الطعن رقم 283 سنة 21 ق – جلسة 07 /01 /1954
أحكام النقض – المكتب الفني – مدني
العدد الثاني – السنة 5 – صـ 414
جلسة 7 من يناير سنة 1954
القضية رقم 283 سنة 21 القضائية
برياسة السيد الأستاذ أحمد حلمي وكيل المحكمة، وبحضور السادة الأساتذة:
سليمان ثابت، ومحمد نجيب أحمد، وعبد العزيز سليمان، وأحمد العروسي المستشارين.
حجز. حجز ما للمدين لدى الغير. رفض المحكمة طلب الحجز التحفظي استناداً إلى أن الدين
المطلوب الحجز من أجله متنازع على ترتبه في الذمة. لا خطأ.
متى كانت المحكمة إذ قضت بإلغاء الحكم الابتدائي وتأييد الأمر الصادر من قاضي الأمور
الوقتية برفض الحجز قد قررت أنها لا تتعمق في تفسير نصوص عقد البيع المبرم بين الطرفين
وباقي المستندات لتخلص منها بتحديد مسئولية كل طرف، لأن التعرض للموضوع غير جائز، وقد
يؤثر على حكم محكمة أول درجة إذ هو محل دعوى منظورة أمامها، ثم تحدثت عن طبيعة النزاع
ملتزمة الحدود التي أوردتها وانتهت في حدود سلطتها الموضوعية إلى أنه نزاع جدي، وبالتالي
يعتبر الدين المطلوب توقيع الحجز من أجله من الديون المتنازع على ترتيبها في الذمة
فلا يصح أن يكون سبباً للحجز، فإنه ليس في هذا الذي قررته المحكمة ما يخالف القانون
أو ما يعيبه بالقصور.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع تقرير السيد المستشار المقرر، ومرافعة
المحامين عن الطرفين والنيابة العامة وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن الوقائع تتحصل في أن السيدة أليس كحيل المطعون عليها الأولى باعت بضمان
زوجها المطعون عليه الثاني قطعة أرض بما عليها من مبان بموجب عقد بيع رسمي صادر في
4/ 2/ 1941 ومسجل في 5/ 2/ 1941 إلى الطاعنين نظير ثمن إجمالي مقداره 12800 جنيه، ولما
كان على الأرض حكر لوقف زليخا خاتون المشمول بنظر وزارة الأوقاف، اتفق الطرفان على
أن يستبقى المشتريان مبلغ 3000 جنيه من الثمن تحت أيديهما على أن تأخذه البائعة عند
فك الحكر وأن مبلغ 9800 جنيه باقي الثمن دفع للبائعة عند التوقيع على العقد، ونص في
البند الرابع على أن تتعهد البائعة بضمان زوجها المطعون عليه الثاني باستبدال الحكر
في مدى سنة ونصف، وإن لم تتم إجراءات هذا الاستبدال في مدة أقصاها سنتان ونصف سنة من
تاريخ العقد، فللمشتريين القيام باستبدال الحكر لحساب وتحت مسئولية البائعة وذلك بالتعاون
معاً، ويحتفظ المشتريان بمبلغ 3000 جنيه لغاية استبدال الحكر على سبيل الضمان وبدون
فائدة، وعند استبدال الحكر يتعهد المشتريان بأن يدفعا إلى البائعة فوراً عند أول طلب
مبلغ الـ 3000 جنيه، ويحق للبائعة أن تتنازل عن هذا المبلغ أو عن جزء منه للوقف نظير
التوقيع على عقد الاستبدال وما يتبقى يدفع إليها شخصياً في نفس الوقت مقابل شطب حق
الامتياز، وقد أخذت البائعة وزوجها في إجراءات الاستبدال مع وزارة الأوقاف، وحررت مذكرة
قدمها وزير الأوقاف إلى مجلس الأوقاف الأعلى بإبدال هذا الحكر لقاء مبلغ 2205 جنيهات
وطالبتهما بدفع هذا المبلغ فدفعاه إلى وزارة الأوقاف في 7/ 1/ 1942، ولما كان يشترط
لتمام الاستبدال صدور الإذن به والموافقة عليه من المحكمة الشرعية، فقد أحيل الموضوع
على هيئة التصرفات بمحكمة مصر الشرعية وأصدرت الهيئة قرارها في 27/ 10/ 1943 بندب خبير
لمعاينة الأرض وتقدير بدل الحكر فقدره بمبلغ 16247 جنيهاً و27 مليماً، وهو تقدير يزيد
على ثمن العين ولذلك اعترضت البائعة على هذا التقدير وقررت أنها تشتري في حدود ما وافقت
عليه وزارة الأوقاف ومجلسها الأعلى وما زاد على ذلك يتحمله المشتريان، ولكنهما اعترضا
على هذا القول من البائعة وطلبا الموافقة على الاستبدال باعتبارهما مالكين لحق المنفعة،
ولم تر هيئة التصرفات أن تجيبهما إلى ذلك وحفظت المادة ثم عجلها المشتريان أخيراً في
سنة 1949 أمام هيئة التصرفات في غياب البائعة وأبديا رغبتهما في استبدال الحكر بالثمن
الذي قدره الخبير. وفي 8/ 10/ 1949 وافقت المحكمة الشرعية على رغبتهما وتم لهما الشراء
بمبلغ 15876 جنيهاً وقد جاء في الإشهاد الشرعي باستبدال الحكر أن المشتريين قبلا شراء
هذا الحكر لنفسيهما بمالهما، وفي أثناء إجراءات الاستبدال أنذر المشتريان البائعة بما
كان من بعثهما لطلب الاستبدال أمام المحكمة الشرعية بعد سبق حفظه وما يعتزمانه من شراء
حق الحكر بأي ثمن على حساب البائعة، وعقب شرائهما له رفعا الدعوى رقم 2279 سنة 1949
كلي مصر طلبا فيها الحكم بإلزام البائعة وزوجها بمبلغ 13575 جنيهاً و470 مليماً على
أساس أيهما دفعاه زيادة على ما احتجزاه مع طلبهما من قاضي الأمور الوقتية الحجز تحفظياً
تحت يد مديني المطعون عليهما وفاء لهذا المبلغ، ولكن رئيس المحكمة رفض إصدار هذا الأمر
فتظلم الطاعنان أمام محكمة القاهرة الابتدائية، وقد قضت في 12/ 7/ 1950 بإلغاء الأمر
المتظلم منه وتوقيع الحجز بما يقابل مبلغ 5000 جنيه، وذلك على أساس أن المتظلمين دفعا
قيمة الحكر التي التزمت البائعة بدفعها في البند الرابع وحملاها نتيجة مسئولية التأخر
في الاستبدال، وهو ما رأت المحكمة المذكورة أن قيمة الحكر قد تصل إليه على أسوأ الفروض،
فضلاً عن أنه قد يكون قيمة التعويض الذي قد تحكم به المحكمة للمشترين في حالة الحكم
بفسخ التعاقد الذي طلبته البائعة أمام محكمة الموضوع. فاستأنف المطعون عليهما، وكذلك
استأنف الطاعنان طالبين الحكم بتوقيع الحجز وفاء لمبلغ 13575 جنيهاً و470 مليماً، وقيد
الاستئنافان برقمي 471 و568 سنة 67 ق أمام محكمة استئناف القاهرة التي حكمت في 5/ 12/
1950 بإلغاء الحكم المستأنف وتأييد الأمر الصادر برفض الحجز وبرفض الاستئناف المقابل.
فقرر الطاعنان بالطعن في هذا الحكم بطريق النقض.
ومن حيث إن الطعن بني على أربعة أسباب: ينعى الطاعنان بالأول منها على الحكم المطعون
فيه مخالفته الثابت بالأوراق، إذ أسست المحكمة حكمها على "أن الطرفين عند تعاقدهما
قررا – كما يدل على ذلك ظاهر النص في عقد البيع – أن قيمة الاستبدال هي مبلغ الثلاثة
آلاف من الجنيهات التي احتجزها المشتريان لحين تمام الاستبدال، وأن تطور المنازعة بعد
ذلك في مدى مسئولية كل من الطرفين وهل نيتهما كانت منصرفة إلى أن هذا المبلغ الذي قدّر
في العقد ثمناً للحكر هو الحد الأقصى الذي لا يمكن أن يزيد عنه الثمن، وأن مسئولية
البائعة المنصوص عنها في البند الرابع من العقد هي مسئولية مضبوطة محددة بحق المشتريين
في مواصلة إجراءات الاستبدال إنما في حدود المبلغ المذكور، أو أن هذه المسئولية هي
مسئولية مطلقة وغير محددة بحدّ ما مما ينبني عليها إلزام البائعة وضامنها بثمن الحكر
الذي قدّرته المحكمة الشرعية مهما علا علواً فاحشاً حتى إذا زاد زيادة كبيرة على ثمن
البيع جميعه، فيؤخذ من طبيعة هذا النزاع أن هذا الدين يعتبر من الديون المتنازع في
حقيقتها، فلا يصح أن يكون سبباً للحجز، لأن النزاع يقوم على وجود الدين وترتبه في الذمة"،
وهذا الذي أقيم عليه الحكم يخالف ما ثبت بالبند الرابع من العقد إذ جاء فيه "والبائعة
بضمان زوجها تتعهد باستبدال هذا الحكر في ظرف سنة ونصف من اليوم، وإن لم تتم إجراءات
هذا الاستبدال الجاري السير فيها في المدة المذكورة فإن للبائعة أن تتمتع بأجل إضافي
لمدة سنة، وإذا لم تتمكن البائعة من إتمام هذا الاستبدال في خلال مدة أقصاها سنتان
ونصف من تاريخ العقد فللمشتريين القيام بنفسيهما باستبدال الحكر لحساب وتحت مسئولية
البائعة بتعاونهما تعاوناً تاماً بمبلغ الـ 3000 جنيه المذكورة في البند الثاني يحتفظ
به المشتريان لغاية استبدال الحكر على سبيل الضمان وبدون فائدة". فالعقد يتضمن التزام
البائعة بضمان زوجها باستبدال الحكر، وليس في ظاهر هذا النص أو باطنه ما يفيد أن المتعاقدين
قرروا أن قيمة الاستبدال هي 3000 جنيه، وليس أدل على ذلك من احتفاظ البائعة لنفسها
بالامتياز على العين المبيعة نظير ما بقي من ثمنها مما يستفاد منه عدم وجود ارتباط
بين هذا المبلغ وبين الاستبدال، ومن أن البائعة عارضت في تقدير المحكمة الشرعية متمسكة
بتقدير وزارة الأوقاف لبدل الحكر، ولذلك تكون المحكمة قد خلقت نصاً لا وجود له في العقد.
وينعى الطاعنون بالسبب الثاني على الحكم مخالفته القانون، إذ خرجت فيه المحكمة عن نصوص
العقد وهو شريعة المتعاقدين. ونصه صريح في أن على البائعة أن تتم عملية الاستبدال في
ظرف سنتين ونصف سنة على الأكثر إلا قام بها المشتريان لحسابها وتحت مسئوليتها، فثمن
الحكر بهذا الوصف تتوافر فيه كافة خصائص الديون التي تسوّغ إيقاع الحجز التحفظي. وينعيان
بالسبب الثالث على الحكم القصور في التسبيب إذ لم يرد على دفاعهما أمام محكمة ثاني
درجة بأن الوصف القانوني لالتزام المطعون عليهما بشراء حق الحكر هو من نوع الالتزام
بعمل يقوم به غير الملتزم، ذلك لأن البائعة في تعهدها بأن تطهر العين من حق الحكر الذي
يثقلها لمصلحة وزارة الأوقاف تعهدت في الحقيقة بأن تجعل وزارة الأوقاف تتنازل عن حق
الحكر المنوه عنه، سواءً أكان هذا التنازل بالثمن أو بغيره، وهذا النوع من الالتزامات
صحيح قانوناً وواجب النفاذ على من تعهد القيام به، ورغم أن الطاعنين قد بسطا دفاعهما
هذا في مذكرتهما فإن الحكم لم يرد عليه. وينعى الطاعنان بالسبب الرابع على الحكم مخالفته
القانون، إذ فات المحكمة وهي تقرر أن الدين متنازع في وجوده أن المقصود بالمنازعة التي
لا تجعل الدين محقق الوجود هي المنازعة الجدية، أما ما عدا ذلك فلا يصح الالتفات إليه
ولو أمعنت المحكمة فيما طرحه المطعون عليهما من الاعتراضات لبان لها أن أقوال المطعون
عليهما قد تضاربت أكثر من مرة، فقد قالا أولاً إنه من غير المعقول أن يبيعا عقاراً
بثمن يقل عن الثمن الذي دفع مقابلاً لتطهيره، ثم قالا إن التزامهما كان مقصوراً على
مجرد اتخاذ إجراءات الاستبدال لا القيام به، ثم قالا إن مبلغ 3000 جنيه كان مقابل الاستبدال
المتفق عليه، وهذا التضارب بين أوجه دفاعهم من شأنه أن يجعل النزاع من جانبهما غير
جدي وقد أدى خطأ المحكمة في فهم حقيقة النزاع إلى خطأ في القانون لرفضها إيقاع الحجز
لمجرد قيام منازعة غير جدية.
ومن حيث إنه جاء بأسباب الحكم "… إن هذه المحكمة بادئ ذي بدء لا تبيح لنفسها التعمق
في تفسير نصوص عقد البيع وباقي المستندات المقدمة في الدعوى لتستخلص منها مدى مسئولية
كل طرف وطبيعة التزاماته، ما دام النزاع الموضوعي غير مطروح أمامها، بل هو محل دعوى
أخرى منظورة أمام محكمة أول درجة ولم يفصل فيه بعد، والتعرض للموضوع في هذه الدعوى
غير جائز وقد يؤثر على محكمة أول درجة في قضائها…" ثم تحدث الحكم بعد ذلك في النزاع
في مدى ما يتحمله كل من الطرفين من ثمن الحكر، وهل نيتهما كانت منصرفة إلى "أن مبلغ
الثلاثة الآلاف من الجنيهات الذي قدر في العقد ثمناً للحكر هو الحد الأقصى الذي لا
يمكن أن يزيد عنه الثمن وأن مسئولية البائعة المنصوص عنها في البند الرابع من العقد
هي مسئولية مضبوطة ومحدّدة بحق المشتريين في مواصلة إجراءات الاستبدال إنما في حدود
المبلغ المذكور أو أن هذه المسئولية مطلقة وغير محدّدة بحدّ ما فيؤخذ من طبيعة هذا
النزاع أن هذا الدين يعتبر من الديون المتنازع في حقيقتها فلا يصح أن يكون سبباً للحجز
لأن النزاع ينصب على حقيقة وجود الدين وترتبه في الذمة". ويبين من هذا الذي جاء بالحكم
أن المحكمة بدأت بتحديد ما رسمه لها القانون للفصل في هذا النزاع فقررت أنها لا تتعمق
في تفسير نصوص عقد البيع وباقي المستندات لتخلص منها بتحديد مسئولية كل طرف، لأن التعرض
للموضوع غير جائز وقد يؤثر على حكم محكمة أول درجة إذ هو محل دعوى منظورة أمامها ثم
تحدثت عن طبيعة النزاع ملتزمة الحدود التي أوردتها وانتهت في حدود سلطتها الموضوعية
إلى أنه نزاع جدي ومن ثم يعتبر الدين المطلوب توقيع الحجز من أجله وهو ما زاد على مبلغ
3000 جنيه الذي حبسه الطاعنان من الثمن هو من الديون المتنازع في ترتبها في الذمة فلا
يصح أن يكون سبباً للحجز، وليس في هذا الذي أقام عليه الحكم قضاءه ما يخالف القانون
أو الثابت بالأوراق أو يعيبه بالقصور ومن ثم يتعين رفض الطعن.
