الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 362 لسنة 7 ق – جلسة 13 /04 /1963 

مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الثامنة – الجزء الثاني (من أول فبراير سنة 1962 إلى آخر سبتمبر سنة 1963) – صـ 1019


جلسة 13 من إبريل سنة 1963

برئاسة السيد/ مصطفى كامل إسماعيل وكيل المجلس وعضوية السادة حسن السيد أيوب والدكتور ضياء الدين صالح ومحمد مختار العزبي وعزت عبد المحسن المستشارين.

القضية رقم 362 لسنة 7 القضائية

موظف – تقرير سري – لجنة شئون الموظفين – سلطتها في تقدير درجة الكفاية – ليست مجرد تسجيل مادي للتقديرات الصادرة من الرؤساء، بل في التعقيب الجدي عليها بصفة نهائية – ترخصها في ذلك بسلطة تقديرية إذا ما قامت لديها أسباب جدية تقطع في عدم صحتها أو تبينت أسباب جديدة ما كانت تحت نظر الرؤساء، ولها أن تستمد تقديرها من أية عناصر ترى الاستعانة بها وتوصل للتقدير على وجه سليم يتفق مع الحق والواقع – تخفيضها التقدير استناداً إلى ما تكشف عنه المحاكمة التأديبية من أمور يقوم عليها وتؤثر فيه في جملته بصفة عامة – لا يعد ازدواجاً للعقوبة ولا جزاء مجدداً – لا تثريب على اللجنة إن هي اعتمدت في التقدير على سبق توقيع جزاءات على الموظف ما دام في تعاقب هذه الجزاءات ما يرين على صفحته ويخدش قيامه بعمله بكفاية.
إن المادة 31 من القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة بعد تعديلها بالقانون رقم 73 لسنة 1957 نصت على أن التقرير السري عن الموظف يقدم من رئيسه المباشر ثم يعرض على المدير المحلي للإدارة فرئيس المصلحة لإبداء ملاحظاتهما ثم يعرض بعد ذلك على لجنة شئون الموظفين لتقدير درجة الكفاية التي تراها بعد أن كانت قبل تعديلها تقصر اختصاص اللجنة على تسجيل التقدير إذا لم تؤثر الملاحظات في الدرجة العامة لتقدير الكفاية. وقد سبق لهذه المحكمة أن قضت بأن لجنة شئون الموظفين هي المرجع النهائي في تقدير درجة كفاية الموظفين الخاضعين لنظام التقارير السنوية وإنها تباشر اختصاصها في هذا الصدد عن طريق الإشراف والتعقيب على تقديرات الرؤساء المباشرين ولها أن تعدل هذه التقديرات بما تراه على أساس ما هو وارد بملف الخدمة بحسب الطريق المرسوم لذلك في القانون وأن اللجنة تترخص في تقديرها لدرجة كفاية الموظف بسلطتها التقديرية ولا سبيل إلى مناقشتها في هذا التقدير لتعلقه بصميم اختصاص الإدارة كما أن القانون لم يعين لها طريقاً معيناً تلتزمه في تقدير الكفاية في التقرير السنوي بل يقوم تقديرها على كافة الطرق التي تراها موصلة لهذا التقدير على وجه سليم دقيق يتفق مع الحق والواقع وقد خصها القانون بسلطة تقديرية مطلقة في أن تستمد تقديرها من أية عناصر ترى الاستعانة بها في تقدير درجات كفاية الموظفين لحكمة ظاهرة وهي أنها تضم عدداً من كبار موظفي الوزارة أو المصلحة التي يعمل بها الموظف، الذين لهم من خبراتهم ومرانهم وإلمامهم وإشرافهم على أعمال الموظفين ما يمكنهم من وزن كفاية الموظف وتقدير درجة هذه الكفاية تقديراً دقيقاً سليماً يتفق مع الحق والواقع والقول بأن لجنة شئون الموظفين لا تملك التعقيب على تقدير الرؤساء المباشرين ولو بانت لها أسباب جدية تقتضي مراجعة هؤلاء الرؤساء في تقديراتهم لا يتفق مع روح القانون وقصد الشارع في ضوء المصلحة العامة ذلك أنه قد تقوم لدى اللجنة أسباب تقطع في عدم صحة تقديرات الرؤساء المذكورين أو أسباب جديدة ما كانت تحت نظرهم لو أنهم تبينوها لما انتهوا إلى ما انتهوا إليه من تقدير – ومن ثم فإن مهمة اللجنة ليست مجرد تسجيل مادي للتقديرات الصادرة من الرؤساء بل هي التعقيب الجدي بصفة نهائية على جميع التقديرات قبل وضعها وإن تعددت مصادرها إذا قامت لديها مثل هذه الأسباب وإعمال سلطة اللجنة في تخفيض درجة كفاية الموظف في تقريره السنوي السري استناداً إلى ما تكشفت عنه محاكمته التأديبية من أمور تتعلق بسلوكه وصفاته الشخصية وقدراته وهي المواد التي يقوم عليها تقدير كفايته وتؤثر في هذا التقدير في جملته بصفة عامة لا يعد ازدواجاً للعقوبة ولا جزاء مجدداً بل هو عنصر من العناصر الكلية لمقومات التقدير العام الذي تملكه اللجنة في مجال حكمها على كفاية الموظف ذلك الحكم الذي تترخص فيه بسلطتها التقديرية وهو مجال غير مجال التأديب كما أنه لا تثريب على اللجنة إن هي اعتمدت في تقديرها على سبق توقيع جزاءات عليه ما دام في تعاقب هذه الجزاءات ما يرين على صفحته ويخدش قيامه بعمله بكفاية.


