الطعن رقم 125 سنة 21 ق – جلسة 07 /01 /1954
أحكام النقض – المكتب الفني – مدني
العدد الثاني – السنة 5 – صـ 402
جلسة 7 من يناير سنة 1954
القضية رقم 125 سنة 21 القضائية
برياسة السيد الأستاذ أحمد حلمي وكيل المحكمة، وحضور السادة الأساتذة:
عبد العزيز محمد وكيل المحكمة، ومصطفى فاضل، وأحمد العروسي، ومحمود عياد المستشارين.
( أ ) تقادم. مسئولية. بدء ميعاد تقادم مسئولية أمين النقل. هو من اليوم الذي كان يجب
أن يتم فيه النقل. المادة 104 من قانون التجارة.
(ب) تقادم. مسئولية. تحديد الوقت الذي يجب أن يتم فيه النقل. يرجع في ذلك إلى عقد النقل.
عدم نص العقد على هذا التحديد. لا يتم النقل إلا بتسليم البضاعة للمرسل إليه. عدم تسليم
البضاعة على الوجه المتفق عليه. قاضي الموضوع هو الذي يحدد الوقت الذي كان يجب أن يتم
فيه النقل.
(ج) مسئولية. إثبات. مسئولية أمين النقل. ترتبها في ذمته بمجرد إخلاله بتنفيذ التزامه.
ليس على المرسل أن يثبت خطأ أو تقصيراً في جانب أمين النقل ويكفي إثبات أنه أخل بالتزامه.
لا يبرأ أمين النقل إلا بإثبات أحد أسباب الإعفاء من المسئولية المنصوص عليها قانوناً.
عجزه عن الإثبات كاف لاعتباره مسئولاً. المادة 92 من قانون التجارة.
1 – يبدأ ميعاد تقادم دعوى مسئولية أمين النقل وفقاً لنص المادة 104 من قانون التجارة
من اليوم الذي كان يجب أن يتم فيه النقل.
2 – تحديد الوقت الذي يتم فيه النقل أمر متوقف على شروط العقد فإذا لم ينص في مشارطة
النقل على تحديد هذا الوقت فإن النقل لا يعتبر تاماً إلا بتسليم البضاعة إلى المرسل
إليه، فإن لم يتم التسليم على الوجه المتفق عليه فللمحكمة أن تقدر الوقت الذي كان يجب
أن يتم فيه، وهي إذ تفعل إنما تباشر سلطة موضوعية.
3 – مسئولية أمين النقل هي مسئولية تعاقدية ناتجة عن إخلاله بواجبه في تنفيذ عقد النقل
ويكفي لإثبات إخلاله بتعهده ثبوت عدم تسليم البضاعة للمرسل إليه، وليس على المرسل إثبات
إهمال أو خطأ من جانب الأمين وإنما يكون على الأمين إذا أراد دفع المسئولية عن نفسه
أن يثبت أحد الأسباب التي تعفيه من المسئولية والمنصوص عليها قانوناً، فإن عجز عن هذا
الإثبات وجب اعتباره مسئولاً.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع تقرير السيد المستشار المقرر ومرافعة
المحامين عن الطرفين والنيابة العامة وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن الوقائع – كما يبين من الحكم المطعون فيه وباقي أوراق الطعن – تتحصل في
أن جاك كوهين المطعون عليه باع خمس سيارات نقل من مخلفات الجيش البريطاني إلى شخص اسمه
جانيزى بفلسطين، وكلف مكتب فرج الله للسياحة وشركاه "الطاعن" بنقلها إلى فلسطين. ووفقاً
لتعليمات البائع أعد مكتب فرج الله خمسة سندات شحن مؤرخة في 7 من أكتوبر سنة 1946 ذكر
بالثلاثة الأولى منها أن المرسل إليه هو بنك فلسطين البريطاني وبالاثنين الآخرين أن
المرسل إليه هو بنك زلخا، وكان ثمن السيارات الثلاث الأولى قد دفع مقدماً أما ثمن الاثنتين
الباقيتين فكان يجب دفعه مقابل تقديم سندي الشحن. وظهر هذان السندان لإذن بنك فلسطين،
فلما أراد هذا البنك تحصيل ثمنهما أجيب بأن السيارتين سلمتا إلى المرسل إليه بجمرك
بير سبع بمعرفة نائب متعهد النقل. واختلف الطرفان في أيهما المسئول عن هذا الخطأ فبينما
كان يدعي المطعون عليه أن الطاعن بوصفه أميناً للنقل مسئول عن هذا الخطأ الذي ارتكبه
