الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 2197 لسنة 6 ق – جلسة 14 /04 /1963 

مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الثامنة – الجزء الثاني (من أول فبراير سنة 1962 إلى آخر سبتمبر سنة 1963) – صـ 1036


جلسة 14 من إبريل سنة 1963

برئاسة السيد/ عبد العزيز الببلاوي نائب رئيس المجلس وعضوية السادة: الدكتور محمود سعد الدين الشريف وعبد الفتاح نصار وعزت عبد المحسن وأبو الوفا زهدي المستشارين.

القضية رقم 2197 لسنة 6 القضائية

( أ ) جامعة القاهرة – تحديد كراسي كلياتها – كرسي الأمراض العصبية بكلية الطب – القانون رقم 21 لسنة 1923 بشروط توظف أعضاء هيئة التدريس بالجامعة المصرية وتأديبهم – عدم تضمن الجدول رقم 1 الملحق به الخاص ببيان كراسي الأساتذة بكلية الطب سوى كرسي واحد للأمراض الباطنة وآخر للأمراض الباطنة الإكلينيكية – يقتضي ذلك اعتبار الأمراض العصبية من ضمن الأمراض الباطنة، إذ لم تفصل ويقرر لها كرسي مستقل إلا بالمرسوم الصادر في 11/ 7/ 1949 – عدم وجود متخصص في فرع الأمراض العصبية لشغل هذا الكرسي الشاغر وتقرير مجلس الكلية في 18/ 3/ 1954 أن من يمثل هذا الكرسي هو أقدم أستاذ مساعد في الأمراض الباطنة – مشروعية هذه القاعدة التنظيمية – شغل الأستاذ المساعد هذا الكرسي وتخصصه في هذا الفرع لا يمنع من تعيينه لشغل كرسي الأمراض الباطنة – عدم انطواء قرار التعيين في هذه الحالة على إلغاء لكرسي الأمراض العصبية أو إنشاء لكرسي آخر – الإعلان عن شغل الكرسي الشاغر بقصره على الأمراض العصبية حالة عدم توافر المتخصص فيها غير سائغ، والإعلان عنه للأمراض الباطنة يكون بمثابة الرجوع للأصل الذي يصبح التزاحم عليه وإجراء المفاضلة في شأنه باعتبار الأمراض العصبية فرعاً من فروع الأمراض الباطنة.
(ب) جامعات – وظائف هيئة التدريس بكلياتها – التعيين فيها – أفضلية المرشح من حيث الكفاية التي تستقل بتقديرها لجان فحص الإنتاج العلمي المبتكر – سلطة هذه اللجان تقديرية تنأى عن الرقابة القضائية طالما كانت غير متسمة بإساءة استعمال السلطة.
(ج) جامعات – تعيين أعضاء هيئة التدريس بالكلية – إجراءات فحص الإنتاج العلمي المبتكر للمرشحين المنصوص عليها في القانون رقم 633 لسنة 1953 بإنشاء اللجان العلمية الدائمة – عدم اتباعها بعرضه على لجنة شكلها مجلس الكلية دون عرضه على لجنة مؤقتة ألفتها اللجنة الدائمة، وعدم عرض تقديرها على اللجنة الدائمة – لا يعتبر وجهاً للطعن ما دام فحص الإنتاج قد تم خلال فترة إيقاف العمل بهذا القانون التي قررها القانون رقم 228 لسنة 1954.
