الطعن رقم 2013 لسنة 6 ق – جلسة 16 /12 /1961
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة السابعة – العدد الأول (من أول أكتوبر سنة 1961 إلى آخر يناير سنة 1962) – صـ
102
جلسة 16 من ديسمبر سنة 1961
برياسة السيد/ علي إبراهيم بغدادي نائب رئيس المجلس وعضوية السادة محمود محمد إبراهيم والدكتور ضياء الدين صالح وعبد المنعم سالم مشهور ومحمد عبد العزيز البرادعي المستشارين.
القضية رقم 2013 لسنة 6 القضائية
( أ ) عقد إداري. تنفيذه. القاعدة العامة في العقود مدنية أو إدارية
أن يكون تنفيذها عيناً – إجراؤه يكون بواسطة الإدارة على حساب المتعهد المقصر، لا عن
طريق القضاء كما هو الشأن في العقود المدنية – الشراء على حساب المتعهد المقصر وإلزام
الإدارة إياه بفرق السعر – عدم اعتباره عقوبة بل هو تطبيق للقاعدة سالفة الذكر – أساس
ذلك.
(ب) عقد إداري – تنفيذه – الشراء على حساب المتعهد المقصر – عدم جواز شراء أصناف تغاير
الأصناف المتعاقد عليها – المقصود بالمغايرة في هذا الشأن – انتفاؤها إذا كان الاختلاف
في الجودة زيادة أو نقصاً عند تعذر الحصول على ذات الصنف المتعاقد عليه – للإدارة في
هذه الحالة شراء ما يماثل هذا الصنف ومحاسبة المتعهد على فرق السعر وفرق الجودة.
1 – من القواعد المسلمة في العقود مدنية كانت أو إدارية أن تنفذ الالتزامات عيناً فإذا
امتنع المتعهد عن تنفيذ ما تعهد به جاز للطرف الآخر أن يجبره على الوفاء عيناً مع تعويضه
عن الضرر الذي ينشأ من إخلاله بتعهده، وأنه ولئن كان التنفيذ عيناً في المعاملات المدنية
لا يتم إلا عن طريق القضاء فإنه في العقود الإدارية يكون تنفيذ الالتزام عيناً بواسطة
الإدارة تقوم به نفسها وعلى حساب المتعاقد معها وتحت مسئوليته، فالشراء على حساب المتعهد
المقصر في تنفيذ تعهده وإلزامه بفرق السعر ليس عقوبة توقع على المتعهد، وإنما هو تطبيق
لقاعدة تنفيذ الالتزام عيناً تقوم به الإدارة بنفسها عند إخلال المتعاقد معها بتعهده
ضماناً لحسن سير المرافق العامة واطراد سيرها ومنعاً من تعطلها بما قد يعرض المصلحة
العامة للضرر إذا توقفت هذه المرافق، وذلك لأن العقود الإدارية تتميز عن العقود المدنية
بطابع مناطه احتياجات المرفق الذي يستهدف العقد تسييره وتغليب وجه المصلحة العامة على
مصلحة الأفراد الخاصة، فبينما تكون مصالح الطرفين في العقود المدنية متوازية ومتساوية
فإنها في العقود الإدارية غير متكافئة، إذ يجب أن يعلو الصالح العام على المصالح الفردية
الخاصة وهذه الفكرة هي التي تحكم الروابط الناشئة عن العقد الإداري.
2- أنه وإن لم يكن لجهة الإدارة وهي تباشر على حساب المتعهد المقصر شراء الأصناف التي
قصر المتعهد في توريدها أن تشتري أصنافاً غير الأصناف المتعاقد عليها، إلا أن المغايرة
هنا تقتضي شيئاً من الإيضاح فليس لها أن تشتري سيارات إذا كان التعاقد على دراجات أو
تشتري سيارات نقل إذا كان التعاقد على سيارات ركوب وهكذا، وتنتفي المغايرة إذا كان
الاختلاف في جودة الصنف زيادة أو نقصاً إذا تعذر الحصول على ذات الصنف المتعاقد عليه
كما لو كان مما يصنعه المتعهد فلا يوجد عند غيره أو يكون قد نفذ من السوق فليس ثمت
ما يمنع جهة الإدارة من أن تشتري على حساب المتعهد، ما يماثل الصنف المتعاقد عليه وإن
اختلف عنه جودة زيادة أو نقصاً وتحاسبه على فرق السعر وفرق الجودة إن كان، باعتبار
أن هذين العنصرين يمثلان الضرر الذي لحق – على سبيل اليقين – بالمصلحة العامة بالإضافة
إلى غرامة التأخير التي ينص عليها العقد.
