الطعون أرقام 2859، 2942، 2967 لسنة 32 ق – جلسة 03 /02 /1990
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الخامسة والثلاثون – العدد الأول (من أول أكتوبر سنة 1989 إلى آخر فبراير سنة
1990) – صـ 946
جلسة 3 من فبراير سنة 1990
برئاسة السيد الأستاذ المستشار طارق عبد الفتاح البشري نائب رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة الأساتذة: محمد يسري زين العابدين ود. إبراهيم علي حسن ود. فاروق عبد البر السيد وأحمد شمس الدين خفاجي – المستشارين.
الطعون أرقام 2859، 2942، 2967 لسنة 32 القضائية
( أ ) عاملون مدنيون بالدولة – تأديب – الدعوى التأديبية – مدى
جواز سقوطها بالنسبة للمخالفات المستمرة.
أراد المشرع بنص المادة من القانون رقم 47 لسنة 1978 أن يسدل الستار على المخالفة
التي بدرت من الموظف بانقضاء ثلاث سنوات من تاريخ ارتكابها أي من تاريخ اكتمال مقومات
قيامها – مؤدى ذلك: عدم سقوط الدعوى التأديبية بالنسبة للمخالفات المستمرة لعدم اكتمال
مقومات تحديدها طيلة أمد استمرارها – مثال ذلك: المخالفة المالية التي يكون محلها خطأ
في تقدير قيمة مستخلص ما – لا يبدأ سريان سقوطها إلا من تاريخ صرف قيمة المستخلص النهائي
– أساس ذلك: أن الخطأ في صرف قيمة أحد المستخلصات يظل قابلاً للجبر من خلال التصحيح
الواجب والممكن عند إعداد واعتماد المستخلصات اللاحقة إلى أن يتم صرف المستخلص الختامي
الذي به تتحدد صورة المخالفة على نحو محدد ونهائي – أثر ذلك: أن ارتكاب المخالفة الذي
تبدأ مدة سقوط الدعوى التأديبية من تاريخه إنما يتحقق ويتأكد باستكمال الإجراءات المتتالية
لصرف المستخلصات المتتابعة لتنفيذ العقد دون تدارك الخطأ الذي وقع من الموظف خلال مرحلة
ما عند معاودة تدارس الموقف المالي للتعاقد وقت إعداد مستندات الصرف عن مرحلة لاحقة
– تطبيق.
(ب) عاملون مدنيون بالدولة – تأديب – الجزاءات التأديبية – مشروعيتها.
المساءلة التأديبية تحاسب العامل عن سلوك خرج به عن إطار الانضباط المتطلب فاستحق به
المؤاخذة التي تكفل تقويم سلوكه – لا تكون المؤاخذة عادلة إلا إذا ما أدخلت سلطة توقيع
الجزاء التأديبي في اعتبارها الاعتبارات التي من شأنها أن تنقص أو تزيد من جسامة المخالفة
والتي يجب أن تكون تحت نظر جهة إصدار القرار التأديبي – إذا ثبت أن الأوراق التي كانت
تحت نظر مصدر القرار كانت تحوي من الوقائع الجوهرية ما كان من شأنه أن يغير الوصف الحقيقي
الكامل للاتهام وأصدرت هذه الجهة قرارها استناداً إلى مجرد وقوع المخالفة مغفلة ما
يستكمل به وصف المخالفة حقيقة من خلال تجريدها مما أحاط بها من ملابسات وظروف واعتبارات
فإن قرارها يكون غير مشروع – أساس ذلك: ابتناؤه على وصف مبتسر لمخالفة منتزعة من إطارها
المحيط بوقائعها انتزاعاً من شأنه أن يضفي على صورتها جسامة تنقص أو تزيد عما ينبغي
أن يكون لها وهي متدثرة بما يحيطها حقيقة من وقائع تسفر عنها الأوراق – تطبيق.
إجراءات الطعن
في يوم الأحد الموافق السادس من يوليو سنة 1986 أودع الأستاذ تقي
الدين فاضل المحامي عن السيدة/….. قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا تقرير طعن قيد
بجدولها برقم 2859 لسنة 32 القضائية.
وفي يوم الأربعاء الموافق التاسع من يوليو سنة 1986 أودع الأستاذ/ محمد محمد رمضان
المحامي عن السيد/…. قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا تقرير طعن قيد بجدولها برقم
2942 لسنة 32 القضائية.
وفي يوم السبت الموافق 12 من يوليو سنة 1986 أودع الأستاذ شوقي مهران المحامي عن السيد/……
قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا تقرير طعن قيد بجدولها برقم 2967 لسنة 32 ق.
ويطعن الطاعنون في الحكم الصادر من المحكمة التأديبية بأسيوط بجلسة 11 من مايو سنة
1986 في الدعوى التأديبية رقم 151 لسنة 13 القضائية المقامة من النيابة الإدارية ضد
الطاعنين والقاضي بمجازاة كل من الطاعنين بخصم عشرة أيام من راتبه.
وطلب الطاعنون – للأسباب الموضحة بتقارير الطعون – الحكم بقبول الطعون شكلاً وفي الموضوع
بإلغاء الحكم المطعون فيه وبراءتهم مما هو منسوب إليهم.
وأعلنت تقارير الطعون إلى المطعون ضده على الوجه المبين بالأوراق وقدمت هيئة مفوضي
الدولة تقريراً مسبباً بالرأي القانوني رأت فيه الحكم بقبول الطعون الثلاثة شكلاً ورفضها
موضوعاً.
وعين لنظر الطعون الثلاثة أمام دائرة فحص الطعون لهذه المحكمة جلسة 28 من ديسمبر سنة
1988 وفيها قررت الدائرة ضم الطعنين رقمي 1967، 2942 لسنة 32 إلى الطعن رقم 2859 لسنة
32 ق وبجلسة 22 من مارس سنة 1989 قررت الدائرة إحالة الطعن إلى هذه المحكمة التي نظرته
في 14 أكتوبر سنة 1989، وفي 30 من ديسمبر سنة 1989 قررت المحكمة إصدار الحكم في الطعون
بجلسة اليوم السبت الموافق الثالث من فبراير سنة 1990، وفيها صدر الحكم وأودعت مسودته
المشتملة على أسبابه عند النطق به.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع المرافعة، والمداولة.
من حيث إن الطعون الثلاثة استوفت أوضاعها الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة تتحصل – حسبما يبين من الأوراق – في أنه في الثامن من
ديسمبر سنة 1985 أقامت النيابة الإدارية الدعوى التأديبية رقم 151 لسنة 13 القضائية
بإيداع أوراقها قلم كتاب المحكمة التأديبية بأسيوط منطوية على تقرير باتهام كل من:
1 – …….. مدير حسابات بجامعة المنيا، درجة أولى.
2 – …….. مدير حسابات بجامعة المنيا، درجة ثانية.
3 – ……. وكيل حسابات بجامعة المنيا، درجة ثالثة.
لأنهم خلال المدة من 9/ 6/ 1980 حتى 13/ 9/ 1984، بدائرة جامعة المنيا والمديرية المالية
بمحافظة المنيا وبوصفهم السابق لم يؤدوا أعمالهم بأمانة وخالفوا القواعد المالية وارتكبوا
غشاً لمجاملة المكتب الاستشاري الهندسي….. مما كان من شأنه إلحاق الضرر الجسيم بالمال
العام، وذلك بأن:
الأول: 1 – أقر – ضمن أعضاء لجنة – ترسية عملية إعداد الرسومات والتصميمات والإشراف
على منشآت جامعة المنيا المطروحة في ممارسة على المكتب الاستشاري (…….) رغم أن
عطاءه لم يكن أقل العطاءات بالمخالفة للتعليمات المالية مما حمل موازنة الجامعة فروق
أسعار بلغت 64691.745 جنيه دون مسوغ قانوني.
2 – اعتمد – وحده – مستند الصرف رقم 2744 في 12/ 10/ 1980 بصرف أتعاب المكتب الاستشاري
المذكور بنسبة 2% من قيمة التكاليف عن أعمال التعديلات بالمخالفة لشروط التعاقد.
الثاني: 1 – أعد – مع آخرين – مستندات صرف المستند رقم 13192 في 3/ 5/ 1982 بصرف أتعاب
المكتب الاستشاري المذكور عن أعمال متكررة بنسبة 2% من قيمة التكاليف بالمخالفة لأحكام
العقد مما حمل موازنة الجامعة بمبالغ مالية دون مسوغ قانوني.
2 – اعتمد – وحده – مستند الصرف رقم… بتاريخ 3/ 5/ 1982 بصرف أتعاب المكتب الاستشاري
المذكور عن أعمال متكررة بنسبة 2% من قيمة التكاليف بالمخالفة لأحكام العقد مما حمل
موازنة الجامعة بمبالغ مالية دون مسوغ قانوني.
الثالثة: اعتمدت – وحدها – مستند الصرف رقم 1302 في 13/ 9/ 1984 بصرف أتعاب المكتب
الاستشاري المذكور بنسبة 2% من قيمة التكاليف عن أعمال التعديلات بالمخالفة لشروط التعاقد.
وبذلك يكون المذكورون قد ارتكبوا المخالفات المالية المنصوص عليها بالمواد 67/ 1، و77/
1، 3، 4 و78/ 1 من القانون رقم 47 لسنة 1978 المعدل بالقانون رقم 115 لسنة 1983 بشأن
نظام العاملين المدنيين بالدولة.
وطلبت النيابة الإدارية محاكمة المذكورين تأديبياً طبقاً للمواد السابقة والمادتين
80، 82 من القانون رقم 47 لسنة 1978، والمادة 14 من القانون رقم 117 لسنة 1958 بشأن
إعادة تنظيم النيابة الإدارية والمحاكمات التأديبية والمعدل بالقانون رقم 171 لسنة
1981 والمواد 163، 164، 165 من القانون رقم 49 لسنة 1972 بشأن تنظيم الجامعات المصرية،
والمادتين 15، 19 من القانون رقم 47 لسنة 1972 بشأن مجلس الدولة.
وبجلسة 11 من مايو سنة 1986 قضت المحكمة التأديبية بأسيوط بمجازاة كل من….. و…….
و….. بخصم عشرة أيام من راتب كل منهم.
وأقامت المحكمة قضاءها على أن الاتهام الأول المنسوب إلى/……. والمتمثل في أنه أقر
– ضمن أعضاء لجنة البت – ترسية عملية إعداد الرسومات والتصميمات والإشراف على منشآت
جامعة المنيا المطروحة في ممارسة على المكتب الاستشاري (…….) بالمخالفة للتعليمات
المالية قد سقط بانقضاء ثلاث سنوات على تاريخ الواقعة المقول بأنها تشكل المخالفة المشار
إليها وفقاً لنص المادة من قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة الصادر بالقانون
رقم 47 لسنة 1987 المعدل بالقانون رقم 115 لسنة 1983 وذلك على أساس أن لجنة البت التي
قامت بإجراء الترسية قد انعقدت في 9/ 6/ 1980 واعتمد قرارها رئيس الجامعة في 15/ 6/
1980 وكان أول إجراء اتخذ بشأن هذه المخالفة هو قرار إحالة الموضوع إلى النيابة الإدارية
في 14/ 4/ 1985 وانتهت المحكمة بعد استبعاد هذا الاتهام إلى ثبوت باقي الاتهامات الواردة
في تقرير الاتهام في حق الطاعنين الثلاثة.
وقد أقام السيد/…….. طعنه على أن الحكم المطعون فيه صدر معيباً استناداً لما يأتي:
أولاً – أنه إذا كان الحكم المطعون فيه قد انتهى إلى سقوط الدعوى التأديبية عن الاتهام
الأول المنسوب للطاعن، فقد أخطأ الحكم إذ رفض الدفع بسقوط الدعوى التأديبية عن الاتهام
الثاني المنسوب إليه لأن هذا الاتهام قد تمثل في أن الطاعن اعتمد مستند الصرف رقم 2744
في 12/ 10/ 1980 بصرف أتعاب المكتب الاستشاري بنسبة 2% من قيمة التكاليف عن إعمال التعديلات
بالمخالفة لشروط العقد وطالما كانت الواقعة المنسوبة إلى الطاعن تمت في سنة 1980 وتمت
إحالة الموضوع إلى النيابة الإدارية – كأول إجراء تأديبي تم اتخاذه في الموضوع – في
عام 1985، فقد كان على المحكمة أن تقضي بسقوط الدعوى التأديبية عن هذا الاتهام كذلك.
ثانياً: أن الحكم المطعون فيه قد تجاهل دفاع الطاعن المتمثل في أن دوره كان مجرد اعتماد
المستند ومن المقرر أن الموظف لا يسأل عن خطأ غيره كما تجاهل دفاعه المتمثل في أن رئيس
جامعة المنيا قد قرر حفظ ما نسب لآخرين من العاملين بالجامعة ممن شاركوا في إعداد المستخلص
المنسوب إلى الطاعن اعتماده.
ومن حيث إن هذا النعي بشقيه عير سديد، ذلك أنه في شأن مدى سقوط الدعوى التأديبية قبل
الطاعن بخصوص المخالفة المتمثلة في اعتماده مستند الصرف رقم 2774 بتاريخ 12/ 10/ 1980
فإن المادة من قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة
1978 كانت تنص على أن "تسقط الدعوى بالنسبة للعامل الموجود بالخدمة بمضي سنة من تاريخ
علم الرئيس المباشر بوقوع المخالفة أو ثلاث سنوات من تاريخ ارتكابها أي المدتين أقرب"
وقد تم تعديل هذا النص بمقتضى القانون رقم 115 لسنة 1983 بحيث أصبح يقضي بأن "تسقط
الدعوى التأديبية بالنسبة للعامل الموجود بالخدمة بمضي ثلاث سنوات من تاريخ ارتكاب
المخالفة".
وإذا كان الشارع قد أراد بهذا النص أن يسدل الستار على المخالفة التي بدرت من الموظف
بانقضاء ثلاث سنوات من تاريخ ارتكابها أي من تاريخ اكتمال مقومات قيامها فقد ترتب على
ذلك عدم سقوط الدعوى التأديبية بالنسبة للمخالفة المالية التي يكون محلها خطأ في تقدير
قيمة مستخلص ما، ولا يبدأ سريان مدة سقوطها إلا من تاريخ استكمال صرف قيمة المستخلص
النهائي، لأن الخطأ في صرف قيمة أحد المستخلصات يظل قابلاً للجبر من خلال التصحيح الواجب
والممكن عند إعداد واعتماد المستخلصات اللاحقة إلى أن يتم صرف المستخلص الختامي الذي
به تتحدد صورة المخالفة على نحو محدد ونهائي، وعلى ذلك فإن ارتكاب المخالفة الذي تبدأ
مدة سقوط الدعوى التأديبية من تاريخه إنما يتحقق ويتأكد باستكمال الإجراءات المتتالية
لصرف المستخلصات المتتابعة لتنفيذ العقد دون تدارك الخطأ الذي وقع من الموظف خلال مرحلة
ما عند معاودة تدارس الموقف المالي للتعاقد عند إعداد مستندا الصرف عن مرحلة لاحقة.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه قد ذهب هذا المذهب إذ أشار إلى أن الثابت من الاطلاع
على أوراق الموضوع أن صرف الدفعات للمكتب الاستشاري استمر لما بعد 13/ 9/ 1984 تاريخ
اعتماد المتهمة الثالثة لمستند الصرف رقم 1032 وأن الجامعة أحالت الأوراق إلى النيابة
الإدارية في 14/ 4/ 1985 فإن الدعوى التأديبية لا تكون قد سقطت عن المخالفة المشار
إليها.
ومن حيث إنه عما يأخذه الطاعن على الحكم المطعون فيه من أنه تجاهل دفاع الطاعن المتمثل
في أن دوره كان مجرد اعتماد المستند دون أن يسأل عن خطأ من قام بإعداده. فإن هذا المأخذ
في غير موضعه لأن من أول ما أوجب الشارع في قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة أن
يؤدي العامل العمل المنوط به بنفسه وبدقة وأمانة، وأن من أوليات ممارسة العمل بدقة
وأمانة من جانب من أناطت به واجبات وظيفته مراجعة عمل غيره أن يقوم بهذه المراجعة بجدية
واهتمام وعناية، وأن يبذل في سبيل ذلك كل ما يقتضيه الحرص وتتطلبه اليقظة اللازمة للكشف
عن أوجه النقص أو الخطأ أو القصور، فإذا ما تقاعس الموظف المنوط به العمل الرقابي عن
أداء هذا الدور واعتبر أن توقيعه على المستند إنما يفيد مجرد الاعتماد الشكلي فإنه
يكون قد قصر في أداء واجبات عمله بعدم مراعاة الدقة وعدم توخي الأمانة على نحو ما يتطلبه
القانون. ومن حيث إنه عما يأخذه الطاعن أيضاً على الحكم المطعون فيه من تجاهل دفاعه
المتمثل في أن رئيس جامعة المنيا قد قرر حفظ ما نسب لآخرين من العاملين بالجامعة ممن
شاركوا في إعداد المستخلص المنسوب اعتماده إلى الطاعن فإنه لما كانت المخالفة التي
جوزي عنها الطاعن وفقاً لما انتهى إليه الحكم المطعون فيه هي أنه اعتمد مستند صرف عن
أتعاب المكتب الاستشاري بنسبة 2% من قيمة التكاليف عن أعمال التعديلات بالمخالفة لشروط
العقد.
ولما كان يبين من الاطلاع على العقد المبرم بتاريخ 16/ 6/ 1980 بين جامعة المنيا والمكتب
الاستشاري الهندسي أنه ينص في البند الثامن على أنه "إذا رأى الطرف الأول إجراء أي
تعديلات جوهرية من شأنها إعادة تصميم كل أو جزء من التصميمات بعد اعتماد المشروع الابتدائي
فإن الطرف الثاني يستحق أتعاباً عن الأعمال التي أعيد تصميمها يتفق عليها بين الطرفين.."
ولما كان هذا النص صريحاً في أن الأتعاب التي يستحقها المكتب عن الأعمال المبنية على
أي تعديلات يتم الاتفاق عليها بين الطرفين لا تصرف قبل تمام هذا الاتفاق فقد كان يتعين
على الطاعن……… – وهو مدير حسابات الجامعة والمكلف من قبل وزارة المالية بمتابعة
الأداء المالي للجامعة أن يتحقق من سبب صرف كل مستخلص، وأن يطلب قبل اعتماد أي مستند
صرف تقديم مذكرة مصاحبة تتضمن العمل الذي تم إنجازه ونوعية هذا العمل وما إذا كان عن
تنفيذ التصميم الوارد بالمشروع الابتدائي المعتمد أو عن أعمال أعيد تصميمها، وعليه
أن يطلب استيفاء أي بيان غير دقيق قد تتضمنه المذكرة حتى يكون توقيعه مبنياً على استيثاق
يقيني من أن الصرف يتفق تماماً مع القواعد القانونية والعقدية، فإذا ما كان الطاعن
قد أخل بهذا الالتزام فإنه يكون قد ارتكب خطأ تأديبياً يستوجب المساءلة، دون أن تندفع
مسئوليته عن تلك المخالفة بأن قراراً إدارياً قد صدر بحفظ واقعة مشابهة أو مماثلة في
شأن غيره لأنه من غير الجائز ولا اللائق أن يطالب القضاء التأديبي بأن يساير جهات الإدارة
فيما تتخذه من إجراءات في مواجهة العاملين بها أخطأت فيما ذهبت إليه أو أصابت.
ومن حيث إن مقتضى ما تقدم أنه لا تثريب على الحكم المطعون فيه فيما قضى به بشأن الطاعن……،
الأمر الذي يقتضي القضاء برفض الطعن المقام منه في الحكم المشار إليه.
وقد أقامت السيدة/………. طعنها على أن الحكم المطعون فيه قد صدر معيباً استناداً
لما يأتي:
أولاً: أن الحكم لم يراع أن الطاعنة قد بدأت عملها بجامعة المنيا في 6/ 10/ 1982 بعد
أن تمت ترسية الأعمال على المكتب الاستشاري الهندسي في 9/ 6/ 1980 ومن ثم تنتفي شبهة
المجاملة من تصرفها.
ثانياً: أن الحكم قد ساير النيابة الإدارية فيما ذهبت إليه من أن الطاعنة اعتمدت –
وحدها – مستند الصرف رقم 1302 في 13/ 9/ 1984 بصرف أتعاب المكتب الاستشاري بنسبة 2%
من قيمة التكاليف عن أعمال التعديلات بالمخالفة لشروط التعاقد في حين أن الواقع أن
مستند الصرف الذي اعتمدته عن أعمال تعديلات قام بإجرائها مكتب استشاري آخر.
ومن حيث إنه لا صحة فيما تنعيه الطاعنة على الحكم المطعون فيه لأن تقرير الاتهام وكذلك
الحكم المطعون فيه لم ينسب أيهما إليها مجاملة المكتب الاستشاري الهندسي حتى تنفي عن
نفسها هذا الاتهام كذلك فإن ما أثارته الطاعنة في وجه نعيها الثاني على الحكم لا ينفي
عما بدر منها وصف المخالفة لأن العقد المبرم بين الجامعة وبين المكتب الاستشاري قد
أسند إلى هذا المكتب بموجب البند الثاني منه أعمال التصميمات والإشراف الدوري على التنفيذ
وقد ورد البند الثامن منه مقرراً استحقاق المكتب لأتعاب عن الأعمال التي يعاد تصميمها
سواء بواسطة ذات المكتب أو غيره طالما تولى هذا المكتب بشأنها جانباً من التزاماته
العقدية ولو في مجال الإشراف على التنفيذ. وطالما أن الطاعنة لم تتخذ الدقة فيما قامت
به من اعتماد مستند الصرف سالف الذكر بالمخالفة لشروط التعاقد فإنها تكون قد ارتكبت
المخالفة الواردة بتقرير الاتهام والتي أدانها عنها الحكم المطعون فيه، ومن ثم يضحى
الطعن المقام على غير أساس متعين الرفض.
وقد أقام السيد/……. طعنه على أن الحكم المطعون فيه قد صدر معيباً استناداً إلى
أن محكمة أول درجة قد عاقبت الطاعن تأسيساً على ثبوت ما ورد بشأنه في تقرير الاتهام
في حقه، ذلك أن النيابة الإدارية قد نسبت إلى الطاعن أنه أعد مع آخرين واعتمد المستند
رقم 13192 في 13/ 5/ 1982 بصرف أتعاب المكتب الاستشاري عن أعمال متكررة بنسبة 2% من
قيمة التكاليف بالمخالفة لأحكام العقد مما حمل موازنة الجامعة مبالغ مالية دون مسوغ
قانوني… والواقع أن هذه المخالفة قد أزيلت قبل إبلاغ النيابة الإدارية في 14/ 4/
1985 ذلك لأن الأعمال المتكررة التي صرف عنها المكتب مستحقاته على أساس نسبة 2% كانت
تخص مبنى الإسكان الطلابي المكون من خمس وحدات حررت الإدارة الهندسية المستندات الخاصة
بها على أنها وحدات ابتكارية يقتضي عنها 2% ويصرف له عنها كدفعة أولى 20% من هذه النسبة
(2%) وقد تم الصرف على هذا الأساس، وتم تصحيح الدفع عندما تبين أن مبنى واحداً من هذه
الوحدات ابتكاري والأربعة الآخرين (تكراري) وتم خصم مبلغ 15680 جنيهاً التي صرفت بالخطأ
عند عمل الحسابات الختامية لهذا الإسكان في المستند رقم 2254 في 22/ 10/ 1983 وقد ورد
بمذكرة الصرف أن المبلغ المقرب 15680 جنيه والوارد بالمستند رقم 3192 خصم بموجب المستند
رقم 2254.
ومن حيث إن الوقائع التي أشار إليها الطاعن تؤيدها الأوراق المودعة ملف الدعوى الصادر
فيها الحكم المطعون فيه، ذلك أن ملف الدعوى يحوي حافظة إيداع مستندات مقدمة من نيابة
الدعوى التأديبية بأسيوط مودع ضمن ما ورد بها من مستندات صورة معتمدة بخاتم الجامعة
من استمارة اعتماد الصرف رقم 2254 مرفق بها مذكرة للعرض على مدير الجامعة جاء بها ما
يؤيد ما أورده الطاعن فيما تقدم مع طلب خصم ما سبق صرفه للمكتب بالزيادة وقد تم اعتماد
المذكرة في 22/ 10/ 1983.
ومن حيث إن مقتضى ما تقدم أن ما ثبت في حق الطاعن على ما تقدم هو أنه ارتكب مخالفة
تأديبية تمثلت في الاشتراك في إعداد مستندات صرف، وإعداد هذه المستندات لصالح مكتب
(……. – …… – …..) بمبالغ تزيد على المستحق له ثم تدارك ما وقع فيه من خطأ
من خلال خصم قيمة ما صرف للمكتب بالزيادة من مستخلص لاحق مستحق له.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه قد بنى تقدير الجزاء الذي وقعه على الطاعن على ثبوت الشق
الأول من الواقعة المشار إليها المتمثل فيما ارتكبه الطاعن من مخالفة دون التعويل على
الشق الثاني من الواقعة المتمثل فيما قام به من تدارك لآثار المخالفة قبل كشفها والإبلاغ
عنها فإن الحكم يكون قد صدر في هذا الشق منه معيباً واجب الإلغاء حتى تعيد هذه المحكمة
تقدير الجزاء التأديبي المناسب مع ما وقع من الطاعن في ضوء التكييف الصحيح لما وقع
منه في إطار من حقائق الأمور.
ذلك أنه إذا كان مما يخرج بالحكم التأديبي عن إطار المشروعية أن ينطوي الجزاء التأديبي
الموقع على المحال إلى المحاكمة على غلو في تقدير الجزاء عندما ينطوي التقدير على شطط
يعتبر معه الجزاء الموقع عن المخالفة غير متناسب البتة مع مرتبتها في سلم الجسامة.
فإنه مما يخرج بالحكم التأديبي كذلك عن إطار المشروعية أن يثبت من الاطلاع على أسباب
الحكم وحيثياته أنه أغفل عنصراً جوهرياً من عناصر الوقائع المحيطة بالمخالفة التأديبية
والمؤثرة على مدى جسامتها، سواء كانت هذه الوقائع سابقة أو معاصرة أو لاحقة على ارتكاب
المخالفة. ذلك أن المساءلة التأديبية إنما تحاسب العامل عن سلوك خرج به عن إطار الانضباط
المتطلب فاستحق به المؤاخذة العادلة التي تكفل تقويم السلوك المعيب الذي وقع منه.
ولا تكون المؤاخذة عادلة إلا إذا ما أدخلت سلطة توقيع الجزاء التأديبي – سواء كانت
جهة رئاسية أو محكمة تأديبية – في اعتبارها كل ما تفصح عنه عيون الأوراق من اعتبارات
من شأنها أن تنقص أو تزيد من مدى جسامة المخالفة المنسوب إلى الموظف ارتكابها، تلك
الاعتبارات التي لابد وأن تكون تحت نظر جهة إصدار القرار التأديبي حتى يتمتع القرار
الصادر عنها بالمشروعية ذلك أنه إذا ثبت أن الأوراق التي كانت تحت نظر جهة إصدار القرار
التأديبي كانت تحوي من الوقائع الجوهرية ما كان من شأنه أن يغير الوصف الحقيقي الكامل
للاتهام المنسوب للموظف، وقد أصدرت هذه الجهة قرارها استناداً إلى مجرد وقوع المخالفة
مغفلة تماماً ما يستكمل به وصف المخالفة حقيقته من خلال تجريدها مما أحاط بها من ملابسات
وظروف واعتبارات فإن هذا القرار يكون غير مشروع لأنه يكون قد بني على وصف مبتسر لمخالفة
منتزعة من إطارها المحيط بوقائعها، انتزاعاً من شأنه أن يضفي على صورتها جسامة تنقص
أو تزيد عما ينبغي أن يكون لها وهي متدثرة بما يحيطها حقيقة من وقائع تسفر عنها الأوراق.
ومن حيث إنه في ضوء وقائع الطعن الماثل، فإنه لما كان الثابت أن الطاعن قد أخطأ ثم
بادر إلى علاج نتائج خطئه قبل تكشف الخطأ والإبلاغ عنه فقد كان على الحكم المطعون فيه
أن يشير إلى هذا الوصف الكامل الصحيح لما ثبت في حق الطاعن وينتهي إلى توقيع الجزاء
الذي يتفق مع ذلك، فإذا كان الحكم المطعون فيه قد خالف هذا النظر، فإنه يكون قد صدر
معيباً في شأن مجازاة الطاعن بخصم عشرة أيام من راتبه لأن هذا الجزاء قد انبنى على
ما قرره الحكم من ثبوت الاتهام مجرداً مما كان لصيقاً به من واقعة التصحيح التالية،
الأمر الذي يستوجب القضاء بإلغاء الحكم المطعون فيه في هذا الشطر مما قضى به وإعادة
توقيع العقاب على الطاعن بما يتفق وما ثبت في حقه بصورة متكاملة شاملة غير مبتسرة.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعون الثلاثة شكلاً، وفي الموضوع برفض الطعنين المقامين من/……. و/…… وبإلغاء الحكم المطعون فيه فيما قضى به من مجازاة/……. وبمجازاته بالإنذار.