1 – إنه بالرجوع إلى القانون رقم 21 لسنة 1923 بشروط توظف أعضاء هيئة التدريس بالجامعة المصرية وتأديبهم يبين أنه نص في المادة 7 على أن الأساتذة هم الذي يشغلون الكراسي، وكراسي الكليات المختلفة محددة في الجداول من رقم 1 إلى رقم 4 الملحقة بهذا القانون والتي هي جزء منه وكل إنشاء لكرسي يكون بمرسوم يصدر بناء على ما يعرضه وزير المعارف العمومية بطلب من مجلس الجامعة بعد أخذ رأي مجلس الكلية المختصة – كما نصت المادة 8 على أنه يجوز نقل الأستاذ من كرسي إلى آخر في نفس الكلية بقرار من مجلس تلك الكلية مصدق عليه من مجلس الجامعة ويجوز نقله إلى كرسي في كلية أخرى بقرار من وزير المعارف العمومية – بناء على طلب مجلس الجامعة بعد أخذ رأي مجلس الكليتين المختصتين – ولم يتضمن الجدول رقم الملحق بهذا القانون الخاص ببيان كراسي الأساتذة بكلية الطب وعددها 18 سوى كرسي واحد للأمراض الباطنة وآخر للأمراض الباطنة الإكلينيكية وبالتالي فإن الأمراض العصبية كانت على هذا النحو معتبرة ضمن الأمراض الباطنة وهي في الواقع لم تفصل ويعد لها كرسي مستقل إلا بحسب التخصيص الوارد في الجدول الملحق بالمرسوم الصادر في 11 من يوليو سنة 1949. وإذ كان الثابت من واقع الدعوى أن الكرسي الشاغر كان مخصصاً للأمراض العصبية غير أنه لم يتوفر لشغل هذا الكرسي متخصص في هذا النوع بالذات فقد اجتمع مجلس الكلية في 18 من مارس سنة 1954 وقرر أن من يمثل الكرسي الشاغر هو أقدم أستاذ مساعد في الأمراض الباطنة وذلك أخذاً بما سبق أن انتهت إليه لجنة الأمراض الباطنة كما أوضحت الجامعة في كتابها المؤرخ في 31 من مارس سنة 1955 – أن الأمراض العصبية تعد فرعاً من فروع الأمراض الباطنة. والمستفاد من هذا أن مجلس الكلية قرر أن هناك رابطة وثيقة بين الأمراض الباطنة والأمراض العصبية بينما لم تعتبر الأمر كذلك بالنسبة للأمراض النفسية التي اعتبرتها لجنة الأمراض الباطنة مادة مستقلة يتعاون المتخصص فيها مع جميع النواحي الطبية. وترتيباً على ذلك فإن المجلس عندما أعوزه المتخصص في أمراض الطب العصبي وضع معياراً للمفاضلة لشغل الكرسي الشاغر أساسه اختيار أفضل العناصر في مجال الطب الباطني باعتبار الطب العصبي فرعاً من فروعه وأدخل في مدلوله وأكثر ارتباطاً به من الطب النفسي ومن ثم فلا تثريب على الجهة الإدارية إذا هي رأت في صدر شغل هذا الكرسي الشاغر وضع قاعدة تنظيمية والتزمتها في نطاق التطبيق الفردي طالما لم يوجد متخصص في الأمراض العصبية.
وتأسيساً على ما تقدم فإن القرار المشار إليه الصادر في 18/ 3/ 1954 على النحو السابق تفصيله يتسم بالمشروعية في ضوء النصوص سالفة الذكر التي رددتها القوانين المتعاقبة الصادرة في شأن تنظيم الجامعات وقد أرست جميعها قاعدة جواز نقل الأستاذ من كرسي إلى آخر في نفس الكلية بقرار من مجلس الجامعة بناء على اقتراح مجلس الكلية المختص – وظاهر في وضوح أن ذلك القرار لم ينطو على إلغاء لكرسي الأمراض العصبية أو إنشاء لكرسي آخر مما يستلزم اتخاذ الإجراءات التي نصت عليها المادة 7 من القانون رقم 21 لسنة 1933 وغاية الأمر فإنه إنما صدر لمواجهة حالة الضرورة وبقدرها على أساس من التطبيق السليم في الوقت الذي كان هناك من بين أساتذة الأمراض الباطنة الدكتور حلمي جنينة المتخصص في الأمراض العصبية والسابق اختياره لشغل أحد كراسي الأمراض الباطنة والذي لم يمنع شغله وقتذاك لوظيفة أستاذ مساعد للأمراض العصبية في هذا الفرع من إجراء هذا التعيين كما أنه بمطالعة ميزانية كلية الطب بجامعة القاهرة عن السنة المالية 1953/ 1954 يبين أنها لم تتضمن أي تخصيص أو تمييز بالنسبة لكافة كراسي الأساتذة وذلك على خلاف ما أشار إليه الحكم المطعون فيه من أنها صدرت بإدراج الكراسي موزعة على المواد المختلفة. وغني عن البيان أنه والحالة هذه ما كان يسوغ الإعلان عن شغل الكرسي الشاغر بقصره على الأمراض العصبية في حين لم يتوفر المتخصص لها. ومن ثم يكون الإعلان عنه للأمراض الباطنة بمثابة الرجوع للأصل الذي يصح التزاحم عليه وإجراء المفاضلة في شأنه باعتبار الأمراض العصبية كما سبق إيضاحه فرع من فروع الأمراض الباطنة.
2 – إن التعيين في وظائف هيئة التدريس بالكيات الجامعية يقوم على شروط واعتبارات خاصة والأصل في هذا التعيين هو أفضلية المرشح من حيث الكفاية التي تستقل لجان فحص الإنتاج العلمي المبتكر على أساس من سلطتها التقديرية التي تنأى عن الرقابة القضائية طالما كانت غير متسمة بإساءة استعمال السلطة بمعنى أن السلطة التقديرية المقررة لها لا تخضع عناصر التقدير فيها للرقابة القضائية وإلا انقلبت رقابة القضاء إلى مشاركته في سلطتها المذكورة.
3 – لا وجه للطعن بأن فحص الإنتاج العلمي للمرشحين لم يتبع فيه الإجراءات الحتمية التي نص عليها القانون رقم 633 لسنة 1953 بإنشاء اللجان العلمية الدائمة فلم يعرض الإنتاج العلمي على لجنة مؤقتة ألفتها اللجنة الدائمة بل عرض على لجنة شكلها مجلس الكلية كما لم يعرض تقديرها على اللجنة الدائمة التي تختص وحدها بتقدير الكفاية العلمية لأعضاء هيئة التدريس ذلك أن فحص الإنتاج المشار إليه قد تم خلال فترة إيقاف العمل بقانون اللجان الدائمة التي قررها القانون رقم 228 لسنة 1954 وبصدور هذا القانون الأخير لم يكن هناك موجب لعرض أبحاث المرشحين على اللجنة الدائمة المنوه عنها.


إجراءات الطعن

بتاريخ 30/ 7/ 1960 أودع السيد رئيس إدارة قضايا الحكومة عريضة طعن في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري (هيئة الفصل بغير الطريق التأديبي) بجلسة 1/ 6/ 1960 في الدعوى رقم 873 لسنة 9 القضائية المرفوعة من السيد الدكتور عبد العزيز محمد عسكر ضد جامعة القاهرة القاضي "بإلغاء القرار الصادر من مجلس جامعة القاهرة في 26 و29 من مايو سنة 1954 بتعيين الدكتور السيد طه عبد البر في وظيفة أستاذ "ج" لكرسي الأمراض العصبية فيما تضمنه من تخطي المدعي في التعيين في هذا الكرسي بما يترتب على ذلك من آثار وألزمت الجامعة المدعى عليها مصاريف الدعوى ومبلغ خمسمائة قرش مقابل أتعاب محامي المدعي" وطلبت إدارة قضايا الحكومة للأسباب المبينة بصحيفة الطعن الحكم بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه وبرفض الدعوى مع إلزام المدعي بالمصروفات والأتعاب. وقد أعلن الطعن إلى المدعي في 31/ 10/ 1960، وعين لنظره أمام دائرة فحص الطعون جلسة 4/ 2/ 1961، وأخطرت الحكومة والمدعي في 9/ 1/ 1961 بميعاد هذه الجلسة، ثم قررت المحكمة إحالة الدعوى إلى المحكمة الإدارية العليا وحددت لذلك جلسة 17/ 2/ 1963، وبعد أن سمعت المحكمة ما رأت لزوماً لسماعه من ملاحظات ذوي الشأن على الوجه الموضح بالمحضر قررت إصدار الحكم بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة تتحصل حسبما يبين من أوراق الطعن في أن المدعي أقام دعواه طالباً الحكم بإلغاء القرار الصادر من مجلس جامعة القاهرة في 26 و29 من مايو سنة 1954 بتعيين الدكتور السيد طه عبد البر في وظيفة أستاذ "ج" لكرسي الأمراض العصبية (الباطنة) فيما تضمنه من تخطي المدعي في شغل هذا الكرسي وما يترتب على ذلك من آثار وإلزام الحكومة المصروفات ومقابل أتعاب المحاماة وقال في بيان ذلك إنه خلا في فبراير سنة 1954 كرسي الأمراض العصبية بإحالة شاغله الدكتور يوسف براده إلى المعاش، وقد كان من الطبيعي أن يمثل المدعي هذا الكرسي في مجلس الكلية باعتباره أقدم الأساتذة المساعدين، ولكن أساتذة الأمراض الباطنية رأوا أن يخصوا أنفسهم بهذا الكرسي على الرغم من أنه للأمراض العصبية بحجة إمكان اعتبار كراسي الأمراض الباطنية بفروعها وحدة واحدة ومن ثم شكلت اللجنة الفنية لفحص الإنتاج العلمي بكلية طب القصر العيني من خمسة أساتذة ليس من بينهم سوى أستاذ واحد للأمراض العصبية الأمر الذي جعلها تفضل أبحاث الدكتور السيد طه عبد البر مع أن الكرسي الشاغر بعيد عن فرع تخصصه وفي الوقت الذي كان يتعين فيه اختيار المدعي فهو أقدم الأساتذة المساعدين للأمراض العصبية باعتباره رئيساً لقسم الأمراض النفسية، ومن المعلوم أن فرعي الأمراض العصبية والنفسية كانا في قسم واحد وهما دائماً متلازمان ويكمل بعضهما بعضاً. ولذلك فقد كان من غير الجائز بعد إنشاء الكرسي المخصص لمادة الأمراض العصبية أن توجهه الكلية إلى غيرها كما لا يجوز إدماجه ضمن قسم الأمراض الباطنة والإعلان عنه على أساس أنه كرسي أمراض باطنة وإذا كان هذا التصرف على خلاف القانون بالنسبة لطبيعة الكرسي الشاغر ولعدم صلاحية لجنة فحص الإنتاج العلمي للمفاضلة بين المدعي والمطعون ضده وليس فيها سوى واحد من تخصص المدعي، وفي ذلك ما يدل على أن قرار الجامعة الصادر بتعيين المطعون ضده كان مشوباً بالانحراف وسوء السلطة حيث كان المدعي هو الأخصائي الوحيد في فنه المرتبط بكرسي الأمراض العصبية وقد أبعد عن هذا الكرسي بتلك الإجراءات الباطلة التي لا تساندها عدالة ولا تؤيدها نصوص من القانون.
وأجابت الجهة الإدارية على الدعوى بأنه بعد إحالة الدكتور يوسف أبو النصر براده إلى المعاش في 17/ 2/ 1954 – أقر مجلس الكلية وجهة نظر لجنة الأمراض الباطنة من أن الطب النفساني ليس جزءاً من الأمراض الباطنة، واقترح لذلك إنشاء كرسي مستقل للطب النفساني، وبناء على ذلك رأى أن من يمثل الكرسي الشاغر هو أقدم أستاذ مساعد في الأمراض الباطنة ومن ثم اعتبر الدكتور السيد طه عبد البر ممثلاً لكرسي الأمراض الباطنة الشاغر في مجلس الكلية بصفته أقدم أستاذ مساعد للأمراض الباطنة (ما عدا قسم الطب النفساني) على ألا يكسبه ذلك أية حقوق عند النظر في ملء هذا الكرسي، وقرر المجلس في ذات الوقت الإعلان في الداخل عن كرسي الأمراض الباطنة الشاغر بمدرسة الطب، ونتيجة لهذا الإعلان تقدم كل من الدكتور السيد محمد طه عبد البر والدكتور عبد العزيز محمد عسكر لشغل هذا الكرسي وقد رأت لجنة الفحص أن الأبحاث التي قدمها الدكتور السيد طه عبد البر أفضل وتؤهل لملء الكرسي المشار إليه. وذكرت الجامعة أن مادة الأمراض العصبية تعتبر فرعاً من فروع الأمراض الباطنة مستدلة على ذلك بأنه عندما خلا أحد كراسي الأمراض الباطنة اختير لشغله الدكتور يوسف حلمي جنينة ولم يمنع شغله لوظيفة أستاذ مساعد للأمراض العصبية وقتذاك من هذا التعيين أما بالنسبة للدكتور عبد العزيز عسكر فإن مادة تخصصه هي الأمراض النفسية وهذه اعتبرتها لجنة الأمراض الباطنة مادة مستقلة يتعاون المتخصص فيها مع جميع النواحي الطبية خصوصاً وأن مجلس الكلية قد قرر بجلسة 14/ 1/ 1954 إنشاء كرسي جديد باسم الطب النفساني يكون مستقلاً عن كرسي الأمراض الباطنة.
وبجلسة أول يونيه سنة 1960 قضت المحكمة بإلغاء القرار الصادر من مجلس جامعة القاهرة في 26 و29 من مايو سنة 1954 بتعيين الدكتور السيد طه عبد البر في وظيفة أستاذ "ج" لكرسي الأمراض العصبية فيما تضمنه من تخطي المدعي في التعيين في هذا الكرسي بما يترتب على ذلك من آثار وألزمت الجامعة المدعى عليها بمصروفات الدعوى ومبلغ خمسمائة قرش مقابل أتعاب محامي المدعي. وأقامت المحكمة قضاءها على أن الترقية لوظيفة أستاذ كرسي معين من الكراسي المسماة في الجدول رقم الملحق بالقانون رقم 21 لسنة 1933 والقوانين المعدلة له يظهر فيها ضابط التمييز والتخصيص بحسب نوع الكرسي واختصاصه وطبيعته والغرض منه وما يتطلبه هذا الغرض من استعداد خاص ومؤهلات معينة وصلاحية ذاتية. وعلى هذا المقتضى إذا خلا كرسي الأمراض العصبية وجب اختيار أصلح المرشحين له من ذوي الخبرة والاستعداد والتأهيل في الأمراض العصبية إن وجد فإن لم يوجد كان من البدهي اختيار أصلح العناصر في أقرب المواد للأمراض العصبية وأكثرها لصوقاً بها وأظهرها ارتباطاً بها، والعبرة في هذا الشأن بالإنتاج العلمي المتعلق بالفرع المخصص له الكرسي. وإذ كان في الحالة المعروضة هو كرسي الأمراض العصبية فإنه يقدم أخصائي الأمراض النفسية على أخصائي الأمراض الباطنة لأن الأمراض النفسية أشد صلة بالأمراض العصبية ما دام الأخصائي في الأمراض النفسية يعتبر من بين أخصائي الأمراض الباطنة في ذلك الوقت. وقد جرت الكلية على اعتبار الأمراض النفسية ملحقة بقسم الأمراض الباطنة شأنها في ذلك شأن الأمراض العصبية وأنه لا شك في أن الضرورة المنطقية تجعل فرعي الأمراض النفسية والأمراض العصبية فرعين شديدي الصلة ببعضهما، وما ذكره المدعي من قيام الرابطة الوثيقة بين فرعي الأمراض العصبية والنفسية مستدلاً على ذلك بإنشائهما معاً في قسم واحد هو قسم الأمراض الباطنة وبإنشاء الكلية لدبلوم الأمراض العصبية والنفسية وتبيان وظيفة كل من هذين الفرعين ونطاقه في البحث العلمي مما يؤكد التقارب والتجانس بين الفرعين مع التباين الظاهر بين كل منهما وبين الأمراض الباطنة – وقد درجت القواعد القانونية واللوائح النافذة في كل النظم الجامعية على اعتبار مادة علم النفس من المواد الأساسية في دبلوم الأمراض العصبية والعقلية، ولم تجد مادة علم النفس مكاناً آخر في دبلوم آخر وعلى ذلك فإن الصلة معقودة بين الأمراض العصبية والنفسية بدليل تشريعي ملزم، ومن ثم فلا يمكن إنكار هذه الصلة أو التصرف على خلافها، وما دامت الكلية رغم هذا قررت تنحية الأمراض النفسية عن الأمراض العصبية واعتبرت كرسي الأمراض العصبية من كراسي الأمراض الباطنة فإنه فضلاً عن مخالفة هذا القرار للقانون فهو ينهض قرينة واضحة على الانحراف بالسلطة. يضاف إلى ذلك أنه ليس للكلية أن توجه أي كرسي غير وجهته بغير الأداة القانونية الواجب اتباعها خاصة وأن ضابط التمييز والتخصص ظاهر بحسب أفراد الكرسي لنوع معين من التخصص على الوجه الذي تحدده الميزانية للكراسي وتوزيعها على المواد المختلفة، وأن مخالفة هذا الضابط تتعارض مع وجه المصلحة العامة الذي قصدت إليه الميزانية ولذلك فإنه ما كان جائزاً إدماج كرسي الأمراض العصبية ضمن قسم الأمراض الباطنة والإعلان عنه على اعتبار أنه كرسي أمراض باطنة وهو بهذا الوضع يعد تصرفاً يرقى إلى حد غصب السلطة. ومن وجهة أخرى فإن فحص الإنتاج العلمي للمرشحين لم يتبع فيه الإجراءات، الحتمية التي نص عليها القانون رقم 633 لسنة 1953 بإنشاء اللجان العلمية الدائمة فلم يعرض الإنتاج العلمي على لجنة مؤقتة ألفتها اللجنة الدائمة بل عرض على لجنة شكلها مجلس الكلية كما لم يعرض على اللجنة الدائمة التي تختص وحدها بتقدير الكفاية العلمية لأعضاء هيئات التدريس وترتيباً على أوجه البطلان المشار إليها فإن إجراءات تعيين المطعون ضده تكون قد تمت باطلة – وإذ كانت كفاية المدعي غير مجحودة وهو الأخصائي الوحيد القريب في مادته لكرسي الأمراض العصبية فإنه يكون أجدر بشغل كرسي الأمراض العصبية بحكم اختصاصه واستعداده وماضيه.
ومن حيث إن الطعن يقوم على أنه ليس صحيحاً أن الكرسي الشاغر مخصص لمادة الأمراض العصبية بما يحول دون تقدم الدكتور السيد طه عبد البر لشغله إذ أن الجامعة جرت على اعتبار كلية الطب مقسمة إلى أقسام علمية يندرج تحت كل منها عدة فروع، فقسم الأمراض الباطنية وباقتراح إنشاء كرسي مستقل له، وأضحى هذا القرار مادة الأمراض العصبية فرعاً من الأمراض الباطنية محل خلاف، إنما أثير الخلاف حول مدى اعتبار مادة الأمراض النفسية ضمن فروع الأمراض الباطنة وقد حسم قرار مجلس الكلية الصادر في 18/ 3/ 1954 هذا الأمر عندما انتهى إلى أن الطب النفساني ليس جزءاً من الأمراض الباطنة وباقتراح إنشاء كرسي مستقل له، وأضحى هذا القرار نهائياً حصيناً من الإلغاء مما يحول بين المدعي وبين تجريحه بعد ذلك في مناسبة اختيار الدكتور السيد طه عبد البر الذي لم يكن سوى أثراً من آثار هذا القرار وتطبيقاً له – كما أن القرار المطعون فيه صدر في شهر مايو سنة 1954 بعد أن صدر في 17 من إبريل القانون رقم 228 لسنة 1954 بوقف العمل بأحكام القانون رقم 633 لسنة 1953 الخاص بتشكيل اللجان العلمية الدائمة لتقدير الكفاية العلمية لأعضاء هيئة التدريس وذلك لغاية أخر سبتمبر سنة 1954 ثم لم يلبث أن ألغي كلية بصدور القانون رقم 508 لسنة 1954 في 26 من سبتمبر سنة 1954 ومن ثم فإن القرار المطعون فيه يكون قد صدر في فترة وقف العمل بأحكام القانون رقم 633 سنة 1953 سالف الذكر الذي اعتمد عليه الحكم المطعون فيه في قضائه ببطلان تشكيل لجنة فحص الإنتاج العلمي للمرشحين للكرسي محل الدعوى بالرغم من عدم نفاذ أحكامه ومع هذا فإنه حتى بفرض التسليم بما ذهب إليه الحكم المطعون فيه من بطلان إجراءات تعيين المذكور السيد طه عبد البر وعدم أحقيته لشغل هذا الكرسي المخصص للأمراض العصبية لبعد مادة تخصصه عنها فما كان للحكم المطعون فيه أن يتصدى لأمور فنية هي من صميم اختصاص الهيئات العلمية بالجامعة أو أن يخوض في المقارنة بين عناصر التأهيل اللازم لكل من مادة الطب النفساني أو الأمراض العصبية خاصة مع ما قرره الحكم المطعون فيه ذاته من أن الكرسي الشاغر هو كرسي الأمراض العصبية ولا يجوز أن يتقدم إليه غير المؤهل لتدريس هذه المادة بالذات وإلا كان في هذا إخلال بالصالح العام وخروج على أهداف التخصيص ومع ما قرره أيضاً من أن للهيئات العلمية بالجامعة سلطة تقديرية مطلقة فإنه ما كان يجوز للمحكمة أن تحل نفسها محل الجامعة في إجراء المفاضلة بين المرشحين أو تقرير الصلاحية للكرسي الشاغر من تلقاء نفسها بغير الرجوع إلى لجان فحص الإنتاج العلمي المختصة بتقدير كفاية المرشحين بعد أن أبطلت تعيين الدكتور السيد طه عبد البر – وبهذه المثابة تكون قد عينت المدعي دون اتباع الإجراءات الصحيحة الواجبة قانوناً في شأن تعيين أعضاء هيئات التدريس.
ومن حيث إنه بالرجوع إلى القانون رقم 21 لسنة 1923 بشروط توظف أعضاء هيئة التدريس بالجامعة المصرية وتأديبهم يبين أنه نص في المادة 7 على أن الأساتذة هم الذي يشغلون الكراسي، وكراسي الكليات المختلفة محددة في الجداول من رقم 1 إلى رقم 4 الملحقة بهذا القانون والتي هي جزء منه وكل إنشاء لكرسي يكون بمرسوم يصدر بناء على ما يعرضه وزير المعارف العمومية بطلب من مجلس الجامعة بعد أخذ رأي مجلس الكلية المختصة – كما نصت المادة 8 على أنه يجوز نقل الأستاذ من كرسي إلى آخر في نفس الكلية بقرار من مجلس تلك الكلية مصدق عليه من مجلس الجامعة ويجوز نقله إلى كرسي في كلية أخرى بقرار من وزير المعارف العمومية – بناء على طلب مجلس الجامعة بعد أخذ رأي مجلس الكليتين المختصتين – ولم يتضمن الجدول رقم الملحق بهذا القانون الخاص ببيان كراسي الأساتذة بكلية الطب وعددها 18 سوى كرسي واحد للأمراض الباطنة وآخر للأمراض الباطنة الإكلينيكية وبالتالي فإن الأمراض العصبية كانت على هذا النحو معتبرة ضمن الأمراض الباطنة وهي في الواقع لم تفصل ويعد لها كرسي مستقل إلا بحسب التخصيص الوارد في الجدول الملحق بالمرسوم الصادر في 11 يوليو سنة 1949. وإذ كان الثابت من وقائع الدعوى أن الكرسي الشاغر كان مخصصاً للأمراض العصبية غير أنه لم يتوفر لشغل هذا الكرسي، متخصص في هذا النوع بالذات فقد اجتمع مجلس الكلية في 18 من مارس سنة 1954 وقرر أن من يمثل الكرسي الشاغر هو أقدم أستاذ مساعد في الأمراض الباطنة وذلك أخذاً بما سبق أن انتهت إليه لجنة الأمراض الباطنة كما أوضحت الجامعة في كتابها المؤرخ 31 من مارس سنة 1955 أن الأمراض العصبية تعد فرعاً من فروع الأمراض الباطنة. والمستفاد من هذا أن مجلس الكلية قرر أن هناك رابطة وثيقة بين الأمراض الباطنة والأمراض العصبية بينما لم يعتبر الأمر كذلك بالنسبة للأمراض النفسية التي اعتبرتها لجنة الأمراض الباطنة مادة مستقلة يتعاون المتخصص فيها مع جميع النواحي الطبية. وترتيباً على ذلك فإن المجلس عندما أعوزه المتخصص في أمراض الطب العصبي وضع معياراً للمفاضلة لشغل الكرسي الشاغر أساسه اختيار أفضل العناصر في مجال الطب الباطني باعتبار الطب العصبي فرعاً من فروعه وأدخل في مدلوله وأكثر ارتباطاً به من الطب النفسي ومن ثم فلا تثريب على الجهة الإدارية إذا هي رأت في صدر شغل هذا الكرسي الشاغر وضع قاعدة تنظيمية والتزمتها في نطاق التطبيق الفردي طالما لم يوجد متخصص في الأمراض العصبية.
ومن حيث إنه تأسيساً على ما تقدم فإن القرار المشار إليه الصادر في 18/ 3/ 1954 على النحو السابق تفصيله يتسم بالمشروعية في ضوء النصوص سالفة الذكر التي رددتها القوانين المتعاقبة الصادرة في شأن تنظيم الجامعات وقد أرست جميعها قاعدة جواز نقل الأستاذ من كرسي إلى آخر في نفس الكلية بقرار من مجلس الجامعة بناء على اقتراح مجلس الكلية المختص – وظاهر في وضوح أن ذلك القرار لم ينطو على إلغاء لكرسي الأمراض العصبية أو إنشاء لكرسي آخر مما يستلزم اتخاذ الإجراءات التي نصت عليها المادة 7 من القانون رقم 21 لسنة 1933 وغاية الأمر فإنه إنما صدر لمواجهة حالة الضرورة وبقدرها على أساس من التطبيق السليم في الوقت الذي كان هناك من بين أساتذة الأمراض الباطنة الدكتور يوسف حلمي جنينة المتخصص في الأمراض العصبية والسابق اختياره لشغل أحد كراسي الأمراض الباطنة والذي لم يمنع شغله وقتذاك لوظيفة أستاذ مساعد للأمراض العصبية وتخصصه في هذا الفرع من إجراء هذا التعيين كما أنه بمطالعة ميزانية كلية الطب بجامعة القاهرة عن السنة المالية 1953/ 1954 يبين أنها لم تتضمن أي تخصيص أو تمييز بالنسبة لكافة كراسي الأساتذة وذلك على خلاف ما أشار إليه الحكم المطعون فيه من أنها صدرت بإدراج الكراسي موزعة على المواد المختلفة. وغني عن البيان أنه والحالة هذه ما كان يسوغ الإعلان عن شغل الكرسي الشاغر بقصره على الأمراض العصبية في حين لم يتوفر المتخصص لها. ومن ثم يكون الإعلان عنه للأمراض الباطنة بمثابة الرجوع للأصل الذي يصح التزاحم عليه وإجراء المفاضلة في شأنه باعتبار الأمراض العصبية كما سبق إيضاحه فرع من فروع الأمراض الباطنة.
ومن حيث إن التعيين في وظائف هيئة التدريس بالكيات الجامعية يقوم على شروط واعتبارات خاصة والأصل في هذا التعيين هو أفضلية المرشح من حيث الكفاية التي تستقل بتقديرها لجان فحص الإنتاج العلمي المبتكر على أساس من سلطتها التقديرية التي تنأى عن الرقابة القضائية طالما كانت غير متسمة بإساءة استعمال السلطة بمعنى أن السلطة التقديرية المقررة لها لا تخضع عناصر التقدير فيها للرقابة القضائية وإلا انقلبت رقابة القضاء إلى مشاركته في سلطتها المذكورة. ومتى كان الثابت أن اللجنة الفنية التي شكلت لتقدير الإنتاج العلمي للمرشحين قدمت تقريرها لمجلس الكلية ضمنته أن الأبحاث التي قدمها الدكتور سيد طه عبد البر أفضل من أبحاث المدعي، ولم يثبت أن قرارها هذا قد شابه عيب من إساءة استعمال السلطة، فإن القرار المطعون فيه الصادر بتعيين المطعون ضده في وظيفة أستاذ "ج" على الكرسي الشاغر محل الدعوى يكون مستنداً إلى التطبيق السليم للقانون. ولا وجه بعد ذلك للطعن عليه بأن فحص الإنتاج العلمي للمرشحين لم يتبع فيه الإجراءات الحتمية التي نص عليها القانون رقم 633 لسنة 1953 بإنشاء اللجان العلمية الدائمة فلم يعرض الإنتاج العلمي على لجنة مؤقتة ألفتها اللجنة الدائمة بل عرض على لجنة شكلها مجلس الكلية كما لم يعرض تقديرها على اللجنة الدائمة التي تختص وحدها بتقدير الكفاية العلمية لأعضاء هيئة التدريس، ذلك أن فحص الإنتاج المشار إليه قد تم خلال فترة إيقاف العمل بقانون اللجان الدائمة التي قررها القانون رقم 228 لسنة 1954، وبصدور هذا القانون الأخير لم يكن هناك موجب لعرض أبحاث المرشحين على اللجنة الدائمة المنوه عنها.
ومن حيث إنه لكل ما تقدم فإن الحكم المطعون فيه وقد ذهب غير هذا المذهب على غير سند صحيح من الواقع أو القانون يكون قد أخطأ في تطبيق القانون وتأويله ويتعين لذلك إلغاؤه ورفض الدعوى مع إلزام رافعها بالمصروفات.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه ورفض الدعوى وألزمت المدعي بالمصروفات.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات