الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 592 لسنة 8 ق – جلسة 09 /02 /1963 

مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الثامنة – الجزء الثاني (من أول فبراير سنة 1962 إلى آخر سبتمبر سنة 1963) – صـ 705


جلسة 9 من فبراير سنة 1963

برئاسة السيد/ الإمام الإمام الخريبي نائب رئيس المجلس وعضوية السادة مصطفى كامل إسماعيل، وحسن السيد أيوب، والدكتور ضياء الدين صالح، ومحمد مختار العزبي المستشارين.

القضية رقم 592 لسنة 8 القضائية

( أ ) موظف – تأديب – مخالفات مالية – القانون رقم 73 لسنة 1957 بتعديل قانون موظفي الدولة – إناطته سلطة إقامة الدعوى التأديبية في هذه المخالفات برئيس ديوان المحاسبة وحده وخصه بحق حفظ الدعوى أو إحالتها إلى الجهة الإدارية المختصة لتقوم بمجازاة المسئول إذا رأى أن المخالفة لا تستأهل الإحالة إلى المجلس التأديبي – مؤدى هذا التعديل سلب جهة الإدارة سلطتها المبتدأة في توقيع الجزاء في المخالفات المالية وعدم انعقاد ولاية التأديب لها إلا بعد الإحالة إليها – سريان هذه الأحكام على الموظفين الشاغلين وظائف داخلة في الهيئة سواء كانت دائمة أو مؤقتة – صدور قرار مبتدأ من الجهة الإدارية بتوقيع جزاء في مخالفة مالية يجعل هذا القرار من قبيل الفعل المادي واغتصاب السلطة ومن ثم منعدماً [(1)] – عدم تحصنه بفوات ميعاد الطعن، وجواز سحبه في أي وقت، وإعادة النظر في أمر توقيع الجزاء وفقاً للأوضاع الصحيحة.
(ب) موظف – تأديب – مخالفة مالية – القانون رقم 117 لسنة 1958 بإعادة تنظيم النيابة الإدارية والمحاكمات التأديبية – إعادته في المادة 12 منه إلى الجهة الإدارية سلطة حفظ الأوراق أو توقيع الجزاء إذا رأت النيابة الإدارية هذا الحفظ أو إذا كانت المخالفة لا تستوجب توقيع عقوبة أشد من الخصم من المرتب مدة لا تجاوز 15 يوماً – نصه في المادة 13 منه على وجوب إخطار رئيس ديوان المحاسبة بالقرارات الصادرة من الجهة الإدارية في شأن المخالفات المالية، وحقه في طلب تقديم الموظف إلى المحاكمة التأديبية خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ الإخطار – عدم سريان هذه الأحكام إلا على الموظفين المعينين على وظائف دائمة – عودة خضوع الموظف المعين على وظيفة مؤقتة في أمر تأديبه وفصله اعتباراً من تاريخ العمل بالقانون سالف الذكر لأحكام قرار مجلس الوزراء الصادر في 31 من ديسمبر سنة 1952 بناء على التفويض الوارد في المادة 26 من قانون موظفي الدولة – اختصاص الوزير طبقاً له بتوقيع عقوبة الفصل ووكيل الوزارة أو رئيس المصلحة بتوقيع ما عدا ذلك من عقوبات تأديبية.
1 – إن القرار رقم 264 الصادر في 2 من ديسمبر سنة 1957 من السيد المدير العام لهيئة البريد بمجازاة المدعي بخصم عشرة أيام من ماهيته هو قرار وقع مشوباً بعيب عدم الاختصاص لصدوره ممن لا يملكه في ظل القانون رقم 73 لسنة 1957 الذي عمل به من تاريخ نشره بالجريدة الرسمية في 4 من إبريل سنة 1957 والذي أضاف إلى القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة المادة 49 مكرراً التي قضت بعبارة عامة مطلقة وبدون تخصيص أو تفرقة بين الموظفين الداخلين في الهيئة سواء من كان منهم على وظائف دائمة أو مؤقتة بأن تقام الدعاوى التأديبية عن المخالفات المالية من رئيس ديوان المحاسبة، الذي له حفظ الدعوى كما له إذا رأى أن المخالفة لا تستأهل إحالة المسئول عنها إلى المجلس التأديبي إحالة الأوراق إلى الجهة الإدارية المختصة لتقوم بمجازاته وفقاً للمادة 85 من هذا القانون. ولما كانت الوقائع المسندة إلى المدعي هي من قبيل المخالفات المالية بحسب نص المادة 82 مكرراً من قانون نظام موظفي الدولة المضافة إليه بالقانون رقم 73 لسنة 1957 وهو الذي سلب الإدارة، في المادة 89 مكرراً آنفة الذكر، سلطتها المبتدأة في توقيع الجزاء، فإن مدير عام هيئة البريد ما كان يملك توقيع جزاء تأديبي على المسئول عن هذه المخالفة التي ناط الشارع سلطة إقامة الدعوى التأديبية فيها برئيس ديوان المحاسبة وحده وخصه بحق حفظ الدعوى أو إحالتها إلى الجهة الإدارية المختصة لتقوم بمجازاة المسئول، ما دام المدير المذكور لم يتلق من قبل رئيس الديوان هذه الإحالة التي أصبحت ولاية التأديب لا تنعقد للجهة الإدارية إلا بعدها لا قبلها. ولا يمنع من إعمال حكم المادة 82 مكرراً من القانون رقم 210 لسنة 1951 كون المدعي كان يشغل وظيفة من الدرجة التاسعة المؤقتة بهيئة البريد إذ أنها من الوظائف الداخلة في الهيئة التي تنطبق عليها أحكام الباب الأول من هذا القانون والجدول الأول "3" الملحق به والتي نصت المادة 4 منه على أنها إما دائمة وإما مؤقتة حسب وصفها الوارد في الميزانية، هذا إلى أن المادة 102 مكرراً رابعاً المضافة إلى القانون المذكور بالقانون رقم 73 لسنة 1957 نصت على أنه "بالنسبة إلى المخالفات المالية تسري أحكام هذا القانون على جميع موظفي الدولة عدا الوزراء ونوابهم". وإذ كان المدعي من غير طائفة المستخدمين الخارجين عن الهيئة الذين تناولهم الباب الثاني من قانون موظفي الدولة واستبعدتهم المادة 15 من القانون رقم 117 لسنة 1958 من تطبيق أحكام المواد 11، 12، 13، 14 منه فإن القرار الصادر من السيد المدير العام لهيئة البريد قبل إحالة الأوراق إليه من السيد رئيس ديوان المحاسبة يكون معيباً بعيب جوهري من شأنه أن يجعله من قبيل الفعل المادي واغتصاب السلطة بحيث لا تلحقه أية حصانة بفوات ميعاد الطعن فيه، ولا يكون ثمة مانع من بحثه في أي وقت وإعادة النظر في أمر توقيع الجزاء من جديد على المدعي وفقاً للأوضاع الصحيحة.
2 – إن القانون رقم 117 لسنة 1958 بإعادة تنظيم النيابة الإدارية والمحاكمات التأديبية أعاد في المادة 12 منه إلى الجهة الإدارية سلطة حفظ الأوراق أو توقيع الجزاء، في حالة ما إذا رأت النيابة الإدارية هذا الحفظ أو أن المخالفة لا تستوجب توقيع جزاء أشد من الخصم من المرتب مدة لا تجاوز خمسة عشر يوماً إلا إذا رأت الجهة الإدارية إعادة الأوراق إلى النيابة الإدارية لمباشرة الدعوى أمام المحكمة التأديبية المختصة، وقضى في المادة 13 منه بأن يخطر رئيس ديوان المحاسبة بالقرارات الصادرة من الجهة الإدارية في شأن المخالفات المالية ولرئيس الديوان خلال 15 يوماً من تاريخ إخطاره أن يطلب تقديم الموظف إلى المحاكمة التأديبية. بيد أن هذا القانون نص في مادته الرابعة على أن تتولى النيابة الإدارية مباشرة الدعوى التأديبية أمام المحاكم التأديبية بالنسبة إلى الموظفين المعينين على وظائف دائمة، وفي المادة 18 منه على أن تختص بمحاكمة الموظفين المعينين على وظائف دائمة عن المخالفات المالية والإدارية محاكم تأديبية تشكل على الوجه المبين بهذه المادة، كما نص في المادة 46 منه على أن لا تسري أحكام هذا القانون على الموظفين الذين ينظم التحقيق معهم وتأديبهم قوانين خاصة. ولما كان المدعي ليس من الموظفين المعينين على وظائف دائمة بل هو موظف معين على وظيفة مؤقتة فإن أمر تأديبه وفصله يرتد بعد صدور القانون رقم 117 لسنة 1958 إلى الأحكام التي صدر بها قرار مجلس الوزراء في 31 من ديسمبر سنة 1952 في شأن توظيف وتأديب وفصل الموظفين المؤقتين بناء على التفويض الوارد في المادة 26 من القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة، ومن ثم فإنه يخضع في هذا الخصوص لأحكام القرار المذكور وهو الذي نص في الفقرة الثانية من البند الخامس من القواعد التنظيمية العامة التي تضمنها نموذج عقد الاستخدام الذي أقر صيغته مجلس الوزراء، على أن لوكيل الوزارة أو رئيس المصلحة سلطة توقيع العقوبات التأديبية فيما عدا عقوبة الفصل التي تكون من سلطة الوزير.


إجراءات الطعن

في 11 من فبراير سنة 1962 أودعت إدارة قضايا الحكومة بصفتها نائبة عن السيد وزير المواصلات بصفته والسيد مدير عام هيئة البريد بصفته سكرتيرية المحكمة عريضة طعن أمام هذه المحكمة قيد بجدولها تحت رقم 952 لسنة 8 القضائية في الحكم الصادر من المحكمة الإدارية لوزارة المواصلات والسكك الحديدية بجلسة 13 من ديسمبر سنة 1961 في الدعوى رقم 860 لسنة 7 القضائية المقامة من: أحمد محمد محمد بندق ضد السيد مدير عام هيئة البريد، القاضي بقبول الدعوى شكلاً وفي الموضوع بإلغاء قرار السيد وزير المواصلات رقم 1028 الصادر بتاريخ 10 مارس سنة 1960 بفصل المدعي من الخدمة مع ما يترتب على ذلك من آثار والتزمت الهيئة المدعى عليها المصروفات ومائتي قرش مقابل أتعاب المحاماة. وطلب السيدان الطاعنان للأسباب التي استند إليها في عريضة طعنهما "إحالة هذا الطعن إلى المحكمة الإدارية العليا لتقضي بقبوله شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه والحكم برفض دعوى المطعون ضده مع إلزامه المصروفات ومقابل أتعاب المحاماة عن الدرجتين". وقد أعلن هذا الطعن إلى المطعون عليه في 28 من مايو سنة 1962 فرد عليه بمذكرة طلب فيها رفض الطعن مصمماً على طلباته مع حفظ كافة الحقوق الأخرى، وعقبت عليه هيئة مفوضي الدولة بتقرير بالرأي القانوني مسبباً انتهت فيه لما أبدته به من أسباب إلى أنها "ترى الحكم بقبول الطعن شكلاً وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه وبرفض دعوى المدعي مع إلزامه بالمصروفات". وبعد أن انقضت المواعيد القانونية المقررة دون أن تقدم الجهة الإدارية الطاعنة أية مذكرة بملاحظاتها عين لنظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون بهذه المحكمة جلسة 30 من يونيه سنة 1962 التي أبلغ بها الطرفان في 17 من يونيه سنة 1962 وقد قررت الدائرة إحالة الطعن إلى الدائرة الأولى بالمحكمة الإدارية العليا حيث عين لنظره أمامها جلسة 12 من يونيه سنة 1963 التي أبلغ بها الطرفان في 25 من ديسمبر سنة 1962 وبعد أن سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات ذوي الشأن على الوجه المبين بمحضر الجلسة قررت إرجاء النطق بالحكم في الطعن إلى جلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع الإيضاحات، وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة حسبما يبين من أوراق الطعن تتحصل في أن المدعي أقام الدعوى رقم 860 لسنة 7 القضائية ضد السيد مدير عام هيئة البريد أمام المحكمة الإدارية لوزارة المواصلات والسكك الحديدية بصحيفة أودعها سكرتيرية المحكمة في 2 من أغسطس سنة 1960 ذكر فيها أنه حاصل على شهادة إتمام الدراسة الابتدائية وألحق بالهيئة اعتباراً من 21 من فبراير سنة 1949 بالدرجة التاسعة وفي سنة 1957 أسندت إليه تهمة إهمال جوزي عنها بخصم عشرة أيام من مرتبه إلا أنه في 8 من فبراير سنة 1960 فصل من الخدمة بعد توقيع الجزاء عليه بأكثر من ثلاث سنوات ولما كانت التهمة التي وجهت إليه قد جوزي عنها بعشرة أيام منذ سنة 1957 وتحصن القرار التأديبي واعتبر نهائياً بمضي المدة القانونية وكان القانون رقم 117 لسنة 1958 قد حدد في المادة 12 منه ميعاد الاعتراض على هذا القرار بخمسة عشر يوماً وهو ما لم يحدث فإن تعديل الجزاء إلى الفصل يكون مخالفاً للقانون ومن ثم فإنه يطلب "الحكم بإلغاء قرار الفصل وما يترتب على ذلك من آثار مع إلزام المدعى عليه بصفته بالمصاريف وأتعاب المحاماة".
وقد ردت هيئة البريد على هذه الدعوى بأن المدعي من موظفي الدرجة التاسعة المؤقتة وقد أجري معه تحقيق في القضية رقم 294 لسنة 1957 نيابة إدارية في موضوع ظهور عجز بعهدته قدره 4 جنيهات و563 مليم وانتهى التحقيق إلى ثبوت إدانته ومن ثم قرر مجازاته بخصم عشرة أيام من مرتبه مع إخطار النيابة العامة وكذا ديوان المحاسبة لانطواء الحادث على مخالفة مالية وقد أعاد الديوان الأوراق حيث لم يكن قد تصرف فيها حتى صدور القانون رقم 117 لسنة 1958 وطلب النظر في أمر المدعي على ضوء القانون المذكور ولما كان قرار الجزاء المشار إليه قد صدر مشوباً بعيب عدم الاختصاص فقد قررت الهيئة سحبه وبإعادة عرض الموضوع تقرر فصله من الخدمة، وبناء عليه صدر القرار الوزاري رقم 1028 في 10 من مارس سنة 1960 بهذا الفصل، وكان المدعي قد تظلم في 11 من فبراير سنة 1960 أي قبل صدور قرار فصله، من هذا الفصل، فأبلغ في 21 من مايو سنة 1960 برفض تظلمه.
وقد قدم السيد مفوض الدولة تقريراً بالرأي القانوني مسبباً انتهى فيه لما أبداه به من أسباب إلى أنه يرى "الحكم برفض دعوى المدعي مع إلزامه بالمصروفات".
وقد عقب المدعي على ذلك بمذكرتين قال فيهما إن السيد المدير العام لهيئة البريد قد عاقبه لما نسب إليه بخصم عشرة أيام من راتبه وذلك بالقرار رقم 264 الصادر منه في 2 من ديسمبر سنة 1957 في حدود اختصاصه طبقاً لأحكام القانون رقم 73 لسنة 1957 وقد أصبح هذا القرار حصيناً بمضي ستين يوماً على صدوره ومن ثم فإن قرار السحب الصادر في سنة 1960 وما قام به السيد وزير المواصلات من تعديل له يكون مخالفاً للقانون متعيناً إلغاؤه وما كان للإدارة أن تعيد النظر في توقيع جزاء آخر نتيجة لفهم خاطئ للقانون بتوهم أن مصدر القرار الأول لم يكن مختصاً بإصداره مع أن القانون رقم 73 لسنة 1957 المعدل لبعض أحكام القانون رقم 210 لسنة 1951 قد أعاد ولاية التأديب بالنسبة للموظفين المؤقتين ومنه المدعي باعتباره من موظفي الدرجة التاسعة إلى الوضع الذي كانت عليه قبل صدور المرسوم بقانون رقم 132 لسنة 1952 أي إلى مدير عام الهيئة بوصفه رئيس المصلحة ولما كانت سلطة توقيع الجزاءات هي سلطة أصلية لجهة الإدارة فإنها إذا استعملت حقها في توقيع الجزاء امتنع على أية هيئة تأديبية أخرى أن تعيد محاكمة الموظف أو مجازاته لذات الأسباب وإلا ازدوجت العقوبة وتأرجحت المعايير وانعدم الاستقرار بين الموظفين ويستوي في هذا أن تكون المخالفة إدارية أو مالية فليس واجباً على المصالح أن تحيل كل من يرتكب مخالفة مالية إلى المحكمة التأديبية بل الأمر يخضع لتقديرها فإذا رأت أن العقوبات المخولة لها بمقتضى القانون كافية للردع أوقعتها وبذلك تنتهي المخالفة ويمتنع إعادة النظر في توقيع جزاء آخر عنها وإلا أحالت الأمر إلى المحكمة التأديبية وعندئذ ينتقل الاختصاص إلى هذه الأخيرة ولا يغير من الأمر شيئاً عرض المخالفة على ديوان المحاسبة إذ أنه مجرد إخطار ليس القصد منه توقيع عقوبة أخرى أو النظر في إعادة المحاكمة وخلص المدعي من هذا إلى طلب "الحكم بإلغاء القرار الصادر من السيد مدير عام هيئة البريد فيما تضمنه من فصل الطالب من الخدمة اعتباراً من 8 فبراير سنة 1960 وما يترتب على ذلك من الآثار مع إلزام الهيئة المدعى عليها المصروفات ومقابل أتعاب المحاماة".
