الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 94 سنة 21 ق – جلسة 24 /12 /1953 

أحكام النقض – المكتب الفني – مدني
العدد الأول – السنة 5 – صـ 307

جلسة 24 من ديسمبر سنة 1953

القضية رقم 94 سنة 21 القضائية

برياسة السيد الأستاذ أحمد حلمي وكيل المحكمة وبحضور السادة الأساتذة: عبد العزيز محمد، وكيل المحكمة، ومصطفى فاضل، وأحمد العروسي، ومحمود عياد المستشارين.
( أ ) عقد. الغرض من التعاقد. النص عليه في العقد. غير لازم.
(ب) بيع. عيب خفي. بدء سريان ميعاد رفع دعوى الضمان. من تاريخ العلم اليقيني لا الظني. مثال.
1 – لا يلزم أن يكون الغرض من التعاقد وارداً في العقد، بل للمحكمة أن تستخلصه من وقائع الدعوى وما تعارف عليه الناس.
2 – العلم بالعيب الخفي الذي يبدأ به سريان ميعاد رفع الدعوى هو العلم اليقيني لا العلم المبني على مجرد الظن. وإذن فمتى كانت المحكمة إذ قبلت دعوى الضمان قد حصلت من وقائع الدعوى تحصيلاً سائغاً أن المشتري لم يعلم بالعيب الخفي على وجه اليقين إلا بعد أن وردت إليه نتيجة التحليل، وأنه لم تمض ثمانية أيام بين تاريخ العلم اليقيني وبين رفع الدعوى، فإنها لا تكون قد خالفت القانون.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع تقرير السيد المستشار المقرر ومرافعة المحاميين عن الطرفين والنيابة العامة، وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن الوقائع – كما يبين من الحكم المطعون فيه وباقي أوراق الطعن – تتحصل في أنه بموجب أمر شراء محرر في 3 من نوفمبر سنة 1943 اشترى استافرو زيسو "المطعون عليه" من الطاعنين خمسة أطنان من عجينة المشمش شحنت من سوريا معبأة في براميل خشبية محددة الوزن بسعر الطن القائم 120 جنيهاً و620 مليماً وقبل شحن البضاعة من سوريا شفعت بشهادة دالة على سلامتها من الأمراض النباتية والحشرية. ووصلت البضاعة إلى مصر في 27 من ديسمبر سنة 1943 وأفرج عنها من جمرك الإسكندرية في 30 من ديسمبر سنة 1943 بعد التأشير من التفتيش الصحي بالإفراج عنها صحياً. وعندما تسلم المطعون عليه البضاعة وجدها في حالة ظاهرية جيدة سواء من حيث اللون أو الرائحة. وفي 3 من يناير سنة 1944 حاول المطعون عليه أن يصنع منها نوعاً من الحلوى (البالوظة) فلم يستطع، فشكا إلى الطاعنين فقصد أحدهما وهو محمد الخطيب صحبة مندوب للمشتري إلى محل نيقولا ييدس أحد أصحاب محلات الحلوى واستطاع أن يصنع من العجينة الحلوى المطلوبة إلا أن المطعون عليه حاول مرة أخرى في أول فبراير سنة 1944 تكرار العملية بكل الوسائل فأخفق فبعث بعينة من العجينة إلى أحد المعامل الكيماوية "معمل باستور" لفحصها فبعث إليه المعمل في 10 من فبراير سنة 1944 بأنه وجد بالعينة تخمراً فأقام الدعوى رقم 1678 سنة 79 ق أمام محكمة مصر المختلطة بصحيفة أعلنها إلى الطاعنين في 14 و15 من فبراير سنة 1944 وطلب الحكم بإلزامها بالتضامن بمبلغ 697 جنيهاً و568 مليماً وألف جنيه تعويضاً استناداً إلى وجود عيب خفي في البضاعة وإلى أسباب أخرى، وأقام الطاعنان من جانبهما دعوى فرعية على المطعون عليه وطلبا الحكم بإلزامه بمبلغ 200 جنيه تعويضاً ورفض الدعوى الأصلية. ثم أقام المطعون عليه الدعوى المستعجلة رقم 2240 سنة 66 ق أمام محكمة مصر بصحيفة أعلنها في 3 من يوليه سنة 1944 وطلب فيها الحكم بتعيين خبير تكون مهمته بعد أداء اليمين معاينة البضاعة موضوع النزاع وبيان سبب تلفها مع الإذن للخبير ببيعها بالمزاد. وفي 8 من يوليه سنة 1944 