فإذا بان من الاطلاع على أوراق المناقصة التي رست على المدعي والتي قصر في تنفيذ التزامه
فيها وأوراق المناقصة التي تم فيها الشراء على حسابه بعد تخلفه عن الوفاء بالتزامه
أن مواصفات الأصناف التي طرحت في المناقصة التي رست عليها هي بذاتها مواصفات الأصناف
التي طرحت في المناقصة عند الشراء على حسابه، وكل ما هنالك أن العينات التي قدمت في
المناقصة العامة تقل في الجودة عن العينات التي تقدم بها المدعي وعلى ذلك فإنه لا تكون
هناك مغايرة في الأصناف المشتراة على حسابه عن تلك التي رست عليه إلا من حيث الجودة،
مما يجعل المدعي باعتبار أنه مقصر في تنفيذ التزامه ملزماً بتعويض جهة الإدارة ما حاق
بها من ضرر وهو ما يتمثل في الزيادة في السعر وما يقابل فرق الجودة في البضاعة، فإذا
كانت جهة الإدارة لم تخصم من مستحقات المدعي إلا ما يقابل الزيادة في السعر دون ما
يقابل النقص في جودة البضاعة فإنها تكون قد عاملته بالرحمة ولا تكون قد خالفت القانون.
ولا وجه للتحدي هنا بأن المدعي لو أنه ورد للهيئة ذات الأصناف التي اشترتها على حسابه
وهي تقل في الجودة عن العينات التي تقدم بها والتي رسا عليه عطاء توريدها لرفضتها لمخالفتها
للعينة ذلك أن المتعهد إن فعل ذلك يكون مخالفاً لتعهده مقصراً في تنفيذ التزامه ولا
يصح أن يفيد المقصر من تقصيره أو يحتج بتقصيره للتحلل من تعويض ما نشأ عن هذا التقصير
من ضرر.
إجراءات الطعن
بتاريخ 18 من يوليه سنة 1960 أودعت إدارة قضايا الحكومة بالنيابة
عن الهيئة العامة للسكك الحديدية سكرتيرية هذه المحكمة صحيفة طعن في الحكم الصادر من
محكمة القضاء الإداري بجلسة 22 من مايو سنة 1960 في القضية رقم 306 لسنة 13 القضائية
المرفوعة من هينتر بسادة موسى بصفته مديراً لمكتب مصر للأعمال التجارية ضد الهيئة العامة
للسكك الحديدية والقاضي بإلزام الهيئة المدعى عليها بأن تدفع للمدعي مبلغ 364.050 مجـ
ثلثمائة وأربعة وستين جنيهاً وخمسين مليماً والمصروفات المناسبة وبرفض ما عدا ذلك الطلبات.
وتطلب الطاعنة – للأسباب الواردة في صحيفة طعنها – الحكم بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه
بإلغاء الحكم المطعون فيه وبرفض دعوى المطعون ضده وإلزامه بالمصروفات ومقابل أتعاب
المحاماة.
أعلنت صحيفة الطعن للمطعون ضده في 28 من يوليه سنة 1960 وعين لنظره أمام دائرة فحص
الطعون جلسة 12 من نوفمبر سنة 1961 وأخطر بها الطرفان وأحيل إلى المحكمة الإدارية العليا
لجلسة 2 من ديسمبر سنة 1961 وبعد سماع ما رئي لزوماً لسماعه من إيضاحات أرجئ النطق
بالحكم لجلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع ما رئي لزوماً لسماعه من إيضاحات
وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.
من حيث إن عناصر هذه المنازعة – حسبما يبين من أوراق الطعن – تتحصل في أن المدعي هينتر
بسادة موسى بصفته مديراً لمكتب مصر للأعمال التجارية أقام الدعوى أمام محكمة القضاء
الإداري ضد الهيئة العامة لشئون السكك الحديدية وطلب الحكم فيها بإلزام المدعى عليها
بأن تدفع للمدعي مبلغ 382.890 مجـ ثلاثمائة واثنين وثمانين جنيهاً وثمانمائة وتسعين
مليماً والمصاريف ومقابل أتعاب المحاماة وقال بياناً لدعواه أنه بموجب العقد رقم 103/
1091 – تعاقد المدعي في الهيئة المدعى عليها على أن يقوم بتقديم 500 كيلو مسمار بصامولة
صلب طرى أسود ديثورت شكل 7 مقاس 8 × 5 × 8 مسدس مستديرة مسدسة بسعر الكيلو 92 مليماً،
5000 كيلو مقاس 4/ 3 × 3 بوصة بسعر الكيلو 85 مليماً بإجمالي 471 جنيهاً وعلى أن يكون
التوريد وفقاً لعينة مقدمة من المدعي حسب خطاب العقد المؤرخ 12 يوليه سنة 1956، وأنه
لم يستطع القيام بتنفيذ هذا العقد وتوريد المسامير المطلوبة نظراً لعدم إمكانه الحصول
على ترخيص بالاستيراد للقيود التي كانت مفروضة وقتئذ. كما أنه بالبحث في السوق المحلية
لم يجد هذه المسامير متوافرة حسب العينة التي قدمها، ومن أجل هذا فقد اعتذر المدعي
بعدم إمكانه التوريد وأخطر المدعى عليها بذلك كتابة في 29 من مايو سنة 1957، وقد طبقت
المدعى عليها ضده الفقرة ( أ ) من البند السابع والخمسين من المادة 43 من لائحة المناقصات
والمزايدات المرفقة بالقانون رقم 236 لسنة 1954 ويقابله نص المادة 105 من لائحة المناقصات
والمزايدات الصادرة بقرار وزير المالية والاقتصاد رقم 542 لسنة 1957 بشراء الأصناف
التي لم يقم المدعي بتوريدها من غيره على حسابه بالعقد رقم 103/ 2035 بسعر الصنف الأول
152 مليماً والثاني 147 مليماً للكيلو الواحد وذلك على أساس عينة مقدمة من المورد بهذا
العقد وأن العينة المقدمة بالعقد 103/ 2035 الخاص بمشتري الصنف تخالف كل المخالفة العينة
المقدمة من المدعي ولذلك جاءت أسعار هذا العقد مرتفعة عن أسعار المدعي بنسبة تزيد على
72% وأن الشراء ضد المدعي يقتضي من المدعى عليها أن تشتري ذات الصنف الذي لم يقم المدعي
بتوريده وليس مخالفاً له، كما ينبغي أن تتوافر المطابقة التامة المطلقة بين الصنفين
أو بعبارة أدق أن كون الشراء من النوع ذاته يجد سنده القانوني أولاً من تعبير البند
السابع والخمسين والمادة 105 السالف الإشارة إليها "بشراء الأصناف التي لم يقم المتعهد
بتوريدها" وشراء المصلحة للأصناف التي لم يقم المتعهد بتوريدها لا يمكن أن يعني بحال
أو ينصرف إلى شراء أصناف أخرى غيرها بل يجب أن يكون مثلها ومطابقة لها حتى يمكن أن
يقال عنها أنها الأصناف التي لم يقم المتعهد بتوريدها، وثانياً أن هذا حكم القواعد
العامة في القانون المدني وردت في المادة 205 منه بأنه إذا لم يقم المدين بتنفيذ التزامه
بنقل حق عيني على شيء لم يعين إلا بنوعه فيجوز للدائن أن يحصل على شيء من النوع ذاته،
وعلى ذلك يكون المدعي غير ملزم قانوناً بالفرق في الثمن بين سعره وسعر عقود مشتري الضد
بعد أن تبين أن العينتين مختلفتان ولذلك جاء السعران متفاوتان، وأضاف المدعي أنه أنذر
المدعى عليها بتاريخ 27 من يوليه سنة 1958 بالمحافظة على كلتا العينتين حتى تكونا تحت
تصرف القضاء عند عرض الأمر عليه، وإن المصلحة قد احتسبت مبلغ 382.980 جنيهاً قيمة فرق
الثمن والمصاريف الإدارية وغرامة التأخير من مستحقات المدعي لديها. وأنه يحق للمدعي
استرداد هذا المبلغ، وخلص المدعي من ذلك إلى طلباته السابق إيرادها. وقد أجابت الجهة
الإدارية على الدعوى بمذكرة أرسلتها إدارة المشتريات والمخازن بالسكك الحديدية إلى
هيئة مفوضي الدولة وأوردها المفوض في تقريره قالت فيها أن المدعي ليس له أن يتعلل بعدم
إمكانه الحصول على ترخيص الاستيراد، إذ أن عطاءه كان خلواً من الإشارة إلى ترخيص الاستيراد.
أما عن الشراء على حسابه فإن العينات التي تقدمت فض العطاءات كانت أقل جودة من العينات
المتعاقد عليها من المدعي وليس مقبولاً أن تغل يد الإدارة عن التعاقد وقد خولت المادة
43 من لائحة المناقصات والمزايدات سنة 1954 في البند 57 منها للجهة الإدارية إن تشتري
على حساب المتعهد المقصر الأصناف التي قصر عن توريدها بالطريقة التي تضمن بها الحصول
على هذه الأصناف. وأضافت الجهة الإدارية في مذكرة دفاعها المقدمة لمحكمة القضاء الإداري
لجلسة 10 من إبريل سنة 1960 أن الثابت من قرار لجنة البت عندما عرض عليها تظلم المدعي
أن عينة المورد الأصلي وعينة المشتري بالعين متشابهتان من حيث نوع المعدن فإنهما مسامير
بصامولة سوداء، وإن الثابت من مذكرة إدارة المخازن أن الأصناف المشتراة على الحساب
صناعة محلية وأقل جودة من الأصناف المتعاقد عليها مع المدعي، واستطردت في مذكرتها إلى
أن المدعي قد تعاقد مع الهيئة على توريد مسامير من أصناف معينة ومقاسات محددة ثم تخلف
عن تنفيذ التزامه فكان حتماً على الإدارة لضمان حسن سير المرفق العام وأخذاً بنصوص
العقد والقانون أن تشتري هذه الأصناف على حسابه من شخص آخر، ولكن الإدارة لم تجد في
السوق أصنافاً مطابقة تمام المطابقة للأصناف المتعاقد عليها مع المدعي فاضطرت لشراء
أصناف مشابهة لها وعلى حد قول لجنة البت من أنهما متشابهان من حيث نوع المعدن وأنهما
من مسامير بصامولة سوداء، وكان الاختلاف الوحيد بينها وبين الأصناف المتعاقد عليها
مع المدعي هو أن هذه الأصناف الجديدة أقل جودة من الأصناف الأصلية كما هو ثابت من مذكرة
لجنة المخازن المودعة بالملف، ولا غبار على تصرف الإدارة هذا فإنها في شرائها على الحساب
لم تجد نفس الأصناف المتعاقد عليها أصلاً فمن حقها أن تشتري ما يسد حاجة المرفق العام
ويضمن سيره بانتظام واستمرار، ولكنها مقيدة في ذلك كله بحسن النية الواجب مراعاتها
وهي فعلاً كانت في منتهى حسن النية، إذ أنها لم تشتر إلا أصنافاً أقل جودة من الأصناف
الأصلية وهي بديهياً أقل في سعرها من الأصناف الأصلية لو كانت موجودة وقت الشراء على
الحساب، وبالتالي فإن الفرق الذي حوسب به المدعي كان أقل مما كان سيلزم به لو وجدت
الأصناف الأصلية، وأن عبارة "فإن للإدارة أن تشتري الأصناف التي لم يتم توريدها" يجب
أن تفسر في النطاق الإداري في حدود المصلحة العامة وينصرف إلى أن للإدارة أن تشتري
نفس الأصناف المطابقة فإذا لم تجدها فتشتري ما يسد حاجة المرفق من الأصناف الشبيهة
وما يقوم مقام الأصناف المتعاقد عليها أصلاً، ولا يمكن بحال من الأحوال أن تنصرف كلمة
الأصناف إلى الأصناف المطابقة للأصناف الأصلية، إذ أن في ذلك إخلالاً بالمصلحة العامة
إذا لم تتوفر هذه الأصناف المطابقة في وقت الشراء على الحساب. وكل ما الأمر هو مراعاة
حسن النية في الشراء على الحساب. والثابت أن الإدارة اشترت أصنافاً أقل جودة من المتعاقد
عليها أصلاً ولكن بسعر أكثر بكثير من السعر الأصلي، والمدعي هو الملزم بالفرق بين السعرين
لأن تخلفه عن التوريد هو الذي اضطر الإدارة للشراء على الحساب وشراء الأصناف التي لم
تورد بأسعار أكبر من الأسعار المتفق عليها، وما دام الأمر كذلك فإن حق الإدارة ثابت
فيما اتخذته من خصم الفرق بين السعرين من مستحقات المدعي قبلها، وتكون دعواه حقيقة
بالرفض، وخلصت من ذلك إلى طلب رفض الدعوى وإلزام المدعي بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة.
وقدم المدعي مذكرة قال فيها أنه لو أقدم على توريد الأصناف التي اشترتها الهيئة على
حسابه وتريد أن تلزمه بفرق السعر عنها لما توانت في رفضها ولتمسكت بأن العقد يلزمه
بتوريد أصناف غيرها بموجب العينة المقدمة منه فكيف يجوز بعد ذلك للمدعى عليها أن تشتري
ما كانت ترفضه لو أنه ورده إليها ثم تحاسبه على فرق السعرين.
ومن حيث إن محكمة القضاء الإداري أصدرت في 22 من مايو سنة 1960 حكمها المطعون فيه بإلزام
الهيئة بأن تدفع للمدعي مبلغ 364.50 مجـ والمصروفات المناسبة ورفضت ما عدا ذلك من طلبات.
وأقامت قضاءها على أنه يتعين أن يتم الشراء على حساب المتعهد من الأصناف المطابقة لما
تم التعاقد عليه وبلا خلاف حتى يمكن تحميله فرق الثمن والمصاريف الإدارية ولا سند للهيئة
المدعى عليها من شروط العقد في شراء أصناف تخالف العينة المتعاقد عليها ومهما كانت
نسبة الاختلاف، وأنه قد ثبت في ملحق قرار اللجنة عن المناقصة 603/ 1/ 287 في 22 من
إبريل سنة 1957 أن العينة المشترى ضدها تخالف العينة المعتمدة على هذه المناقصة وأن
العينة المتعاقد على توريد مثلها هي محل اتفاق المتعاقدين. أما العينة المشترى مثلها
على حساب المدعي فلم تكن محل اتفاق الطرفين فيكون المدعي على حق في منازعته في تحمل
فرق سعر شرائها على حسابه، لأن العقد المبرم معه لا يقرر الشراء على الصورة التي تم
بها، وأن ما تبرر به الهيئة شراءها على هذه الصورة من أنها من لم تجد في السوق أصنافاً
مطابقة تمام المطابقة للأصناف المتعاقد عليها مع المدعي فاضطرت لشراء أصناف مشابهة
لها، فإنه دفاع لا يستقيم في سبيل الرجوع على المدعي بفرق الثمن، وما كان للمدعي دون
موافقة الهيئة المدعى عليها توريد مثل الصنف المشتري على حسابه، وكذلك ما كان للهيئة
المذكورة إلزام المدعي توريد مثيله دون اتفاق معه عليه. وخلصت المحكمة من ذلك إلى القول
بأن الهيئة أخطأت في خصم فرق الثمن من مستحقات المدعي لديها وقدره 340.50 مجـ وتبعاً
لذلك تكون قد أخطأت في خصم المصاريف الإدارية وقدرها 23.550 مجـ لأنها من مستلزمات
الشراء على الحساب فتأخذ حكمه ولا تقوم إلا بوجوده، ويكون المدعي محقاً في المطالبة
بهذين المبلغين وقدرهما 364.50 مجـ وقضت بإلزام الهيئة بدفعه. أما بالنسبة لما خصمته
الهيئة من مستحقات المدعي لديها مقابل غرامة التأخير وقدره 18.840 مجـ فقد رفضت الحكم
للمدعي به تأسيساً على أن تخلف المدعي عن التوريد ثابت فيكون خصم هذا المبلغ في حدود
ما يقضي به العقد.
ومن حيث إن الطعن يقوم على ما ذهب إليه الحكم المطعون فيه خطأ ومخالف للقانون، إذ أن
الثابت من تقرير لجنة البت ومذكرة إدارة المخازن حسبما أوضحت الحكومة في مذكرتها المقدمة
لجلسة 10 من إبريل سنة 1960 وقد أثبتت لجنة البت في قرارها أن عينة المورد الأصلي والعينة
المشتراة بالعقد متشابهتان من حيث نوع المعدن فإنهما من مسامير بصامولة سوداء وأثبتت
إدارة المخازن أن الأصناف المشتراة على الحساب صناعة محلية وأقل جودة من الأصناف المتعاقد
عليها أصلاً، وأن الهيئة اضطرت لشراء هذه الأصناف لحاجتها الملحة لها. ويستند الطعن
إلى أن البند 11 من العقد المبرم من المطعون ضده ينص على أنه "في حالة تأخر المتعهد
عن التوريد في المدة المحددة يصبح للمصلحة الحق في خصم غرامة مقدارها 1% من قيمة البضاعة
عن كل أسبوع تأخير كامل من أي مبالغ مستحقة للمتعهد أو من التأمين المدفوع منه بدون
سابق إخطار. وفي أن تشتري المهمات من السوق ضد المتعهد بدون سابق إخطار ومحاسبته على
فرق الثمن، 7.5% مصاريف إدارية". ولا خلاف في أن المطعون ضده تخلف عن التوريد في الميعاد
فقامت الهيئة بالبحث عن الأصناف المتعاقد عليها في السوق لتشتريها على حسابه وتسد حاجة
المرفق منها ولكنها لم تجدها فاضطرت لشراء أصناف محلية مشابهة لها ولكنها تقل جودة
عن الأصناف المتعاقد عليها، ولا يعد هذا خطأ من جانب الجهة الإدارية يحرمها من محاسبة
المطعون ضده على فرق الثمن، وإذا كان من حق الجهة الإدارية شراء نفس الأصناف على حساب
المتعهد المقصر ومحاسبته عليها فإنه من باب أولى لها أن تشتري أصنافاً أقل جودة من
الأصناف المتعاقد عليها وأن تحاسبه على فرق الثمن، وعملية الشراء على الحساب موضوع
هذه الدعوة في صالح المطعون ضده إذ لو وجدت الأصناف المتعاقد عليها في السوق أو لو
حاولت الجهة الإدارية استيرادها من الخارج لكان ثمن هذه الأصناف أكبر بكثير من ثمن
الأصناف الأقل جودة والتي اشترتها الجهة الإدارية فعلاً، وأن الضرر الذي حاق بالجهة
الإدارية لا يتمثل فقط في فرق السعر الذي تكبدته بل يتمثل أيضاً في أن المرفق قد سير
بأدوات أقل جودة من الأدوات المفروض أن يسير بها، وكان من حق الجهة الإدارية طبقاً
للقواعد العامة أن تحاسبه أيضاً على هذا الضرر الثاني وتطالبه بالفرق في الثمن الذي
يقابل فرق الجودة بين الصنفين، ولكنها اكتفت بمحاسبته على فرق الثمن الذي تكبدته فقط،
وفي خصوصية هذه الدعوى فإن الجهة الإدارية قد اتبعت مع المطعون ضده منتهى حسن النية
بل هي شاطرته جزءاً مما كان يجب أن يتحمله وحده من غرم وتحملت عنه قلة جودة الأصناف
التي اضطرت لشرائها نتيجة تخلفه عن أدائه لالتزامه. أما ما ذهبت إليه المحكمة في حكمها
من أن المطعون ضده لو كان قد تقدم بهذه الأصناف التي اشترتها الجهة الإدارية على حسابه
لرفضتها فما كان يجوز لها أن تشتر بها على حسابه وتحاسبه عليها – هذا القول مردود بأن
المطعون ضده وقد التزم بتوريد أصناف معينة فإنه لا يتحلل من هذا الالتزام إلا بحدوث
قوة قاهرة وهو أمر غير متوافر في هذه الدعوى، ومن حق الجهة الإدارية المطلق أن ترفض
أن يورد لها المطعون ضده أصنافاً أقل جودة من الأصناف المتعاقد عليها وكان لها أن تقبل
هذا التوريد المخالف وتخصم من الثمن ما يقابل نسبة الفرق في الجودة بين الصنفين، وهذا
القول من جانب الحكم المطعون فيه لا ينفي عن المطعون ضده التزامه بالتوريد ولا ينفي
تقصيره في تنفيذ التزامه فيجب أن يتحمل مغبة هذا التقصير. ويقوم طعن الحكومة أيضاً
على أن التفسير الذي أخذ به الحكم المطعون فيه للبند 11 من العقد يتعارض معارضة تامة
بل أنه يتناقض مع ما تعورف عليه في تفسير العقود الإدارية التي تقوم أولاً وقبل كل
شيء على فكرة المصلحة العامة وضمان حسن سير المرافق العامة بانتظام واضطراد فإذا ما
دعت الحال إلى الكشف عن النية المشتركة للمتعاقدين فإنه يجب أن يتجه الرأي أول ما يتجه
إلى أن هذه النية ليست إلا لتحقيق المصلحة العامة وحسن سير المرفق، وفي هذا النطاق
يجب تفسير العقد الإداري، وقد اتجه الحكم المطعون فيه اتجاهاً مجحفاً بالمصلحة العامة
ومتناقضاً مع أبسط قواعد العدالة إذ أعفى المتعهد المقصر من التزامه بالتعويض عن إخلاله
بالتزامه لمجرد أن الأصناف المشتراة أقل جودة من المتعاقد عليه.
ومن حيث إنه من القواعد المسلمة في العقود مدنية كانت أو إدارية أن تنفذ الالتزامات
عيناً، فإذا امتنع المتعهد عن تنفيذ ما تعهد به جاز للطرف الآخر أن يجبره على الوفاء
عيناً مع تعويضه عن الضرر الذي ينشأ من إخلاله بتعهده. وأنه ولئن كان التنفيذ عيناً
في المعاملات المدنية لا يتم إلا عن طريق القضاء فإنه في العقود الإدارية يكون تنفيذ
الالتزام عيناً بواسطة الإدارة تقوم به نفسها وعلى حساب المتعاقد معها وتحت مسئوليته،
فالشراء على حساب المتعهد المقصر في تنفيذ تعهده وإلزامه بفرق السعر ليس عقوبة توقع
على المتعهد وإنما هو تطبيق لقاعدة تنفيذ الالتزام عيناً تقوم به الإدارة بنفسها عند
إخلال المتعاقد عليها بتعهده ضماناً لحسن سير المرافق العامة واطراد سيرها ومنعاً من
تعطلها بما قد يعرض المصلحة العامة للضرر إذا توقفت هذه المرافق، وذلك لأن العقود الإدارية
تتميز عن العقود المدنية بطابع مناطه احتياجات المرفق الذي يستهدف العقد تسييره وتغليب
وجه المصلحة العامة على مصلحة الأفراد الخاصة، فبينما تكون مصالح الطرفين في العقود
المدنية متوازية ومتساوية فإنها في العقود الإدارية غير متكافئة إذ يجب أن يعلو الصالح
العام على المصالح الفردية الخاصة، وهذه الفكرة هي التي تحكم الروابط الناشئة عن العقد
الإداري.
ومن حيث إنه وإن لم يكن لجهة الإدارة وهي تباشر على حساب المتعهد المقصر شراء الأصناف
التي قصر المتعهد في توريدها أن تشتري أصنافاً غير الأصناف المتعاقد عليها، إلا أن
المغايرة هنا تقتضي شيئاً من الإيضاح فليس لها أن تشتري سيارات إذا كان التعاقد على
دراجات أو تشتري سيارات نقل إذا كان التعاقد على سيارات ركوب وهكذا، وتنتفي المغايرة
إذا كان الاختلاف في جودة الصنف زيادة أو نقصاً إذا تعذر الحصول على ذات الصنف المتعاقد
عليه كما لو كان مما يصنعه المتعهد فلا يوجد عند غيره أو يكون قد نفذ من السوق فليس
ثمت ما يمنع جهة الإدارة من أن تشتري على حساب المتعهد ما يماثل الصنف المتعاقد عليه
وإن اختلف عنه جودة زيادة أو نقصاً وتحاسبه على فرق السعر وفرق الجودة إن كان، باعتبار
أن هذين العنصرين يمثلان الضرر الذي لحق على سبيل اليقين بالمصلحة العامة بالإضافة
إلى غرامة التأخير التي ينص عليها العقد.
ومن حيث إنه يبين من الاطلاع على أوراق المناقصة التي رست على المدعي والتي قصر في
تنفيذ التزامه فيها وأوراق المناقصة التي تم فيها الشراء على حسابه بعد تخلفه عن الوفاء
بالتزامه أن مواصفات الأصناف التي طرحت في المناقصة هي بذاتها مواصفات الأصناف التي
طرحت فيها المناقصة عند الشراء على حسابه، وكل ما هنالك أن العينات التي تقدمت في المناقصة
العامة تقل في الجودة عن العينات التي تقدم بها المدعي، وعلى ذلك فإنه لا تكون هناك
مغايرة في الأصناف المشتراة على حسابه عن تلك التي رست عليه إلا من حيث الجودة، مما
يجعل المدعي باعتبار أنه مقصر في تنفيذ التزامه ملزماً بتعويض جهة الإدارة ما حاق بها
من ضرر وهو ما يتمثل في الزيادة في السعر وما يقابل فرق الجودة في البضاعة، فإذا كانت
جهة الإدارة لم تخصم من مستحقات المدعي إلا ما يقابل الزيادة في السعر دون ما يقابل
النقص في جودة البضاعة فإنها تكون قد عاملته بالرحمة ولا تكون قد خالفت القانون، ولا
وجه للتحدي هنا بأن المدعي لو أنه ورد للهيئة ذات الأصناف التي اشترتها على حسابه وهي
تقل في الجودة عن العينات التي تقدم بها والتي رسا عليه عطاء توريدها لرفضتها لمخالفتها
للعينة، ذلك أن المتعهد إن فعل ذلك يكون مخالفاً لتعهده مقصراً في تنفيذ التزامه، ولا
يصح أن يفيد المقصر من تقصيره أو يحتج بتقصيره للتحلل من تعويض ما نشأ عن هذا التقصير
من ضرر.
ومن حيث إنه لما تقدم، يكون الحكم المطعون فيه، إذ ذهب خلاف هذا المذهب قد انطوى على
مخالفة للقانون ويتعين إلغاؤه ورفض الدعوى.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه وبرفض الدعوى وألزمت المدعي المصروفات.
