المحكمة – جلسة 20 /05 /1954
أحكام النقض – المكتب الفني – مدني
العدد الثالث – السنة 5 – صـ 892
جلسة 20 من مايو سنة 1954
القضيتان رقما 247، 429 سنة 21 القضائية
برياسة السيد الأستاذ أحمد حلمي وكيل المحكمة، وبحضور السادة الأساتذة
عبد العزيز محمد وكيل المحكمة، وعبد العزيز سليمان، وأحمد العروسي، ومحمود عياد المستشارين.
مسئولية. تعويض. حكم. تقريره أن الضرر الذي لحق بالمحكوم له كان نتيجة مباشرة لخطأ
المدعى عليه وأنه ليس من شأن اشتراك المصاب في الخطأ أن يمحو مسئولية المدعى عليه.
هو تقرير موضوعي لا خطأ فيه.
متى كان الحكم المطعون فيه قد أثبت أن الإصابات التي لحقت بالمطعون عليها كانت نتيجة
مباشرة لخطأ عامل المصعد وإنه وإن كان ثمة خطأ مشترك بين عامل المصعد والمصابة إلا
أن هذا الخطأ ليس من شأنه أن يمحو حق المصابة في التعويض وإن كان يؤثر في تقدير المبلغ
الذي يقضى لها به، فإن هذا الذي قرره الحكم هو تقدير موضوعي لا خطأ فيه.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع تقرير السيد المستشار المقرر ومرافعة
المحامين عن الطرفين والنيابة العامة وبعد المداولة.
من حيث إن الطعنين قد استوفيا أوضاعهما الشكلية.
وحيث إن الوقائع تتحصل في أن المطعون عليها الأولى زينب هاشم إسماعيل رفعت الدعوى رقم
2606 سنة 1943 كلي أمام محكمة مصر الابتدائية ذكرت في صحيفتها أنها التحقت بمدرسة الحكيمات
بمستشفى فؤاد الأول في سنة 1938 وفي يوم 5 من إبريل سنة 1939 دخلت هي وزميلاتها الطالبات
المصعد الذي كان يتولى حركته أحمد سعد الدين شلبي، (الطاعن في الطعن رقم 247 سنة 21)
وبعد أن ارتفع المصعد مترين وقف فجأة فخرج منه الطاعن وحذا حذوه بعض الطالبات اللاتي
كن به وعندما أرادت زينب هاشم إسماعيل النفوذ من المصعد بأن أخرجت ساقيها وأطلت برأسها
إذا بالمصعد يرتفع لأعلا فأطبق على عنقها وساقيها وأصيبت بإصابات عدة ظلت تعالج من
جرائها بمستشفى القصر العيني حتى أول سنة 1941 ثم استمر علاجها بعد ذلك، وتسبب عن هذا
الحادث فصلها عن عملها والقضاء على مستقبلها ولذلك فهي تطالب بتعويض مقداره 2400 جنيه
وذلك من أحمد سعد الدين شلبي عامل المصعد ومن جورجي غبريال جريس رئيس قسم الكهرباء
بمستشفى فؤاد الأول وعزيزة جلال الطالبة بالمستشفى ووزارة المعارف بوصفها مسئولة عن
أخطاء هؤلاء – وفي 18 من نوفمبر سنة 1944 قضت محكمة أول درجة، برفض الدعوى. فاستأنفت
زينب هاشم الحكم أمام محكمة استئناف مصر حيث قيد استئنافها برقم 787 سنة 62 ق. وفي
5 من مايو سنة 1946 قضت المحكمة بإحالة الدعوى على التحقيق لتثبت المستأنفة الإهمال
الذي ترتب عليه حصول إصابتها وصرحت للمستشار المنتدب بالانتقال لمحل الحادث وذلك بعد
أن اتضح للمحكمة أن صور التحقيقات التي أجريت عقب الحادث فقدت. وبعد انتهاء التحقيق
قضت المحكمة في 30 من مارس سنة 1947 برفض الاستئناف وتأييد الحكم، فطعنت زينب هاشم
في هذا الحكم بطريق النقض. وفي 9 من مارس سنة 1950 قضت محكمة النقض بقبول الطعن شكلاً
وفي الموضوع بنقض الحكم المطعون فيه وإحالة القضية على محكمة استئناف القاهرة التي
قضت في 15 من إبريل سنة 1951 بإلغاء الحكم المستأنف بالنسبة لعامل المصعد أحمد سعد
الدين شلبي ولوزارة المعارف وإلزامهما متضامنين بأن يدفعا إلى زينب هاشم مبلغ 300 جنيه
وتأييد الحكم فيما عدا ذلك أي بالنسبة لجورجي غبريال ولعزيزة جلال – فطعن أحمد سعد
الدين شلبي في هذا الحكم في الميعاد بطريق النقض كما طعنت فيه أيضاً، وزارة المعارف
بعد الميعاد استناداً إلى الفقرة، الثانية من المادة 384 مرافعات التي تجيز لمن فوت
ميعاد الطعن من المحكوم عليهم بالتضامن أن يطعن فيه أثناء نظر الطعن المرفوع في الميعاد
من أحد زملائه منضماً إليه في طلباته.
وحيث إن أسباب الطعنين تتحصل على ما بها من تشابه وتداخل في أن الحكم المطعون فيه قد
شابه قصور مبطل له كما أخطأ في تطبيق القانون وأوجه القصور تقوم على أن الواقعة كما
تصورها المدعية هي أنها دخلت المصعد يوم الحادث هي وزميلاتها وبعد أن ارتفع المصعد
قليلاً توقف فخرج منه عامل المصعد وتمكن من الخروج منه بعض من كن فيه ولما أرادت المدعية
الخروج تحرك المصعد وأطبق عليها، وقد قضت محكمة النقض في حكمها السابق بنقض الحكم السابق
صدوره من محكمة الاستئناف لعدم اعتداده بواقعة تحرك المصعد وعدم عنايته ببحث الأسباب
ولكن الحكم المطعون فيه أغفل هذا البحث، وأسند تحرك المصعد بعد وقوفه إلى فعل أحمد
سعد الدين شلبي (الطاعن) واستدل على ذلك بأقوال لا تؤدي إلى النتيجة التي انتهى إليها
إذ استند إلى أن عزيزة محمد جلال وسيده عبده الرشيدي وعمر أحمد رضا شهدوا بأن عامل
المصعد بعد أن خرج منه صعد إلى السطح حيث يوجد جهاز المصعد، وهذه الأقوال لا تفيد أن
أحمد سعد الدين شلبي هو الذي حرك المصعد إذ لم يشهد أحد بأنه رآه يدخل الغرفة التي
بها جهاز المصعد وقد أغفل الحكم الرد على ما جاء على لسان المهندس الفني بأن جهاز المصعد
موجود في غرفة مغلقة مفتاحها لا يوجد مع عامل المصعد ولا يسلم له إطلاقاً وما جاء بتقرير
المهندس الفني من أن المصعد لا يمكن أن يتحرك بأي مؤثر خارجي وأبوابه مفتوحة كما هو
ثابت في واقعة الدعوى، وأن جهاز المصعد كان محترقاً ولا يمكن إدارته وقد أرشد المهندس
الفني محكمة الاستئناف عندما نظرت القضية في أول مرة عن سبب تحرك المصعد فقرر أنه يحتمل
أن يكون ذلك لأن المدعية عندما حاولت النفوذ من المصعد اصطدمت بالعتب الأعلى لباب الفجوة
مما أدى إلى اتصال التيار الذي حرك المصعد وعلى ذلك تكون المصابة هي المتسببة بخطئها
في الحادث ولا شأن لعامل المصعد في الأمر، وقد استند الحكم المطعون فيه إلى وقائع غير
ثابتة في الأوراق وهي أن زميلتين من زميلات المصابة خرجتا من المصعد من نفس الفجوة
ولم تصابا مستدلة بذلك على أن سبب الحادث لم يكن ضيق الفجوة بل تحرك المصعد مع أنه
ليس في الأوراق دليل على أن المطعون عليها الأولى حاولت الخروج من نفس الفتحة التي
خرجت منها زميلاتها بل الثابت من أقوال الشهود والمعاينات أنها لم تخرج من الفتحة المتسعة
التي خرجت منها الزميلات وإنما خرجت من فجوى أخرى ضيقة هذا فضلاً عما هو ثابت من شهادة
الشهود من أن عامل المصعد عند تركه المصعد نبه على الطالبات بعدم النزول منه فمخالفة
المطعون عليها الأولى لهذا يجعلها هي وحدها المتسببة بخطئها في الحادث – ولكن الحكم
المطعون فيه أهدر أقوال الشهود الذين قالوا بحصول هذا التنبيه وأخذ بأقوال سيده عبده
الرشيدي دون أن يبين سبباً لهذا الترجيح. ويتحصل السبب الآخر في أن الحكم المطعون فيه
أخطأ في تطبيق القانون إذ يشترط للحكم بالتعويض أن يكون الضرر نتيجة مباشرة للخطأ،
فعلى فرض أن عامل المصعد أخطأ في تحريكه فلم يكن هذا الخطأ هو السبب المباشر للحادث
إذ لولا محاولة المصابة الخروج من المصعد لما أصيبت.
وحيث إن النعي على الحكم المطعون فيه بالقصور مردود بأن الحكم قرر: "أن الثابت من التحقيقات
أن المستأنفة (المطعون عليها الأولى) لما أرادت النزول وأخرجت ساقيها من باب المصعد
وأطلت برأسها تحرك المصعد فجأة إلى أعلا نحو خمسة عشر سنتيمتراً فأطبق على جسمها وأحدث
بها الإصابات المبينة بتقرير الطبيب الشرعي فقد شهد بذلك توفيق الدياسطى السيد عامل
المصعد الآخر وقتئذ بمحضر العوارض كما شهدت سيده عبده الرشيدي إحدى الطلبات بالتحقيقات
التي أجرتها المحكمة أن عامل المصعد أحمد سعد الدين شلبي لما أن نزل من المصعد صعد
إلى السطح حيث يوجد الجهاز الذي بموجبه يتحرك المصعد وأنه لما سمع الصياح عند إصابة
المستأنفة أوقف المصعد. وحيث إنه فوق ذلك فإن المستأنف عليه الأول (أحمد سعد الدين
شلبي) قد اعترف بالتحقيقات سالفة الذكر بتحرك المصعد بعد توقفه كما اعترفت وزارة المعارف
بمذكرتها المقدمة لمحكمة الدرجة الأولى في 14 من أكتوبر سنة 1944 بأن المصعد تحرك بعد
توقفه وارتفع خمسة عشر سنتيمتراً في الوقت الذي كانت تحاول المستأنفة النزول منه فحدثت
إصابتها وحيث إن الإصابات التي حدثت بالمستأنفة كانت نتيجة لتحرك المصعد فجأة بعد توقفه
بدليل أن ثلاثة من الطالبات اللاتي كن معها في ذات المصعد قد تسللن من نفس الفتحة التي
خرجت منها المستأنفة دون ضرر لحق بهن" – وهذا الذي حصله الحكم وانتهى إليه لا يصح أن
ينعى عليه بأنه بني على وقائع لا تؤدي إليه أو أنه قصر في الرد على دفاع الطاعنين،
فاقتناع المحكمة بأن عامل المصعد هو الذي حركه من غرفة السطح تأسيساً على ما شهد به
الشهود من أنه اتجه بعد خروجه من المصعد إلى السطح وأن المصعد تحرك بعد ذلك ولما سمع
الصراخ عقب الحادث أوقف المصعد، هو اقتناع بناء على أدلة سائغة من شأنها أن تؤدي إلى
ما انتهى إليه الحكم. وفي هذا الاقتناع الرد الضمني على ما تمسك به الطاعنان من أن
غرفة السطح التي بها جهاز المصعد لا يحمل عامل المصعد مفتاحها وما إلى ذلك من دفاع
يتحصل في أن عامل المصعد لم يكن له يد في تحريكه بعد وقوفه، كما أن الوقائع الأخرى
التي حصلها الحكم ليس في الأوراق ما يناقضها وهي لا تعدو أن تكون تحصيلاً موضوعياً
لا سبيل للجدل فيه أمام محكمة النقض كذلك لا محل للاعتراض على الحكم بأنه أسند لعامل
المصعد خطأه في عدم التنبيه على الطالبات بعدم مغادرة المصعد ورجح في ذلك أقوال أحد
الشهود دون أن يبين سبباً لذلك إذ هذا الاعتراض مدفوع بأن ترجيح شهادة شاهد على آخر
هو من إطلاقات قاضي الموضوع.
وحيث إن السبب الآخر من أسباب الطعن القائم على الخطأ في تطبيق القانون مردود بأن الحكم
المطعون فيه قد أثبت أن الإصابات التي لحقت بالمطعون عليها الأولى كانت نتيجة مباشرة
لخطأ عامل المصعد وأنه وإن كان ثمة خطأ مشترك بين عامل المصعد والمصابة إلا أن هذا
الخطأ ليس من شأنه أن يمحو حق المصابة في التعويض وإن كان يؤثر في تقدير المبلغ الذي
يقضى به، وهذا الذي قرره الحكم لا خطأ فيه.
وحيث إنه لذلك يكون الطعنان في غير محلهما، ويتعين رفضهما.