حكم قاضي الأمور المستعجلة بتعيين ميخالوف خبيراً لأداء المأمورية المبينة بأسباب الحكم وصرح له ببيع البضاعة بالمزاد. وباشر الخبير المأمورية وقدم تقريره بأن البضاعة اعتراها تخمر كحولي وبها حموضة شديدة نتيجة وجود فطريات بسبب استعمال براميل ينفذ منها الهواء والماء وتسمح بالرشح ولعدم وجود المواد الواقية الضرورية لحفظ المأكولات، ولميوعة العجينة ميوعة شديدة. وفي 20 من نوفمبر سنة 1948 حكمت محكمة مصر الابتدائية بعدم قبول دعوى المطعون عليه لعدم رفعها في الميعاد القانوني استناداً إلى المادة 402 مدني مختلط وبرفض الدعوى الفرعية. فاستأنف المطعون عليه هذا الحكم، وقيد استئنافه برقم 374 سنة 66 ق. كما استأنفه الطاعنان وقيد استئنافهما برقم 348 سنة 67 ق. وفي 14 من ديسمبر سنة 1950 حكمت محكمة استئناف القاهرة بقبول الاستئنافين شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم المستأنف فيما قضى به، وبفسخ عقد البيع وبإلزام الطاعنين بأن يدفعا إلى المطعون عليه مبلغ 697 جنيهاً و568 مليماً والفوائد بواقع 6% من الطلب الرسمي حتى الوفاء، فقرر الطاعنان بالطعن في هذا الحكم بطريق النقض.
ومن حيث إن الطعن بني على أربعة أسباب يتحصل أولها في أن الحكم أخطأ في الإسناد، إذ استند في قضائه بفسخ العقد إلى أن عدم صلاحية العجينة موضوع العقد لصنع البالوظة يجعلها غير صالحة للغرض المعدّة له مع أنه يبين من أمر الشراء أنه لم ترد به أية إشارة إلى أن الغرض الذي قصده المتعاقدان هو عمل البالوظة من العجينة موضوع العقد، ومع أن الطاعنين قررا أن هذا الغرض لم يكن ملحوظاً وقت التعاقد، وأنه جاء وليد محاولة المطعون عليه ابتداع صنف من الحلوى لم يكن متمكناً منه.
ومن حيث إن هذا السبب مردود أولاً بأن المحكمة لم تقل في أسباب حكمها أن ما استخلصته من كون الغرض من شراء العجينة هو صنع البالوظة مصرح به في نصوص العقد المبرم بين الطرفين حتى يعاب على الحكم ببطلان الإسناد، ولكنها استخلصت ذلك – كما يبين من الحكم – من ظروف الدعوى ووقائعها التي وضح لها منها أنه لما شكا المطعون عليه إلى الطاعنين من عدم إمكانه صنع البالوظة من العجينة عاونه الطاعن الأول في صنعها، وهو ما لم يكن ليقوم به لو أن العجينة مبيعة لغير هذا الغرض، وليس بلازم أن يكون الغرض من التعاقد وارداً في العقد، بل إن للمحكمة أن تستخلصه من وقائع الدعوى، وما تعارف عليه الناس، ومردود ثانياً بأن الحكم مقام في أساسه على وجود عيب خفي في البضاعة هو التخمر الكحولي الذي كان خافياً على المشتري وقت تسلم البضاعة ولم يكتشفه إلا حين ورد له تقرير معمل باستور في 10 من فبراير سنة 1944 وهو عيب من شأنه أن ينقص من قيمة البضاعة ومن نفعها بحسب الغاية المقصودة من شرائها.
ومن حيث إن السبب الثاني يتحصل في أن الحكم أخطأ في تطبيق القانون إذ جعل مبدأ سقوط دعوى الضمان للعيب الخفي من تاريخ التحقق من وجود العيب الخفي لا من تاريخ العلم به، مع أن نص المادة 402 من القانون المدني المختلط المنطبق على واقعة الدعوى صريح في أن مدة السقوط تبدأ من تاريخ العلم بالعيب لا من تاريخ التحقق من وجوده. وقد علم المطعون عليه بالعيب "حسب دعواه" في يوم 3 من يناير سنة 1944 عندما حاول أن يصنع من العجينة بالوظة فلم يفلح وتأكد هذا العلم في 2 من فبراير سنة 1944 عندما أرسل عينة من العجينة إلى التحليل وقد مضى بين كلا التاريخين ورفع الدعوى أكثر من الثمانية الأيام المقررة قانوناً لرفع الدعوى في خلالها.