إجراءات الطعن

في يوم 8 من ديسمبر سنة 1960 أودعت إدارة قضايا الحكومة بصفتها نائبة عن السيد وزير التموين، سكرتيرية المحكمة عريضة طعن أمام هذه المحكمة قيد بجدولها تحت رقم 362 لسنة 7 القضائية في الحكم الصادر من المحكمة الإدارية لوزارات الخزانة والاقتصاد والصناعة والزراعة والتموين بجلسة 9 من أكتوبر سنة 1960 في الدعوى رقم 512 لسنة 6 القضائية محاكم المقامة من ميخائيل نجيب فوزي ضد وزارة التموين القاضي "برفض الدفع بعدم اختصاصها بنظر الدعوى وباختصاصها بنظرها وبقبول الدعوى شكلاً وفي الموضوع بإلغاء القرار الصادر من لجنة شئون الموظفين بتاريخ 27 من إبريل سنة 1959 فيما تضمنه من تقدير كفاية المدعي عن عام 1958 بدرجة ضعيف وما يترتب على ذلك من آثار وألزمت الوزارة المصروفات ومائتي قرش مقابل أتعاب المحاماة". وطلب السيد الطاعن للأسباب التي استند إليها في عريضة طعنه إحالة هذا الطعن إلى المحكمة الإدارية العليا للحكم "بقبوله شكلاً وفي الموضوع إلغاء الحكم المطعون فيه ورفض دعوى المطعون ضده وإلزامه المصروفات وأتعاب المحاماة عن الدرجتين". وقد أعلن هذا الطعن إلى المطعون عليه في 12 من يناير سنة 1961 وعقبت عليه هيئة مفوضي الدولة بتقرير بالرأي القانوني مسبباً انتهت فيه لما أبدته به من أسباب إلى أنها ترى "الحكم بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع برفضه وتأييد الحكم المطعون فيه وإلزام الحكومة المصروفات" وبعد أن انقضت المواعيد القانونية المقررة دون أن يقدم أي من الطرفين مذكرة بملاحظاته عين لنظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون بهذه المحكمة جلسة 29 من ديسمبر سنة 1962 التي أبلغ بها الطرفان في 29 من نوفمبر سنة 1962 وقد قررت الدائرة إحالة الطعن إلى المحكمة العليا حيث عين لنظره أمام الدائرة الأولى بها جلسة 9 من مارس سنة 1963 التي أبلغ بها الطرفان في 28 من يناير سنة 1963 وبعد أن سمعت المحكمة ما رأت لزوماً لسماعه من إيضاحات ذوي الشأن على الوجه المبين بمحضر الجلسة قررت إرجاء النطق بالحكم في الطعن إلى جلسة اليوم مع الترخيص في تقديم مذكرات ومستندات خلال أسبوعين وقد أودع المطعون عليه بعد حجز الطعن للحكم حافظة مستندات ومذكرة بدفاعه طلب فيها الحكم برفض الطعن وتأييد الحكم المطعون فيه.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة – حسبما يبين من أوراق الطعن – تتحصل في أن المدعي أقام الدعوى رقم 512 لسنة 6 القضائية محاكم ضد السيد وزير التموين أمام المحكمة الإدارية لوزارات الخزانة والاقتصاد والصناعة والزراعة والتموين بصحيفة أودعها سكرتيرية المحكمة في 3 من سبتمبر سنة 1959، ذكر فيها أنه أخطر في 11 من مايو سنة 1959 بصورة التقرير السري لعام 1958 وقد قامت لجنة شئون الموظفين بتعديله إلى درجة ضعيف بعد أن كان حاصلاً على درجة جيد معللة ذلك بإحالته إلى مجلس تأديب وعدم ورود نتيجة المحاكمة. وقد تظلم من هذا القرار في 12 من مايو سنة 1959 ولم يتلق رداً على تظلمه وقد جاء القرار الصادر بتقدير كفايته بدرجة ضعيف غير مطابق للواقع ومخالفاً للقانون لأنه ما كان يجوز اتخاذ إحالته إلى مجلس التأديب سبباً لتقدير درجة ضعيف له إذ لا ارتباط بين كفاية الموظف وبين إحالته إلى المحكمة التأديبية فضلاً عن أنه لا يجوز أن يعاقب الشخص مرتين عن جريمة تأديبية مرة بطريق التأديب وأخرى بالهبوط بتقديره هذا إلى أن مجلس التأديب قد قرر براءته مما نسب إليه ومع ذلك أصرت لجنة شئون الموظفين على تقديره بدرجة ضعيف مع أنها أعطته تقدير ضعيف عن عام 1957 لذات السبب ولما كان هذا الإصرار على مخالفة القانون ينبئ عن انحراف في استعمال السلطة فإنه يطلب "الحكم بإلغاء القرار الصادر من لجنة شئون الموظفين بدرجة ضعيف للطالب عن سنة 1958 وما يترتب على ذلك من آثار وخصوصاً الحرمان من العلاوة الدورية وتقديمه إلى الهيئة المشكل منها مجلس التأديب وذلك مع إلزام الوزارة المصروفات ومقابل أتعاب المحاماة.
وقد ردت وزارة التموين على هذه الدعوى بمذكرة دفعت فيها بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى بمقولة إن قرار لجنة شئون الموظفين في تقدير درجة كفاية الموظف في التقرير السنوي لا يعتبر من القرارات الإدارية التي حددها القانون رقم 55 لسنة 1959 بشأن المسائل التي تدخل في اختصاص القضاء الإداري. وقالت في الموضوع إن المدعي حاصل على شهادة الزراعة التكميلية في سنة 1950 وأنه يشغل الدرجة السادسة في الكادر الفني المتوسط من 23 من يوليه سنة 1950 ويعمل بوظيفة كاتب بمنطقة القاهرة وأنه وقعت عليه ستة جزاءات هي: خصم ثلاثة أيام لعدم تقديمه نفسه للقومسيون الطبي خصم خمسة أيام لتكرار غيابه خصم يوم لفقده أذون دقيق خصم ثلاثة أيام لتجاوزه حدود اختصاصه خصم يوم لتبادله السب والشتائم مع أحد الموظفين خصم يومين لمخالفته التعليمات وإهماله في عمله. وقد استقرت أحكام القضاء الإداري على أن تقدير درجة كفاية الموظف هو من اختصاص الإدارة دون معقب عليها في ذلك من القضاء ويؤخذ من نص المادة 31 من القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة أن تقدير لجنة شئون الموظفين لدرجة كفاية الموظف نهائي أما تقدير الرئيس المباشر أو المدير المحلي أو رئيس المصلحة فلا يعدو أن يكون رأياً استشارياً تستأنس به اللجنة عند تقدير درجة الكفاية ولا تتقيد به وبذلك ينهار قول المدعي إن رئيسه المباشر أو المدير المحلي ورئيس المصلحة قد قدروا له درجة أعلى مما قررته لجنة شئون الموظفين ذلك أن اللجنة تبني تقديرها بصفة عامة شاملة على ما يتجمع لديها من معلومات رسمية أو شخصية تؤثر في التقدير. وخلصت الوزارة من هذا إلى أنها تدفع "بعدم قبول الدعوى شكلاً وفي الموضوع برفضها".
وقد قدم المدعي مذكرة بدفاعه رد فيها على الدفع بعدم الاختصاص بأن التقرير السنوي تتوافر فيه جميع عناصر القرار الإداري وتترتب عليه الآثار القانونية التي تترتب على سائر القرارات الإدارية. وهو إذا لم يدخل في اختصاص القضاء الإداري بصفة مستقلة يدخل فيه حتماً بصفة تبعية باعتباره عنصراً من عناصر الترقية أو العلاوات الدورية أو حتى البقاء في الوظيفة والطعن الذي يوجه إليه يقوم على أن قراراً إدارياً قد صدر غير مطابق للقانون إذ خالف الحالة الواقعية التي تعد السبب في كل تصرف قانوني إداري. وذكر في الموضوع أنه متى تقرر أن التقدير يعد قراراً إدارياً فإن صدوره عن سلطة تقديرية لا يمنع من الطعن فيه على أساس الانحراف في استعمال السلطة بل ومخالفة القانون وأضاف أن الوزارة قد بخست حقه في التقدير لمجرد أنه أحيل إلى مجلس تأديب على الرغم من صدور حكم ببراءته من التهمة التي أحيل بسببها إلى المحكمة التأديبية ولا علاقة بين هذه الإحالة عن جريمة بذاتها وبين كفاية الموظف في عمله. فإذا قدر مستوى الموظف بأنه ضعيف على أساس إحالته إلى التأديب فإن هذا التقدير يكون غير مطابق للواقع وتكون الوزارة قد أعملت سلطتها في التقدير على غير النحو الذي رسمه القانون. واختتم المدعي مذكرته بالتصميم على طلباته.
وقد أودع السيد مفوض الدولة تقريراً بالرأي القانوني مسبباً انتهى فيه لما أبداه من أسباب إلى أنه يرى الحكم: "أولاً – برفض الدفع بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى وباختصاصها.
ثانياً – بقبول الدعوى شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء القرار الصادر من لجنة شئون الموظفين بوزارة التموين بتقدير كفاية المدعي عن سنة 1958 وما يترتب على ذلك من آثار وإلزام الوزارة المصروفات ومقابل أتعاب المحاماة".
وبجلسة 9 من أكتوبر سنة 1960 قضت المحكمة الإدارية "برفض الدفع بعدم اختصاصها بنظر الدعوى وباختصاصها بنظرها، وبقبول الدعوى شكلاً وفي الموضوع بإلغاء القرار الصادر من لجنة شئون الموظفين بتاريخ 27 من إبريل سنة 1959 فيما تضمنه من تقدير كفاية المدعي عن عام 1958 بدرجة ضعيف وما يترتب على ذلك من آثار وألزمت الوزارة المصروفات ومائتي قرش مقابل أتعاب المحاماة" وأقامت قضاءها فيها يتعلق بالدفع بعدم الاختصاص على أن للجنة شئون الموظفين سلطة تقديرية في تقدير درجة كفاية الموظف وأن قرارها في هذا الشأن هو قرار إداري منشئ لمركز قانوني معين وترتب عليه آثار قانونية في خصوص الترقية أو التخطي فيها (المادة 40 من القانون رقم 210 لسنة 1951) سواء بالأقدمية أو في نسبة الاختيار وفي منح العلاوة الاعتيادية (المادة 42 من القانون المذكور) وفي استحقاق أول علاوة دورية أو الحرمان منها مع التخطي في الترقية (المادة 30 من القانون ذاته) وفي تقديم الموظف للهيئة المشكل منها مجلس التأديب لتقرير فصله أو نقله إلى جهة أخرى بذات الدرجة والمرتب أو مع خفض مرتبه أو درجته أو نقله إلى كادر أدنى (المادة 32 من القانون عينه) ومتى كان من شأن القرار إحداث مثل هذه الآثار القانونية يكون قراراً إدارياً طالما أنه صادر في الشكل الذي يتطلبه القانون من جهة مختصة بإصداره وله الاعتبار الأول عند النظر في ترقية الموظف سواء بالأقدمية أو بالاختيار كما أنه إذا كان بدرجة ضعيف يحمل في طياته قراراً بحرمان الموظف من أول علاوة دورية أو يتضمن قراراً آخر بتخطيه في الترقية أو بفصله إذا ما تكرر ذات التقدير وبهذه المثابة ينعقد اختصاص النظر فيه للقضاء الإداري ومن ثم فإن الدفع بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى يكون غير قائم على سند من القانون متعيناً رفضه والقضاء باختصاص المحكمة بنظرها. أما عن الموضوع فإن لجنة شئون الموظفين قد أسست قرارها في تقدير كفاية المدعي بدرجة ضعيف على ما حواه ملف خدمته وعلى المعلومات والتحريات التي عرضت عليها وليس في الجزاءات التي دفعت عليه ما يمس عناصر التقدير الكلية أو الفرعية حسب الوارد بالنموذج المعد لتحرير التقارير فضلاً عن أنها تتصل بأمور نسبت إلى المدعي في غير عام 1958 الموضوع عنه التقرير السري المطعون فيه الذي هو ترجمان عن حالة الموظف في سنة معينة بذاتها ولا شأن للتقرير بما علق بالموظف في أعوام سابقة وإلا لانهارت سنوية التقرير إذ يكفي وصفه بالإهمال مرة واحدة أو بالضعف في عام من الأعوام لكي تظل هذه الصفة ملازمة له ما دام في الوظيفة هذا إلى أن تخفيض تقدير الكفاية إلى درجة ضعيف بسبب توقيع جزاءات سابقة هو في طبيعته مجازاة للمدعي مرة أخرى عن ذنب إداري سبق أن استوفت جهة الإدارة حقها في مجازاته عنه ولا يجوز معاقبة الموظف عن فعل مرتين وإذا كان المدعي قد أحيل إلى المحاكمة التأديبية في تهمة رشوة فقد صدر الحكم ببراءته من هذه التهمة قبل تاريخ صدور القرار المطعون فيه وما كان يسوغ التعلل بإحالته إلى المحاكمة التأديبية لتخفيض درجة كفايته والتغاضي عن حكم البراءة الذي أصبح بموجبه قرار الإحالة غير قائم على سند من القانون أما المعلومات والتحريات التي عرضت على اللجنة فإن الجهة الإدارية لم تضع شيئاً منها تحت نظر المحكمة للاطمئنان إلى وجودها وصحتها ومن ثم فلا يمكن الاعتداد بها كما لا يمكن أن يكون لها تأثير في عناصر التقدير على فرض صحتها وثبوتها ويتعين والحالة هذه الحكم بإلغاء القرار المطعون فيه الصادر من لجنة شئون الموظفين بتقدير كفاية المدعي عن عام 1958 بدرجة ضعيف لعدم قيامه على أساس سليم من القانون.
وبعريضة مودعة سكرتيرية هذه المحكمة في 8 من ديسمبر سنة 1960 طعنت وزارة التموين في هذا الحكم طالبة "إحالة هذا الطعن إلى المحكمة الإدارية العليا للحكم بقبوله شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه ورفض دعوى المطعون ضده وإلزامه المصروفات وأتعاب المحاماة عن الدرجتين". واستندت في أسباب طعنها إلى أنه وفقاً لنص المادة 31 من قانون نظام موظفي الدولة المعدلة بالقانون رقم 73 لسنة 1957 أصبح تقدير درجة الكفاية مرده إلى لجنة شئون الموظفين وحدها ولم يعد اختصاصها مقصوراً على تسجيل التقدير إذا لم تؤثر الملاحظات في الدرجة العامة للكفاية وقد جاوز الحكم المطعون فيه حدود رقابة القضاء على تقارير الكفاية إذ ألغى تقدير لجنة شئون الموظفين لمرتبة كفاية المدعي مع أن تقديرات الكفاية لا رقابة للقضاء عليها ولا سبيل إلى مناقشتها لتعلقها بصميم اختصاص الإدارة الذي ليس للقضاء أن يحل نفسه مكانها فيه وسلطة القضاء الإداري محصورة فقط في التحقق من صدور التقرير مطابقاً للإجراءات المرسومة بحسب الأوضاع المقررة في القانون فمتى استوفى التقرير أوضاعه وأشكاله ومر بمراحله حتى صدور قرار لجنة شئون الموظفين أصبح حصيناً من الطعن فيه بأي طريق من طرق الطعن، ولما كان الثابت أن القرار الخاص بتقدير درجة كفاية المدعي قد اتبعت في شأنه الإجراءات المرسومة في المراحل المقررة لها وأن لجنة شئون الموظفين قد مارست سلطتها في تقدير هذه الكفاية بعد ما تجمع لديها من عناصر هذا التقدير حتى ولو كانت خارجة عن ملف الخدمة فإن الحكم المطعون فيه إذ لم يعتد بهذا يكون قد خالف القانون.
وقد عقبت هيئة مفوضي الدولة على هذا الطعن بتقرير بالرأي القانوني مسبباً انتهت فيه إلى أنها ترى "الحكم بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع برفضه وتأييد الحكم المطعون فيه وإلزام الحكومة المصروفات" وأسست رأيها على أن تقدير لجنة شئون الموظفين وإن لم يتقيد برأي الرؤساء المباشرين للموظف إلا أنه يتعين أن يبنى على عناصر ثابتة ومستخلصة استخلاصاً سائغاً من ملف خدمته ومتعلقة بعمله خلال السنة التي يقدم عنها التقرير فإذا أقامت اللجنة تقديرها على عناصر أخرى استقتها من معلومات خارجية غير محددة كان قرارها غير محمول على أسباب واقعية وإذا كان تعقيبها على تقدير الرؤساء المباشرين تقديرياً فإنه ليس تحكمياً إذ المفروض في هؤلاء الرؤساء أن يكونوا بحكم اتصالهم المباشر بمرءوسيهم أقدر على تحري سلوكهم وتقدير كفايتهم فإذا ناط القانون باللجنة المذكورة ولاية التعقيب على تقديراتهم دون التقيد بآرائهم فإن تقديرها ليس طليقاً من كل قيد بل هو مقيد بما يحويه ملف خدمته من عناصر ثابتة وذلك حتى لا يؤخذ الموظف بما لم يقم عليه دليل من الأوراق وحتى لا ينتهك مبدأ أصيل يقوم عليه وضع التقارير وهو مبدأ سنوية هذه التقارير ومتى كان الأمر كذلك فإن الحكم المطعون فيه لما قام عليه من أسباب يكون قد بني على أسس قانونية سليمة ويتعين والحالة هذه الحكم برفض الطعن المقدم عنه وتأييده.
ومن حيث إن حكم المحكمة الإدارية المطعون فيه قد أصاب الحق فيما قضى به من اختصاص المحكمة بنظر الدعوى ورفض الدفع الذي أثارته وزارة التموين بعدم اختصاصها بنظرها بمقولة إن قرار لجنة شئون الموظفين في تقدير درجة كفاية الموظف في التقرير السنوي لا يعتبر من القرارات الإدارية التي حددها قانون مجلس الدولة فيما يتعلق بالمسائل التي تدخل في اختصاص القضاء الإداري. ذلك أن التقرير السنوي السري هو تقدير لأعمال الموظف وتسجيل لكفايته عن سنة معينة يرتب في حقه بصفة حاسمة إما مباشرة وإما بطريق غير مباشر آثاراً قانونية خاصة متى كان صادراً من الجهة المختصة بإصداره مستوفياً لمراحله وأوضاعه المرسومة ومتخذاً الشكل المتطلب قانوناً وأصبح نهائياً إذ قد ينبني عليه طبقاً لنصوص المواد 31، 32، 40 و40 مكرراً و42 من القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة وحرمان الموظف من أول علاوة دورية مع تخطيه في الترقية في السنة التي قدم فيها التقرير سواء بالأقدمية أو بالاختيار أو تقديمه إذا ما صدر في حقه تقريران متتاليان بدرجة ضعيف للهيئة المشكل منها مجلس التأديب لفحص حالته وتقرير نقله إلى وظيفة أخرى إذا كان قادراً على الاضطلاع بأعبائها بذات الدرجة والمرتب أو مع خفض درجته أو مرتبه أو نقله إلى كادر أدنى أو فصله من وظيفته مع حفظ حقه في المعاش أو المكافأة أو عدم اعتباره مرقى إلى الدرجة التالية بصفة شخصية بالتطبيق لقواعد قدامى الموظفين أو عدم منحه علاوة اعتيادية. وبهذه المثابة فإنه تتوافر له مقومات القرار الإداري وخصائصه ويكون نظر الطعن فيه من اختصاص القضاء الإداري لاتصاله بترقية الموظف وعلاواته وبدرجته ومرتبه وببقائه في الوظيفة أو فصله منها.
ومن حيث الموضوع فإنه يتضح من الأوراق أن المدعي وهو موظف من الدرجة السادسة بالكادر الفني المتوسط بوزارة التموين منذ 23 من يوليه سنة 1950 حصل في تقريره السنوي السري عن عام 1958 من رئيسه المباشر على تقدير جيد وهبط المدير المحلي بهذا التقدير إلى درجة مرض ووافق رئيس المصلحة على ذلك ثم قررت لجنة شئون الموظفين بالوزارة المنعقدة جلستها في 27 من إبريل سنة 1959 "بعد الاطلاع على ملف خدمته والمعلومات والتحريات التي عرضت على اللجنة بشأنه – الموافقة على تسجيل كفايته بدرجة ضعيف" ويبين من استظهار ماضيه في الوظيفة أنه وقعت عليه خلاله ستة جزاءات تأديبية أخرها في سنة 1957 بالخصم من مرتبه من يوم إلى خمسة أيام لمخالفة التعليمات وإهماله في عمله ولتبادله السب والضرب والشتائم مع أحد الموظفين ولتجاوزه حدود اختصاصه وخروجه على مقتضى الواجب بعدم إطاعة رئيسه وتحريضه الموظفين ضده ولفقدانه بعض الأوراق ولتكرار غيابه وتجاوزه المدة المقررة لإجازاته واستهتاره بالنظم الحكومية. وقد جاء بتقرير مباحث وزارة التموين المؤرخ 8 من ديسمبر سنة 1956 أن أحد المواطنين تقدم بشكوى ضده بأنه استولى على مبلغ عشرة جنيهات من كل من بسطا وعدلي بسطا ورشدي عسال من النخيلة وذلك نظير إجراء معاينات صورية لهم للحصول على أذون كسب باعتبارهم من الزارعين الذي يقومون بتربية الماشية وأن ثمة شائعات تتردد حوله بهذا الخصوص وكذا بخصوص قيامه بصرف أذون لبعض المطاحن دون التأكد من حاجتها الأمر الذي طلبت المباحث نقله من أجله كما أنه قبض عليه وأوقف عن العمل لاتهامه في جناية رشوة وقد أحيل إلى المحاكمة التأديبية من أجل هذه الجناية بالقرار رقم 2 لسنة 1957 لأنه طلب لنفسه وأخذ على سبيل الرشوة مبلغ خمسة جنيهات من أحد الأفراد وذلك لأداء عمل من أعمال وظيفته. وقد قضت المحكمة التأديبية لوزارة الخزانة والاقتصاد والتجارة والصناعة والزارعة والتموين بجلسة 29 من مارس 1959 في الدعوى التأديبية رقم 11 للسنة الأولى القضائية المقامة من النيابة الإدارية ضده بسبب ما عزى إليه في تهمة الرشوة هذه من خروجه على مقتضى واجبات وظيفته ببراءته مما نسب إليه وأسست حكم البراءة على أنه "ما دام الأمر مجالاً للشكوك والريب فقد تعين عدم مساءلة المتهم عن هذه التهمة" كما أشارت في أسباب حكمها إلى أن "النيابة العامة سبق أن قيدت هذا الحادث موضوع الجناية رقم 2166 لسنة 1956 بندر سوهاج شكوى إدارية رقم 197 لسنة 1957 بندر سوهاج وحفظتها إدارياً في 31 من يناير سنة 1957 لأسباب لا تخرج من هذا المعنى".
ومن حيث إن لجنة شئون الموظفين عندما قدرت بجلستها المنعقدة في 27 من إبريل سنة 1959 كفاية المدعي بدرجة ضعيف إنما استندت في ذلك إلى وقائع وعناصر صحيحة لها أصول ثابتة في الأوراق وإن أشارت إليها إجمالاً كسبب مبرر لقرارها عن تقديره في عام 1957 وأوجزت بيان أن المرجع فيها كان إلى ملف خدمته وإلى المعلومات والتحريات التي عرضت عليها ومن هذه المعلومات ما لم يكن ليخفي على اللجنة من أمر إحالة المدعي إلى المحاكمة التأديبية المنوه عنها في صدر تقريره السنوي السري المطعون فيه عام 1958 الذي كان موضوع البحث وما لم يكن مفروضاً ليخفي عليها مما أبلغ هو به الوزارة في 19 من إبريل سنة 1959 من انتهاء المحاكمة في الدعوى التأديبية رقم 11 للسنة الأولى القضائية بتبرئته في 29 من مارس سنة 1959 أي في تاريخ سابق على انعقاد اللجنة بزهاء شهر لأسباب لا تقوم على إنفاء التهمة أو على عدم صحتها بل على الشك والارتياب في ثبوتها مما تملك معه اللجنة وهي بصدد تقدير كفايته عن عام 1958 أن تدخل في حسبانها لأول مرة بوصفها المرجع النهائي في هذا التقدير الأثر الذي ترى بسلطتها في الإشراف والتعقيب على تقديرات الرؤساء المباشرين ترتيبه على النتيجة التي أسفرت عنها المحاكمة التأديبية لمساسه بتلك التقديرات ووجوب تعديلها بناء عليه ما دام لم يسبق لها أن أخذت ذلك في الاعتبار في تقدير آخر بعد إذ سكت أولئك الرؤساء عن الاعتداد به في وضع تقديراتهم بسبب عدم تكسف الأمر أمامهم وقت وضعها هذا إلى ما استظهرته اللجنة من ملف خدمة المدعي وما اطلعت عليه من تحريات كانت محل مؤاخذته أمام المحكمة التأديبية لموظفي وزارة التموين مؤاخذة أدين فيها وجوزي عنها فيما بعد في القضية التأديبية رقم 38 للسنة الأولى القضائية بجلسة 25 من أكتوبر سنة 1959 وكل أولئك مغاير لما استندت إليه اللجنة في تقديرها لكفايته عن عام 1957.
ومن حيث إن المادة 31 من القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة بعد تعديلها بالقانون رقم 73 لسنة 1957 نصت على أن التقرير السري عن الموظف يقدم من رئيسه المباشر ثم يعرض على المدير المحلي للإدارة فرئيس المصلحة لإبداء ملاحظاتهما ثم يعرض بعد ذلك على لجنة شئون الموظفين لتقدير درجة الكفاية التي تراها. بعد أن كانت قبل تعديلها تقصر اختصاص اللجنة على تسجيل التقدير إذا لم تؤثر الملاحظات في الدرجة العامة لتقدير الكفاية. وقد سبق لهذه المحكمة أن قضت بأن لجنة شئون الموظفين هي المرجع النهائي في تقدير درجة كفاية الموظفين الخاضعين لنظام التقارير السنوية وأنها تباشر اختصاصها في هذا الصدد عن طريق الإشراف والتعقيب على تقديرات الرؤساء المباشرين ولها أن تعدل هذه التقديرات بما تراه على أساس ما هو وارد بملف الخدمة بحسب الطريق المرسوم لذلك في القانون وأن اللجنة تترخص في تقديرها لدرجة كفاية الموظف بسلطتها التقديرية ولا سبيل إلى مناقشتها في هذا التقدير لتعلقه بصميم اختصاص الإدارة كما أن القانون لم يعين لها طريقاً معيناً تلتزمه في تقدير الكفاية في التقرير السنوي بل يقوم تقديرها على كافة الطرق التي تراها موصلة لهذا التقدير على وجه سليم دقيق يتفق مع الحق والواقع وقد خصها القانون بسلطة تقديرية مطلقة في أن تستمد تقديرها من أية عناصر ترى الاستعانة بها في تقدير درجات كفاية الموظفين لحكمة ظاهرة وهي أنها تضم عدداً من كبار موظفي الوزارة أو المصلحة التي يعمل بها الموظف الذين لهم من خبراتهم ومرانهم وإلمامهم وإشرافهم على أعمال الموظفين ما يمكنهم من وزن كفاية الموظف وتقدير درجة هذه الكفاية تقديراً دقيقاً سليماً يتفق مع الحق والواقع والقول بأن لجنة شئون الموظفين لا تملك التعقيب على تقدير الرؤساء المباشرين ولو بانت لها أسباب جدية تقضي مراجعة هؤلاء الرؤساء في تقديراتهم لا يتفق مع روح القانون وقصد الشارع في ضوء المصلحة العامة ذلك أنه قد تقوم لدى اللجنة أسباب تقطع في عدم صحة تقديرات الرؤساء المذكورين أو أسباب جديدة ما كانت تحت نظرهم لو أنهم تبينوها لما انتهوا إلى ما انتهوا إليه من تقدير – ومن ثم فإن مهمة اللجنة ليست مجرد تسجيل مادي للتقديرات الصادرة من الرؤساء بل هي التعقيب الجدي بصفة نهائية على جميع التقديرات قبل وضعها وإن تعددت مصادرها إذا قامت لديها مثل هذه الأسباب. وإعمال سلطة اللجنة في تخفيض درجة كفاية الموظف في تقريره السنوي السري استناداً إلى ما تكشفت عنه محاكمته التأديبية من أمور تتعلق بسلوكه وصفاته الشخصية وقدراته وهي المواد التي يقوم عليها تقدير كفايته وتؤثر في هذا التقدير في جملته بصفة عامة لا يعد ازدواجاً للعقوبة ولا جزاء مجدداً بل هو عنصر من العناصر الكلية لمقومات التقدير العام الذي تملكه اللجنة في مجال حكمها على كفاية الموظف ذلك الحكم الذي تترخص فيه بسلطتها التقديرية وهو مجال غير مجال التأديب كما أنه لا تثريب على اللجنة إن هي اعتمدت في تقديرها على سبق توقيع جزاءات عليه ما دام في تعاقب هذه الجزاءات ما يرين على صفحته ويخدش قيامه بعمله بكفاية.
ومن حيث إنه لما تقدم يكون القرار المطعون فيه الصادر من لجنة شئون الموظفين بوزارة التموين في 27 من إبريل سنة 1959 بتقدير كفاية المدعي في تقريره السنوي السري عن عام 1958 بدرجة ضعيف صحيحاً مطابقاً للقانون بعد إذ استوفى المراحل والأوضاع والإجراءات المرسومة له قانوناً وبعد إذ مارست اللجنة سلطتها في ذلك في حدود اختصاصها على الوجه الصحيح على أساس ما تجمع لديها من عناصر لها وجود ثابت في الأوراق تؤدي إلى النتيجة التي انتهت إليها ولم يسبق أخذها في الاعتبار في تقرير آخر ويكون طلب إلغاء هذا القرار على غير أساس سليم من القانون وإذ قضى حكم المحكمة الإدارية المطعون فيه بإلغائه وما يترتب على ذلك من آثار فإنه يكون قد جانب الصواب ويتعين القضاء بإلغاء هذا الحكم وبرفض الدعوى مع إلزام المدعي بالمصروفات.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه، وبرفض الدعوى وألزمت المدعي بالمصروفات.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات