبها الطاعن إلى المسئولين هي أمور صحيحة، وقد تناولها تحقيق يجرى بالشركة بعد أن تغيرت الإدارة التي أوقعت الجزاء على الطاعن.
ثالثاً: أن الجزاء الموقع على الطاعن بافتراض صحته إنما يتسم بالمغالاة وعدم التناسب مع المخالفة التي ارتكبت.
ومن حيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أنه ولئن كانت الشكوى حق يكفله القانون ويحميه الدستور، إلا أنه لممارسة هذا الحق شروط وأوضاع في مقدمتها أن يكون الاستصراخ – بقدر الإمكان – للسلطة المختصة التي تملك رفع الظلم ورد الحق إلى أصحابه، متى حسن مقصدها وخلت عباراتها من التعدي على المسئولين بالعبارات النابية والألفاظ الجارحة، فإذا هي وجهت إلى غير الجهات الأصلية المختصة بالنسبة لها، أو اندفعت في عبارات جارحة تكيل الاتهامات بغير دليل – لبعض المسئولين بقصد الانتقام منهم أو إجبارهم على الاستجابة إلى مطالب ذوي الشأن، فإنها تكون قد خليت سبيلها وأخطأت هدفها، وفقدت سندها المشروع، بل إنها تكون قد انقلبت إلى فعل شائن وتصرف معيب غير مشروع يعاقب عليه القانون أياً كانت المبررات التي أوحت بها والنزاعات التي دفعت إليها، ذلك أنه لا يجوز للموظف أن يتخذ من الشكوى ذريعة للتطاول على رؤسائه أو تحديهم والتمرد عليهم، أو يسخر هذا الحق الدستوري في غير ما شرع له بالتشهير بهم أو إرهابهم، لإجبارهم على الاستجابة إلى مطالبه – ولو تعتبر حق – شراء لسكوته واتقاء لشره.
ومن حيث إن الثابت من الأوراق أن الطاعن قد استغل رغبة زملائه من الموزعين في المطالبة برفع نسبة العمولة وخفض نسبة الكسر والشطف من الزجاج الذي يحملون به طبقاً لنظام الشركة، واستوقعهم على شكوى حشد فيها من العبارات الجارحة والألفاظ النابية والاتهامات الخطيرة التي نسبها للمسئولين بالشركة وعلى رأسهم رئيس مجلس الإدارة بما لو صحت وقائعه لأوجبت عقابه – جنائياً فضلاً عما تسببه له من احتقار أقرانه ورؤسائه في المجتمع بقصد إظهار الشكوى على أنه نوع من السخط العام الذي وقع تحت تأثيره جميع العاملين بالشركة بسبب الظلم والتعذيب، وتكوين الرؤية لدى المسئولين بما يشتهي هواه بقصد الإساءة إلى سمعتهم لدى الجهات الإدارية المختلفة رغم علمه أنها غير مختصة بالبت في شكواه أو رفع الظلم عنه ومن بينها محافظة الجيزة التي أحالت شكواه إلى الشركة المطعون ضدها للبت في شكواه، وقد أقر الطاعن في التحقيقات، بكل ما نسب إليه من عبارات تجاه المسئولين بالشركة وما نسبه من اتهامات ألقيت على عواتقها، دون أن يقدم الدليل على صدق ما ورد بشكواه، بل راح يسوق الاتهامات جزافاً ويضيف إليها مزيداً من التجاوزات المنسوبة إلى رئيس مجلس الإدارة، في الوقت الذي أكد فيه زملاؤه الذين وقعوا على الشكوى عدم علمهم بهذه الوقائع، وأجمعوا على أنهم وقعوا على هذه الشكوى دون علمهم بما ورد فيها من عبارات بعد أن أفهمهم أنها لا تعدو أن تكون مطالبة برفع نسبة العمولة وتخفيض نسبة الخصم المقرر مقابل الكسر والشطف الحادث في الزجاج، وأنه ليس لهم أية صلة بالاتهامات أو العبارات التي وردت بها، كما أكدت التحقيقات التي أجريت في هذا الشأن أن الاتهامات المشار إليها ليس لها أي صدى من الحقيقة وأن الطاعن دائب الشكوى والتشهير بالمسئولين بغير حق، وقد سبق مجازاته لذات السبب، وأنه لا يستهدف من شكاواه إنصافه أو رفع الظلم عنه بقدر ما ينبغي إلقاء الاتهامات على المسئولين والإساءة إلى سمعتهم، وكل أولئك تتظاهر على أن الطاعن قد خرج بالشكوى عن مفهومها وأهدافها بحسبانها رسالة إلى السلطة المختصة لدرء الشر ورفع الظلم ورد الحق، وجعل منها وسيلة لإرهاب المسئولين وإجبارهم على الاستجابة بغير حق إلى مطالبه خوفاً من الإساءة إلى سمعتهم والتشهير بهم دون التحقق من صحة مزاعمه، الأمر الذي يشكل خروجاً خطيراً على مقتضيات وظيفته وما تفرضه عليه من احترام الرؤساء وتوقيرهم، وإذا كان للمظلوم أن يجهر بالسوء من القول إذا ظلم، فليس لكل عامل أن يتخذ من هذه القاعدة لكنه يتذرع بها للافتئات – بغير حق – على رؤسائه وتحديهم والتشهير بهم ولو لم يكن لمزاعمه ظلاً من الحقيقة، وإلا كانت الشكوى سبيلاً للانتقام من الرؤساء وإجبارهم على إدارة شئون المنظمة على غير أساس من الحق والعدل خوفاً على أنفسهم من ضعاف القلوب الذي يسيئون بغير حق إلى سمعتهم وهم في مراكزهم الشديدة الحساسية والتأثر بكل ما يشاع حولها من أقاويل، الأمر الذي يتعين معه مؤاخذة هؤلاء العاملين، ومن بينهم الطاعن – بما يتناسب مع ما فرط منه من إخلال بواجبات الوظيفة، ودرءاً للآثار الضارة التي تنعكس على مصلحة العمل في الشركة الأمر الذي يجعل القرار المطعون فيه قد صدر على أساس سليم من القانون، حصيناً من الإلغاء، ويكون الحكم الطعين – قد أصاب الحق فيما انتهى إليه من رفض طلب الطاعن إلغاء القرار المطعون فيه لاستخلاصه استخلاصاً سائغاً من الأوراق بعد تحققه لأوجه دفاع الطاعن، والتأكد من ثبوت الواقعة محل الجزاء وسلامة تكييفها القانوني.
ولا يجدي المدعي للنيل من الحكم المطعون فيه، ما قدمه أمام هذه المحكمة من إقرارات استوقع عليها زملاؤه السابقة استيقاعهم على شكواه من أنهم قد أجبروا على التوقيع أمام المحقق على أقوال لم يبدوها وأن الاتهامات المنسوبة إلى رئيس مجلس الإدارة كانت عن وقائع صحيحة، ذلك أنه فضلاً عن أن هذا الإقرار لا يكفي لدحض ما ورد بالتحقيقات من أقوال للمقربين وغيرهم من الزملاء الذين شهدوا بعدم صحة ما جاء بشكوى الطاعن، فإن هذا الإقرار في ذاته يدحضه ما قدمه كل منهم قبل التحقيق، ولمجرد علمهم بالشكوى من استنكار لما جاء بها، والتنصل من إقرارهم لما ورد فيها من اتهامات أو عبارات جارحة، وإن طلباتهم تنحصر في بحث موضوع رفع عمولتهم وتخفيض نسب الخصم المقررة عن شطف أو كسر بعض الزجاجات، وإن ذهنهم لا يتطرق إلى إلقاء الاتهامات على رئيس مجلس الإدارة أو المسئولين عن الشركة وهو ما أكدوه في التحقيقات التي أجريت معهم، وظاهرته أقوال باقي المسئولين، الأمر الذي يؤكد أن الاتهامات التي ألقاها الطاعن على المسئولين لا تجد ظلاً من الحقيقة، ولم تجد في حينها قبولاً العاملين مما يشكل من جانبه بهذا السلوك خروجاً على مقتضيات وظيفته وما تفرضه من احترام للرؤساء تحقيقاً لمصلحة العمل، ويجعل الجزاء الذي وقع عليه قد صادف محله كما يجعل الحكم المطعون فيه – فيما قضى به من رفض دعواه عصياً على الإلغاء. مما يتعين معه والحال هذه الحكم برفض الطعن لقيامه على غير أساس سليم من القانون.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً ورفضه موضوعاً.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات