الطعن رقم 159 لسنة 8 ق – جلسة 20 /04 /1963
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الثامنة – الجزء الثاني (من أول فبراير سنة 1962 إلى آخر سبتمبر سنة 1963) –
صـ 1064
جلسة 20 من إبريل سنة 1963
برياسة السيد/ الإمام الإمام الخريبي نائب رئيس المجلس وعضوية السادة: مصطفى كامل إسماعيل والدكتور ضياء الدين صالح ومحمد مختار العزبي وأبو الوفا زهدي المستشارين.
القضية رقم 159 لسنة 8 القضائية
قراري إداري – مسئولية إدارية – خطأ مرفقي أو مصلحي – القرارات
الإدارية التي تصدرها الإدارة في تسييرها للمرافق العامة – قيامها على خطأ من جانبها
سبب ضرراً لصاحب الشأن يرتب مسئوليتها عن تعويضه – مثال – خطأ مسجل كلية الطب بالإسكندرية
بتدوينه، بالمخالفة الحقيقية، تقديرات المرشحين للتعيين في وظيفة معيد بقسم الهستولوجيا
وصدور قرار بتعيين أحدهم بالمخالفة للقانون لهذا السبب – سحب هذا القرار صحيح، غير
أنه لا ينفي قيام خطأ مرفقي من جانب الكلية لما انبنى عليه من انتهاء خدمة الموظف بالصحة
المدرسية ليعين بها تعييناً خاطئاً – امتناع الصحة المدرسية من إعادته إلى خدمتها ليس
هو القرار محل التعويض، إذ لا إلزام عليها في إعادة تعيينه بها – خطأ الجامعة هو الذي
تسبب عنه فقد الموظف لوظيفته دون ذنب من جانبه فوجب عليها تعويضه بمراعاة ظروف التحاقه
بعمل آخر في دولة أخرى.
إنه ولئن كانت جامعة الإسكندرية، قد أصابت وجه الحق فيما بادرت إلى اتخاذه من سحب قرار
تعيين الطاعن بوظيفة معيد بقسم الهستولوجيا بكلية الطب، بعد إذ ثبت لها من التحقيقات
أنه قرار خاطئ قائم على غير سببه، وهذا الإجراء الإداري اللاحق من جانب الجامعة صحيح
قانوناً. إلا أن هذا لا ينفي أن خطأ مرفقياً قد وقع من جانبها في سبب قرار التعيين
على يد موظف التسجيل بكلية الطب فيما قام بتدوينه بكشف الترشيح من بيانات خاطئة تخالف
الحقيقة عن التقديرات التي حصل عليها ثلاثة عشر مرشحاً في مادة الهستولوجيا التي هي
مادة التخصص محل المفاضلة بين المتقدمين، ولا خلاف في أن الخطأ الذي وقع من موظف التسجيل
يعتبر من قبيل الأخطاء المصلحية المنسوبة إلى المرفق العام ذاته. خاصة وقد تبين صدق
ما أبداه ذلك الموظف من أن القانون رقم 625 لسنة 1954 نص في الجدول رقم 2 منه على أن
امتحان المرحلة المتوسطة يشمل مادة التشريح وعلم الأنسجة والخلايا (الهستولوجيا) كما
أوضح الدكتور حسن الكاشف في التحقيق الإداري الذي أجرته الجامعة في شأن هذا الخطأ الذي
وقع من موظفها في أثناء تأدية عمله الرسمي أن مادة الهستولوجيا تم الامتحان فيها في
عام 1956 وفي يناير سنة 1957 ضمن مادة التشريح في ورقة امتحان واحدة وأصبح تقديرها
ودرجاتها ضمن مادة التشريح في نهاية السنة الثانية طب بشري. الأمر الذي من شأنه أن
يجعل تصرف المسجل المذكور غير مصطبغ بطابع شخصي أو نفع ذاتي، وإنما هو على كل حال خطأ
مصلحي من جانب الإدارة، يكون الركن الأول من أركان المسئولية التضمينية لجهة الإدارة.
ومن المسلمات قضاء وفقها أن مناط مسئولية الإدارة عن القرارات الإدارية التي تصدرها
في تسييرها للمرافق العامة هو قيام خطأ من جانبها، وأن يلحق صاحب الشأن ضرر، وأن تقوم
علاقة السببية بين الخطأ والضرر بأن يترتب الضرر على القرار المعيب.
وإذا كان ذلك كذلك، وكان خطأ الجامعة على يد موظفها المسجل المذكور، في سبب قرار تعيين
الطاعن قد انبنى عليه انتهاء خدمة هذا الأخير بالصحة المدرسية ليعين تعييناً جديداً
خاطئاً وعلى غير سند سليم، بكلية الطب بجامعة الإسكندرية، فإنه لا محل والحالة هذه
للقول بأن امتناع الصحة المدرسية من إعادة الطاعن إليه هو القرار محل التعويض. إذ لا
إلزام على الصحة المدرسية في أن تعينه من جديد في خدمتها بعد أن انقطعت صلته الوظيفية
بها نهائياً لتعيينه بالجامعة وهي ذات استقلال عن وزارة الصحة. وبهذه المثابة يكون
خطأ الجامعة المشار إليه هو الذي تسبب عنه في الواقع من الأمر تخلي الطاعن عن وظيفته
وفقدانه لها دون ذنب من جانبه وبذلك يتعين أن تسأل جامعة الإسكندرية عن خطأ موظفيها
ويترتب على ذلك تعويض الطاعن عما أصابه من ضرر يدخل في تقديره ما أحاط الطاعن من ظروف
التحاقه بعمل آخر في دولة أخرى كما هو ثابت من أصول الأوراق، على إثر سحب قرار تعيينه
الخاطئ بالجامعة.
إجراءات الطعن
في 4 من يناير سنة 1962 أودع الأستاذ المحامي عن الدكتور حسين كامل أمين تقرير طعن أمام هذه المحكمة قيد بجدولها تحت رقم 159 لسنة 8 القضائية في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري – هيئة الفصل بغير الطريق التأديبي – بجلسة 29 من نوفمبر سنة 1961 في الدعوى رقم 909 لسنة 14 القضائية المقامة من الدكتور الطاعن ضد جامعة الإسكندرية، والذي قضى: برفض الدعوى وألزمت المدعي المصروفات. وطلب السيد الطاعن للأسباب التي استند إليها في تقرير طعنه: (الحكم بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه فيما قضى به من رفض الدعوى، والحكم: بصفة أصلية، بإلغاء الأمر الصادر من جامعة الإسكندرية برقم 4274 في 3 من ديسمبر سنة 1959 فيما قضى به من فصله من الخدمة اعتباراً من 10 من أكتوبر سنة 1959 وما يترتب على ذلك من آثار. وبصفة احتياطية: إلزام جامعة الإسكندرية بأن تدفع له مبلغ خمسة آلاف جنيه بصفة تعويض عن الأضرار المادية والأدبية التي أصابته بسبب الأمر رقم 4274 لسنة 1959، مع إلزام الجامعة المصاريف ومقابل أتعاب المحاماة عن الدرجتين، وقد أعلن هذا الطعن إلى جامعة الإسكندرية في 9 من يناير سنة 1962 وعين لنظره أمام دائرة فحص الطعون جلسة 6 من أكتوبر سنة 1962 ومنها إلى جلسة 20 منه وفيها قررت الدائرة إحالة الطعن إلى المحكمة الإدارية العليا للمرافعة بجلسة 24 من نوفمبر سنة 1962 حيث سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات ذوي الشأن على الوجه المبين بمحضر الجلسة، ثم قررت إرجاء النطق بالحكم إلى جلسة 19 من يناير سنة 1963 وبعد المداولة قررت فتح باب المرافعة لمناقشة طرفي المنازعة بجلسة 30 من مارس سنة 1963 وفيها قرر الحاضر عن الطاعن أنه يصمم على طلبه الاحتياطي الذي يهدف إلى طلب التعويض عن الأضرار التي أصابت موكله من جراء القرار الخاطئ بتعيينه معيداً بكلية الطب ففقد بذلك وظيفته الأصلية بوزارة الصحة كما فقد وظيفته الجديدة بجامعة الإسكندرية لخطأ وقع من جانب الكلية في قرار تعيينه.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع الإيضاحات، وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة حسبما يبين من أوراق الطعن، تتحصل في أن الطاعن أقام
الدعوى رقم 959 لسنة 14 القضائية أمام محكمة القضاء الإداري – هيئة الفصل بغير الطريق
التأديبي – بعريضة أودعها سكرتيرية تلك المحكمة في 31 من مارس سنة 1960 طلب فيها الحكم
بصفة أصلية إلغاء الأمر الصادر من جامعة الإسكندرية برقم 4274 في 3 من ديسمبر سنة 1959
فيما قضى به من فصله من الخدمة اعتباراً من 10 أكتوبر سنة 1959 وما يترتب على ذلك من
آثار وصرف الفروق، وبصفة احتياطية بإلزام جامعة الإسكندرية بأن تدفع له مبلغ خمسة آلاف
جنيه بصفة تعويض عن الأضرار المادية والأدبية التي أصابته بسبب الأمر رقم 4274 مع إلزام
الجامعة بالمصاريف ومقابل الأتعاب. وقال الطاعن شرحاً لدعواه إنه تخرج من كلية الطب
بجامعة الإسكندرية بدرجة (جيد) في فبراير سنة 1954 وعمل طبيب امتياز بمستشفيات الجامعة
ثم طبيباً بالقوات المسلحة لمدة سنة ثم عين بعد ذلك طبيباً مقيماً بقسم أمراض النساء
والتوليد بجامعة الإسكندرية لمدة سنتين حصل خلالها على دبلوم أمراض النساء والتوليد،
ومن بعد عين طبيباً بالصحة المدرسية بالإسكندرية وحصل في يونيه سنة 1959 على دبلوم
الجراحة العامة بدرجة (جيد) ثم في أكتوبر سنة 1958 كانت كلية الطب بجامعة الإسكندرية
قد أعلنت عن وظائف معيدين بأقسام التشريح والهستولوجيا والباثولوجيا فتقدم الطاعن بصفة
احتياطية في وظيفة معيد بقسم الهستولوجيا ثم حدث لتنازل بعض من كانوا يسبقونه عن ترشيحهم
أن انتهى الأمر بالكلية إلى ترشيحه هو والدكتور إبراهيم لطفي عبد اللطيف معيدين أصليين
بقسم الهستولوجيا وطلبت إدارة الجامعة من الصحة المدرسية الموافقة على نقل الطاعن إليها
فوافقت وزارة الصحة وتم النقل، وتسلم الطاعن العمل بقسم الهستولوجيا في 17 من مايو
سنة 1959 وفي 3 من أكتوبر سنة 1959 أصدرت الجامعة قرار بوقف تعيين الطاعن في الوظيفة
المذكورة استناداً إلى عدم استيفائه للشروط المطلوبة في التعيين وطلبت إلى وزارة الصحة
الموافقة على إرجاع الطاعن إلى وظيفته الأصلية فيها. ولكن الوزارة رفضت إعادته. وفي
3 من ديسمبر سنة 1959 أصدرت الجامعة الأمر رقم 4274 وهو يقضي بفصل الطاعن من وظيفته
اعتباراً من 10 من أكتوبر سنة 1959 فتظلم الطاعن من الأمر الأخير إلى السيد مدير الجامعة
في 19/ 12/ 1959 ولكنه لم يتلق رداً على تظلمه فحق له أن يقيم دعوى الإلغاء لغاية يوم
18/ 4/ 1960، وينعى الطاعن على قرار الفصل مخالفته للقانون من وجهتين: الأولى: أنه
يعتبر سحباً لقرار التعيين بعد انقضاء المواعيد المقررة للسحب وهي الستين يوماً من
تاريخ صدور قرار التعيين، وإن قيل بأن قرار صدر بوقف التعيين في 3 من أكتوبر سنة 1959
فإن هذا القول مردود بأن الوقف لا يعتبر قراراً ساحباً ولا ينتج الأثر المطلوب من الإلغاء.
وإن قيل بأن قرار الوقف يعتبر موقفاً لمواعيد السحب، وهو ما ينازع الطاعن فيه، فإن
قرار الفصل المطعون فيه صدر في اليوم الواحد والستين من تاريخ صدور قرار الوقف، أي
بعد انقضاء المواعيد المقررة قانوناً للسحب. والثانية: أنه قام على النظر إلى تقدير
الطاعن في مادة الهستولوجيا باعتبارها مادة منفصلة ومستقلة عن مادة التشريح. في حين
أنه ينبغي طبقاً لمناهج كلية الطب اعتبار المادتين المذكورتين مادة واحدة والأخذ بمتوسط
التقدير فيهما. ومن أجل ذلك يطلب الطاعن إلغاء أمر الفصل واعتباره كأن لم يكن مع ما
يترتب على ذلك من آثار وعلى سبيل الاحتياط يطلب الطاعن الحكم له بتعويض مناسب عن الأضرار
التي أصابته بسبب الأمر المذكور لما ترتب عليه نتيجة خطأ الجامعة وتسرعها في إنهاء
خدمة الطاعن بوزارة الصحة وإضاعة وظيفته السابقة عليه وما أفضى إليه ذلك من ضرر محقق
لمصالحه ومستقبله ويقدر الطاعن تعويضاً مناسباً لذلك مبلغ خمسة آلاف جنيه.
ردت جامعة الإسكندرية على الدعوى بأن كلية الطب كانت قد أعلنت في منتصف شهر سبتمبر
سنة 1958 عن شغل ثلاث وظائف معيدين بقسم الهستولوجيا بها. وكان الطاعن من بين المتقدمين
بطلب التعيين ونظراً إلى أن أساس المفاضلة في الترشيح لهذه الوظائف هو التفوق في مادة
الهستولوجيا بوصفها مادة التخصص، فقد أعدت الكلية بياناً بترتيب المتقدمين وفقاً للتقدير
الحاصلين عليه في درجة البكالوريوس عامة وتقدير امتحان مادة التخصص بوجه خاص. ثم عرض
الأمر على لجنة الترشيح التي شكلت لهذا الغرض. وكان الطاعن (الدكتور حسين كامل أمين)
أحد من وقع عليهم الاختيار وذلك بحسب ما جاء في البيان المنوه عنه من حصوله على درجة
(جيد جداً) في مادة التخصص وترتيباً على ذلك استكملت الإجراءات ووافق السيد مدير الجامعة
على تعيينه في إحدى الوظائف الثلاث سالفة الذكر. ولما كان الطاعن يشغل حينذاك وظيفة
بمصلحة الصحة المدرسية التابعة لوزارة الصحة فقد أخطرت بما تم في شأنه، وحينما أخلي
طرفه منها تسلم العمل بكلية الطب في 17 من مايو سنة 1959 وصدر بذلك الأمر رقم 2782
في 5/ 8/ 1959 باعتبار التعيين مرتداً إلى تاريخ تسلم العمل. ثم حدث أن أبلغ أحد زملاء
الطاعن (الدكتور كمال عبد الله إبراهيم) ممن سبق لهم التقدم لشغل إحدى الوظائف المذكورة
عن شكواه من إغفال تعيينه بسبب ما أثبته خطأ البيان المدرج به تقديرات ودرجات المتقدمين
من أنه حاصل على درجة (جيد) في مادة الهستولوجيا، بينما الصحيح أنه حاصل على درجة (جيد
جداً) في هذه المادة، ومن ثم فإنه يسبق الطاعن في أحقية التعيين. فعلى إثر ذلك صدر
الأمر رقم 3186 في 5 من أكتوبر سنة 1959 بإيقاف تعيين الدكتور حسين كامل أمين كما أجري
تحقيق في الأمر، كشف عن صحة واقعة الخطأ فيما ورد بالبيان المشار إليه آنفاً. وثبت
بحق أن الطاعن (حسين كامل أمين) حصل في مادة الهستولوجيا على درجة (جيد) فقط بينما
حصل الشاكي (كمال عبد الله إبراهيم) على درجة (جيد جداً) في مادة التخصص هذه، بيد أن
لجنة الترشيح لم تستعرض حالته، ولم ترشحه لاعتمادها على ما تم تدوينه خطأ في البيان.
وإزاء ذلك صدر في 3 من ديسمبر سنة 1959 الأمر رقم 4274 بفصل الطاعن الدكتور حسين كامل
أمين، المعيد بقسم الهستولوجيا بكلية الطب اعتباراً من 10/ 10/ 1959 تاريخ إخلائه من
العمل بالكلية. ولما كانت الجامعة من جهة أخرى قد حررت للصحة المدرسية في شأن إعادة
الطاعن إلى وظيفته السابقة بها إلا أنها رفضت ذلك. واستطردت الجامعة في مذكرتها قائلة
إنه لما كان تعيين الطاعن قد تم استناداً إلى حصوله على درجة (جيد جداً) في مادة التخصص،
وهي أساس المفاضلة في الترشيح لشغل الوظيفة وشرطها الجوهري، ثم ثبت عدم صحة ذلك الأساس
فيكون القرار الصادر بتعيينه فقد سببه وسنده وأضحى بهذه المثابة باطلاً وما بني عليه
باطل. واستلزمت دواعي الضرورة سحبه وإلغاؤه في أي وقت دون التقيد بميعاد الستين يوماً
بوصفه – وقد لحقه البطلان لانعدام سببه – قراراً معدوماً لا يرتب أثراً ولا تعصمه حصانة،
وذلك بافتراض طرح النظر عن قرار إيقاف التعيين، وإن كان من المتعين الاعتداد بأثره
وبفاعليته، واستطردت الجامعة قائلة إنه يتعذر التسليم بطلب المدعي إدماج مادتي الهستولوجيا
واعتبارهما مادة واحدة، والأخذ بمتوسط التقدير فيهما. وذلك لأن استقلالهما وانفصالهما
كان مقرراً في العامين (1948/ 1949)، (1949/ 1950) وهما العامين اللذين أدى فيهما الطاعن
وأقرانه امتحاناً مستقلاً في كل من المادتين على حدة. وقالت الجامعة عن طلب التعويض
أن الطاعن لم يوضح أركان المسئولية بصدده وذلك فضلاً عن الشك في الأضرار المقول بها
حيث التحق عقب تركه الجامعة مباشرة بالعمل بالمملكة السعودية حسبما استدل على ذلك من
مكاتباته في هذا الشأن لمكتب الأمن بوزارة التربية. ولما تقدم تكون الدعوى بشقيها قد
قامت على غير سند من القانون ويتعين القضاء برفضها مع إلزام الطاعن المصروفات.
وبجلسة 3 من مايو سنة 1961 أمام محكمة القضاء الإداري قدم الطاعن مذكرة عقب فيها على
تقرير السيد مفوض الدولة فقال إن طلب الطاعن الاحتياطي الخاص بالتعويض هو محل اتفاق
بينه وبين سيادة المفوض، وإن لاحظ الطاعن أن المفوض قصر أحقيته في التعويض على الأضرار
المادية التي لحقته من جراء تعيينه الخاطئ بحرمانه من عمله بوزارة الصحة مع أنه لا
شك في إصابته بأضرار أدبية أيضاً وعلى الأخص من حيث ما أثاره القرار الساحب من شكوك
تمس اعتباره الأدبي في المحيط الذي يعيش فيه وذلك بالإضافة إلى القلق النفسي الذي اضطر
الطاعن إلى مواجهته بعد أن رتب حياته على تعيينه معيداً في الجامعة. وعلى ذلك فمن حق
الطاعن أن يدخل في التقدير الأضرار المادية وكذا الأضرار الأدبية التي أصابته من جراء
قرار فصله الصادر نتيجة لخطأ الجامعة والتي طلب عنها التعويض في صحيفة الدعوى وقدره
بمبلغ خمسة آلاف جنيه. أما عن الطلب الأصلي الخاص بإلغاء القرار الساحب لتعيينه معيداً
بالجامعة فإن السيد مفوض الدولة قد رأى رفضه في تقريره ولذلك فإن هذا الرأي يحتاج إلى
تعقيب من الطاعن فيقول إن القرار الساحب صدر في 3 من ديسمبر سنة 1959 أما قرار التعيين
فقد صدر في 5 من أغسطس سنة 1959 وفي الفترة الزمنية الفاصلة بينهما صدر قرار إيقاف
التعيين في 5 من أكتوبر سنة 1959 وعلى ذلك يكون القرار الساحب جاء بعد انقضاء أكثر
من ستين يوماً على صدور قرار التعيين، ومن ثم يكون قد جاء بعد الميعاد المقرر للسحب
من جانب جهة الإدارة. أما قرار الإيقاف فجاء في اليوم التالي لانقضاء ستين يوماً من
تاريخ صدور قرار التعيين ومن ثم يكون قد جاء بعد الميعاد المقرر للسحب من جانب جهة
الإدارة فضلاً عن أن الإيقاف لا يعتبر في ذاته سحباً. أما عن الشكويين المقدمتين من
زميل المدعي (الدكتور كمال عبد الله إبراهيم) في 18 من أغسطس وفي 20 منه سنة 1959 وكلتاهما
محررتان بخط الشاكي فلا يعتبران من قبيل التظلمات القانونية القاطعة للميعاد لأن الشكوى
الأولى موجهة إلى عميد كلية الطب ولم توجه إلى مدير الجامعة والمسلم طبقاً لقانون تنظيم
الجامعات أن عمداء الكليات لا يملكون سلطة إصدار قرارات بالتعيين في وظائف المعيدين
وإنما يملكها مدير الجامعة ومن ثم فهو الذي يملك سحبها، كما وأن هذه الشكوى لم تحمل
صيغة التظلم الواجبة إذ أنها لا تعدو أن تكون التماساً لا يحمل طلباً واضحاً بالإلغاء
أو السحب فمقدم الشكوى لم يكن يطلب إلغاء قرار تعيين الطاعن وإنما التمس تعيينه في
وظيفة معيد بالجامعة بل إنه اقترح على عميد كلية الطب تعويضه عن الوظيفة التي فقدها
في الهستولوجيا بوظيفة أخرى في الترشيح ولأن الشكوى الثانية، وإن وجهت إلى مدير الجامعة،
إلا أنها لم تخرج عن أن تكون ترديد لذات معنى الشكوى الأولى. وطالما أن زميل الطاعن
لم يتقدم بتظلم بالمعنى القانوني فإن ميعاد سحب قرار تعيين الطاعن ينتهي بإنهاء ستين
يوماً على صدوره أي ينتهي في 4 من أكتوبر سنة 1959، ولما كانت الجامعة لم تصدر حتى
هذا التاريخ قرار بسحبه فإنه يكون حصيناً من السحب، ومن ثم يكون القرار الصادر في 3
من ديسمبر سنة 1959 بهذا السحب غير جائز قانوناً ومخالفاً للقانون. لهذا يصمم الطاعن
على طلبيه الأصلي بالإلغاء والاحتياطي بالتعويض.
وبجلسة 29 من نوفمبر سنة 1961 حكمت محكمة القضاء الإداري – هيئة الفصل بغير الطريق
التأديبي – "برفض الدعوى وألزمت المدعي المصروفات". وأقامت المحكمة قضاءها عن الطلب
الأصلي وهو طلب الإلغاء على أن المدعي أقام هذا الطلب على أساس أن قرار الفصل خالف
القانون من وجهين: الأول أن قرار الفصل يعتبر ساحباً لقرار التعيين بعد انقضاء المواعيد
المقررة للسحب والثاني أنه قام على أساس أن مادة الهستولوجيا منفصلة ومستقلة عن مادة
التشريح في حين أنه ينبغي اعتبار المادتين مادة واحدة والأخذ بمتوسط التقدير فيهما.
ففيما يتعلق بالوجه الأول فقد بان لمحكمة القضاء الإداري من الرجوع للأوراق أن المدعي
عين معيداً بكلية الطب وتسلم العمل بها نقلاً من مصلحة الصحة المدرسية في 17/ 5/ 1959
وصدر بهذا التعيين أمر المراقب الإداري للمستخدمين رقم 2782 في 5/ 8/ 1959 الذي أشار
إلى موافقة السيد/ مدير الجامعة بالنيابة على هذا التعيين في 14/ 3/ 1959 كما حدد تاريخ
التعيين بتاريخ استلام المدعي العمل. فتظلم من هذا الأمر الدكتور (كمال عبد الله إبراهيم)
بشكويين وجه الأولى منهما إلى السيد عميد كلية الطب في 18/ 8/ 1959 الذي أشر عليها
في 20/ 8/ 1959 بعمل مذكرة بالتفصيل ورفع الأمر إلى الجامعة للتحقيق وإجراء اللازم.
ووجه الثانية منهما إلى السيد/ مدير الجامعة في 20/ 8/ 1959 وعلى ذلك أجرى تحقيق إداري
في 19/ 9/ 1959 وأعدت إدارة المستخدمين مذكرة في 3/ 10/ 1959 ورد بها أنه اتضح من البيانات
التي توصل إليها التفتيش الإداري، وبعد مناقشة السيد أمين الجامعة للسادة عميد الكلية
وأستاذ التشريح بها، ورئيس قسم الهستولوجيا: أن تعيين المدعي في وظيفة معيد بقسم الهستولوجيا
تم على أساس خاطئ لأنه حصل على تقدير "جيد" فقط في مادة الهستولوجيا. واقترحت إدارة
المستخدمين الموافقة على إيقاف قرار تعيينه الصادر في 5/ 8/ 1959 حيث لم يمض عليه أكثر
من ستين يوماً، والكتابة إلى الصحة المدرسية التي نقل منها الدكتور حسين كامل أمين
لإعادته إليها بالحالة التي كان عليها قبل نقله إلى الجامعة، فوافق على ذلك السيد/
مدير الجامعة في 3/ 10/ 1959 وصدر الأمر رقم 3186 في 5 من أكتوبر سنة 1959 من أمين
الجامعة بإيقاف أمر تعيين المدعي تنفيذاً لتأشيرة السيد مدير الجامعة المشار إليها.
وكما قدم مدير إدارة التفتيش الإداري إلى أمين الجامعة مذكرة بنتيجة التحقيق في 12/
10/ 1959 ورد بها أن شكوى الدكتور (كمال عبد الله إبراهيم) تستند إلى أساس صحيح ويكون
تعيين المدعي الدكتور (حسين كامل أمين) في وظيفة معيد بقسم الهستولوجيا الصادر به أمر
الجامعة رقم 2782 في 5/ 8/ 1959 تم على أساس خاطئ لأنه لم يحصل على تقدير (جيد جداً)
في هذه المادة، وهي مادة التخصص، وإنما حصل فيها على تقدير (جيد) فقط. وبعدئذ أعدت
إدارة المستخدمين مذكرة في 2 من ديسمبر سنة 1959 أوضحت فيها أنه قد بان من التحقيق
الذي أجرته الجامعة بطلان تعيين المدعي واقترحت فيها قبل أن تمضي على الإيقاف مدة الستين
يوماً إصدار أمر بفصل المدعي من الخدمة اعتباراً من تاريخ إخلاء طرفه في 10 من أكتوبر
سنة 1959 فوافق السيد/ مدير الجامعة على ذلك في 2/ 12/ 1959 وصدر من السيد أمين الجامعة
القرار رقم 4274 في 3/ 12/ 1959 بفصل المدعي اعتباراً من 10/ 10/ 1959 وترتيباً على
ذلك يكون القرار الساحب للتعيين والصادر في 2 من ديسمبر سنة 1959 وهو القرار المطعون
فيه بالإلغاء قد صدر في المواعيد العادية للسحب الإداري وليس بعدها ومن ثم يتعين استبعاد
الوجه الأول من طعن المدعي على قرار السحب القائم على مخالفة هذا القرار للقانون لصدوره
بعد الميعاد المذكور – أما فيما يتعلق بالوجه الثاني من وجهي طعن المدعي على القرار
الساحب المؤسس على بطلان سببه إذ أن السبب وهو الأفضلية في الترشيح لشغل الوظيفة، يجب
أن يقوم على إدماج مادتي الهستولوجيا والتشريح واعتبارهما مادة واحدة، والأخذ بمتوسط
التقدير فيهما، ففي ذلك قالت محكمة القضاء الإداري في أسباب حكمها المطعون فيه، أن
الثابت من الأوراق أن المادتين كانتا مستقلين في العامين (1948/ 1949)، (1949/ 1950)
وهما العامان اللذين فيهما أدى المدعي وأقرانه امتحان الهستولوجيا، وهي مادة التخصص
للتعيين في وظيفة معيد بقسم الهستولوجيا وعلى ذلك لا يصح للمدعي أن يتمسك بضم المادتين
والأخذ بمتوسط تقديرهما على أساس أنهما مادة واحدة. والواقع أن الخطأ في سبب قرار التعيين،
رجع إلى ما كشف عنه التحقيق من خطأ موظف التسجيل فيما دونه أمام مادة الهستولوجيا من
تقدير هو عن مادة التشريح متعللاً بأنه قد بدأ عمله في سبتمبر سنة 1956 وكانت مادة
الهستولوجيا تمتحن ضمن مادة التشريح بالتطبيق للائحة الأساسية لكلية الطب الصادر بها
القانون رقم لسنة 1954 فاستقر لديه خطأ أن ذلك هو النظام الذي كان قائماً في
سنتي (1948/ 1949)، (1949/ 1950) فلما لم يجد للمرشحين ممن أخطأ في رصد تقديراتهم –
أي تقدير في مادة الهستولوجيا في امتحان الثانية طب المنعقد في هاتين السنتين أخذ بتقديرات
مادة التشريح باعتبارها شاملة لمادة الهستولوجيا وكتب التقدير على هذا الأساس، الأمر
الذي كان من شأنه أن يسجل تقدير المدعي في هذه المادة (جيد جداً) مع أنه امتحن فيها
في السنة الأولى وحصل على تقدير (جيد) فقط وكان من أثر الخطأ اختيار لجنة الترشيح له
واستبعاد ترشيح الزميل المتظلم (الدكتور كمال عبد الله إبراهيم) لأن اللجنة قصرت المفاضلة
على الحاصلين على تقدير (جيد جداً) في مادة التخصص (الهستولوجيا) والمتظلم مسجل له
عنها خطأ تقدير (جيد) وهو تقدير مادة التشريح وعلى ذلك أغفلت اللجنة أحقيته في التعيين
لوظيفة معيد بقسم الهستولوجيا. سواء قامت قاعدة الأفضلية هذه على سلطة مقيدة للجهة
الإدارية في الاختيار للتعيين أو ترك المشرع لها التقدير فيها فأقامتها الكلية لسلطتها
على النحو المشار إليه في الحالة المعروضة سواء أكان هذا أو ذاك، فإنه بتطبيق القاعدة
على المدعي (حسين كامل أمين) وعلى المتظلم (كمال عبد الله إبراهيم) تبين أن المتظلم
هو أحق من المدعي بالتعيين في وظيفة معيد بقسم الهستولوجيا على أساسها وبالتالي يكون
تعيين المدعي على أساس البيان الخاطئ معيباً لقيامه على سبب باطل ويتعين لذلك سحبه
وهو ما فعلته جهة الإدارة وبحق عندما أصدر السيد/ مدير الجامعة قراراً بفصل المدعي
في 2/ 12/ 1959 ومن ثم يسقط أيضاً الوجه الثاني من وجهي الطعن بالإلغاء ويكون قرار
الفصل أو السحب ظاهر المشروعية ويتحتم لذلك رفض طلب الإلغاء. أما عن الطلب الاحتياطي
للمدعي وهو الحكم بإلزام الجامعة بأن تدفع له تعويضاً قدره خمسة آلاف جنيه عن الأضرار
المادية والأدبية التي أصابته من جراء قرار فصله الخاطئ مبيناً هذه الأضرار مادياً
في حرمانه من وظيفته في مصلحة الصحة المدرسية وأدبياً فيما حام حوله من شكوك بسبب هذا
الفصل وما اعتراه من قلق نفسي بعد أن رتب حياته على تعيينه معيداً بكلية الطب فإن أساس
المسئولية التي يستند إليها المدعي لاقتضاء التعويض هو خطأ الجهة الإدارية بإصدارها
قرار غير مشروع وتحقق الضرر له بسبب هذا القرار وتوافر علاقة السببية بين خطأ الجهة
الإدارية وضرر المدعي. فقد أقام الحكم المطعون فيه قضاءه برفض طلبه التعويض أيضاً على
أساس أن قرار الجهة الإدارية بسحب قرار التعيين قد صدر سليماً ولا خطأ من جانب جهة
الإدارة في إصداره ومن ثم فلا تعويض عنه. وقد رد الحكم المطعون فيه على ما ذهب إليه
تقرير السيد مفوض الدولة أمام محكمة القضاء الإداري من أن التعويض ينظر إليه من ناحية
قرار التعيين الخاطئ وما يترتب عليه من ضرر بالمدعي إذ حرمه من وظيفة بالصحة المدرسية.
رد الحكم على ذلك بقوله إن هذا المذهب مردود بأن التعيين وإن كان خاطئاً فإنه لم يترتب
عليه ضرر أصاب المدعي لأن الجامعة بادرت إلى سحبه. واسترسل الحكم المطعون فيه يقول
أنه كان من مقتضى هذا السحب أن يعود المدعي إلى الصحة المدرسية قانوناً إذ التعيين
كان بطريق النقل منها، القائم على إرادة الجهتين الإداريتين به. فإذا سقطت إرادة الجامعة
المشروطة بتوافر شرائط التعيين لدى المدعي، كان يتعين على الصحة المدرسية أن تعيد المدعي
إليها كما كان، مع ما يترتب على ذلك من آثار. واستطرد الحكم قائلاً: فإذا امتنعت الصحة
المدرسية، كان امتناعها هو القرار السلبي الخاطئ المنتج للضرر واتخاذ الإجراءات القانونية
ضدها في يد المدعي وحده بلا دخل للجامعة في ذلك ولا تسأل عنه. كما لا ينسب إلى التعيين
الخاطئ الضرر الأدبي الذي يقول به المدعي من شكوك في اعتباره إذ لم ينل حظوة التعيين،
أو قلق نفسي اعتراه بعد أن رتب حياته على وظيفة المعيد، لأنه كان من مقتضى سحب قرار
التعيين الخاطئ كما تقدم أن يعود المدعي إلى الصحة المدرسية قانوناً. ومن ثم فلا يقوم
الشك في اعتباره أو يقوم لديه القلق على حياته الوظيفية. وإذ كانت أركان المسئولية
غير متوافرة قبل الجامعة عن قرار تعيين المدعي الخاطئ بوظيفة (معيد) أو عن قرار سحب
هذا التعيين فإن المدعي لا يكون محقاً في طلب التعويض عن أيهما ويتعين رفض طلبه الاحتياطي
أيضاً.
ومن حيث إن الطعن الذي أودع تقريره سكرتيرية هذه المحكمة في 4 من يناير سنة 1963 –
الأستاذ المحامي عن الدكتور حسين كامل أمين المدعي – يقوم على أن الحكم المطعون فيه
إذ قضى برفض دعوى المدعي وإلزامه بالمصروفات قد أخطأ في تطبيق القانون وتأويله أولاً:
بالنسبة للطلب الأصلي الخاص بالإلغاء. وثانياً: بالنسبة للطلب الاحتياطي الخاص بالتعويض.
فالقرار المطعون فيه (قرار الفصل) ليس قراراً ساحباً بالمفهوم القانوني لأنه صدر بفصل
المدعي من الخدمة ولم يشر إلى أنه قرار ساحب لقرار التعيين. لأنه صدر بفصل المدعي الطاعن
اعتباراً من تاريخ إخلاء طرفه من الجامعة في 10/ 10/ 1959 وليس اعتباراً من تاريخ تعيين
المدعي في وظيفة معيد في 14 من مارس سنة 1959 ومن ثم يكون الحكم المطعون فيه قد أخطأ
إذ اعتبر قرار الفصل بمثابة قرار سحب لقرار التعيين. وحتى لو اعتبر قرار الفصل قراراً
ساحباً لقرار التعيين فإنه يكون قد وقع بعد الميعاد القانوني، فشكوى الدكتور كمال عبد
الله إبراهيم لا تعتبر تظلماً قاطعاً للميعاد لأنها لا تحمل صيغة التظلم القانوني كما
أنها لم توجه إلى من يملك البت فيها وهو السيد مدير الجامعة. ويقول تقرير الطعن إن
قرار تعيين الطاعن هو قرار سليم على أساس اندماج مادتي الهستولوجيا والتشريح في نطاق
واحد لأن الهستولوجيا هي فرع من التشريح وإذ أخذ الحكم بغير هذا النظر يكون قد أخطأ
كذلك في تطبيق القانون. أما عن الطلب الاحتياطي بالتعويض، فقد تضاربت أسباب الحكم المطعون
فيه فمحكمة القضاء الإداري اعتبرت قرار الفصل قراراً شرعياً لصدوره ساحباً لقرار التعيين
الخاطئ، ورتبت المحكمة على ذلك عدم مسئولية الجامعة بالتعويض عن قرار شرعي لعدم انطوائه
على خطأ من جانب الجامعة. فإذا انتقلت المحكمة للبحث في المسئولية التضمينية للجامعة
عن إصدار قرارها الخاطئ بتعيين المدعي عادت المحكمة فنفت الخطأ الذي سبق أن أقرت به
في جانب الجامعة لتعتبر الخطأ واقعاً من جانب وزارة الصحة لرفضها إعادة المدعي إلى
خدمتها بمصلحة الصحة المدرسية كما كان. فالحكم المطعون فيه أجاز سحب القرار الصادر
بتعيين المدعي استناداً إلى الخطأ الذي أثبتته المحكمة على موظف الجامعة المختص بتسجيل
التقديرات فما كان يسوغ بعد ذلك إغفال هذا الخطأ أو التغاضي عنه عند الفصل في طلب التعويض.
ويناقض الحكم نفسه إذ يقول بعد ذلك أن جامعة الإسكندرية لم تخطئ وإنما هي وزارة الصحة
التي أخطأت لعدم موافقتها على إعادة المدعي إلى خدمتها والحكم المطعون فيه إذ قضى بنفي
الخطأ في جانب جامعة الإسكندرية وإثباته في جانب وزارة الصحة وحدها يكون قد خالف حكم
القانون والحقائق الثابتة في الأوراق – وخلص تقرير الطعن إلى القول بأن من حق الطاعن
أن يلتمس من عدالة المحكمة أن تدخل في تقديرها الأضرار المادية والأدبية التي أصابته
بسبب قرار فصله الصادر نتيجة لخطأ جامعة الإسكندرية والتي طلب التعويض عنها في صحيفة
الدعوى. فالجامعة وحدها هي المسئولة عن الخطأ الذي ارتكبته في حق الطاعن بعد إذ حرمته
من وظيفته السابقة المستقرة بالصحة المدرسية والتي كانت تكفل له مستقبلاً زاهراً وتوفر
له فرصة متابعة دراساته العليا. فالحكم الصادر برفض طلب الإلغاء وبرفض طلب التعويض
يكون خليقاً بالإلغاء. وبجلسة المناقشة في 30 من مارس سنة 1963 أكد الحاضر عن الطاعن
أنه إنما يهدف في عموم دعواه إلى طلب تعويض عادل عما أصابه من أضرار جسيمة ترتبت أصالة
على قرار تعيينه الخاطئ بكلية الطب بجامعة الإسكندرية فلا هو استمر في وظيفته الأصلية
بوزارة الصحة ولا هو استقر في وظيفته الجديدة كمعيد بمقتضى قرار التعيين الخاطئ الصادر
من جامعة الإسكندرية والذي بادرت الجامعة إلى سحبه الذي ترتب عليه أن التعيين الجديد
كان وكأن لم يكن. وقد تبين من المناقشة أن الطاعن يعمل منذ سحب قرار تعيينه بالجامعة
كطبيب بدولة أخرى خارج الجمهورية العربية المتحدة.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه، قد تكفل بالرد على الوجه الأول من وجهي الطعن بما لا
يستحق مزيداً عليه. وقال بحق أن المنازعة إنما تدور حول قرار تعيين المدعي في وظيفة
معيد بكلية الطب بجامعة الإسكندرية بمرتب عشرين جنيهاً شهرياً، وما قرار فصل المدعي
بعد ذلك إلا بمثابة سحب لقرار ذلك التعيين وقد اعترف الطاعن بذلك في دعواه إذ أنه نعى
أول ما نعى على القرار المطعون فيه أنه يعتبر ساحباً لقرار تعيينه ولكن الطاعن أضاف
إلى ذلك أن السحب إنما وقع بعد انقضاء المواعيد المقررة للسحب. وقد ورد الحكم المطعون
فيه على ما أضافه المدعي رداً كافياً فأبان، وبحق، أن سحب قرار التعيين إنما تم فعلاً
في فترة الستين يوماً التالية لانقضاء المدة المحددة لبحث التظلم المقدم من زميل المدعي،
الدكتور كمال عبد الله إبراهيم وهي ستون يوماً من تاريخ تقديمه، أي أن سحب التعيين
قد وقع في الميعاد المقرر للطعن القضائي. وكذلك أصاب الحكم المطعون فيه، وجه الحق فيما
جرت به أسبابه من توافر مقومات التظلم الإداري في الشكويين المقدمتين من الدكتور كمال
عبد الله إبراهيم في 18 ثم في 20 من أغسطس سنة 1959 من بيان ما وقعت فيه الجامعة من
خطأ. إذ الثابت في سجلات الكلية أن تقدير المتظلم في مادة الهستولوجيا كان (جيد جداً)
وليس (جيد) وترتب على هذه الغلطة تعيين كل من الدكتور حسين كامل أمين – المدعي/ الطاعن
– والدكتور إبراهيم لطفي في وظيفتي الهستولوجيا دوني أنا المتظلم مما أضر بي كثيراً"
وخلص المتظلم إلى طلب تصحيح ذلك الخطأ. وإخطاره بالنتيجة في وقت قريب لكي "يمكنني رفع
أمري إلى القضاء للحصول على حقي" فما من شك في أن سياق الشكوى على هذا النمط إنما يؤكد
بوضوح معنى التظلم من القرار الخاطئ بتعيين المدعي وطلب إلغائه فيما تضمنه من عدم تعيين
المتظلم. ولا عبرة بما ذهب إليه من وجوب اعتبار مادتي الهستولوجيا والتشريح مادة واحدة
لأن الثابت من الأوراق وتقرير أستاذ المادة المختص أن مادة الهستولوجيا إنما كانت تدرس
لطلبة السنة الأولى من كلية الطب في عامي (1948/ 1949) و(1949/ 1950) وهما العامان
الدراسيان اللذان كان فيهما كل من المدعي (الطاعن) والمتظلم الدكتور كمال إبراهيم بالسنة
الأولى كانت مادة الهستولوجيا تدرس حينذاك، ويؤدى الامتحان فيها كمادة مستقلة لها تقدير
خاص مستقل تمام الاستقلال عن مادة التشريح. فلا تثريب على الجامعة، وتلك أوضاعها، إن
هي رأت تصحيحاً للوضع، تعيين المتظلم كمال دون الطاعن كامل، معيداً بقسم الهستولوجيا
بكلية الطب بعد أن تنبهت من التظلم وفحصت موضوعه وحققت فحواه فتكشفت لها الحقيقة، وثبت
لها أن المتظلم حصل في مادة التخصص هذه على تقدير جيد جداً، في حين لم يحصل المدعي
في هذه المادة بالذات إلا على تقدير (جيد فقط) لولا ما وقع فيه مسجل الكلية من خطأ
واضح عند تقديم البيان الخاطئ الذي كان سنداً لقرار تعيين الطاعن، ذلك القرار الذي
ما لبثت الجامعة أن سحبته بمجرد أن تكشف لها وجه الخطأ في إصداره. وترتيباً على ما
تقدم يكون الحكم المطعون فيه، قد أصاب الحق في قضائه برفض طلب إلغاء قرار فصل الطاعن
ويتعين تأييد الحكم في هذا الشق الصحيح منه، ويكون الوجه الأول من الطعن غير قائم على
سند من القانون.
ومن حيث إنه عن الوجه الثاني من وجهي الطعن المتعلق بالطلب الاحتياطي الخاص بالتعويض
عن الأضرار التي لحقت بالطاعن أصالة من جراء قرار تعيينه الخاطئ في وظيفة معيد بكلية
الطب بجامعة الإسكندرية، بمرتب أصلي قدره عشرون جنيهاً شهرياً ثم سحب قرار التعيين
الخاطئ مما أدى إلى حرمان الطاعن من وظيفته الأصلية التي كان عليها بمصلحة الصحة المدرسية،
فلا هو استمر في وظيفته الأولى، ولا هو استقر في وظيفته الجديدة بالجامعة فإن الحكم
المطعون فيه قد أقام قضاءه برفض هذا الطلب على انتفاء ركن الخطأ من جانب الجامعة ولكن
الحكم المذكور ما لبث أن قال إن التعيين وإن كان خاطئاً فإنه لم يترتب عليه ضرر للمدعي
لأن الجامعة بادرت إلى سحب قرار التعيين الخاطئ وكان يتعين على الصحة المدرسية أن تعيد
المدعي إلى وظيفته الأولى.
ومن حيث إنه ولئن كانت جامعة الإسكندرية، قد أصابت وجه الحق فيما بادرت إلى اتخاذه
من سحب قرار تعيين الطاعن بوظيفة معيد بقسم الهستولوجيا بكلية الطب، بعد إذ ثبت لها
من التحقيقات أنه قرار خاطئ قائم على غير سببه، وهذا الإجراء الإداري اللاحق من جانب
الجامعة صحيح قانوناً. إلا أن هذا لا ينفي أن خطأ مرفقياً قد وقع من جانبها في سبب
قرار التعيين على يد موظف التسجيل بكلية الطب (محمد حافظ مصطفى) فيما قام بتدوينه بكشف
الترشيح من بيانات خاطئة تخالف الحقيقة عن التقديرات التي حصل عليها ثلاثة عشر مرشحاً
في مادة الهستولوجيا التي هي مادة التخصص محل المفاضلة بين المتقدمين، ومن بينهم كل
من الطاعن والمتظلم. والثابت من أوراق التحقيق الإداري أن الموظف المختص المذكور قرر
أنه كان تحت تأثير فكرة قديمة حاصلها أن مادة الهستولوجيا تدرس ليؤدى الامتحان فيها
وترصد درجاتها ضمن مادة التشريح في السنة الثانية بكلية الطب، وأنه من أجل هذا توقف
عن مواصلة بحثه ضد نتائج امتحانات السنة الثانية وحدها فلم يتجاوزها إلى البحث في نتائج
امتحانات السنة الأولى. واعتبر التقدير لدرجة النجاح في مادة التشريح شاملة لمادة الهستولوجيا
بالنسبة لأولئك الثلاث عشر طبيباً الذين وقع الخطأ بشأنهم. وعزا المسجل المذكور ذلك
الخطأ الذي وقع فيه إلى أنه بدأ عمله بكلية الطب بجامعة الإسكندرية في سبتمبر سنة 1956
وقت أن كانت مادة الهستولوجيا يجرى الامتحان فيها ضمن مادة التشريح، وذلك بالتطبيق
للائحة الأساسية لكلية الطب التي كان معمولاً بها سنة 1954، فاستقر لدى المسجل المذكور
أن ذلك هو النظام القائم ولم يكن لديه بيان بما كان متبعاً قبل ذلك في سنتي 1949، 1950
اللتين وقع بسببهما الخطأ الثابت المذكور.
ومن حيث إنه لا خلاف في أن الخطأ الذي وقع من موظف التسجيل (محمد حافظ مصطفى) يعتبر
من قبيل الأخطاء المصلحية المنسوبة إلى المرفق العام ذاته. خاصة وقد تبين صدق ما أبداه
ذلك الموظف من أن القانون رقم 625 لسنة 1954 نص في الجدول رقم 2 منه على أن امتحان
المرحلة المتوسطة يشمل مادة التشريح وعلم الأنسجة والخلايا (الهستولوجيا) كما أوضح
الدكتور حسن الكاشف في التحقيق الإداري الذي أجرته الجامعة في شأن هذا الخطأ الذي وقع
من موظفها في أثناء تأدية عمله الرسمي أن مادة الهستولوجيا تم الامتحان فيها في عام
1956 وفي يناير سنة 1957 ضمن مادة التشريح في ورقة امتحان واحدة وأصبح تقديرها ودرجاتها
ضمن مادة التشريح في نهاية السنة الثانية طب بشري. الأمر الذي من شأنه أن يجعل تصرف
المسجل المذكور غير مصطبغ بطابع شخصي أو نفع ذاتي، وإنما هو على كل حال خطأ مصلحي من
جانب الإدارة. يكون الركن الأول من أركان المسئولية التضمينية لجهة الإدارة. ومن المسلمات
قضاء وفقها أن مناط مسئولية الإدارة عن القرارات الإدارية التي تصدرها في تسييرها للمرافق
العامة هو قيام خطأ من جانبها، وأن يلحق صاحب الشأن ضرر، وأن تقوم علاقة السببية بين
الخطأ والضرر بأن يترتب الضرر على القرار المعيب.
وإذا كان ذلك كذلك، وكان خطأ الجامعة على يد موظفها المسجل المذكور، في سبب قرار تعيين
الطاعن قد انبنى عليه انتهاء خدمة هذا الأخير بالصحة المدرسية ليعين تعييناً جديداً
خاطئاً وعلى غير سند سليم، بكلية الطب بجامعة الإسكندرية، فإنه لا محل والحالة هذه
للقول بأن امتناع الصحة المدرسية من إعادة الطاعن إليه هو القرار محل التعريض. إذا
لا إلزام على الصحة المدرسية في أن تعينه من جديد في خدمتها بعد أن انقطعت صلته الوظيفية
بها نهائياً لتعيينه بالجامعة وهي ذات استقلال عن وزارة الصحة. وبهذه المثابة يكون
خطأ الجامعة المشار إليه هو الذي تسبب عنه في الواقع من الأمر تخلي الطاعن عن وظيفته
وفقدانه لها دون ذنب من جانبه وبذلك يتعين أن تسأل جامعة الإسكندرية عن خطأ موظفيها
ويترتب على ذلك تعويض الطاعن عما أصابه من ضرر يدخل في تقديره ما أحاط الطاعن من ظروف
التحاقه بعمل آخر في دولة أخرى كما هو ثابت من أصول الأوراق، على إثر سحب قرار تعيينه
الخاطئ بالجامعة. وتقدر المحكمة للطاعن مبلغ ثلاثمائة جنيه على سبيل التعويض عما أصابه
من أضرار.
وإذ ذهب الحكم المطعون فيه، مذهباً مخالفاً لما استقر عليه قضاء هذه المحكمة، فإنه
يكون في هذا الشق منه قد أخطأ في تطبيق القانون متعيناً إلغاؤه.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه، بإلغاء الحكم المطعون فيه وبإلزام جامعة الإسكندرية بأن تدفع للمدعي على سبيل التعويض مبلغ 300 جنيه (ثلاثمائة جنيه مصري والمصروفات المناسبة ورفضت ما عدا ذلك من الطلبات).
