الطعن رقم 3681/ 3702 لسنة 33 ق – جلسة 17 /02 /1990
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الخامسة والثلاثون – العدد الأول (من أول أكتوبر سنة 1989 إلى آخر فبراير سنة
1990) – صـ 1092
جلسة 17 من فبراير سنة 1990
برئاسة السيد الأستاذ المستشار طارق عبد الفتاح البشري نائب رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة الأساتذة: محمد يسري زين العابدين ود. إبراهيم علي حسن ود. فاروق عبد البر السيد وأحمد شمس الدين خفاجي – المستشارين.
الطعن رقم 3681/ 3702 لسنة 33 القضائية
عاملون مدنيون بالدولة – تأديب – الواجبات الوظيفية والمخالفات
التأديبية – مفهوم الدقة والأمانة.
الدقة والأمانة في أداء أي عمل فني يقتضيان التمييز الواضح بين ما ينبغي بيانه كوقائع
وما ينبغي إبداؤه كرأي خاص – في مجال بيان الوقائع ينبغي تقرير الحقائق بحالتها وبأقصى
درجات الدقة والإيضاح – وفي مجال إبداء الرأي الفني لا تثريب على الموظف إن هو أبدى
رأياً قد لا يكون محل إقرار من غيره طالما أنه لم يبتغ إلا الصالح العام في ضوء مفهومه
المستند إلى حصيلة دراساته وخبراته – إذا خلط الموظف بين ما يدخل في عداد الوقائع وما
يدخل في إطار الرأي الفني فأضفى على ما يعتقده فنياً صورة الواقعة المجردة على نحو
يهدم ما يجب أن تقوم من تمييز واضح بين عنصري الواقعة والرأي فإنه يكون قد أخل بواجب
أداء عمله بدقة وأمانة ويكون قد ارتكب مخالفة تأديبية تستوجب المساءلة – تطبيق.
إجراءات الطعن
في يوم السبت الموافق 15 من أغسطس سنة 1987 أودع الأستاذ محمد عبد
المجيد الشاذلي المحامي عن….. و…. و…. و…. قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا
تقرير طعن قيد بجدولها برقم 3681 لسنة 33 القضائية في الحكم الصادر من المحكمة التأديبية
لمستوى الإدارة العليا بجلسة 17 من يونيو سنة 1987 في الدعوى التأديبية رقم 93 لسنة
29 القضائية المقامة من النيابة الإدارية ضد الطاعنين.
وطلب الطاعنون – للأسباب الموضحة بتقرير الطعن – الحكم بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع
بإلغاء الحكم المطعون فيه فيما تضمنه من مجازاتهم بخصم شهرين من مرتب الأول، وبخصم
شهر من مرتب باقي الطاعنين.
وأعلن تقرير الطعن إلى المطعون ضده على الوجه المبين بالأوراق.
وفي يوم الأحد الموافق 16 من أغسطس سنة 1987 أودعت هيئة قضايا الدولة نيابة عن مدير
النيابة الإدارية بصفته قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا تقرير طعن قيد بجدولها برقم
3702 لسنة 33 القضائية في ذات الحكم المشار إليه فيما تضمنه من القضاء ببراءة المحال
الأول حمدي السيد أحمد من الاتهام المتمثل في أنه بوصفه رئيس اللجنة الفنية المشكلة
من جانب لجنة البت لم يؤد العمل المكلفة به اللجنة وهو معاينة المحرك الموجود بالشركة
وأقر مع أعضاء اللجنة بمطابقته للمواصفات دون معاينة فعلية وفيم تضمنه الحكم من براءة
المحالين السادس والسابع والثامن، مما أسند إليهم.
وطلب الطاعن – للأسباب الموضحة بتقرير الطعن – الحكم بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع
بإلغاء الحكم المطعون فيه فيما قضى به بالنسبة للمطعون ضدهم والحكم بتوقيع الجزاء المناسب
عليهم طبقاً لتقرير الاتهام.
وأعلن تقرير الطعن إلى المطعون ضدهم على الوجه المبين بالأوراق.
وقدمت هيئة مفوضي الدولة تقريرين مسببين بالرأي القانوني رأت فيهما الحكم بقبول الطعنين
شكلاً ورفضهما موضوعاً.
وعين لنظر الطعنين أمام دائرة فحص الطعون جلسة أول يونيو سنة 1989 وفي هذه الجلسة قررت
المحكمة ضم الطعن رقم 3709 لسنة 33 القضائية إلى الطعن رقم 3681 لسنة 33 القضائية وبجلسة
25 من سبتمبر سنة 1989 قررت الدائرة إحالة الطعنين إلى هذه المحكمة التي نظرته بجلسة
18 من نوفمبر سنة 1989 وفي هذه الجلسة قررت المحكمة إصدار الحكم في الطعنين بجلسة 30
من ديسمبر سنة 1989 وفيها قررت المحكمة مد أجل النطق بالحكم لجلسة اليوم السبت الموافق
17 من فبراير سنة 1990 وفيها صدر الحكم وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق
به.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع المرافعة، والمداولة.
ومن حيث إن الطعنين استوفيا أوضاعهما الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة تتحصل – حسبما يبين من الأوراق – في أنه في 30 من مارس
سنة 1987 أقامت النيابة الإدارية الدعوى التأديبية رقم 93 لسنة 29 القضائية بإيداع
أوراقها قلم كتاب المحكمة التأديبية لمستوى الإدارة العليا منطوية على تقرير باتهام
كل من:
1 – مدير إدارة النقل الميكانيكي بالهيئة العامة للطيران المدني درجة ثانية.
2 – نائب مدير إدارة النقل الميكانيكي بالهيئة المذكورة -درجة أولى.
3 – رئيس قسم بإدارة النقل الميكانيكي بالهيئة – درجة ثالثة.
4 – مهندس بإدارة النقل الميكانيكي بالهيئة – درجة ثانية.
5 – رئيس الورشة بإدارة النقل الميكانيكي بالهيئة – درجة ثانية.
6 – مدير عام هندسة المطارات بالهيئة – درجة مدير عام.
7 – فني بإدارة النقل الميكانيكي بالهيئة – درجة ثانية.
8 – رئيس قسم بإدارة النقل الميكانيكي بالهيئة – درجة ثانية.
9 – مدير إدارة العقود والمشتريات المحلية بالهيئة – درجة ثانية.
لأنهم خلال المدة من مارس سنة 1986 حتى نهاية يونيو سنة 1986 بالهيئة المصرية العامة
للطيران المدني لم يؤدوا العمل المنوط بهم بدقة ولم يحافظوا على أموال وممتلكات الجهة
التي يعملون بها وخالفوا قانون المناقصات والمزايدات ولائحته التنفيذية بأن:
الأول حتى الخامس:
بوصفهم رئيس وأعضاء لجنة الفحص والتسلم، أقروا بمحضر فحص المحركات الموردة من الشركة
الاستثمارية بأن المحركات ماركة فولكس واجن مطابقة للمواصفات على خلاف الواقع مما أدى
إلى قبولها رغم عدم مطابقتها للمواصفات إضراراً بمالية الجهة.
الأول والسابع والثامن:
بوصفهم رئيس وأعضاء اللجنة الفنية قبل البت لم يؤدوا العمل المكلفين به من جانب لجنة
البت لدى معاينة المحرك الموجود بالشركة الاستثمارية وأقروا بمطابقته للمواصفات دون
معاينة فعلية مما أدى للبت بقبوله إخلالاً منهم بواجبهم.
الأول أيضاً:
1 – وافق على تسليم الشيك للمورد رغم إخلاله بشروط التعاقد الخاصة بتسليم الإفراجات
الجمركية للأصناف الموردة.
2 – وضع نفسه موضوع الريب والشبهات بأن كلف السابع بالتوجه مع المورد لأحد البنوك دون
مبرر وبدعوى الحصول على شيك مقبول الدفع.
السادس:
لم يتخذ أي إجراء حيال ما أحيط به علماً عن حالة المحركات الفولكس واجن واعتمد محضر
الفحص ووافق على استخدامها مما أضر بمالية الجهة.
السابع:
قبل تكليف الأول بالذهاب مع المورد وحصل منه على مبلغ خمسة آلاف جنيه نقداً بالمخالفة
للتعليمات.
التاسع:
لم يتخذ أي إجراء نحو تكليف المورد بسداد قيمة التأمين النهائي على نحو ما يوجبه القانون
لضمان تنفيذ العقد مما أدى إلى عدم كفاية الضمانات المالية المأخوذة على المورد لضمان
حقوق الهيئة قبله.
ورأت النيابة الإدارية أن المحالين بذلك ارتكبوا المخالفات المالية والإدارية المنصوص
عليها في المواد 76/ 1، و77/ 1، 3، 4 و78/ 1 من نظام العاملين المدنيين بالدولة الصادر
بالقانون رقم 47 لسنة 1978 المعدل بالقانون رقم 115 لسنة 1983.
وطلبت النيابة الإدارية محاكمة المحالين المذكورين تأديبياً عن المخالفات المنسوبة
إليهم طبقاً لنصوص المواد المبينة بتقرير الاتهام.
وبجلسة 17 من يونيو سنة 1978 أصدرت المحكمة التأديبية لمستوى الإدارة العليا حكمها
(أولاً) بمجازاة المحال الأول بخصم أجر شهرين من راتبه. (ثانياً) بمجازاة كل من المحالين
من الثاني حتى الخامس بخصم أجر شهر من راتب كل منهم. (ثالثاً) بمجازاة المحال التاسع
بخصم خمسة أيام من أجره. (رابعاً) براءة كل من المحالين السادس والسابع والثامن مما
أسند إليهم.
وأقامت المحكمة قضاءها على عدم ثبوت الاتهام المنسوب إلى المحالين السادس والسابع والثامن
في حقهم. وهو الاتهام المتمثل في أنهم باعتبارهم رئيس وأعضاء اللجنة الفنية قبل البت
لم يؤدوا العمل المكلفين به من قبل اللجنة، وعدم ثبوت الاتهام المنسوب إلى المحال السادس
في حقه وهو المتمثل في أنه لم يتخذ أي إجراء حيال ما أحيط به علماً عن حالة المحركات
واعتمد محضر الفحص ووافق على استخدامها مما أضر بمالية الجهة. وعلى ثبوت باقي الاتهامات
في حق المحالين المنسوبة إليهم من واقع ما هو ثابت بالأوراق والتحقيقات.
ومن حيث إن حكم المطعون فيه قد قضى بمجازاة المحال الأول بخصم أجر شهرين من راتبه،
فلم يرتض هذا القضاء وطعن عليه طالباً الحكم بإلغائه والقضاء ببراءته مما نسب إليه
في حين أن النيابة الإدارية لم ترتض كذلك هذا القضاء وطعنت عليه مطالبة بإلغاء الحكم
فيما تضمنه من تبرئة هذا المحال من أحد الاتهامات المنسوبة إليه.
ومن حيث إن النيابة الإدارية قد نسبت إلى هذا المحال اتهامات أربعة:
الاتهام الأول: أنه بوصفه رئيس لجنة فحص وتسلم المحركات أقر بأنها مطابقة للمواصفات
على خلاف الواقع مما أدى إلى قبولها رغم عدم مطابقتها للمواصفات وأضروا بمالية الجهة
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه قد انتهى إلى ثبوت هذا الاتهام في حق المحال وإلى إدانته
عن ذلك:
ومن حيث إن هذا المحال قد نعى في طعنه على هذا الحكم أنه لم يعول على ما هو ثابت من
أوراق التحقيق من تواتر القول بأنه لا يوجد بالسوق المحلي حالياً محركات جديدة وأن
الموجود حالياً محركات مجددة أعيد تصنيعها في ألمانيا الغربية وأنها تستطيع أن تحل
محل الجديدة من حيث التشغيل وأن المحركات المعاد تصنيعها ليست مخالفة للمواصفات، ذلك
أن شركات التصنيع تقوم بطرح محركات معاد تصنيعها بأسعار تناسب المستهلك وأن اللجنة
قد قررت قبول العطاء الوحيد المعروض من الشركة الموردة لمناسبة السعر، وعدم وجود جدوى
من إعادة طرح العملية مع حاجة الهيئة للموتورات.
ومن حيث إن التسليم بصحة ما ورد بالأقوال المتقدمة، وافتراض مطابقتها للواقع لا يحول
دون قيام المخالفة محل الاتهام سالف البيان، لأن المخالفة المنسوبة إلى المحال الأول
وأعضاء اللجنة التي يرأسها هي أن اللجنة أقرت بأن المحركات مطابقة للمواصفات على خلاف
الواقع مما أدى إلى قبولها رغم عدم مطابقتها للمواصفات وأضروا بمالية الجهة التي يتبعونها،
وهذا الاتهام إنما يتمثل في عنصرين جوهريين. أحدهما إقرار اللجنة بأن المحركات مطابقة
للمواصفات، وثانيهما ما ترتب على ذلك من الأضرار بمالية الجهة التي يتبعونها.. ولما
كان لا خلاف على أن المواصفات التي طرحت على أساسها المناقصة هي توريد محركات جديدة،
فإن المحركات المعاد تصنيعها وإن كانت تعد على ضوء الأقوال المتقدمة مقاربة للمواصفات
إلا أنها لا تعد مطابقة لها.
ومن حيث إن من أول واجبات الموظف العام أن يؤدي أعمال وظيفته بدقة وأمانة، فإن الدقة
والأمانة في أداء العمل يقتضيان في مجال أداء أي عمل فني التمييز الواضح بين ما ينبغي
بيانه كوقائع وبين ما ينبغي إبداؤه كرأي خاص.. وفي مجال بيان الوقائع ينبغي تقرير الحقائق
بحالتها وبأقصى درجات الدقة والإيضاح، أما في مجال إبداء الرأي الفني فلا تثريب على
الموظف إن هو أبدى رأياً قد لا يكون محل إقرار من غيره طالما أنه لم يبتغ إلا الصالح
العام في ضوء مفهومه المستند إلى حصيلة دراساته وخبراته وفي ضوء ذلك فإنه إذا ما خلط
الموظف بين ما يدخل في عداد الوقائع وما يدخل في إطار الرأي الفني فأضفى على ما يعتقده،
فنياً صورة الواقعة المجردة على نحو يهدم ما يجب أن يقوم من تمييز واضح بين عنصري الواقعة
والرأي، فإنه يكون قد أخل بواجب أداء عمله بدقة وأمانة ومن ثم يكون قد ارتكب مخالفة
تأديبية تستوجب الجزاء.
وتطبيقاً لما تقدم فإنه طالما كان السيد/…….. قد أقر مع أعضاء اللجنة التي رأسها
بأن المحركات التي قام بفحصها مطابقة للمواصفات، أي أنها جديدة كما تطلبت المواصفات،
في حين أنها لم تكن مطابقة على هذا النحو وإنما كانت حسبما انتهى إليه تقديره الفني
مقاربة للمواصفات ومؤدية للغرض فإنه يكون بذلك قد خلط بين الواقعة المجردة التي كان
يجب أن يذكرها صراحة وهي أن المحركات معاد تصنيعها بدولة إنتاجها وبين الرأي الفني
الذي انتهى إليه وهي أنها تصلح لتحل محل المحركات الجديدة وهو ما يشكل في حقه مخالفة
تأديبية.
ومن حيث إن ذات الاتهام قد انطوى على عنصر آخر هو أنه قد ترتب على إقرار اللجنة بأن
المحركات مطابقة للمواصفات الإضرار بمالية الجهة التي يتبعونها، ومن حيث إن ما انتهى
إليه الحكم من إدانة المحال الأول عن هذا الاتهام صحيح رغم ما ينعيه الطاعن على هذا
الحكم من أن سعر شراء المحرك المجدد كان أقل مما تم به الشراء من عامين سابقين رغم
ارتفاع الأسعار خلال هذين العامين لأن هذا النعي غير سديد، إذ لو أن لجنة الفحص قد
أشارت في تقريرها إلى أن المحركات المعروضة مجددة أو معاد تصنيعها، لأمكن لسلطة البت
إعادة الإعلان عن المناقصة بعد تعديل المواصفات لتتوافق مع ما هو متوافر في السوق من
محركات معاد تصنيعها على نحو يحقق للهيئة ما ترتبه المنافسة بين الموردين من خفض في
الأسعار.
الاتهام الثاني:
أن السيد/….. بوصفه رئيس اللجنة الفنية التي كلفتها لجنة البت بمعاينة المحرك لدى
الشركة الاستثمارية، لم يؤدوا العمل الذي كلفوا به، وأقروا بمطابقة المحرك للمواصفات
دون معاينة فعلية مما أدى للبت بقبوله، إخلالاً منهم بواجبهم.
وقد انتهى الحكم المطعون فيه إلى أن هذه المخالفة غير قائمة في حق المحال المشار إليه
وباقي أعضاء اللجنة مما يتعين معه الحكم ببراءتهم منها وذلك استناداً إلى أن هذه اللجنة
قد قامت بواجبها من حيث المعاينة الفنية التي يكفي فيها الاطلاع على المستندات المبينة
لقوة المحرك وجزئياته ومدى صلاحيته للغرض المطلوب من أجله.
ومن حيث إن النيابة الإدارية تنعى في طعنها على ما انتهى إليه الحكم من براءة المحالين
من هذا الاتهام أنه أغفل الثابت بالأوراق والتحقيقات من أن رئيس وأعضاء اللجنة أقروا
بعد الانتقال لمقر الشركة المحددة بأن المحرك مطابق للمواصفات ومن ثم بني الحكم بالبراءة
على غير سند من الأوراق.
ومن حيث إن الثابت من الأوراق أن لجنة البت قد كلفت لجنة فنية برئاسة المحال الأول
بمعاينة المحرك لدى الشركة الاستثمارية.
ومن حيث إن المفهوم الاصطلاحي للمعاينة يفيد التمحيص بالعين لما يتم معاينته وبغير
ذلك تتجرد المعاينة من أخص خصائصها وتفقد جوهر حقيقتها وتتحول إلى بحث مستندي وهو أمر
يختلف البتة في مجاله وفي نتائجه عن المعاينة بمفهومها المتعارف عليه المتقدم البيان،
وعلى ذلك فإذا كان الحكم المطعون فيه قد استند في براءة المحال الأول وباقي أعضاء اللجنة
التي رأسها إلى بيان معين لدلالة المعاينة بإشارة الحكم إلى أنه يكفي فيها الاطلاع
على المستندات فإن هذا الحكم يكون قد صدر معيباً فيما انتهى إليه من براءة المذكورين
رغم ثبوت أنهم أقروا بمطابقة المحرك للمواصفات دون المعاينة الجادة التي كلفوا بها.
الاتهام الثالث:
أن السيد/…… وافق على تسليم الشيك للمورد رغم إخلاله بشروط التعاقد الخاصة بتسليم
الإفراجات الجمركية للأصناف الموردة.
وقد أدان الحكم المحال المذكور عن هذه المخالفة إلا أن المحال نعى على هذا الحكم في
صحيفة طعنه أنه أغفل واقعة أن التوريد تم في 21/ 6/ 1986 وتم تسليم الشيك للمورد في
26/ 6/ 1986 ولم يكن ينقص من محل التوريد سوى ما قيمته ألف جنيه.
ومن حيث إن هذا النعي غير سديد لأن تمام سداد مستحقات المورد ينبغي أن يرتبط تماماً
بوفائه بالتزاماته التعاقدية ومن شأن الإخلال بهذه القاعدة تعريض أموال الجهات الإدارية
للخطر وهو ما يشكل في حق من يثبت قيامه بذلك مخالفة تأديبية.
الاتهام الرابع:
أن السيد/…..، وضع نفسه موضع الريب والشبهات بأن كلف المحال السابع بالتوجه مع المورد
لأحد البنوك دون مبرر وبدعوى الحصول على شيك مقبول الدفع.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه قد أدان المحال المذكور عن هذا الاتهام وقد نعى المحال
في طعنه على تلك الإدانة أنها قد بنيت على استخلاص غير سائغ من عيون الأوراق لأن ما
تم كان تعبيراً عن حرص المحال على حقوق الهيئة الموردة بعد أن تم تسليمه الشيك الذي
يضمن حق الهيئة.
ومن حيث إن هذا النعي الذي ينعيه الطاعن على الحكم المطعون فيه نعي سديد لأنه إذا كان
المحال المذكور قد أخطأ بأن وافق على تسليم الشيك للمورد رغم إخلاله بتسليم الإفراجات
الجمركية للأصناف الموردة، فإنه قد سعى إلى إصلاح نتائج هذا الخطأ وتدارك آثاره من
خلال الاتفاق مع المورد على أن يصطحب المحال السابع إلى البنك الذي يتعامل معه لتسليمه
شيكاً مقبول الدفع يمكن أن يحل محل الشيك الذي أخطأ بالموافقة على تسليمه للمورد، وهذا
الذي أتاه المحال المشار إليه لا يضعه موضع الريب والشبهات وإنما يضعه موضع الموظف
الحريص على أن ينقي بعض ما علق به من أوجه القصور في حدود الإمكان وهو ما لا يمكن أن
يوصف بأنه يشكل مخالفة تأديبية يستأهل عنها العقاب.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه قد ذهب خلاف هذا المذهب فإنه يكون قد خالف صحيح حكم القانون.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه قد انتهى إلى مجازاة المحال الأول بخصم شهرين من راتبه
على أساس إدانته عن الاتهامات الأول والثالث والرابع، وبراءته من الاتهام الثاني في
حين أن الصحيح على ما تقدم هو إدانة هذا المحال عن الاتهامات الأول والثاني والثالث
وبراءته من الاتهام الرابع فإن هذه المحكمة ترى للاعتبار المتقدم عدم تعديل الجزاء
الذي قضى به الحكم المطعون فيه بشأن المحال الأول زيادة أو نقصاً.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه قد قضى بمجازاة المحال الثاني السيد/…. بخصم شهر من
راتبه، إلا أنه لم يطعن في هذا الجزاء، ولم تطعن ضده النيابة الإدارية فلا وجه لمناقشة
ما جاء بالحكم في هذا الشأن.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه قد قضى بمجازاة المحالين الثالث والرابع والخامس بخصم
شهر من راتب كل منهم لما انتهى إليه من ثبوت الاتهام المنسوب إليهم بتقرير الاتهام
في حقهم.
ومن حيث إن هذا الاتهام قد تمثل في أنهم بوصفهم أعضاء لجنة فحص وتسليم المحركات الموردة،
أقروا بمحضر فحصها بأنها مطابقة للمواصفات على خلاف الواقع مما أدى إلى قبولها رغم
عدم مطابقتها للمواصفات وأضروا بمالية الجهة التي يعملون بها.
ومن حيث إن هذا الاتهام قد تمثل في أنهم بوصفهم أعضاء لجنة فحص وتسلم المحركات الموردة،
أقروا بمحضر فحصها بأنها مطابقة للمواصفات على خلاف الواقع مما أدى إلى قبولها رغم
عدم مطابقتها للمواصفات وأضروا بمالية الجهة التي يعملون بها.
ومن حيث إن هذا الاتهام قد ورد بتقرير الاتهام إلى المحالين المشار إليهم وإلى المحال
الأول.
ومن حيث إن المحالين الثلاثة المشار إليهم قد شاركوا المحال الأول ذات الطعن وأوردوا
به ذات المأخذ على الحكم الطعين.
ومن حيث إن هذه المحكمة قد انتهت من مناقشة وتفنيد تلك المآخذ إلى عدم قيامها على أساس
سليم من الواقع والقانون ومن ثم إلى صحة ما انتهى إليه الحكم المطعون فيه من إدانة
رئيس وأعضاء اللجنة عن هذا الاتهام فإن مقتضى ذلك وجوب رفض الطعن المقام من المحالين
الثلاثة على الحكم المطعون فيه.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه قد قضى ببراءة المحال السادس من الاتهام المنسوب إليه.
ومن حيث إن تقرير الاتهام قد نسب إلى المحال السادس السيد/….. مدير عام هندسة المطارات
بالهيئة، أنه لم يتخذ أي أجراء حيال ما أحيط به علماً عن حالة المحركات الفولكس واجن
واعتمد محضر الفحص ووافق على استخدامها مما أضر بمالية الجهة التي يعمل بها.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه قد أقام قضاءه ببراءة هذا المحال من الاتهام المنسوب
إليه على أنه لم يثبت من التحقيقات أن المحال الأول أخطر المحال السادس بعدم مطابقة
المحركات لشروط المناقصة أو عدم كفاءة وصلاحية هذه المحركات ومن ثم تضحى هذه المخالفة
غير قائمة في جانب المحال السادس مما يتعين براءته منها.
ومن حيث إن مبنى طعن النيابة الإدارية على ما قضى به الحكم من براءة هذا المحال أن
الحكم المطعون فيه قد استند فيما انتهى إليه إلى غير أساس صحيح من الأوراق.
ومن حيث إنه يبين من الاطلاع على أوراق التحقيق ص 9 أن رئيسة النيابة الإدارية المحققة
سألت المهندس…. عن أقواله بشأن ما ورد بتقرير الإدارة العامة للأمن بشأن قبول محركات
فولكس واجن مجددة وليست جديدة بالمخالفة للشروط والمواصفات التي تم على أساسها طرح
العملية وقبول التوريد من الشركة الاستثمارية، فأجاب بأنه علم من المهندس… (المحال
الأول) أن المحركات ملصوق عليها ورق مكتوب به ما معناه أنه أعيد تصنيعها في ألمانيا
الغربية، وأنه يعتبرها من وجهة نظره في عداد الموتورات الجديدة، وخصوصاً لعدم ورود
موتورات جديدة إطلاقاً بالسوق المحلي ولا جدوى من طرح العملية مرة أخرى للحصول على
محركات جديدة ولذا وافقت على رأيه بأن تركب هذه الموتورات للسيارات المعطلة بالورشة
وطلب من المهندس….. – رئيس الإدارة المركزية للشئون الهندسية بالهيئة – أن يوافق
على هذا الرأي إلا أنه طلب عرض الموضوع على لجنة البت فيما يعتقد.
ومن حيث إن ما ورد بالتحقيق على هذا النحو يعد اعترافاً من المحال السادس بما نسبه
إليه تقرير الاتهام، الأمر الذي يشكل في حقه مخالفة تأديبية قوامها أنه شارك في إخفاء
واقعة جوهرية عن لجنة البت، الأمر الذي ترتب عليه التعاقد على شراء المحركات بافتراض
أنها جديدة في حين أنها معاد تصنيعها الأمر الذي كان من شأنه لو أحيطت به لجنة البت
أن تقرر في ضوء عدم وجود محركات جديدة بالسوق – إعادة طرح المناقصة بمواصفات جديدة
يكون محلها محركات معاد تصنيعها على نحو يكون من المتوقع معه تقديم أكثر من عرض الأمر
الذي يتيح للهيئة الحصول على أفضل الأسعار.
ومن حيث إن مقتضى ما تقدم أن الحكم المطعون فيه قد أخطأ إذ قضى ببراءة المحال السادس
مما نسب إليه، ومن ثم ترى هذه المحكمة – بعد أن انتهت إلى إدانته – مجازاته بعقوبة
التنبيه.
ومن حيث إن تقرير الاتهام قد نسب إلى المحال السابع اتهامين، أحدهما منسوب إليه وحده،
وثانيهما منسوب إليه وإلى المحال الثامن معاً.
ومن حيث إن الاتهام المنسوب إلى المحال السابع وحده يتمثل في أنه قبل تكليف المحال
الأول له بالذهاب مع المورد إلى البنك الذي يتعامل معه وحصل منه على مبلغ خمسة آلاف
جنيه نقداً بالمخالفة للتعليمات.
وقد قضى الحكم المطعون فيه ببراءة هذا المحال من الاتهام المشار إليه استناداً إلى
أن ما وقع منه لا يشكل بذاته مخالفة تأديبية.
وقد نعت النيابة الإدارية على هذا القضاء أنه تجاهل أن القانون حدد الإجراءات التي
يجب على جهة الإدارة اتخاذها عند تقاعس المورد عن تنفيذ كل أو بعض التزاماته كما أوجب
على العامل أن ينأى بنفسه عما يثير الريبة والشبهات في أدائه لواجبات وظيفته ووضع الضوابط
التي من شأنها درء مسئولية الأوامر المخالفة للقانون عن العامل، وإذ خالف الحكم المطعون
فيه ما تقدم فإنه يكون مشوباً بخطأ في تطبيق القانون وفساد في الاستدلال.
ومن حيث إن ما ذهبت إليه النيابة الإدارية في هذا الشق من طعنها غير سديد. ذلك أن الثابت
من تقرير الاتهام المودع ملف الدعوى التأديبية الصادر فيها الحكم المطعون فيه، أنه
نسب إلى المحال الأول أنه أخطأ بأن وافق على تسليم الشيك للمورد رغم إخلاله بشروط التعاقد
الخاصة بتسليم الإفراجات الجمركية للأصناف الموردة، ثم نسب إلى المحال نفسه أنه كلف
المحال السابع بالتوجه مع المورد للبنك الذي يتعامل معه المورد دون مبرر بدعوى الحصول
على شيك مقبول الدفع.
ولقد سبق أن ذهب هذا الحكم عند مناقشة الاتهامات المنسوبة للمحال الأول إلى أنه وإن
كان هذا المحال قد أخطأ بتسليم الشيك للمورد دون وجه حق فإنه لم يخطئ بمحاولته تصحيح
الخطأ الذي وقع منه من خلال مطالبته للمورد بتقديم ضمان جديد رأى أنه يتمثل في صورة
شيك مقبول الدفع وتكليفه لأحد العاملين معه (المحال السابع) بالتوجه مع المورد إلى
البنك للحصول منه على هذا الشيك.
ومن حيث إن الثابت بالأوراق أن المحال السابع قد توجه مع المورد إلى البنك للحصول على
الشيك مقبول الدفع بمبلغ خمسة آلاف جنيه وفقاً لتعليمات رئيسه، إلا أن المورد ماطله
بالبنك ورفض تسليمه ذلك الشيك مما أدى إلى تنازعهما على نحو تدخل معه مدير البنك وترتب
على ذلك قيام مندوب المورد بتسليم المحال خمسة آلاف جنيه نقداً تم إيداعها خزانة الهيئة
كأمانات لحين توريد الأصناف المطلوبة من المورد.
ومن حيث إن هذا الذي حدث من جانب المحال السابع لا يمكن أن يوصف بأنه يشكل مخالفة تأديبية
تتمثل في الإخلال بواجبات وظيفته أو كرامتها وإنما قد قام المحال بتنفيذ أمر صادر إليه
من رئيسه في سبيل تأمين ضمانات الهيئة تصويباً لخطأ أضعف من هذه الضمانات أو أهدرها،
وقد حاول التغلب على العقبة التي صادفته داخل البنك بتصرف مقبول ممن في مثل وضعه وظروفه
مستهدفاً صالح المرفق الذي يعمل به دون ارتكاب إهمال أو تقصير ودون أن يخل بواجب مفروض
عليه.
ومن حيث إن الحكم المطعون عليه قد ذهب هذا المذهب، فإنه يكون قد وافق صحيح حكم القانون
ومن ثم يكون الطعن عليه في غير محله واجب الرفض.
ومن حيث إن الاتهام المنسوب إلى المحالين السابع والثامن معاً يتمثل في أنهما بوصفهما
العضوين باللجنة الفنية التي كلفتها لجنة البت بمعاينة المحرك الموجود لدى المورد،
أقرا بمطابقته للمواصفات دون معاينة فعلية مما أدى للبت بقبوله إخلالاً منهما بواجبهما.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه قد قضى ببراءة المحالين المذكورين من هذا الاتهام، إلا
أن النيابة الإدارية لم ترتض هذا القضاء وطعنت في الحكم استناداً إلى ثبوت المخالفة
في حق المحالين وقيام براءتهما على غير أساس.
ومن حيث إن هذا الاتهام ذاته هو ما نسبه تقرير الاتهام إلى المحال الأول بوصفه رئيساً
لهذه اللجنة.
ومن حيث إن المحالين المشار إليهما لم يدفعا الاتهام المنسوب إليهما بأكثر مما دفع
به المحال الأول هذا الاتهام وهو ما فندته هذه المحكمة – عند مناقشة الاتهام الثاني
المنسوب إلى المحال الأول – وانتهت إلى قيام الطعن المقام من النيابة الإدارية في هذا
الشق منه على أساس صحيح من الواقع والقانون بما يعني أن الحكم المطعون فيه قد أخطأ
إذ قضى ببراءة المحالين المشار إليهما من هذا الاتهام في حين أنهما مدانان بما يستوجب
مساءلتهما تأديبياً، فإن هذه المحكمة تقدر الجزاء التأديبي الواجب توقيعه على كل منهما
بخصم عشرة أيام من راتبه.
ومن حيث إن المحال التاسع قد ارتضى الحكم الصادر بمجازاته بخصم خمسة أيام من راتبه،
وقد ارتضته كذلك النيابة الإدارية فلم يرد على الحكم في شأنه طعن من أي من طرفي الخصومة
في الدعوى التأديبية فإن قضاء الحكم المطعون فيه في هذا الشق منه غير مطروح على هذه
المحكمة للفصل في شأنه.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعنين شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه فيما قضى به من براءة المحالين السادس والسابع والثامن في الدعوى التأديبية الصادر فيها الحكم، وبمجازاة المحال السادس بعقوبة التنبيه، وبمجازاة المحالين السابع والثامن بخصم عشرة أيام من راتب كل منهما وبرفض ما عدا ذلك من الطلبات.