ومن حيث إن هذا السبب مردود بما جاء بالحكم المطعون فيه من أن "ما ذهب إليه الحكم الابتدائي في شأن مبدأ علم المشتري بالعيب الخفي وإسناده هذا التاريخ إلى 3 من يناير غير سديد، فقد كان المشتري على حق في عدم مسارعته إلى التقاضي، وهو لم يكن على بينة بعد بالسبب الحقيقي لعدم الصلاحية خصوصاً وقد ووجه بهذه الصعوبة في 3 من يناير واستطاع مندوب البائع تذليلها فإذا كان قد تصرف عن حسن نية ولم يجد ما يبرر المسارعة إلى التقاضي قبل أن يتحقق من سبب العيب الخفي وماهيته فلا شك أن تصرفه في هذا الشأن كان سليماً لا يصح أن يضار به، إذ عليه قبل أن يتوجه إلى القضاء بطلب الفسخ أن يحدّد ماهية العيب الذي ينسبه للبضاعة، ومجرد عدم استطاعته تحويل البضاعة إلى مشتق آخر لها قد يرجع إلى سبب آخر غير العيب الخفي كجهله مثلاً بالطريقة الصالحة لذلك، أو لأي سبب فني آخر خارج عن ماهية تلك البضاعة. وقد استقر القضاء الفرنسي على أن العيب الخفي في المواد الغذائية هو ما كان غير مستطاع اكتشاف أمره إلا بعد التحليل الكيماوي. ولا شك أن التخمر خصوصاً في مراحله الأولى لا يمكن اكتشافه إلا عن طريق التحليل وقد يكون أحد مظاهره تحول البكتين وهو المادة المؤثرة في التبلوظ إلى حمض، وهذا يفسر الصعوبة التي لقيها المشتري عند محاولته إجراء تلك العملية في 3 من يناير، غير أن هذه المعلومات لا تتطلب من مثل المشتري الدراية بها فلا يترتب على جهله إياها انتقاص حقوقه، وأنه يبين مما تقدم أن البضاعة كانت معيبة بعيب خفي هو التخمر الذي لم يظهر بطريقة أكيدة ومعلومة للمشتري إلا في 10 من فبراير وقد رفعت الدعوى في 14 و15 من فبراير فتكون قد رفعت في الميعاد." وهذا الذي قرره الحكم صحيح في القانون، ذلك بأن العلم بالعيب الخفي الذي يبدأ منه سريان ميعاد رفع الدعوى هو العلم اليقيني لا العلم المبني على مجرد الظن، وقد حصلت المحكمة من وقائع الدعوى تحصيلاً سليماً أن هذا العلم لم يتحقق إلا في 10 من فبراير سنة 1944 عندما وردت للمطعون عليه نتيجة التحليل. وما حصلته من ذلك هو فهم للواقع لا شائبة فيه. ولما كانت المحكمة قد قبلت دعوى الضمان على أساس ما حصلته من أن العلم اليقيني بالعيب لم يحصل إلا في 10 من فبراير، وأنه لم تمض ثمانية أيام بين هذا التاريخ وبين رفع الدعوى في 14 و15 من فبراير سنة 1944 فإن حكمها يكون سليماً لا خطأ فيه.
ومن حيث إن السبب الثالث يتحصل في أن الحكم شابه التناقض إذ رغم قضائه بفسخ العقد رفض القضاء للمطعون عليه بما طلبه من التعويض، استناداً إلى أنه لم يبادر إلى رفع الدعوى وطلب بيع البضاعة من شهر فبراير سنة 1944 وأنه ترتب على ذلك ازدياد التخمر وصيرورة البضاعة غير صالحة للاستعمال فيجب ألا يتحمل البائع نتائج هذا الإهمال إذ كان من المستطاع لولا تراخيه في رفع الدعوى المستعجلة استعمال البضاعة في أغراض أخرى. ووجه التناقض في ذلك هو أن الحكم أخذ على المطعون عليه التراخي فيما لم يحدد له القانون موعداً وأباحه له فيما أوجب القانون الإسراع فيه، وسلم بأن البضاعة كانت تصلح لأغراض أخرى غير التي حددها المطعون عليه ولم تكن مذكورة في العقد وهي صنع البالوظة.
ومن حيث إن هذا السبب مردود بأن الحكم لم يبح للمطعون عليه التراخي فيما أوجبه القانون من رفع دعوى الضمان عن العيب الخفي في مدى ثمانية أيام من تاريخ العلم به، بل قبل الدعوى على أساس أنها رفعت في الميعاد المذكور لأن العلم بالعيب لم يحصل إلا في 10 من فبراير سنة 1944 فلا تناقض إذن بين ما قرره الحكم في هذا الشأن وما استند إليه من أسباب في رفض طلب التعويض المقدم من المطعون عليه لتراخيه في رفع دعوى إثبات الحالة وطلب بيع البضاعة في 10 من فبراير سنة 1944 تاريخ علمه بالعيب حتى يوليه سنة 1944 وهي مدة طويلة تفاقم خلالها التخمر وأصبحت معه البضاعة غير صالحة لأي غرض. أما ما ذكره الحكم من أنه "يجب ألا يتحمل البائع نتائج هذا الإهمال إذ كان من المستطاع استعمال البضاعة في أغراض أخرى تقلل من خسارته" وهو ما اعتبره الطاعنان تسليماً بأن البضاعة كانت تصلح لأغراض أخرى غير التي حددها المطعون عليه ولم تكن مذكورة في العقد وهي صنع البالوظة – ما ذكره الحكم من ذلك إنما كان في صدد قضائه في طلب التعويض لا في صدد قضائه في طلب فسخ العقد ولا تعارض بين قضاء الحكم في الطلبين المذكورين، إذ القضاء بالفسخ على أساس العيب الخفي لا يقتضي بطريق اللزوم الحكم للمشتري بالتعويض.
ومن حيث إن السبب الرابع يتحصل في أن الحكم شابه القصور إذ قضى بإلزام الطاعن الثاني بالتضامن مع الأول بالمبلغ المحكوم به مستنداً في ذلك إلى توقيع الطاعن الثاني على أمر الشراء مع أن هذا التوقيع غير كاف للدلالة على الاشتراك في البيع فقد يكون لإثبات الحق في السمسرة أو لمجرد الشهادة خصوصاً أن أمر الشراء معنون بما يفيد أن الصفقة هي لحساب الطاعن الأول وهو البائع وحده بصفته عميلاً من عملاء الطاعن الثاني. وإذ أغفل الرد على تقارير الخبراء الاستشاريين الثلاثة رغم إطراحه لها مكتفياً بالقول بأنها مجرد آراء مبنية على افتراضات ونظريات غير متصلة بالوقائع المطروحة على المحكمة، مع أن هذه التقارير حوت مناقشة تقرير خبير المحكمة الذي أخذ به الحكم مناقشة فنية جوهرية انتهت إلى إثبات وجود أخطاء مادية به.
وحيث إن هذا السبب مردود في شقه الأول بما جاء بالحكم المطعون فيه من أن "أندريه برتشو (المستأنف ضده الثاني) يحاول الإفلات من المسئولية بحجة أنه كان مجرد وسيط. والواقع خلاف ذلك إذ أن التعاقد كان معه بصفته بائعاً ووقع بهذه الصفة محمد أديب الخطيب". وهذا من الحكم لا قصور فيه، ذلك بأنه يبين من أمر الشراء المقدم ضمن أوراق الطعن أنه موقع بأسفله من الناحية اليمنى بإمضاء أندريه برتشو وتحتها إمضاء محمد أمين الخطيب وبينهما لفظة "و" وموقع من الناحية اليسرى بإمضاء المشتري بما يفيد أن الطاعنين وقعا بصفة واحدة ولم ترد بالعقد إشارة إلى صفة أخرى للطاعن الثاني "أندرية برتشو" فلا قصور في الحكم إذ اعتبره بائعاً مع الطاعن الأول. ومردود في شقه الثاني بما جاء بالحكم المطعون فيه من أن "تقرير الخبير الذي عينته المحكمة قاطع في إرجاع أسباب التخمر إلى إهمال البائع فيجب أن يتحمل نتائج هذا الإهمال ولا يعفيه من المسئولية ما يقدمه من مجرد آراء مبنية على افتراضات ونظريات غير متصلة بالواقع المطروح أمام المحكمة. ومن ثم فلا تهتم المحكمة بأمر ما قدمه من تقارير استشارية". وهذا الذي جاء بالحكم لا قصور فيه ذلك بأن المحكمة ما دامت قد اطمأنت إلى تقرير الخبير المعين في الدعوى وأطرحت ما عداه ليست في حاجة إلى بيان الأسباب التي دعتها إلى ذلك، إذ في أخذها بتقرير خبير الدعوى ما يفيد أنها اعتمدت الأسباب الواردة به، وأنها لم تجد في غيره من التقارير ما يغير وجه الرأي في الدعوى.
ومن حيث إنه لذلك يكون الطعن على غير أساس ويتعين رفضه.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات