الطعن رقم 3 سنة 23 ق “أحوال شخصية” – جلسة 24 /12 /1953
أحكام النقض – المكتب الفني – مدني
العدد الأول – السنة 5 – صـ 332
جلسة 24 من ديسمبر سنة 1953
القضية رقم 3 سنة 23 القضائية "أحوال شخصية"
برياسة السيد الأستاذ أحمد حلمي وكيل المحكمة، وبحضور السادة الأساتذة:
عبد العزيز محمد وكيل المحكمة، ومصطفى فاضل وأحمد العروسي ومحمود عياد المستشارين.
( أ ) وصية. اختصاص. وصية صادرة من أحد رعايا دولة اليونان الموقعة على اتفاقية منترو
والتي احتفظت لمحاكمها القنصلية بالاختصاص في مسائل الأحوال الشخصية أثناء فترة الانتقال.
سريان القانون اليوناني على هذه الوصية واختصاص المحكمة القنصلية بالفصل في صحتها.
المادة 9 من اتفاقية منترو والقانون رقم 48 لسنة 1937 والمادة 29 من القانون رقم 49
لسنة 1937 والمادة 56 من لائحة التنظيم القضائي للمحاكم المختلطة.
(ب) وصية. اختصاص. استئناف رفع إلى محكمة استئناف أتينا عن حكم صادر في صحة وصية من
المحكمة القنصلية قبل انتهاء فترة الانتقال. استمرار ولاية محكمة استئناف أتينا بالفصل
فيه بعد انتهاء فترة الانتقال.
(ج) وصية. اختصاص. حكم. تسبيبه. المحكمة القنصلية فصلت في صحة الوصية في حدود ولايتها
المعترف بها في التشريع المصري. لا رقابة لمحكمة النقض على حكمها.
1 – لما كانت دولة اليونان من الدول التي وقعت على اتفاقية منترو الصادر بها القانون
رقم 48 لسنة 1937 وأودعت وثيقة الاحتفاظ لمحاكمها القنصلية بالاختصاص في مواد الأحوال
الشخصية أثناء فترة الانتقال وفقاً للمادة التاسعة من الاتفاقية المذكورة، وكانت الوصيتان
موضوع النزاع قد صدرتا من إحدى رعايا الدولة اليونانية، فإنه يسري عليها القانون اليوناني
وفقاً للمادة 29 من القانون رقم 49 لسنة 1937، وبالتالي تكون المحكمة القنصلية هي المختصة
بالفصل في صحتهما وفقاً للمادة 56 من لائحة التنظيم القضائي للمحاكم المختلطة والمادة
التاسعة من اتفاقية منترو.
2- متى كان الاستئنافان عن الحكمين الصادرين من المحكمة القنصلية اليونانية قد رفعا
إلى محكمة استئناف أتينا قبل انتهاء فترة الانتقال، فإن ولاية هذه المحكمة بالفصل فيهما
تستمر لها، ولا يجوز التحدي في هذا الخصوص بما تنص عليه الفقرة الأخيرة من المادة التاسعة
من اتفاقية منترو، والمادة 7 من القانون رقم 115 لسنة 1948 الخاص بإلغاء المحاكم المختلطة
والقضاء القنصلي من وجوب إحالة الدعاوى التي تكون منظورة أمامها بالحالة التي تكون
عليها إلى المحاكم الوطنية، ذلك أن حكم هاتين المادتين لا يسري على الاستئنافين اللذين
رفعا إلى محكمة استئناف أتينا قبل انتهاء فترة الانتقال، ولم تكن قد فصلت فيهما بعد،
ولا محل أيضاً للتحدي بالمادة 885 من الكتاب الخامس المضاف إلى قانون المرافعات بالقانون
رقم 94 لسنة 1937، ذلك أن هذه المادة إنما تنظم الاختصاصين النوعي والمحلي للمحاكم
المصرية بالنسبة للدعاوى الخاصة بتركة أجنبي متوطن بالقطر المصري وخاضع للقضاء الوطني.
3 – إذا كانت محكمة استئناف أتينا وفقاً لوثائق اتفاقية منترو مختصة بالفصل في الاستئنافين
المرفوعين أمامها عن الوصيتين موضوع النزاع، فإن الحكمين الصادرين منها تكون لهما حجيتهما
لصدورهما في حدود ولايتها، ولا يجوز القول بعدم الاعتداد بهما بحجة أنهما أخطآ، إذ
لم يطبقا على شكل الوصايا أحكام القانون المصري رقم 71 لسنة 1946 متى كانت المحكمة
قد فصلت في هذا الطلب في حدود ولايتها المعترف بها في التشريع المصري، ذلك أنه ليس
لهذه المحكمة رقابة على ما تقضي به محاكم الأحوال الشخصية في حدود ولايتها.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع تقرير حضرة المستشار المقرر، ومرافعة
المحاميين عن الطاعنة والمطعون عليهما الأولى والثانية والنيابة العامة، وبعد المداولة؛
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية؛
ومن حيث إن الوقائع – حسبما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر أوراق الطعن – تتحصل في
أنه في غضون شهر مارس سنة 1947 توفيت بمدينة الإسكندرية السيدة ماريا ترازيا أرملة
أسبيرو اليونانية الجنسية عن بنت أخ شقيق لها وهي الطاعنة، وتركت وصيتين سريتين محررة
أولاهما في 29 من نوفمبر سنة 1937، وأضيف إليها ملحق محرر في 25 من مارس سنة 1942،
والأخرى محررة في 7 من ديسمبر سنة 1945، وقد أودعت هاتان الوصيتان مع ملحق الأولى بالقنصلية
اليونانية بالإسكندرية في 13 من مارس سنة 1947، وبموجبهما أقامت الموصية المطعون عليهما
الأولى والثانية وارثتين لها فيما تملكه من عقار ومنقول عدا بعض الهبات المالية لأشخاص
عينتهم بهما. وفي 25 من سبتمبر سنة 1948 رفعت الطاعنة دعوى أمام المحكمة القنصلية اليونانية
بالإسكندرية على المطعون عليهما الأولى والثانية، وطلبت فيها بطلان الوصيتين المذكورتين،
كما طلبت الاعتراف لها بصفتها الوارثة الوحيدة لعمتها دون إيصاء استناداً إلى أن عمتها
المذكورة كانت لا تستطيع قراءة المخطوطات وقت الإيصاء، وتمسكت أمام المحكمة القنصلية
بأنه وفقاً لقانون الوصية المصري رقم 71 لسنة 1946 لا يجوز في حالة المنازعة في الوصية
التي تتم بعد سنة 1911 سماع الدعوى إلا إذا كانت الوصية قد حررت جميعها بخط المتوفى،
وفي 18 من يونيه سنة 1949 قضت المحكمة القنصلية برفض الدعوى تأسيساً على أن الموصية
كانت تستطيع قراءة المخطوطات عند تحرير الوصيتين المشار إليهما، ولم تر محلاً لتطبيق
الفقرة الثالثة من المادة الثانية من قانون الوصية المصري، فاستأنفت الطاعنة هذا الحكم
أمام محكمة استئناف أتينا بعريضة في 6 من يوليه سنة 1949، وفي 18 من يناير سنة 1950
قضت تلك المحكمة في موضوع الاستئناف برفضه تأسيساً على ما أورده الحكم الابتدائي، وعلى
أنه "وفقاً للمادة 23 من القانون المدني تخضع العلاقات الميراثية لقانون جنسية المتوفى
عند وفاته، وأن الفقرة الثالثة من المادة 29 من القانون رقم 756 لسنة 1937 الخاص بالتصديق
على معاهدة منترو المبرمة في 8 من مايو سنة 1937 تنص على أن التركات والوصايا تخضع
لقانون بلد المتوفى أو الموصي ووفقاً للفقرة الأخيرة من المادة التاسعة من نفس المعاهدة
تبقى المحاكم القنصلية لغاية 14 من أكتوبر سنة 1949 وتستمر في نظر قضايا الأحوال الشخصية
ومنها التركات والوصايا، وأنه في هذه الحالة لا يجوز تطبيق القانون المصري متى اتضح
أن المتوفاة كانت يونانية الجنسية". وفي 30 من مايو سنة 1949 أثناء سير تلك الدعوى
رفعت الطاعنة دعوى أخرى أمام المحكمة القنصلية اليونانية بالإسكندرية، على المطعون
عليهما الأولى والثانية وطلبت فيها الحكم ببطلان الوصيتين السابق الإشارة إليهما واعتبارها
الوارثة الوحيدة لعمتها ماريا ترازي استناداً إلى أن محاضر توثيق تلك الوصايا التي
حررت عند إيداعها مزورة لعدم استيفائها الشروط التي ينص عليها القانون المدني اليوناني
الذي يحكم مثل هذه التصرفات. وفي 22 من سبتمبر سنة 1949 قضت المحكمة برفض الدعوى. فاستأنفت
الطاعنة هذا الحكم أمام محكمة استئناف أتينا. وفي 24 من مايو سنة 1950 قضت تلك المحكمة
في موضوع الاستئناف برفضه، تأسيساً على أن تحرير محضر إيداع الوصية بيد شخص آخر غير
الموثق الذي وقع عليه لا يترتب عليه بطلان أو تزوير. وفي 22 من فبراير سنة 1949 وأثناء
سير الدعويين السابقتين أقامت الطاعنة الدعوى رقم 1240 سنة 74 ق القاهرة المختلطة على
المطعون عليهن وقالت فيها إنها هي الوارثة الوحيدة لعمتها ماريا ترازي، وأن المطعون
عليهما الأولى والثانية تدعيان بأنه قد أوصي لهما بأموال المتوفاة، وأن هذه الوصايا
لم تستوف الشروط التي نصت عليها الفقرة الثالثة من المادة الثانية من قانون الوصية
رقم 71 لسنة 1946، وطلبت الحكم أولاً بعدم أحقية المطعون عليهما المذكورتين في أخذ
شهادة من مصلحة الضرائب تثبت قيامهما بدفع الرسوم المستحقة على التركة، وثانياً بأن
السيدة ماريا ترازي تعتبر في حكم القانون المصري وبالنسبة للأموال الموجودة في مصر
متوفرة دون صدور أية وصية، وثالثاً بأن المحاكم القنصلية مقيدة بمراعاة أحوال عدم القبول
المنصوص عليها في القوانين المصرية وبأن حالة عدم القبول التي نصت عليها الفقرة الثالثة
من المادة الثانية من قانون الوصية تعتبر من قواعد الإجراءات وتسري على الكافة بصرف
النظر عن جنسيتهم، ثم أحيلت الدعوى بعد 14 من أكتوبر سنة 1949، إلى محكمة القاهرة الابتدائية
وقيدت برقم 18 سنة 1949 أحوال شخصية فدفعت المطعون عليهما الأولى والثانية بعدم قبول
الدعوى لسبق الفصل في هذا النزاع من المحاكم القنصلية، وفي 25 من يناير سنة 1952 قضت
المحكمة بعدم قبول الدعوى. فاستأنفت الطاعنة هذا الحكم وقيد استئنافها برقم 59 سنة
69 ق القاهرة. وفي أول إبريل سنة 1953 قضت المحكمة بقبول الاستئناف شكلاً وفي موضوعه
أولاً بإلغاء الحكم المستأنف فيما قضى به بالنسبة للطلب الأول من طلبات المدعية وبعدم
اختصاص المحاكم بنظره، وثانياً بالنسبة لباقي الطلبات برفض الاستئناف وبتأييد الحكم
المستأنف. فقررت الطاعنة بالطعن في هذا الحكم بطريق النقض.
ومن حيث إن الطعن بني على سببين، يتحصل أولهما في أن الحكم المطعون فيه مسخ طلبات الطاعنة
كما مسخ الحكمين الصادرين من محكمة استئناف أتينا مسخاً أدى إلى مخالفة القانون. ذلك
أن الدعويين اللتين رفعتهما الطاعنة أمام المحكمة القنصلية اليونانية واللتين صدر فيهما
حكما محكمة استئناف أتينا قد أسست إحداهما على عدم أهلية الموصية للإيصاء بطريق الوصية
السرية لعدم استطاعتها قراءة المخطوطات، وأسست الثانية على مخالفة القانون اليوناني
فيما يوجبه من تحرير محضر إيداع الوصية السرية بوساطة موثق، فإذا حاز كل من الحكمين
المذكورين قوة الأمر المقضي، فإن حجيتهما تكون مقصورة على ما فصلا فيه، ولا تتعدى إلى
أية دعوى أخرى تختلف عنهما في موضوعها أو في سببها. أما الدعوى الحالية فقد بنيت على
أربعة أسباب: الأول – عدم علم الطاعنة بأن التوقيع المنسوب إلى مورثتها في الوصايا
المتنازع فيها هو فعلاً لمورثتها وإنكار العلم بتوقيع الموصية ليس إلا تقريراً لأمر
سلبي، والأثر الذي يترتب عليه وفقاً للمادة 394 من القانون المدني هو وجوب تحليف الطاعنة
على أنها لا تعلم بأن التوقيع على الوصايا المذكورة هو فعلاً لمورثتها. والسبب الثاني
هو وقوع تزوير معنوي في تحرير هذه الوصايا، وهو لا يتأتى إلا بعد ثبوت صحة التوقيع.
والثالث هو وجود عيب في رضاء الوصية نتيجة غش أو استهواء، وهذا السبب يؤدي إلى اعتبار
الوصية قابلة للإبطال. والرابع هو عدم جواز الاعتداد بهذه الوصايا عملاً بالفقرة الثالثة
من المادة الثانية من قانون الوصية رقم 71 لسنة 1946. وأن الطاعنة قد أوردت هذه الأسباب
في مذكرتها المقدمة منها إلى محكمة الاستئناف فكان لزاماً على هذه المحكمة أن تناقش
هذه الأسباب باعتبار كل منهما سبباً لطلب مستقل، وأن تفصل فيها فصلاً مسبباً، كما كان
يجب قصر حجية كل من الحكمين السابقين على ما فصل فيه من أسباب الطعن في الوصايا موضوع
النزاع. وقد خرج الحكم المطعون فيه في تأويل الحكمين الصادرين من المحكمة القنصلية
عن ظاهر مدلولهما إذ قرر أنهما فصلا في جميع أوجه النزاع بين الخصوم في خصوص صحة الوصايا.
ومن حيث إن هذا السبب مردود بأن الحكم المطعون فيه إذ استخلص من الطلبات التي تضمنتها
الدعويان السابق رفعهما أمام المحكمة القنصلية اليونانية من الطاعنة على المطعون عليهما
الأولى والثانية، والتي كانت تهدف في مجموعها إلى بطلان الوصايا موضوع النزاع وأحقية
الطاعنة في نصيبها الشرعي في تركة عمتها ماري ترازي اليونانية الجنسية، ومن الحكمين
الصادرين في الدعويين برفضهما والمؤيدين بحكمي محكمة استئناف أتينا – إذ استخلص من
جميع ذلك أن النزاع موضوع هذه الدعوى قد سبق طرحه أمام المحكمة القنصلية وأنها قد فصلت
فيه بالحكمين المذكورين فإنه لم يخرج عن مقتضى هذين الحكمين. ذلك أن المحكمة القنصلية
قد تناولت في كلتا الدعويين بحث الوصايا موضوع النزاع من حيث صحتها وعدمها، وانتهت
من هذا البحث إلى الحكم برفض طلبات الطاعنة. وأما ادعاء الطاعنة أن ما أثارته من أسباب
في الدعوى الصادر فيها الحكم المطعون فيه يختلف عن الأسباب التي كانت تستند إليها في
الدعويين اللتين رفعتا أمام المحكمة القنصلية اليونانية فمردود بأن القول بجهالة توقيع
الموصية على الوصايا وكذلك الادعاء بتزويرها إنما هو طعن في صحة الوصايا يندرج في عموم
طلبات الطاعنة التي سبق الفصل فيها في الدعويين المشار إليهما، فضلاً عن أنها سبق أن
طعنت بالتزوير في عقود الوصيتين السريتين أمام المحكمة القنصلية، وقد رفضت تلك المحكمة
هذا الطعن في حكمها الصادر في 22 من سبتمبر سنة 1949 المؤيد استئنافياً بالحكم الصادر
من محكمة استئناف أتينا في 24 من مايو سنة 1950 مؤسسة رفضها هذا الطعن على أنه طعن
غير واضح المعالم فلا تقيم المحكمة له وزناً. أما ادعاء الطاعنة ببطلان الوصية لعدم
مراعاة الشكل الذي أوجبه قانون الوصية المصري رقم 71 لسنة 1946، فهو طلب سبق أن أبدته
لدى محكمة استئناف أتينا ولم تأخذ به في حكمها الصادر في 28 من يناير سنة 1950، ومن
ثم لا يعتبر سبباً جديداً في دعوى الطاعنة الحالية. وأما القول ببطلان الوصايا لعيب
في رضاء الموصية وصفته الطاعنة بأنه "استهواء" فهو ادعاء أبدي لأول مرة في مذكرة الطاعنة
المقدمة إلى محكمة الاستئناف دون أن تحدد معالمه أو تبين سنده في القانون مما يكون
معه غير منتج تعييب الحكم إذ هو لم يعتد بهذا السبب ولم يرد عليه.
ومن حيث إن السبب الثاني يتحصل في أن الحكم إذ قضى بعدم قبول تمسك الطاعنة بأحكام قانون
الوصية المصري رقم 71 لسنة 1946 استناداً إلى أنه سبق الفصل فيه بحكمي استئناف أتينا
مع عدم توافر الشروط التي تتطلبها المادة 405 من القانون المدني فإنه يكون قد أخطأ
في تطبيق القانون. ذلك أن الحكم المطعون فيه اعتبر أن لحكمي المحكمة القنصلية النهائيين
المشار إليهما حجية فيما يتعلق بعدم جواز تطبيق الفقرة الثالثة من المادة الثانية من
قانون الوصية المصري، مع أن ما قضى به الحكمان المذكوران خارج عن ولاية المحكمة التي
أصدرتهما لأن الأصل في الاختصاص القضائي فيما يتعلق بالتركات والوصايا أن يتعين بمكان
افتتاح التركة: وقد نصت المادة 885 من الكتاب الخامس المضاف إلى قانون المرافعات بالقانون
رقم 94 لسنة 1937 على أن تكون الدعاوى الخاصة بتركة أجنبي متوطن بالقطر المصري من اختصاص
المحكمة الابتدائية التابع لها مكان افتتاح التركة، وقد نصت المادة الثانية من اتفاقية
منترو على أنه لا يجوز للمحاكم القنصلية في مصر ابتداءً من 15 أكتوبر سنة 1937 قبول
أي دعوى مدنية أو تجارية أو جنائية أو متعلقة بالأحوال الشخصية فزالت بذلك ولاية القضاء
القنصلي. ورأت مصر بعد أن اعترفت لها الدول بولاية محاكمها أن ترخص لتلك الدول في الاحتفاظ
بمحاكمها القنصلية أثناء فترة الانتقال التي انتهت في 14 من أكتوبر سنة 1949 إلا أنها
فرضت قيوداً على هذه الرخصة تجعله اختصاصاً استثنائياً موقوتاً بفترة الانتقال، ومقصوراً
على الأحوال الشخصية المتعلقة برعاياها، ومحدداً بالأحوال التي يكون فيها القانون الواجب
التطبيق هو قانون الدولة التي تتبعها المحكمة القنصلية. فليست لتلك المحاكم ولاية في
تطبيق القانون المصري، ولا في الفضل في وجوب تطبيقه، وقد انتهت هذه الولاية بانقضاء
فترة الانتقال في 14 من أكتوبر سنة 1949 ونصت المادة السابعة من القانون رقم 115 لسنة
1948 الخاص بإلغاء المحاكم المختلطة والقضاء القنصلي على أن "تحال الدعاوى التي تكون
منظورة أمام المحاكم القنصلية لغاية يوم 14 من أكتوبر سنة 1949 بالحالة تكون عليها
إلى المحاكم الوطنية لاستمرار النظر فيها وذلك وفقاً لأحكام قانون المرافعات في مواد
الأحوال الشخصية". ولما لم تكن محكمة استئناف أتينا لغاية 14/ 10/ 1949 قد فصلت في
الاستئنافين المرفوعين أمامها من الطاعنة فإنها لا تكون لها ولاية مطلقاً للفصل فيهما
بعد هذا التاريخ، كما أنه لم يكن لها ولاية في تطبيق القانون المصري أو عدم تطبيقه،
ولهذا يكون تقريرها بأن هذا القانون غير واجب التطبيق تقريراً خارجاً عن حدود ولايتها.
ومن حيث إن هذا السبب مردود بأن المادة التاسعة من اتفاقية منترو الموقع عليها في 8
من مايو سنة 1937 والصادر بها القانون رقم 48 لسنة 1937 نصت على أن لكل من الدول المتعاقدة
التي لها محاكم قنصلية في مصر أن تحتفظ بها لتتولى القضاء في مواد الأحوال الشخصية،
وذلك كل الأحوال التي يكون القانون الواجب التطبيق هو قانون هذه الدولة. وعلى كل دولة
متعاقدة أرادت استعمال هذا الحق أن تخطر بذلك الحكومة المصرية في نفس الوقت الذي تودع
فيه وثائق تصديقها على هذا الاتفاق. ونصت المادة العاشرة منها على أنه في مواد الأحوال
الشخصية تتعين الجهة القضائية المختصة تبعاً للقانون الواجب تطبيقه وتشمل الأحوال الشخصية
المواد المبينة في المادة 28 من لائحة التنظيم القضائي للمحاكم المختلطة ويتعين القانون
الواجب تطبيقه تبعاً للقواعد المدونة في المادتين 29 و30 من اللائحة المذكورة. ونص
في المادة 28 من القانون رقم 49 لسنة 1937 الخاص بلائحة التنظيم القضائي للمحاكم المختلطة
على أن المنازعات والمسائل المتعلقة بالمواريث والوصايا هي مما تشمله الأحوال الشخصية،
ووفقاً للمادة 29 من هذه اللائحة يرجع في المواريث والوصايا إلى قانون بلد المتوفى
أو الموصي. وتنص المادة 56 منها على أن المحاكم المختلطة خلافاً لأحكام المادة 27 لا
تختص بمواد الأحوال الشخصية إذا كان القانون الواجب التطبيق بمقتضى المادة 29 المشار
إليها هو قانون إحدى الدول الموقعة على الاتفاق الخاص بإلغاء الامتيازات في مصر، وكانت
تلك الدولة وفقاً للمادة 9 من هذا الاتفاق قد احتفظت لمحاكمها القنصلية بالاختصاص في
مواد الأحوال الشخصية. ولما كانت دولة اليونان من الدول التي وقعت على اتفاق منترو
وأودعت وثيقة الاحتفاظ لمحاكمها القنصلية بالاختصاص المشار إليه في 25 من سبتمبر سنة
1937، وكانت الوصيتان موضوع النزاع قد صدرتا من ماريا ترازي، وهي إحدى رعايا الدولة
اليونانية، فإنه يسري عليهما القانون اليوناني وفقاً للمادة 29 من القانون رقم 49 لسنة
1937، وبالتالي تكون المحكمة القنصلية هي المختصة بالفصل في صحتهما، وفقاً للمادة 56
من هذه اللائحة والمادة التاسعة من اتفاقية منترو. ولما كان الاستئنافان عن الحكمين
الصادرين من المحكمة القنصلية اليونانية قد رفعا إلى محكمة استئناف أتينا قبل انتهاء
فترة الانتقال فإن ولاية هذه المحكمة بالفصل فيهما تستمر لها. ولا يجوز التحدي في هذا
الخصوص بما تنص عليه الفقرة الأخيرة من المادة التاسعة من اتفاقية منترو والمادة 7
من القانون رقم 115 لسنة 1948 الخاص بإلغاء المحاكم المختلطة والقضاء القنصلي من وجوب
إحالة الدعاوى التي تكون منظورة أمامها بالحالة التي تكون عليها إلى المحاكم الوطنية،
ذلك أن حكم هاتين المادتين لا يسري على الاستئنافين اللذين رفعا إلى محكمة استئناف
أتينا قبل انتهاء فترة الانتقال، ولم تكن قد فصلت فيهما بعد، يؤكد ذلك ما ورد بوثائق
مؤتمر إلغاء الامتيازات في الملحق الرابع من تقرير لجنة التحرير والتنسيق عن المادة
التاسعة من معاهدة منترو من أنه "من المتفق عليه أن الفقرة الرابعة إنما تشير إلى القضايا
التي تكون قائمة أمام المحاكم القنصلية بمصر وأما القضايا التي تكون قائمة في الاستئناف
أو النقض والإبرام أمام محكمة في الخارج فيستمر النظر فيها أمامها طبقاً لقواعد الإجراءات
في كل بلد." أما التحدي بالمادة 885 من الكتاب الخامس المضاف إلى قانون المرافعات بالقانون
رقم 94 لسنة 1937 فلا محل له هنا، ذلك أن هذه المادة إنما تنظم الاختصاصين النوعي والمحلي
للمحاكم المصرية بالنسبة للدعاوى الخاصة بتركة أجنبي متوطن بالقطر المصري… وخاضع
للقضاء الوطني. ومتى كانت محكمة استئناف أتينا وفقاً لوثائق اتفاقية منترو مختصة بالفصل
في الاستئنافين المرفوعين أمامها من الطاعنة فإن الحكمين الصادرين منها فيهما تكون
لهما حجيتهما لصدورهما في حدود ولايتها ولا يجوز القول بعدم الاعتداد بهما بحجة أنهما
أخطآ إذ لم يطبقا على شكل الوصايا أحكام القانون المصري رقم 71 لسنة 1947 متى كانت
محكمة استئناف أتينا قد فصلت في هذا الطلب في حدود ولايتها المعترف بها في التشريع
المصري، ذلك أنه ليس لهذه المحكمة رقابة على ما تقضي به محاكم الأحوال الشخصية في حدود
ولايتها.
ومن حيث إنه يبين مما آنف ذكره أن الطعن على غير أساس ويتعين رفضه.