وبجلسة 13 من ديسمبر سنة 1961 قضت المحكمة الإدارية "بقبول الدعوى شكلاً وفي الموضوع بإلغاء قرار السيد وزير المواصلات رقم 1028 الصادر بتاريخ 10 مارس سنة 1960 بفصل المدعي من الخدمة مع ما يترتب على ذلك من آثار وألزمت الهيئة المدعى عليها المصروفات ومائة قرش مقابل أتعاب المحاماة". وأقامت قضاءها على أن ما نسب إلى المدعي وقد كان يشغل وظيفة فراز بريد من وجود عجز في عهدته قدره 4 جنيهات و563 مليماً في 13 من أكتوبر سنة 1957 إنما يعتبر مخالفة مالية طبقاً للمادة 82 مكررة التي أضيفت إلى القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة بالقانون رقم 73 لسنة 1957 الذي عمل به من تاريخ نشره في 30 من مارس سنة 1957 ولذا فإن القرار الصادر في 2 من ديسمبر سنة 1957 بمجازاة المدعي بخصم عشرة أيام من مرتبه في ظل أحكام القانون رقم 73 لسنة 1957 المشار إليه يكون معيباً بعيب عدم الاختصاص الذي ينحدر به إلى درجة غصب السلطة بعد إذ أصبحت سلطة التأديب في المخالفات المالية منعقدة لرئيس ديوان المحاسبة في جميع الأحوال دون الرئيس الإداري مهما علا قدره إلا إذ رأى الديوان لبساطة المخالفة إحالة الأوراق إلى هذا الرئيس لتوقيع العقوبة، وقبل ذلك لا تكون للرئيس المذكور سلطة التأديب ابتداء على مرءوسيه ومن ثم فإن قرار الجزاء الصادر من مدير هيئة البريد في 2 من ديسمبر سنة 1957 يكون والحالة هذه معدوماً ولا تلحقه أية حصانة بفوات مواعيد الطعن فيه ويحق للجهة الإدارية إعادة النظر في أمر توقيع الجزاء من جديد عن ذات المخالفة مهما طال الزمن عليها سواء كان الموظف يشغل درجة دائمة أو درجة مؤقتة، وبصدور القانون رقم 117 لسنة 1958 بإعادة تنظيم النيابة الإدارية والمحاكمات التأديبية عادت لجهة الإدارة سلطة توقيع الجزاء إذا كانت المخالفة لا تستوجب توقيع عقوبة أشد من الخصم من المرتب مدة لا تجاوز 15 يوماً وفيما يتعلق بالموظفين المؤقتين فإن أمر تأديبهم ينظمه عقد الاستخدام الذي وافق على صيغته مجلس الوزراء في 31 من ديسمبر سنة 1952 طبقاً للسلطة المخولة له بالمادة 26 من القانون رقم 210 لسنة 1951، ووفقاً للفقرة الثانية من البند الخامس من هذا العقد يكون قرار السيد وزير المواصلات بفصل المدعي من الخدمة بوصفه من الشاغلين للدرجة التاسعة المؤقتة قد صدر من مختص في حدود السلطة المخولة له وقد قام هذا القرار على أن المدعي وهو يشغل وظيفة فراز بمكتب بريد الظاهر ويقوم ببيع الطوابع البريدية حاول تغطية العجز الذي وجد لديه أثناء التفتيش على أعماله وذلك بوضع مبلغ 4 جنيهات و500 مليم في الدرج الموجود به العهدة وبالرجوع إلى التحقيقات التي أجريت في هذا الشأن يبين أنه لا دليل في الأوراق على صحة الاتهام الموجه إلى المدعي من أنه حاول وضع نقود في درج عهدته بقصد تغطية العجز وأن المفتش الذي ضبط الواقعة قد أمسك بيده وهي مطبقة على النقود قبل أن يضعها بالدرج إذ أن المدعي قد علل وجود النقود في يده بأنه أخرجها من الدرج ليضعها أمام المفتش كي يقوم بعدها وأيده في ذلك وكيل المكتب الأمر الذي يجعل الاتهام مشكوكاً فيه، وأما وجود النقود في يد المدعي فلا ينهض دليلاً على صحة ما نسب إليه إذ ليس ثمة ما ينفي صحة ما ذكره من أنه أخرج النقود من الدرج ليساعد المفتش في مباشرة عمله ومن ثم فإن الواقعة التي عوقب المدعي من أجلها وهي السبب الذي قام عليه القرار المطعون فيه تكون غير مستخلصة استخلاصاً سائغاً من الأوراق ويكون القرار فاقداً لركن السبب وبالتالي مخالفاً للقانون مما يتعين معه الحكم بإلغائه.