تابعه بتسليم السيارتين بدون سندات وبدون تحصيل ثمنهما إلى شخص لم يرد اسمه في بوليستي
الشحن إذ بالطاعن يدفع هذا الادعاء بأنه غير مسئول، وإنه تصرف وفق تعليمات الآمر بالنقل
وينكر أن تابعه كانت له أية صفة في إصدار تعليمات مخالفة لسندات الشحن بجمرك بير سبع،
أو أنه أصدر هذه التعليمات فعلاً، فأقام المطعون عليه الدعوى رقم 69/ 73 ق مصر المختلطة
على الطاعن بصحيفة أعلنها إليه في 29 من أكتوبر سنة 1947 وطلب إلزامه بأن يدفع إليه
مبلغ 985 جنيهاً والفوائد القانونية من تاريخ الطلب الرسمي حتى الوفاء وفي 4 من ديسمبر
سنة 1948 حكمت محكمة مصر المختلطة برفض الدعوى تأسيساً على عدم قيام الدليل على أن
تابع مكتب فرج الله أصدر تعليمات مخالفة لسندي الشحن إلى جمرك بير سبع أو تل أبيب وعلى
أن كتاب جمرك فلسطين غير كاف لإثبات وقوع خطأ من جانب أمين النقل، وأن سلطات الجمارك
بفلسطين لو أنها عنيت بالمطالبة بقيمة سندي الشحن لتبينت المرسل إليه الحقيقي ولما
سلمت السيارتين دون تحصيل ثمنهما ودون إذن من أمين النقل. فاستأنف المطعون عليه هذا
الحكم وقيد استئنافه برقم 314/ 66 ق استئناف القاهرة، فدفع الطاعن بسقوط الدعوى استناداً
إلى المادة 109 من قانون التجارة المختلط لمضي أكثر من سنة بين تاريخ تسليم البضاعة
في 7 من أكتوبر سنة 1946 وبين رفع الدعوى في 29 من أكتوبر سنة 1947، ودفع الدعوى موضوعاً
بأن مسئوليته تنتهي بتسليم السيارتين إلى السلطات الجمركية. وفي 11 من يناير سنة 1951
حكمت محكمة استئناف القاهرة بإلغاء الحكم المستأنف وإلزام الطاعن بأن يدفع إلى المطعون
عليه مبلغ 935 جنيهاً والفوائد القانونية من 29 أكتوبر سنة 1947 حتى الوفاء، فقرر الطاعن
بالطعن في هذا الحكم بطريق النقض.
ومن حيث إن الطعن بني على أربعة أسباب يتحصل أولها في أن الحكم أخطأ في تأويل القانون
إذ أول العبارة الواردة في المادة 104 من قانون التجارة الأهلي وهي "يبتدئ الميعاد
المذكور في حالة التأخير أو الضياع من اليوم الذي وجب فيه نقل البضائع" – أولها بأن
الميعاد يبدأ من اليوم الذي وجب فيه إتمام نقل البضاعة مع ما في هذا التأويل من المخالفة
لصريح النص.
ومن حيث إن هذا السبب مردود بما جاء بالحكم المطعون فيه من أن "المستأنف ضده (الطاعن)
يزعم أنه (ميعاد التقادم) يبدأ من تاريخ تسليم البضاعة للنقل، وقد سلمت إليه في 7 من
أكتوبر سنة 1946 والدعوى لم ترفع إلا في 29 من أكتوبر سنة 1947، وهذا مخالف لنص المادة
109 التي حددت بدء الميعاد من التاريخ الذي وجب فيه إتمام نقل البضائع" "وإذا كان القانون
الأهلي قد ترجم تلك العبارة في المادة 104 من اليوم الذي وجب فيه نقل البضائع فإن هذه
الترجمة غير دقيقة ويجب حملها على المعنى الذي تقول به المحكمة إذ أن هذه المادة مقابلة
للمادة 108 فرنسي قديم ولا خلاف على هذا المعنى هناك والقول بخلاف ذلك ترفضه البداهة،
لأن تاريخ بدء النقل فعلاً لا أهمية له وإنما المهم هو التاريخ الذي كان من المفروض
أن يتم النقل فيه"، وهذا الذي جاء بالحكم هو تطبيق سليم للمادة 104 من قانون التجارة،
ذلك بأن نص هذه المادة يجب تفسيره في ضوء المادة 109 من قانون التجارة المختلط المقابلة
للمادة 108 فرنسي قديم، وعبارة المادة المذكورة لا تدع مجالاً للشك في أن ميعاد التقادم
يبدأ من اليوم الذي كان يجب أن يتم فيه النقل، على أن المادة 109 من قانون التجارة
المختلط هي التي تحكم النزاع وليس في نصها غموض.
ومن حيث إن السبب الثاني يتحصل في أن الحكم أخطأ في تطبيق القانون إذ قضى برفض الدفع
بالسقوط تأسيساً على أن مدة السنة لم تنقض بين اليوم الذي كان يجب أن يتم فيه النقل
وهو يوم 8 من نوفمبر سنة 1946 وبين رفع الدعوى في 29 من أكتوبر سنة 1947، مع أن ميعاد
السنة لو احتسب من اليوم الذي وجب فيه النقل في 7 من أكتوبر سنة 1946 فإنه كان ينتهي
في 7 من أكتوبر سنة 1947 ولو احتسب من اليوم الذي تم فيه النقل فعلاً فإنه كان ينتهي
في 16 من أكتوبر سنة 1947 أي بعد مضي سنة من تاريخ وصول السيارتين إلى جمرك تل أبيب.
وإذ خولت المحكمة لنفسها سلطة تقديرية في تحديد التاريخ الذي كان من المفروض أن يتم
فيه النقل مع أن النقل كان قد تم فعلاً في تاريخ معين فلم يعد الأمر يسمح بالتقدير.
ومن حيث إن هذا السبب مردود بما جاء بالحكم المطعون فيه من أن "تاريخ بدء النقل فعلاً
لا أهمية له وإنما المهم هو التاريخ الذي كان من المفروض أن يتم النقل فيه، ولذلك فإذا
لم تكن مدة النقل قد حددت عن طريق التعاقد أو العرف فإن القاضي هو الذي يحدد ذلك التاريخ،
وتطبيقاً لذلك المبدأ، ولما كان النقل خارج الأراضي المصرية وقد حدث في أعقاب الحرب
العالمية الأخيرة قبل أن تعود طرق المواصلات إلى سيرتها الأولى فإن المحكمة تحدد التاريخ
الذي كان يجب أن يتم النقل فيه بشهر. ولما كانت البضاعة قد سلمت في 7 من أكتوبر سنة
1946 فإن التاريخ الذي وجب أن يكون النقل قد تم فيه 8 من نوفمبر سنة 1946. وبما أن
الدعوى رفعت في 29 من أكتوبر سنة 1947 فيكون الدفع بمضي مدة عام طبقاً للمادة 109 مختلط
على غير أساس، وذلك بقطع النظر عما يزعمه المستأنف من أن البضاعة قد سلمت إلى المشتري
حريزي من غير طريق بنك زلخا، لأن العقدين المقدمين ذكر فيهما اسم المرسل إليه "بنك
زلخا أو لأمره". ولا نزاع في أن البضاعة لم تسلم إلى المرسل إليه كما يبين من خطابه
المؤرخ في 21 من أكتوبر سنة 1946 إلى المستأنف (المطعون عليه) إذ ورد به أن المستندات
الخاصة بها لا زالت بمكتب عملائه لم تسحب ويطالب المستأنف بأن يبدي له تعليماته في
هذا الشأن. وكما يبين من خطاب جمرك فلسطين بحيفا إلى الأستاذ حانون حيث ورد به أن السيارتين
محل النزاع قد وصلتا إلى بير سبع بمعرفة كامل محمد العقيلي في 11 من أكتوبر سنة 1946
والشخص المذكور كما يقول عنه مدير الجمرك هو موظف لدى المستأنف ضده (الطاعن) ويقوم
عادة بعملية التخليص على البضائع نيابة عن المستأنف ضده. وقد طلب العقيلي من جمرك بير
سبع نقل السيارتين إلى تل أبيب وذكر اسم المرسل إليه "إبراهيم حريزى وشركاه" وهو المشتري
للسيارتين المذكورتين وثلاث آخر دفع ثمنها مقدماً، أما السيارتان المذكورتان فلم يدفع
ثمنهما واتفق على أن يكون الدفع عند تسليم مستندات الشحن والمرسل إليه بنك زلخا" وهذا
الذي جاء بالحكم لا خطأ فيه، ذلك بأن تحديد الوقت الذي يتم فيه النقل أمر متوقف على
شروط العقد. وما دام أن الطاعن لا يزعم أنه اتفق بمشارطة النقل على أن النقل يتم بوصول
السيارتين إلى جمرك تل أبيب فإنه لا يعتبر تاماً إلا بتسليمهما إلى المرسل إليه وهو
بنك زلخا. وما دام أن التسليم لم يتم على الوجه المتفق عليه فإن للمحكمة أن تقدر الوقت
الذي كان يجب أن يتم فيه، وهي إذ تفعل إنما تباشر سلطة موضوعية. هذا إلى أن الحكم المطعون
فيه بين أن السيارتين عندما وصلتا إلى جمرك تل أبيب لم تكونا مرسلتين لحساب بنك زلخا
وإنما شحنتا من بير سبع إلى تل أبيب لحساب إبراهيم حريزى مما لا يصح معه القول بأن
النقل قد تم فعلاً بوصولهما إلى جمرك تل أبيب.
ومن حيث إن السبب الثالث يتحصل في أن الحكم خالف قواعد الإثبات إذ قضى على الطاعن بمقولة
إنه بوصفه أميناً للنقل مسئول عن تسليم البضاعة إلى المرسل إليه، مع أن التزام الطاعن
مقصور على نقل السيارتين إلى جمرك تل أبيب وإيداعهما به وتحرير بوالس الشحن باسم المرسل
إليه الذي عينه المرسل. وقد قام الطاعن بما التزم به، أما التسليم الفعلي فتقوم به
السلطات الجمركية لصاحب الشأن مقابل تقديمه صورة البوليصة التي تحت يده. وقد بنى المطعون
عليه دعواه على أساس أن من يدعى كامل العقيلي هو موظف لدى الطاعن وأنه أصدر أمراً كتابياً
إلى الجمرك مخالفاً لبوليصة الشحن وأن الجمرك استند إلى هذا الأمر في تسليم السيارتين
إلى شخص آخر اسمه حريزى وهو خلاف المرسل إليه المعين في بوليصة الشحن، فكان واجباً
أن يقيم هو الدليل على ذلك.
ومن حيث إن هذا السبب مردود بما جاء بالحكم المطعون فيه من أن "الحكم الابتدائي نفى
عن المستأنف ضده (الطاعن) المسئولية بحجة أنه لم يقم الدليل على أن هناك خطأ من جانب
أمين النقل أو أحد موظفيه، واعتبر خطاب السلطات الجمركية غير كاف للتدليل، وهذا الذي
تذهب إليه المحكمة غير سديد فليس مرسل البضاعة بمكلف بإثبات تقصير أمين النقل بل إن
مسئولية الأخير وهي تعاقدية أساسها عقد النقل وهي ملازمة له ولا تبرأ ذمته في حالة
عدم تسليم البضاعة إلى المرسل إليه إلا إذا دفع المسئولية بسبب طارئ أو قوة قاهرة وهو
ما لا يزعمه المستأنف ضده" وهذا الذي أورده الحكم صحيح في القانون، ذلك بأن مسئولية
أمين النقل هي مسئولية تعاقدية ناتجة عن إخلاله بواجبه في تنفيذ عقد النقل ويكفي لإثبات
إخلاله بتعهده إثبات عدم تسليم البضاعة للمرسل إليه وليس على المرسل إثبات إهمال أو
خطأ من جانب الأمين وإنما يكون على الأمين إذا أراد دفع المسئولية عن نفسه أن يثبت
أحد الأسباب التي تعفيه من المسئولية والمنصوص عليها قانوناً. ولما كان الحكم قد سجل
على الطاعن أنه عجز عن هذا الإثبات فإنه لا يكون بذلك قد خالف قواعد الإثبات.
ومن حيث إن السبب الرابع يتحصل في أن الحكم أخطأ في تطبيق القانون إذ لم يعمل شرط الإعفاء
من المسئولية الذي تضمنته مشارطة النقل مع أنه شرط صحيح وجائز قانوناً ومن شأنه إعفاء
الطاعن من المسئولية عن ضياع البضاعة حتى مع التسليم بصحة ما ذهب إليه الحكم من قيام
هذه المسئولية.
ومن حيث إن هذا السبب غير مقبول إذ لم يتمسك به الطاعن أمام محكمة الموضوع وهو بعد
لا يندرج ضمن ما تمسك به من انعدام مسئوليته لعدم إخلاله بالتزاماته بمقتضى العقد لاختلاف
السببين.
ومن حيث إنه يبين مما سبق أن الطعن على غير أساس ومن ثم يتعين رفضه.
