الطعن رقم 2477 لسنة 6 ق – جلسة 09 /02 /1963
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الثامنة – الجزء الثاني (من أول فبراير سنة 1962 إلى آخر سبتمبر سنة 1963) –
صـ 668
جلسة 9 من فبراير 1963
برئاسة السيد/ الإمام الإمام الخريبي نائب رئيس المجلس وعضوية السادة مصطفى كامل إسماعيل وحسن السيد أيوب والدكتور ضياء الدين صالح ومحمد مختار العزبي المستشارين.
القضية رقم 2477 لسنة 6 القضائية
( أ ) موظف – تأديب – الحرمان من العلاوة الدورية بقرار من لجنة
شئون الموظفين طبقاً لأحكام المادتين 42 و44 من القانون رقم 210 لسنة 1951 – لا يعتبر
من قبيل العقوبات التأديبية ولا يلحقه وصف التأديب ما دام صادراً من لجنة شئون الموظفين
فهي ليست سلطة تأديبية – أساس ذلك – هو كون الحرمان من العلاوة يقوم على محض السلطة
التقديرية للجنة شئون الموظفين – أثر ذلك هو جواز مؤاخذته تأديبياً عن ذات الفعل الذي
أدى إلى حرمانه من العلاوة.
(ب) موظف – تأديب – إهمال مأمور الضرائب في فحص دفاتر أحد الممولين – يعتبر من قبيل
المخالفات المالية لا الإدارية نظراً لما يترتب على ذلك من ضياع حقوق على الدولة.
(ج) موظف – تأديب – عدم اختصاص مجلس التأديب العادي بنظر المخالفات المالية في ظل العمل
بالمرسوم بقانون رقم 132 لسنة 1952 – تصدى إحدى مجالس التأديب العادية لنظر مخالفة
مالية وإصداره قراراً فيها – يعتبر من قبيل الغصب الجسيم للسلطة وينحدر بالقرار إلى
درجة الانعدام ويصبح مجرد فعل مادي – أثر ذلك عدم تحصنه بفوات ميعاد الطعن ويجوز نظر
الدعوى التأديبية من جديد أمام السلطة التأديبية المختصة.
1 – تنص المادة 44 من قانون نظام موظفي الدولة على أنه لا يجوز تأجيل العلاوة الاعتيادية
أو الحرمان منها إلا بقرار من لجنة شئون الموظفين وتأجيل هذه العلاوة يمنع استحقاقها
في مدة التأجيل المبينة في القرار الصادر به، ولا يترتب على التأجيل تغيير موعد استحقاق
العلاوة التالية. أما الحرمان من هذه العلاوة فيسقط حق الموظف فيها، فالعلاوة تعبيراً
اصطلح على إطلاقه على الاستحقاقات التي يحق للموظف أن يحصل عليها زيادة في مرتبه تشجيعاً
له ومساعدة على مواجهة تكاليف الحياة التي تتزايد مع تقدمه في السن. ويستمد الموظف
حقه في العلاوة مباشرة من القانون ما لم يقم بالموظف مانع من استحقاقه لها. وقد كان
العمل يجري قبل صدور قانون نظام موظفي الدولة على أن تمنح هذه العلاوة بصفة آلية ما
لم يصدر قرار تأديبي بمنع صرفها أو تأخيرها. ولكن المادة 42 إذ نصت على أن يمنح الموظف
علاوة اعتيادية طبقاً للنظام المقرر بالجداول المرافقة، بحيث لا يجاوز المرتب نهاية
مربوط الدرجة ولا تمنح العلاوة إلا لمن يقوم بعمله بكفاية وتقرير ذلك يرجع إلى لجنة
شئون الموظفين المختصة على أساس من التقارير السنوية فإنها تكون قد جاءت بقيد جديد
هو قيام الموظف بعمله بكفاية المناط في تقديرها وتقريرها لجنة شئون الموظفين.
ولا شك أن السبب في إضافة هذا القيد هو حث الموظفين على التفاني في عملهم ثم إن المشرع
حرصاً منه على تجنب احتمال الانحراف في هذا المجال، ودفعاً للشطط بادر إلى تقريره أنه
(لا يجوز تأجيل العلاوة الاعتيادية أو الحرمان منها إلا بقرار من لجنة شئون الموظفين).
فالأصل هو استحقاق العلاوة ما لم يصدر قرار من لجنة شئون الموظفين بتأجيل موعد استحقاقها
أو بالحرمان منها. وغني عن القول بعد ما تقدم من إيضاح أن لجنة شئون الموظفين حيث تصدر
قرارها بالحرمان من العلاوة أو بتأجيلها فإنها لا تعتبر في ذلك سلطة تأديبية ومن ثم
فإن قرارها في هذا الشأن لا يكون جزاء من شأنه يمنع توقيع الجزاء عليه من السلطة المختصة
خشية التكرار. والقرار الصادر بالحرمان من العلاوة أو بتأجيلها، إما أن يصدر من السلطة
التأديبية المختصة وعندئذ يلحقه وصف الجزاء التأديبي لأنه عقاب على ذنب إداري معين
يبرر صدور ذلك القرار الفقرتين الثالثة والرابعة من المادة 84 من قانون نظام موظفي
الدولة وإما أن يصدر قرار بالحرمان أو التأجيل من لجنة شئون الموظفين بسلطتها التقديرية
إعمالاً لأحكام المواد (42 و43 و44) من القانون رقم 210 لسنة 1951 وهذا مجال آخر يختلف
عن مجال التأديب، مناط استحقاق العلاوة هو أن يقوم الموظف بعمله بكفاية ومناط الحرمان
منها أو تأجيلها ألا يقوم الموظف بعمله بكفاية والمنح أو المنع والصرف أو التأجيل كل
أولئك من الملاءمات التقديرية التي خص بها المشرع لجنة شئون الموظفين. وهذا مجال يختلف
عن مجال التأديب إذ ليس المناط فيه عقاب الموظف على ما وقع منه، وإنما المناط في هذا
المجال هو أن العلاوة في أصلها منحة كما سلف البيان، وهي لا تمنح إلا لمن يقوم بعمله
بالكفاية التي تترخص اللجنة في تقديرها. فإذا قررت اللجنة منحها للموظف صارت العلاوة
حقاً له وجزءاً من مرتبه. وإذا قررت حرمانه منها أو تأجيل صرفها فيكون قرارها في هذا
الشأن صادراً في حدود سلطتها التقديرية إذ ليس لها ولاية تأديب. وتأسيساً على ذلك يكون
قرار مجلس التأديب الصادر في 23 من مايو سنة 1956 إذ قال أن السلطة المنوط به توقيع
هذه العقوبة (تأجيل العلاوة تعتبر مشتركة بينه وبين لجنة شئون الموظفين) يكون قد أخطأ
صحيح فهم القانون الذي ضن على هذه اللجنة بولاية التأديب.
2 – إن المخالفات المنسوبة إلى الموظف المتهم بصفته مأموراً فاحصاً بمأمورية ضرائب
العطارين لم يؤد عمله بذمه وأمانة وذلك بقصد التمويه والإيهام بقانونية دفاتر الممول
وصحة حساباته، هي من قبيل الإهمال والتقصير الذي من شأنه أن يؤدي إلى ضياع حق من الحقوق
المالية للدولة (الفقرة الخامسة من المادة مكرر من قانون نظام موظفي الدولة).
3 – إن المخالفات المالية تنعقد سلطة الاتهام والتأديب بشأنها لرئيس ديوان المحاسبة
وللمجلس التأديبي للمخالفات المالية كان ذلك دائماً كذلك منذ صدور قانون موظفي الدولة
النافذ المفعول من أول يوليه سنة 1952 وفي ظل المرسوم بقانون رقم 132 لسنة 1952 الصادر
في 4 من أغسطس سنة 1952 وكذلك بعد صدور القانون رقم 73 لسنة 1957 الصادر في 30 من مارس
سنة 1957 بتعديل قانون نظام موظفي الدولة وبإلغاء المرسوم بقانون رقم 132 لسنة 1952
– بإنشاء مجلس تأديبي لمحكمة الموظفين المسئولين عن المخالفات المالية بل وفي ظل القرار
بالقانون رقم 117 لسنة 1958 بإعادة تنظيم النيابة الإدارية والمحاكمات التأديبية الصادر
في 11 من أغسطس سنة 1958. فقد نصت المادة 13 منه على أن "يخطر رئيس ديوان المحاسبة
بالقرارات الصادرة من الجهة الإدارية في شأن المخالفات المالية والمشار إليها في المادة
السابقة، ولرئيس الديوان خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ إخطاره بالقرار أن يطلب تقديم
الموظف إلى المحاكمة التأديبية".
وعلى هدى ما تقدم يكون الحكم التأديبي المطعون فيه إذ أقام قضاءه بعدم جواز نظر الدعوى
لسابقة الفصل فيها على أن القرار الصادر من مجلس التأديب، وقد صدر من جهة إدارية لها
اختصاص قضائي، قد أضحى نهائياً وحصيناً بفوات المواعيد لاستئنافه، وقد أخطأ صحيح فهم
القانون، وفاته أن المخالفات المنسوب وقوعها من الموظف المتهم هي مخالفات مالية بحتة
تخرج عن ولاية كل من لجنة شئون موظفي مصلحة الضرائب أو مجلس التأديب العادي بالمصلحة
المذكورة النظر فيها أو التصدي لمحاكمة الموظف المذكور بشأنها وتوقيع عقاب عليه بسببها
ويتعين اعتبار قرار مجلس التأديب الصادر في 23 من مايو سنة 1956 كأن لم يكن لأنه عديم
الأثر قانوناً ولا تلحقه حصانة ما. ذلك لأن هذا العيب الذي اعتور قرار مجلس التأديب
العادي لا يجعله مشوباً بمجرد عيب عادي من عيوب عدم الاختصاص مما يعيبه ويجعله فقط
قابلاً للإلغاء مع اعتباره قائماً قانوناً إلى أن يقضى بإلغائه، وإنما هو عيب ينهض
إلى حد اغتصاب السلطة الذي ينزل بقرار ذلك المجلس إلى جعله مجرد فعل مادي لا تلحقه
حصانة ولا يطهره فوات ميعاد الطعن فيه على نحو ما ذهب إليه خطأ الحكم التأديبي المطعون
فيه. فلا تثريب والحالة هذه على وزارة الخزانة عندما أهدرت قرار مجلس التأديب الابتدائي
ولم تعتد به، وأمرت باتخاذ الإجراءات التي رسمها القانون فأحالت الأوراق إلى السيد
رئيس ديوان المحاسبة ليقرر في شأنه المخالفات المالية ما يراه وفقاً لأحكام القانون.
إجراءات الطعن
في 15 من أغسطس سنة 1960 أودع السيد/ محامي الحكومة سكرتيرية المحكمة
تقرير طعن أمام هذه المحكمة قيد بجدولها تحت رقم لسنة 6 القضائية في الحكم الصادر
من المحكمة التأديبية لموظفي وزارات الخزانة والاقتصاد والصناعة والزراعة والتموين
بجلسة 26 من يونيه سنة 1960 في الدعوى التأديبية المقيدة بالسجل العام برقم لسنة
2 القضائية وبسجل النيابة الإدارية برقم د لسنة 1960 المقدمة ضد محمد خليل عفت
مأمور ضرائب من الدرجة الرابعة والذي قضى (بعدم جواز نظر الدعوى السابقة الفصل فيها).
وطلب السيد/ محامي الحكومة للأسباب التي استند إليها في تقرير طعنه: (الحكم بقبول الطعن
شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه وإنزال الجزاء المناسب على المطعون عليه
لما ارتكب من مخالفات مع إلزامه بالمصروفات ومقابل الأتعاب). وقد أعلن هذا الطعن إلى
الخصم في 10 من ديسمبر سنة 1960 وعين لنظره أمام دائرة فحص الطعون جلسة 26 من نوفمبر
ومنها إلى 15 من ديسمبر سنة 1962، وفيها قررت الدائرة إحالة الطعن إلى المحكمة الإدارية
العليا للمرافعة بجلسة 5 من يناير سنة 1963 وفيها سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات
ذوي الشأن على الوجه المبين بمحضر الجلسة وقدم المطعون عليه مذكرة في 14 من يناير سنة
1963، انتهى فيها إلى طلب الحكم برفض الطعن وإلزام الحكومة المصاريف ومقابل الأتعاب.
ثم قررت المحكمة إرجاء النطق بالحكم إلى جلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع الإيضاحات، وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة حسبما يبين من أوراق الطعن، تتحصل في أن النيابة الإدارية
أودعت أوراق ومستندات الدعوى التأديبية المقيدة بالسجل العام برقم 121 لسنة 2 القضائية..
وبسجل النيابة الإدارية برقم 53 د لسنة 1960، ضد محمد خليل عفت، مأمور ضرائب من الدرجة
الرابعة، سكرتيرية المحكمة التأديبية لموظفي وزارت الخزانة والاقتصاد والصناعة والتموين
والزراعة في 23 من مارس سنة 1960، لأنه في 9 من يونيه سنة 1952، بصفته مأموراً فاحصاً
بمأمورية ضرائب العطارين قسم أول بالإسكندرية لم يؤد عمله بدقة وأمانة حيث أثبت في
تقرير الفحص عن مادة الممول (جورج إبراهيم مسدى) تاجر السجاد عن السنوات (من 1947 إلى
1950) وقائع كاذبة بقصد التمويه والإيهام بقانونية دفاتر الممول وصحة حساباته بأن ذكر
في تقرير الفحص المذكور وجود دفاتر منتظمة ومسجلة في الوقت الذي ثبت فيه من تقرير لاحق
لأحد المأمورين ومن تقرير لجنة الطعن ومن إقرار الممول نفسه، عدم انتظام هذه الدفاتر
وعدم تسجيلها معرضاً بذلك للضياع – حق الخزانة العامة.
وقد دفع الموظف المتهم الدعوى، بعدم قبولها تأسيساً على أن لجنة شئون الموظفين سبق
لها بجلستها المنعقدة في 29 من إبريل سنة 1953 أن أوقعت عليه جزاء عن نفس التهمة المنسوبة
إليه، بتأجيل العلاوة الدورية لمدة سنة اعتباراً من أول مايو 1953، وطلب من المحكمة
لكي تتبين ذلك أن تضم الملف الخاص بقرار لجنة شئون الموظفين، ثم استطرد قائلاً أن للجنة
شئون الموظفين توقيع العقوبة التأديبية إعمالاً لنص المادة 44 من القانون رقم 210 لسنة
1951، ومع ذلك فإن الأمر لم يقف عند ذلك بل أعادت جهة الإدارة محاكمته وجرى معه تحقيق
إداري من جديد عن ذات الوقائع ونفس الاتهام وذلك بعد توقيع عقوبة تأجيل العلاوة الدورية.
ثم قدموه إلى المحاكمة التأديبية من جديد فأحيل إلى مجلس تأديب (انعقد في 23 من مايو
سنة 1956 فدفع الموظف المتهم أمام المجلس المذكور بعدم جواز نظر الدعوى التأديبية لسابقة
الفصل فيها بما نسب إليه، بتنفيذ العقوبة فعلاً سنة 1953 مجلس التأديب في قراره إلى
عدم جواز نظر الدعوى التأديبية المقامة ضد هذا الموظف لسابقة توقيع جزاء إداري عليه.
وبجلسة 26 من يونيه سنة 1960، قضت المحكمة التأديبية لموظفي وزارات الخزانة والاقتصاد
(بعدم جواز نظر الدعوى لسابقة الفصل فيها) وأقامت حكمها على أن مقطع النزاع للفصل في
الدفع المقدم من الموظف المتهم مبناه: هل يجوز للجهة الإدارية إهدار القرار الصادر
من مجلس التأديب الابتدائي بمقولة إن هذا المجلس غير مختص بالنظر في المخالفات المالية
أم أنه كان يتعين على جهة الإدارة اتخاذ الطريق المرسوم قانوناً لاستئناف القرار المذكور
أمام المجلس التأديبي الاستئنافي ثم بعد ذلك الطعن فيما يصدره هذا المجلس الاستئنافي
من قرارات أمام محكمة القضاء الإداري إذا كان هناك ثمة وجه لمثل ذلك الطعن.
واستطردت المحكمة التأديبية تقول أن المادة 86 من القانون رقم 210 لسنة 1951، قبل تعديلها
بالقانون رقم 73 لسنة 1957، كانت تنص على أن (المحكمة التأديبية للموظف يتولاها مجلس
مؤلف من أثنين من الموظفين في درجة مدير عام أحدهما من غير المصلحة التابع لها الموظف
المحال على المحاكمة التأديبية، ومن نائب من إدارة الرأي المختصة بمجلس الدولة أو من
مدير عام قسم القضايا فيما يتعلق بوزارة الأوقاف، وتكون الرئاسة للمدير العام الأقدم
في الدرجة ويكون تشكيل المجلس بقرار من الوزير" وجاءت المادة 92 من ذات القانون، وقبل
تعديلها بالقانون رقم 73 لسنة 1957 توضح كيفية استئناف قرار مجلس التأديب. فنصت على
أنه "لا يجوز الطعن في القرار الصادر من مجلس التأديب إلا بطريق الاستئناف، ويرفع الاستئناف
بتقرير يقدمه الموظف كتابة إلى وكيل الوزارة المختص في مدى شهر من تاريخ إبلاغه القرار
وعلى وكيل الوزارة إبلاغ هذا التقرير إلى مجلس التأديب الاستئنافي في مدى خمسة عشر
يوماً، وللوزير أيضاً أن يستأنف قرار مجلس التأديب في مدى شهر من تاريخ صدوره" كما
تنص المادة 93 من قانون نظام موظفي الدولة قبل تعديلها بالقرار بقانون رقم 73 لسنة
1957 على أن "يشكل مجلس التأديب الاستئنافي من وكيل الوزارة التابع لها الموظف وتكون
له الرئاسة ومن النائب العام أو من ينيبه من المحامين العامين ومن مستشار إدارة الرأي
المختصة بمجلس الدولة أو المستشار المساعد بتلك الإدارة".
ومفاد ذلك في فهم المحكمة التأديبية أن المشرع رسم طريقاً للطعن في القرارات الصادرة
من مجلس التأديب. ومن ثم فما كان يسوغ لجهة الإدارة، وقد صدر قرار من مجلس التأديب
– بعدم جواز نظر الدعوى التأديبية ضد الموظف المتهم لسابقة توقيع الجزاء الإداري عليه
– ما كان يسوغ لها أن تهدر هذا القرار بمجرد رأي منها بمقولة إن هذا القرار صدر من
جهة غير مختصة باعتبار أن المخالفة مالية وأن المختص بنظرها هو مجلس التأديب المشكل
بالتطبيق لأحكام القانون رقم 132 لسنة 1952، بل كان يتعين على جهة الإدارة اتباع حكم
القانون بالطعن بالاستئناف على قرار مجلس التأديب الابتدائي أمام المجلس التأديبي الاستئنافي
ثم بعد ذلك يطعن في قرار هذا المجلس الأخير أمام محكمة القضاء الإداري إذا كان ثمة
وجه لذلك. وخلص الحكم المطعون فيه إلى أنه ما دامت جهة الإدارة لم تتبع الطريق الذي
رسمه لها المشرع للطعن في قرار مجلس التأديب الابتدائي، وفقاً للأحكام المعمول بها
وقت صدوره، وقد أضحى ذلك القرار الذي صدر من جهة إدارية ذات اختصاص قضائي نهائياً وحصيناً
بفوات المواعيد المحددة لاستئنافه، فمن ثم يتعين على المحكمة التأديبية احترام مقتضاه
وإنزال حكم القانون، وقبول الدفع المقدم من الموظف المتهم والقضاء بعدم جواز نظر الدعوى
التأديبية المعروضة لسابقة الفصل فيها من مجلس التأديب – وأردفت المحكمة التأديبية
المطعون في حكمها تقول "وعلى ذلك لا محل، وقد انتهت المحكمة إلى ما سلف بيانه من الفصل
في الدفع وحده، للتعرض للدفوع الأخرى موضوع الدعوى التأديبية مما أثاره الموظف المتهم
في مذكراته".
ومن حيث إن طعن الحكومة يقوم على أن المخالفات محل الاتهام هي مخالفات مالية صرفه لأن
من شأنها ضياع حقوق الخزانة العامة قبل الممول، ومن ثم كان المجلس المختص بنظرها والفصل
فيها هو المجلس التأديبي للمخالفات المالية المنشأ وفقاً لأحكام المرسوم بقانون رقم
132 لسنة 1952، ولما كان الموظف المتهم قد قدم إلى المجلس التأديبي العادي فأصدر قراره
بعدم جواز نظر الدعوى لسابقة توقيع جزاء على هذا الموظف فإن هذا القرار يكون قد ولد
معدوماً لأن العيب الذي اعتور قرار مجلس التأديب العادي ينزل به إلى حد غصب السلطة
الأمر الذي يجرده من كل أثر قانوني ويترتب على ذلك أنه لا يمكن الاحتجاج أو التحدي
بفوات ميعاد الطعن عليه.
وترتيباً على ذلك يكون صحيحاً ما تم من إعادة إجراءات المحاكمة التأديبية بإقامة الدعوى
ضد الموظف المتهم أمام المحكمة التأديبية المختصة. وإذ قضى الحكم المطعون فيه بغير
ذلك فإنه يكون قد صدر مخالفاً للقانون ويتعين القضاء بإلغائه ثم بإنزال الجزاء المناسب
على المطعون عليه لما ارتكبه من مخالفات مالية مع إلزامه بالمصروفات ومقابل الأتعاب.
ومن حيث إنه يبين من الاطلاع على ملف الموضوع رقم 25 لسنة 1955 الشكوى ضد محمد خليل
عفت لإهماله في فحص الملفات أنه في 23 من فبراير سنة 1956. أحال السيد/ وكيل وزارة
المالية الموظف المذكور، بوصفه مأمور ضرائب من الدوحة الرابعة الفنية إلى مجلس تأديب
موظفي مصلحة الضرائب للأسباب الآتية: بوصفه مأموراً فاحصاً بمأمورية ضرائب عطارين
أول بالإسكندرية قدم تقرير الفحص بتاريخ 9/ 6/ 1952 في مادة الممول جورج إبراهيم مسدى
تاجر السجاد عن السنوات الضريبية (1947/ 1950) وأثبت في تقريره وقائع كاذبة عامداً
متعمداً بقصد التمويه والإيهام بقانونية دفاتر الممول وصحة حساباته بأن ذكر في تقرير
الفحص المذكور وجود دفاتر منتظمة ومسجلة في الوقت الذي ثبت فيه من تقرير لاحق من أحد
المأمورين ومن قرار لجنة الطعن ومن إقرار الممول نفسه عدم انتظام هذه الدفاتر وعدم
تسجيلها أخل إخلالاً جسيماً بواجبات وظيفته وما تستلزمه من أمانه ونزاهة. وبجلسة
23 من مايو سنة 1956 قرر مجلس التأديب لمصلحة الضرائب بوزارة المالية والاقتصاد (عدم
جواز نظر الدعوى التأديبية لسابقة توقيع الجزاء الإداري عليه). وجاء في أسباب هذا القرار
أن ثمة تحقيقاً قد أجري منذ سنة 1952، بمعرفة الإدارة المحلية بمصلحة الضرائب مع الموظف
المتهم. وأن القرائن المستفاد من أوراق التحقيق المعروضة على مجلس التأديب ومنها سؤال
الموظف على نحو يكشف عن إعادة سؤاله عن اتهامات سبق أن تناولها التحقيق الأول وكل ذلك
يؤكد أن المجلس في صدد استئناف للتحقيق الأول واستطرد مجلس التأديب قائلاً إنه قد بان
له من الاطلاع على محضر لجنة شئون الموظفين بمصلحة الضرائب المنعقدة في 29/ 4/ 1953
أنها قررت تأجيل العلاوة الدورية المستحقة للموظف المتهم لمدة سنة اعتباراً من أول
مايو سنة 1953، وذلك عملاً بالمادة 44 من القانون رقم 210 لسنة 1951، وجاء في محضر
اللجنة أنها اطلعت على الكشوف الموضح فيها أسماء الموظفين الموقوفين عن العمل والمحالين
على النيابة والمحالين على مجلس التأديب وأصدرت قراراتها في ضوء هذه الاعتبارات وبالنسبة
إلى الموظف المتهم (محمد خليل عفت) أوردت اللجنة أسباباً خاصة به بالذات محصلها الاطلاع
على تقاريره السنوية، ولما هو منسوب إليه فيما يتعلق بعمله وسلوكه وبما أن التحقيق
مع الموظف المتهم عاصر قرار اللجنة كما تعرضت تلك اللجنة لأسباب تأجيل علاوته الدورية
ومن بينها ما هو منسوب فيما يتعلق بعمله وسلوكه، وأرادت من قرارها أن تفصل في أمر الموظف
المتهم، فوقعت عليه عقوبة إرجاء العلاوة، وحرصت على أن تنص على المادة 44 السالف ذكرها
حتى يبين بجلاء أن ما قصدته اللجنة من إرجاء العلاوة هو إنزال العقوبة بهذا الموظف.
ولا يتصور ذلك مع الإشارة إلى تصرفات الموظف في عمله وسلوكه إلا أن يكون القرار الصادر
بالعقوبة قد صدر بداهة نتيجة فحص لجنة شئون الموظفين الاتهامات المنسوبة إليه في عمله
وسلوكه وقد سبق القول أن هذه الاتهامات هي نفس الاتهامات المعروضة على مجلس التأديب،
ثم استطرد هذا المجلس قائلاً إن المادة 84 من قانون نظام موظفي الدولة قد أوضحت الجزاءات
التي يجوز توقيعها على الموظفين الدائمين ومن بينهما تأجيل موعد استحقاق العلاوة ولمدة
لا تقل عن ستة أشهر ويخلص من المادتين 44 و85 من قانون 210 لسنة 1951، أن السلطة المختصة
بتوقيع هذه العقوبة هي مشتركة بين كل من مجلس التأديب ولجنة شئون الموظفين، ومتى استعملت
اللجنة سلطتها فأنزلت عقوبة إرجاء العلاوة فقد امتنع على مجلس التأديب النظر في ذات
الاتهام مرة أخرى، ومن المسلمات أنه لا يجوز توقيع العقوبة عن فعل واحد أكثر من مرة
واحدة، ومن ثم فلا محل للتعرض لموضوع الاتهام ولا الدفوع الأخرى التي أثارها الحاضر
عن الموظف المتهم.
ومن حيث إن المادة 44 من قانون نظام موظفي الدولة تنص على أنه "لا يجوز تأجيل العلاوة
الاعتيادية أو الحرمان منها إلا بقرار من لجنة شئون الموظفين وتأجيل هذه العلاوة يمنع
استحقاقها في مدة التأجيل المبينة في القرار الصادر به، ولا يترتب على التأجيل تغيير
موعد استحقاق العلاوة التالية. أما الحرمان من هذه العلاوة فيسقط حق الموظف فيها" فالعلاوة
تعبير اصطلح على إطلاقه على الاستحقاقات التي يحق للموظف أن يحصل عليها زيادة في مرتبه
تشجيعاً له ومساعدة على مواجهة تكاليف الحياة التي تتزايد مع تقدمه في السن. ويستمد
الموظف حقه في العلاوة مباشرة من القانون ما لم يقم بالموظف مانع من استحقاقه لها.
وقد كان العمل يجري قبل صدور قانون نظام موظفي الدولة على أن تمنح هذه العلاوة بصفة
آلية ما لم يصدر قرار تأديبي بمنح صرفها أو تأخيرها. ولكن المادة 42 إذ نصت على أن
يمنح الموظف علاوة اعتيادية طبقاً للنظام المقرر بالجداول المرافقة، بحيث لا يجاوز
المرتب نهاية مربوط الدرجة ولا تمنح العلاوة إلا لمن يقوم بعمله بكفاية وتقرير ذلك
يرجع إلى لجنة شئون الموظفين المختصة على أساس من التقارير السنوية فإنها تكون قد جاءت
بقيد جديد هو قيام الموظف بعمله بكفاية المناط في تقديرها وتقريرها لجنة شئون الموظفين.
ولا شك أن السبب في إضافة هذا القيد هو حث الموظفين على التفاني في عملهم ثم إن المشرع
حرصاً منه على تجنب احتمال الانحراف في هذا المجال، ودفعاً للشطط بادر إلى تقريره أنه
(لا يجوز تأجيل العلاوة الاعتيادية أو الحرمان منها إلا بقرار من لجنة شئون الموظفين).
فالأصل هو استحقاق العلاوة ما لم يصدر قرار من لجنة شئون الموظفين بتأجيل موعد استحقاقها
أو بالحرمان منها. وغني عن القول بعد ما تقدم من إيضاح أن لجنة شئون الموظفين حيث تصدر
قرارها بالحرمان من العلاوة أو بتأجيلها فإنها لا تعتبر في ذلك سلطة تأديبية ومن ثم
فإن قرارها في هذا الشأن لا يكون جزاء من شأنه أن يمنع توقيع الجزاء عليه من السلطة
المختصة خشية التكرار. والقرار الصادر بالحرمان من العلاوة أو بتأجيلها، إما أن يصدر
من السلطة التأديبية المختصة وعندئذ يلحقه وصف الجزاء التأديبي لأنه عقاب على ذنب إداري
معين يبرر صدور ذلك القرار (الفقرتين الثالثة والرابعة من المادة 84 من قانون نظام
موظفي الدولة) وإما أن يصدر قرار بالحرمان أو التأجيل من لجنة شئون الموظفين بسلطتها
التقديرية إعمالاً لأحكام المواد (42 و43 و44) من القانون رقم 210 لسنة 1951، وهذا
مجال آخر يختلف عن مجال التأديب، مناط استحقاق العلاوة هو أن يقوم الموظف بعمله بكفاية
ومناط الحرمان منها أو تأجيلها ألا يقوم الموظف بعمله بكفاية والمنح أو المنع، والصرف
أو التأجيل كل أولئك من الملاءمات التقديرية التي خص بها المشرع لجنة شئون الموظفين.
وهذا مجال يختلف عن مجال التأديب إذ ليس المناط فيه عقاب الموظف على ما وقع منه، وإنما
المناط في هذا المجال هو أن العلاوة في أصلها منحة كما سلف البيان، وهي لا تمنح إلا
لمن يقوم بعمله بالكفاية التي تترخص اللجنة في تقديرها. فإذا قررت اللجنة منحها للموظف
صارت العلاوة حقاً له وجزءاً من مرتبه. وإذا قررت حرمانه منها أو تأجيل صرفها فيكون
قرارها في هذا الشأن صادراً في حدود سلطتها التقديرية إذ ليس لها ولاية تأديب. وتأسيساً
على ذلك يكون قرار مجلس التأديب الصادر في 23 من مايو سنة 1956 إذ قال أن السلطة المنوط
بها توقيع هذه العقوبة (تأجيل العلاوة) تعتبر مشتركة بينه وبين لجنة شئون الموظفين
يكون قد أخطأ صحيح فهم القانون الذي ضن على هذه اللجنة بولاية التأديب.
ومن حيث إن الذي لا شك فيه، ولا خلاف عليه هو أن المخالفات المنسوبة إلى الموظف المتهم
بصفته مأموراً فاحصاً بمأمورية ضرائب العطارين لم يؤد عمله بذمة وأمانه وذلك بقصد التمويه
والإيهام بقانونية دفاتر الممول وصحة حساباته هي من قبيل الإهمال والتقصير الذي من
شأنه أن يؤدي إلى ضياع حق من الحقوق المالية للدولة (الفقرة الخامسة من المادة 82 مكرر
من قانون نظام موظفي الدولة). وما دام الأمر كذلك فإن سلطة الاتهام والتأديب لا تنعقد
في هذا الخصوص إلا لرئيس ديوان المحاسبة وللمجلس التأديبي المختص بالمخالفات المالية
وحدها. وهذا أصل مقرر سواء في ظل أحكام القانون رقم 132 لسنة 1952. أو القانون الذي
ألغاه وحل محله وهو رقم 73 لسنة 1957.
ففي 4 من أغسطس صدر المرسوم بقانون رقم 132 لسنة 1952 بإنشاء مجلس تأديبي لمحاكمة الموظفين
المسئولين عن المخالفات المالية فأنشأ بمقتضى مادته الأولى مجلساً تأديبياً لمحاكمة
الموظفين المسئولين عن المخالفات المالية يسمى (المجلس التأديبي للمخالفات المالية)
ونصت المادة الرابعة منه على اختصاصات هذا المجلس وحددت المخالفات المالية التي ينفرد
هذا المجلس بمحاكمة الموظفين العموميين عدا الوزراء الذين قد تنسب إليهم إحدى تلك المخالفات،
وجاء في البند خامساً من المادة الرابعة (كل إهمال أو تقصير يترتب عليه ضياع حق من
الحقوق المالية للدولة أو أحد الأشخاص العامة الأخرى أو الهيئات الخاضعة لرقابة ديوان
المحاسبة أو المساس بمصلحة من مصالحها المالية أو يكون من شأنه أن يؤدي إلى ذلك) ونصت
المادة السادسة من هذا القانون على أن "يقيم رئيس ديوان المحاسبة الدعوى التأديبية
أمام المجلس من تلقاء نفسه أو بناء على طلب رئيس مجلس الشيوخ أو رئيس مجلس النواب أو
رئيس مجلس الوزراء أو أحد الوزراء بالنسبة إلى الموظفين في وزارته أو ممثلي الأشخاص
المعنوية العامة الأخرى طبقاً لنظامها بالنسبة إلى موظفيها" ثم صدر في 30 من مارس سنة
1957، القرار بالقانون رقم 73 لسنة 1957 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 210 لسنة 1951.
ونص في مادته الأولى على استبدال بعض أحكام قانون نظام موظفي الدولة بأحكام جديدة غيرها
وجاء في مقدمة النصوص التي لحقها تعديل جوهري المواد (83 و84 و85 و86 و89) كما أضيفت
نصوص مواد مستحدثة إلى قانون نظام موظفي الدولة وفي مقدمة هذه المواد المستحدثة المضافة
جاءت المادة 89 مكررة فجرت بما يأتي "تقام الدعوى التأديبية عن المخالفات المالية من
رئيس ديوان المحاسبة وله حفظ الدعوى كما له إذا رأى أن المخالفة لا تستأهل إحالة المسئول
عنها إلى المجلس إحالة الأوراق إلى الجهة الإدارية المختصة لتقوم بمجازاته وفقاً للمادة
ويكون ذلك في جميع الأحوال بالاتفاق مع الوزير المختص أو الأشخاص المعنوية العامة
الأخرى طبقاً لنظامها بالنسبة إلى موظفيها. فإذا لم يتم الاتفاق وجب رفع الدعوى التأديبية
حتماً إلى المجلس" ونصت المادة الثانية من القانون رقم 73 لسنة 1957 على أن "تحال الدعاوى
التأديبية المرفوعة عن المخالفات المالية والإدارية التي لم يفصل فيها بحالها إلى مجلس
التأديب المختص طبقاً لأحكام هذا القانون ويخطر ذوي الشأن بهذه الإحالة" وقضت المادة
الثالثة منه على أن "يلغى المرسوم بقانون رقم 132 لسنة 1952، بإنشاء مجلس تأديبي لمحاكمة
الموظفين المسئولين عن المخالفات المالية، وكذلك يلغى كل حكم يخالف أحكام القانون".
وقد أكد المشرع قصده من الاتجاه الجديد بشأن محاكمة الموظفين المسئولين عن المخالفات
المالية في المذكرة الإيضاحية للقانون رقم 73 لسنة 1957، وقد استهلها بقوله (تكشف العمل
بالقانون رقم 132 لسنة 1952 الخاص بإنشاء مجلس تأديبي لمحاكمة الموظفين المسئولين عن
المخالفات المالية عن عدم وفاء أحكامه بكل الغايات المقصودة منه فضلاً عما أسفر عنه
التطبيق من صعوبات ناشئة عن انطواء كثير من المخالفات المالية على مخالفات أخرى إدارية
مما أدى إلى تباين وجهات النظر في التفريق بين نوعي هذه المخالفات وفي تحديد السلطات
التأديبية المختصة بالفصل فيها. وإزاء ذلك رؤى أنه لا مناص من نبذ فكرة الفصل المطلق
بين قواعد التأديب في المخالفات المالية وقواعد التأديب في المخالفات الإدارية وذلك
دون المساس بالمبادئ الأساسية التي استحدثها القانون المذكور في تمكين ديوان المحاسبة
من سلطته في الإشراف على المخالفات المالية وفي التصرف في الدعاوى التأديبية الخاصة
بها. ولا أقرب في إدراك هذه الغاية من إعادة توزيع الاختصاص على مجالس تأديب الموظفين
تبعاً لدرجات وظائفهم على أن يراعى في التشكيل تمثيل ديوان المحاسبة كلما اشتملت التهمة
على أية مخالفة مالية، وتمثيل ديوان الموظفين كلما كانت المخالفة إدارية صرفة. وإدخال
القواعد الأخرى اللازمة للمخالفات المالية في موضعها بالقانون رقم 210 لسنة 1951، والاستغناء
بذلك عن القانون رقم 132 لسنة 1952.
ومفاد هذه النصوص وما لحق بها من مذكرات إيضاحية أن المخالفات المالية تنعقد سلطة الاتهام
والتأديب بشأنها لرئيس ديوان المحاسبة وللمجلس التأديبي للمخالفات المالية. كان ذلك
دائماً كذلك منذ صدور قانون موظفي الدولة النافذ المفعول من أول يوليه سنة 1952، وفي
ظل المرسوم بقانون رقم 132 لسنة 1952، الصادر في 4 من أغسطس سنة 1952، وكذلك بعد صدور
القانون رقم 73 لسنة 1957، الصادر في 30 من مارس سنة 1957 بتعديل قانون نظام موظفي
الدولة وبإلغاء المرسوم بقانون رقم 132 لسنة 1952 بإنشاء مجلس تأديبي لمحاكمة الموظفين
المسئولين عن المخالفات المالية بل وفي ظل القرار بالقانون رقم 117 لسنة 1958، بإعادة
تنظيم النيابة الإدارية والمحاكمات التأديبية الصادر في 11 من أغسطس سنة 1958.
فقد نصت المادة 13 منه على أن (يخطر رئيس ديوان المحاسبة بالقرارات الصادرة من الجهة
الإدارية في شأن المخالفات المالية والمشار إليها في المادة السابقة، ولرئيس الديوان
خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ إخطاره بالقرار أن يطلب تقديم الموظف إلى المحاكمة التأديبية).
ومن حيث إن الثابت من ملف الموضوع أنه عندما طلبت المراقبة العامة للتفتيش بمصلحة الضرائب
في 4 من يونيه سنة 1956، استئناف قرار مجلس التأديب الصادر في 23 من مايو سنة 1956
بعدم جواز نظر الدعوى التأديبية المقامة ضد محمد خليل عفت لسابقة توقيع الجزاء الإداري
عليه، أشر السيد/ وكيل الخزانة على طلب المراقبة برأيه الذي اعتمده السيد الوزير في
حينه وجاء في تعليق السيد وكيل الوزارة ما يأتي:
"نسب إلى الموظف المذكور أنه أثبت وقائع كاذبة في تقريره الخاص بفحص حسابات الممول
جورج إبراهيم مسدى وانتهى منها إلى اعتماد دفاتره رغم ما ثبت للمأمورية فيما بعد من
عدم انتظام هذه الدفاتر الأمر الذي دعا إلى إعادة تقديره أرباح الممول على أسس أخرى
تم عليها الاتفاق. وقد انتهى مجلس التأديب الذي أحيل إليه الموظف المذكور إلى عدم جواز
نظر الدعوى التأديبية استناداً إلى أن لجنة شئون الموظفين بمصلحة الضرائب سبق أن قررت
تأجيل علاوته الدورية اعتباراً من أول مايو سنة 1953، وأن هذا القرار روعي فيه ما نسب
إليه من مخالفات. الأمر الذي يمتنع معه إعادة توقيع جزاء إداري آخر عليه لنفس هذه المخالفات.
وترى المصلحة استئناف قرار المجلس استناداً إلى أن قرار لجنة شئون الموظفين إنما بني
في الواقع من الأمر على مقتضى المادتين (42 و44) من القانون رقم 210 لسنة 1951، وهما
تجيزان منع العلاوة لمن لا يقوم بعمله بكفاية. وقد أصدرت اللجنة قراراها بعد الرجوع
إلى تقارير الموظف السنوية وهذا لا يخل بمؤاخذته إدارياً عن خصوصية المخالفات المنسوبة
إليه وأياً كان الرأي في شأن قرار اللجنة. فإن الملاحظ أن المخالفات المنسوبة للموظف
المذكور تعد من قبيل الإهمال والتقصير الذي كان من شأنه أن يؤدي إلى ضياع حق من الحقوق
المالية للدولة طبقاً للفقرة الخامسة من المادة الرابعة من القانون رقم 132 لسنة 1952،
ومن ثم فإن محاكمة الموظف المذكور المسئول عن هذه المخالفة المالية تكون من اختصاص
المجلس التأديبي للمخالفات المالية. ويكون قرار مجلس تأديب مصلحة الضرائب صادراً من
جهة غير مختصة ويترتب على هذا إهدار حجية هذا القرار واعتباره كأن لم يكن. ومن أجل
هذا اقترح إحالة الأوراق إلى ديوان المحاسبة للنظر في إقامة الدعوى التأديبية" وقد
أشر السيد الوزير على اقتراح السيد وكيل وزارة الخزانة بالموافقة وإحالة الأوراق إلى
السيد/ رئيس ديوان المحاسبة الذي أحالها إلى النيابة الإدارية بطلب تقديم الموظف المذكور
إلى المحاكمة التأديبية بالتطبيق لأحكام المادة 13 من القانون رقم 117 لسنة 1958، فأعدت
النيابة الإدارية تقرير الاتهام في 22 من مارس سنة 1960، وأودعته قلم كتاب المحكمة
التأديبية لموظفي وزارة الخزانة في 22 من مارس سنة 1960، مقروناً بمذكرة تفصيلية عن
وقائع الاتهام وأدلة الإثبات.
ومن حيث إنه على هدي ما تقدم يكون الحكم التأديبي المطعون فيه إذ أقام قضاءه بعدم جواز
نظر الدعوى لسابقة الفصل فيها، على أن القرار الصادر من مجلس التأديب، وقد صدر من جهة
إدارية لها اختصاص قضائي، قد أضحى نهائياً وحصيناً بفوات المواعيد لاستئنافه قد أخطأ
صحيح فهم القانون، وفاته أن المخالفات المنسوب وقوعها من الموظف المتهم من مخالفات
مالية بحتة يخرج عن ولاية كل من لجنة شئون موظفي مصلحة الضرائب أو مجلس التأديب العادي
بالمصلحة المذكورة، النظر فيها أو التصدي لمحاكمة الموظف المذكور بشأنها وتوقيع عقاب
عليه بسببها ويتعين اعتبار قرار مجلس التأديب الصادر في 23 من مايو سنة 1956، كأن لم
يكن لأنه عديم الأثر قانوناً ولا تلحقه حصانة ما. ذلك لأن هذا العيب الذي اعتور قرار
مجلس التأديب العادي لا يجعله مشوباً بمجرد عيب عادي من عيوب عدم الاختصاص مما يعيبه
ويجعله فقط قابلاً للإلغاء مع اعتباره قائماً قانوناً إلى أن يقضى بإلغائه، وإنما هو
عيب ينهض إلى حد اغتصاب السلطة الذي ينزل بقرار ذلك المجلس إلى جعله مجرد فعل مادي
لا تلحقه حصانة ولا يطهره فوات ميعاد الطعن فيه على نحو ما ذهب إليه خطأ الحكم التأديبي
المطعون فيه. فلا تثريب والحالة هذه على وزارة الخزانة عندما أهدرت قرار مجلس التأديب
الابتدائي ولم تعتد به، وأمرت باتخاذ الإجراءات التي رسمها القانون فأحالت الأوراق
إلى السيد رئيس ديوان المحاسبة ليقرر في شأنه المخالفات المالية ما يراه وفقاً لأحكام
القانون.
فالحكم التأديبي المطعون فيه إذ ذهب إلى غير ذلك يكون قد خالف القانون ويكون الطعن
فيه قد جاء سليماً وعلى أساس صحيح مما يتعين معه الحكم بقبوله والقضاء بإلغاء الحكم
المطعون فيه وإعادة الدعوى التأديبية إلى المحكمة التأديبية المختصة للفصل فيها من
جديد.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم
المطعون فيه، وبإعادة القضية إلى المحكمة التأديبية الخاصة للفصل فيها وألزمت المطعون
عليه بالمصروفات.