وبعريضة مودعة سكرتيرية هذه المحكمة في 11 من فبراير سنة 1962 طعنت كل من وزارة المواصلات وهيئة البريد في هذا الحكم وطلبتا "إحالة هذا الطعن إلى المحكمة الإدارية العليا لتقضي بقبوله شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه والحكم برفض دعوى المطعون ضده مع إلزامه المصروفات ومقابل أتعاب المحاماة عن الدرجتين". واستندتا في أسباب طعنهما إلى أن الثابت أن السيد المفتش طلب من المدعي عهدته لجردها فتلكأ متظاهراً بانشغاله الأمر الذي حدا بالمفتش إلى جرد عهدة زميله وبعد انتهائه من ذلك تبين أن المدعي قد غادر المكتب ثم عاد وحاول أثناء فتح الدرج الذي كان المفتش قد جلس أمامه أن يضع به ما كانت يده مطبقة عليه ولكن المفتش منعه من ذلك بإمساك يده التي اتضح أن بها أوراقاً مالية واستدعى على الفور وكيل المكتب الذي شاهد وجود هذه الأوراق في يد المدعي وقيمتها أربعة جنيهات ونصف وبجرد العهدة اكتشف بها عجزاً قدره 4 جنيهات و562 مليماً وقد أحيل المتهم إلى النيابة العامة التي انتهت في تحقيقها إلى تقرير تلاعبه في عهدته وأنها كانت تنقص بمقدار 4 جنيهات و562 مليماً هو المبلغ الذي قام برده على الفور ومن ثم فإن القرار الوزاري الصادر بفصل المدعي يكون قد قام على سببه وجاء مطابقاً للقانون، وإذ ثبت تلاعب المذكور في عهدته وتوفر ذلك في يقين الإدارة واقتنعت به فإن هذا الموظف يكون قد فقد الصلاحية للاستمرار في الوظيفة العامة لإخلاله بواجب الأمانة والاستقامة الواجب توافرهما فيه، ومتى ثبت ارتكاب الذنب الإداري فإن رقابة القضاء الإداري لا تعني أن يحل هذا القضاء نفسه محل السلطات التأديبية المختصة فيما هو متروك لتقديرها ووزنها وبذا يكون الحكم المطعون فيه قد خالف القانون ولاسيما حين وازن بين الأدلة مرجحاً بعضها على البعض الآخر وحين انتهى إلى ما يخالف رأي النيابة العامة مهدراً حجية ما ثبت لها من تلاعب المدعي في عهدته.
وقد عقب المدعي على هذا الطعن بمذكرة بدفاعه ويتحصل في أن رأي السيد مدير الشئون القانونية في أواخر سنة 1959 القائل بأن قرار توقيع الجزاء الصادر في 23 من أكتوبر سنة 1957 قد صدر مشوباً بعيب عدم الاختصاص ويتعين سحبه قد تضمن أخطاء كثيرة، ذلك أن المرسوم بقانون رقم 132 لسنة 1952 بإنشاء مجلس تأديبي لمحاكمة الموظفين المسئولين عن المخالفات المالية إنما هو خاص بمحاكمة الموظفين الذين هم على درجات دائمة فلا يسري في حق المدعي كما أن تحقيقات المستخدمين الخارجين عن الهيئة لا ترسل إلى ديوان المحاسبة وذلك بناء على نص المادة 15 من القانون رقم 117 لسنة 1958 وعلى هذا فإن القرار رقم 264 الصادر في 23 من أكتوبر سنة 1957 بتوقيع جزاء بخصم عشرة أيام من المدعي هو قرار نهائي صحيح صادر من مختص هو مدير عام هيئة البريد ولا شأن له بالمرسوم بقانون رقم 117 لسنة 1958 وقد اكتسب حصانة بمضي ستين يوماً. أما عرض الأوراق على السيد وزير المواصلات في 28 من يناير سنة 1960 فهو إجراء مخالف للقانون لأن المدعي خارج الهيئة يخضع في تأديبه لرئيس المصلحة ووكيل الوزارة بصفة نهائية ومن ثم فإن القرار المطعون فيه الصادر من السيد الوزير في 28 من يناير سنة 1960 باتخاذ إجراءات الفصل وما تلاه من إجراءات هي قرارات معدومة بصدورها من الوزير في حين أنه لا اختصاص له في هذا الشأن، وعلى أية حال فالثابت أن المدعي لم يلمس مليماً واحداً من الإيراد ولولا ضغائن بينه وبين رئيس رابطتهم الذي حرض المفتش ما وقع الحادث، على أن المادة 170 من اللائحة المالية للميزانية والحسابات ناطقة بانعدام مسئوليته لأن المبلغ كان موجوداً بالدرج أو بيده على رواية المفتش الكاذبة الأمر الذي يتعين معه تبرئته مما نسب إليه.
وقد أودعت هيئة مفوضي الدولة تقريراً بالرأي القانوني مسبباً انتهت فيه إلى أنها ترى "الحكم بقبول الطعن شكلاً وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه وبرفض دعوى المدعي مع إلزامه بالمصرفات". وأسست رأيها على أن قرار الفصل المطعون فيه قد استند في ديباجته إلى ما أسفر عنه تحقيق النيابة الإدارية من خروج المدعي على مقتضى الأمانة. ويبين من تحقيقات كل من النيابة الإدارية والنيابة العامة أن واقعة محاولة المدعي وضع مبلغ 4 جنيهات و500 مليم بدرج عهدته لتغطية العجز ثابتة من أقوال كل من المفتش ووكيل المكتب وإن كان المدعي قد أنكر هذه التهمة مقيماً دفاعه على أنه أخرج المبلغ المذكور من الدرج أمام المفتش قد عجز عن إبداء سبب يبرر ادعاء المفتش عليه بدون وجه حق ولا يسعفه في هذا أن المبلغ الذي كان بيده يكاد يوازي قيمة العجز الذي وجد بعهدته بفارق قدره 63 مليماً قرر وكيل المكتب في تحقيق النيابة العامة أنه عبارة عن قيمة ثلاثة خطابات غير خالصة الأجرة كان المدعي قد سلمها لمندوب إحدى المصالح الذي لم يكن قد سدد قيمتها بعد عند حضور المفتش إذ لو كان صادقاً في زعمه لأخرج من الدرج جميع المبالغ الموجودة في عهدته وليس فقط المبلغ الموازي لقيمة العجز هذا إلى أنه لم يقم الدليل المقبول على أن خروجه من المكتب أثر مفاجأة المفتش له كان لإحضار مفتاح الدرج الذي زعم أنه نسيه في مقهى قريب ولم يكن لإحضار المبلغ الموازي لقيمة العجز الذي كان بعهدته، ومن ثم فإن قرار الفصل المطعون فيه يكون قد صدر محمولاً على سببه طالما أن النتيجة التي انتهى إليها قد استخلصت استخلاصاً سائغاً من أصول تنتجها مادياً وقانوناً وإذ ذهب الحكم المطعون فيه غير هذا المذهب فإنه يكون قد أخطأ في تأويل القانون وتطبيقه ويتعين من أجل ذلك إلغاؤه والقضاء برفض الدعوى".
ومن حيث إن النيابة الإدارية انتهت في التحقيق الذي أجرته في القضية رقم 294 لسنة 1957 بصدد اتهام المدعي بوجود عجز في عهدته إلى أن المذكور قد أخل بواجبات وظيفته بوصفه فراز بريد من الدرجة التاسعة المؤقتة بهيئة البريد منوطاً به بيع الطوابع بمكتب بريد الظاهر وخرج على مقتضيات الأمانة لثبوت اكتشاف عجز بعهدته صباح يوم 13 من أكتوبر سنة 1957 قدره 4 جنيهات و563 مليماً قبل بدء تعامله بتلك العهدة أراد تغطيته بأن حاول وضع مبلغ 4 جنيهات و500 مليم كان بيده مطبقاً عليه عند فتحه الدرج الذي يحفظ فيه عهدته إلا أن حال دون ذلك ضبط المفتش القائم بالجرد من قبل إدارة التفتيش له.
ومن حيث إنه على إثر اتهام المدعي أصدر السيد المدير العام لهيئة البريد القرار رقم 264 في 2 من ديسمبر سنة 1957 بمجازاة المذكور بخصم عشرة أيام من ماهيته مع إخطار النيابة العامة والجهات المالية المختصة بهذا الجزاء ولما كان ما نسب إلى هذا الموظف ينطوي على مخالفة مالية فقد أبلغ به ديوان المحاسبة الذي أعاد الأوراق إلى هيئة البريد طالباً إليها اتخاذ الإجراءات اللازمة في هذه الحالة وفقاً لأحكام القانون رقم 117 لسنة 1958 بإعادة تنظيم النيابة الإدارية والمحاكمات التأديبية إذ أنه لما يكن قد تصرف في الموضوع حتى تاريخ العمل بالقانون المشار إليه وبناء على هذا رفعت إدارة الشئون القانونية إلى السيد مدير عام الهيئة مذكرة أوضحت فيها أن القرار رقم 264 لسنة 1957 قد صدر مشوباً بعيب عدم الاختصاص مما يستلزم سحبه وإصداره من جديد مع إخطار ديوان المحاسبة بالنتيجة طبقاً للقانون رقم 117 لسنة 1958. وبإعادة عرض الموضوع على السيد المدير العام قرر سيادته في 4 من يناير سنة 1960 إلغاء قرار الجزاء السابق توقيعه لصدوره من غير مختص وإعادة توقيع ذات الجزاء على المدعي إعمالاً لحكم القانون رقم 117 لسنة 1958 وتطبيقاً لنص المادة 85 من القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة أبلغت وزارة المواصلات بهذا الجزاء، إلا أن السيد وزير المواصلات قرر في 28 من يناير سنة 1960 فصل المذكور من الخدمة وعلى هذا أبعد المدعي من العمل اعتباراً من 9 من فبراير سنة 1960 تمهيداً لإعداد قرار الفصل، وفي 10 من مارس سنة 1960 صدر القرار الوزاري رقم 1028 بفصله من الخدمة لما نسب إليه وذلك اعتباراً من يوم 9 من فبراير سنة 1960 تاريخ إبعاده عن العمل وأشار هذا القرار في ديباجته إلى تحقيق النيابة الإدارية وما ثبت فيه من إخلال المدعي بواجبات وظيفته وخروجه على مقتضى الأمانة حيث اكتشف عجز بعهدته قدره 4 جنيهات و563 مليماً صباح يوم 13 من أكتوبر سنة 1957 كما أشار إلى موافقة السيد الوزير في 28 من يناير سنة 1960 على فصل الموظف المذكور من الخدمة لما نسب إليه في قضية النيابة الإدارية رقم 394 لسنة 1957 مواصلات.
ومن حيث إن القرار رقم 264 الصادر في 2 من ديسمبر سنة 1957 من السيد المدير العام لهيئة البريد بمجازاة المدعي بخصم عشرة أيام من ماهيته هو قرار وقع مشوباً بعيب عدم الاختصاص لصدوره ممن لا يملكه في ظل القانون رقم 73 لسنة 1957 الذي يعمل به من تاريخ نشره بالجريدة الرسمية في 4 من إبريل سنة 1957 والذي أضاف إلى القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة المادة 89 مكرراً التي قضت بعبارة عامة مطلقة وبدون تخصيص أو تفرقة بين الموظفين الداخلين في الهيئة سواء من كان منهم على وظائف دائمة أو مؤقتة بأن تقام الدعاوى التأديبية عن المخالفات المالية من رئيس ديوان المحاسبة الذي له حفظ الدعوى كما له إذا رأى أن المخالفة لا تستأهل إحالة المسئول عنها إلى المجلس التأديبي إحالة الأوراق إلى الجهة الإدارية المختصة لتقوم بمجازاته وفقاً للمادة 85 من هذا القانون. ولما كانت الوقائع المسندة إلى المدعي هي من قبيل المخالفات المالية بحسب نص المادة 82 مكرراً من قانون نظام موظفي الدولة المضافة إليه بالقانون رقم 73 لسنة 1957 وهو الذي سلب الإدارة في المادة 89 مكرراً آنفة الذكر سلطتها المبتدأة في توقيع الجزاء، فإن مدير عام هيئة البريد ما كان يملك توقيع جزاء تأديبي على المسئول عن هذه المخالفة التي ناط الشارع سلطة إقامة الدعوى التأديبية فيها برئيس ديوان المحاسبة وحده وخصه بحق حفظ الدعوى أو إحالتها إلى الجهة الإدارية المختصة لتقوم بمجازاة المسئول ما دام المدير المذكور لم يتلق من قبل رئيس الديوان هذه الإحالة التي أصبحت ولاية التأديب لا تنعقد للجهة الإدارية إلا بعدها لا قبلها ولا يمنع من إعمال حكم المادة 89 مكرراً من القانون رقم 210 لسنة 1951 كون المدعي كان يشغل وظيفة من الدرجة التاسعة المؤقتة بهيئة البريد إذ أنها من الوظائف الداخلة في الهيئة التي تنطبق عليها أحكام الباب الأول من هذا القانون والجدول الأول "3" الملحق به والتي نصت المادة 4 منه على أنها إما دائمة وإما مؤقتة حسب وصفها الواردة في الميزانية، هذا إلى أن المادة 102 مكرراً رابعاً المضافة إلى القانون المذكور بالقانون رقم 73 لسنة 1957 نصت على أنه "بالنسبة إلى المخالفات المالية تسري أحكام هذا القانون على جميع موظفي الدولة عدا الوزراء ونوابهم". وإذا كان المدعي من غير طائفة المستخدمين الخارجين من الهيئة الذين تناولهم الباب الثاني من قانون موظفي الدولة واستبعدتهم المادة 15 من القانون رقم 117 لسنة 1958 من تطبيق أحكام المواد 11، 12، 13، 14 منه فإن القرار الصادر من السيد المدير العام لهيئة البريد قبل إحالة الأوراق إليه من السيد رئيس ديوان المحاسبة يكون معيباً بعيب جوهري من شأنه أن يجعله من قبيل الفعل المادي واغتصاب السلطة بحيث لا تلحقه أية حصانة بفوات ميعاد الطعن فيه ولا يكون ثمة مانع من سحبه في أي وقت وإعادة النظر في أمر توقيع الجزاء من جديد على المدعي وفقاً للأوضاع الصحيحة.
ومن حيث إن القانون رقم 117 لسنة 1958 بإعادة تنظيم النيابة الإدارية والمحاكمات التأديبية أعاد في المادة 12 منه إلى الجهة الإدارية سلطة حفظ الأوراق أو توقيع الجزاء في حالة ما إذا رأت النيابة الإدارية هذا الحفظ أو أن المخالفة لا تستوجب توقيع جزاء أشد من الخصم من المرتب مدة لا تجاوز خمسة عشر يوماً إلا إذا رأت الجهة الإدارية إعادة الأوراق إلى النيابة الإدارية لمباشرة الدعوى أمام المحكمة التأديبية المختصة وقضى في المادة 13 منه بأن يخطر رئيس ديوان المحاسبة بالقرارات الصادرة من الجهة الإدارية في شأن المخالفات المالية ولرئيس الديوان خلال 15 يوماً من تاريخ إخطاره أن يطلب تقديم الموظف إلى المحاكمة التأديبية. بيد أن هذا القانون نص في مادته الرابعة على أن تتولى النيابة الإدارية مباشرة الدعوى التأديبية أمام المحاكم التأديبية بالنسبة إلى الموظفين المعينين على وظائف دائمة. وفي المادة 18 منه على أن تختص بمحاكمة الموظفين المعينين على وظائف دائمة عن المخالفات المالية والإدارية محاكم تأديبية تشكل على الوجه المبين بهذه المادة. كما نص في المادة 46 منه على أن لا تسري أحكام هذا القانون على الموظفين الذين ينظم التحقيق معهم وتأديبهم قوانين خاصة. ولما كان المدعي ليس من الموظفين المعينين على وظائف دائمة بل هو موظف معين على وظيفة مؤقتة فإن أمر تأديبه وفصله يرتد بعد صدور القانون رقم 117 لسنة 1958 إلى الأحكام التي صدر بها قرار مجلس الوزراء في 31 من ديسمبر سنة 1952 في شأن توظيف وتأديب وفصل الموظفين المؤقتين بناء على التفويض الوارد في المادة 26 من القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة، ومن ثم فإنه يخضع في هذا الخصوص لأحكام القرار المذكور وهو الذي نص في الفقرة الثانية من البند الخامس من القواعد التنظيمية العامة التي تضمنها نموذج عقد الاستخدام الذي أقر صيغته مجلس الوزراء على أن لوكيل الوزارة أو رئيس المصلحة سلطة توقيع العقوبات التأديبية فيما عدا عقوبة الفصل التي تكون من سلطة الوزير، وعلى هذا فإن القرار المطعون فيه الصادر من السيد وزير المواصلات في 28 من يناير سنة 1960 بفصل المدعي من الخدمة لما نسب إليه والذي أعمل فيه السيد الوزير سلطته المخولة له بمقتضى الفقرة الرابعة من المادة 85 من القانون رقم 210 لسنة 1951 بإلغاء قرار الجزاء الثاني الموقع على المدعي من السيد المدير العام لهيئة البريد في 4 من يناير سنة 1960 خلال شهر من تاريخ إصدار هذا القرار وبتوقيع عقوبة الفصل التي يملكها في حق الموظف المذكور، هذا القرار يكون صادراً من المختص الذي يملكه في حدود السلطة المخولة له قانوناً.
ومن حيث إنه يبين من التحقيقات التي أجرتها كل من النيابة الإدارية والنيابة العامة في موضوع التهمة المنسوبة إلى المدعي بثبوت واقعة مغادرة هذا الأخير مكتبه عقب قدوم المفتش الإداري السيد/ عبد الرحيم السيد السويفي في صبيحة يوم 13 من أكتوبر سنة 1957 للتفتيش على مكتب بريد الظاهر ومطالبته إياه بفتح درج مكتبه الذي يحفظ به عهدته، وتغيبه بعض الوقت في الخارج ثم عودته.
وقد أقر المذكور بهذه الواقعة إن كان قد علل خروجه بأنه ذهب لإحضار مفتاح الدرج الذي تركه سهواً في المقهى الذي كان يجلس به قبل حضوره إلى المكتب وكذا ثبوت أن المدعي حاول بعد عودته عند فتح الدرج مباشرة أن يلقي فيه بما كانت يده مطبقة عليه ولما اتضح أنه أوراق مالية قيمتها 4 جنيه و500 مليم عبارة عن أربع ورقات من فئة الجنيه وورقة من فئة الخمسين قرشاً لتغطية العجز الذي اكتشفت في عهدته والذي اتضح أن مقداره 4 جنيه و563 مليم إلا أن المفتش حال دون تمكنه من ذلك بأن أمسك بيده واستدعى وكيل المكتب السيد/ عزيز ونيس الذي شاهد أوراق النقد بيد المدعي مطبقاً عليها المفتش ممسكاً بها لمنعه من وضعها في الدرج، ولم ينكر المدعي وجود النقود في يده وحاول تبرير ذلك بأنه أخرجها من درج عهدته ليضعها تحت نظر المفتش تسهيلاً لمأموريته وعلل الفرق البالغ 63 مليماً بأنه قيمة ثلاثة خطابات مغرمة سلمها لأصحابها دون تحصيل قيمتها سهواً ونسياناً. ومما له دلالته في إدانة المدعي بالإضافة إلى ما تقدم أن جرد عهدته تم في صباح يوم 13 من أكتوبر سنة 1957 قبل بدء تعامله بهذه العهدة مما يؤخذ منه حصول العجز بها في تاريخ سابق وأنه لم يبد سبباً مقبولاً لتحامل المفتش أو ادعائه عليه وليس يكفي في هذا قوله بغير دليل أن رئيس رابطتهم هو الذي حرض هذا المفتش على اتهامه لضغائن بينهما وأنه ليس ثمة دليل على أنه كان جالساً بمقهى قبل حضوره إلى مكتبه صبيحة يوم الحادث وأنه نسى به مفتاح درج عهدته وأن خروجه من المكتب إثر مفاجأة المفتش له وغيابه زهاء نصف ساعة كان لإحضار هذا المفتاح وليس لإحضار مبلغ العجز وأن النيابة العامة انتهت في تحقيقها في القضية رقم 39 لسنة 1958 حصر تحقيق الظاهر إلى أن "الثابت من الأوراق أن المتهم أحمد محمد بندق قد تلاعب في عهدته وأنها كانت تنقص بمقدار 4 جنيه و563 مليماً وقد قام برد هذا المبلغ في نفس اللحظة التي اكتشف فيها هذا النقص". ولا يجرح هذه الأدلة أو يقدح في سلامة استخلاص إدانة المدعي منها ما أثاره الحكم المطعون فيه وبنى عليه تشككه في صحة الاتهام من استنتاج وجود تعارض لا أثر له في الواقع بين أقوال المفتش وأقوال وكيل مكتب بريد الظاهر فيما يتعلق بالحالة والوقت والظروف التي تم فيها ضبط الواقعة. ومن ثم فإن القرار المطعون فيه الصادر من السيد وزير المواصلات بفصل المدعي من الخدمة لما نسب إليه من تلاعب بعهدته يكون قد قام على سببه الصحيح المبرر له قانوناً والمستمد من وقائع لها أصول ثابتة في الأوراق كيفها تكييفاً قانونياً سليماً واستخلص منها النتيجة التي انتهى إليها استخلاصاً سائغاً ينتجها مادياً وقانوناً، بعد إذ اقتنع مصدر هذا القرار بارتكاب الذنب الإداري وقدر خطورته، ويكون حكم المحكمة الإدارية المطعون فيه إذ قضى بإلغاء القرار المذكور وما ترتب عليه من آثار قد جانب الصواب ويتعين والحالة هذه القضاء بإلغائه وبرفض الدعوى مع إلزام المدعي بالمصروفات.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه، وبرفض الدعوى وألزمت المدعي بالمصروفات.


[(1)] راجع في هذا الشأن حكم المحكمة الإدارية العليا الصادر بجلسة 2 من يناير سنة 1960 المنشور بمجموعة السنة الخامسة جزء أول مبدأ رقم 19 ص 135.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات