الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 522 لسنة 7 ق – جلسة 14 /03 /1964 

مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة التاسعة – العدد الثاني (من أول فبراير 1964 إلى آخر مايو 1964) – صـ 811


جلسة 14 من مارس سنة 1964

برئاسة السيد/ مصطفى كامل إسماعيل وكيل المجلس، وعضوية السادة: حسن السيد أيوب والدكتور ضياء الدين صالح وعبد المنعم سالم مشهور ومحمد مختار العزبي المستشارين.

القضية رقم 522 لسنة 7 القضائية

( أ ) عمد ومشايخ – قرار لجنة العمد والمشايخ بفصل العمدة – امتناع سحبه أو تعديله على اللجنة، وامتناع سحبه أو تعديله على وزير الداخلية كذلك بعد اعتماد القرار اعتماداً صريحاً أو ضمنياً – عدم جدوى التظلم من قرار الفصل في هذه الحالة فلا وجه لاستلزامه كشرط لقبول دعوى إلغاء قرار الفصل.
(ب) عمد ومشايخ – قرار لجنة العمد والمشايخ بفصل العمدة – حكم المحكمة الإدارية لوزارة الداخلية بعدم قبول الدعوى بإلغاء هذا القرار لعدم التظلم منه سلفاً – جواز تصدي المحكمة الإدارية العليا للفصل ما دامت المحكمة الإدارية لوزارة الداخلية لم تتعرض له.
1) استقر قضاء هذه المحكمة على أن المستفاد من القانون رقم 106 لسنة 1957 في شأن العمد والمشايخ، أنه يمتنع على لجنة العمد والمشايخ إلغاء أو تعديل القرار الذي تصدره بالفصل باعتبار أنها تباشر اختصاصها تأديبياً كمجلس تأديب، كما يمتنع على وزير الداخلية إلغاء قرارها هذا أو تعديله بعد اعتماده صراحة أو ضمناً وأن التظلم إلى اللجنة المذكورة في أي وقت أو إلى وزير الداخلية بعد اعتماد قرارها اعتماداً صريحاً أو ضمنياً يكون غير مجد، ومن ثم فلا وجه للإلزام بالالتجاء إلى هذا التظلم قبل رفع دعوى الإلغاء كشرط لقبولها.
2) إذا كان الحكم المطعون فيه لم يتعرض لموضوع المنازعة، فإن من حق هذه المحكمة أن تتصدى لهذا الموضوع وتفصل فيه وهذا ما قد ارتأته ونبهت إليه الطاعن وهيئة المفوضين وقد قدم كل منهما مذكرة بوجهة نظره في موضوع الدعوى التي أصبحت صالحة للفصل فيها.


إجراءات الطعن

في 5 يناير سنة 1961 أودع السيد المحامي الوكيل عن السيد/ محيي الدين عبد الحافظ إبراهيم سكرتيرية هذه المحكمة عريضة طعن في الحكم الصادر من المحكمة الإدارية لوزارة الداخلية بجلسة 8 من نوفمبر سنة 1960 في الدعوى رقم 146 لسنة 7 القضائية المرفوعة من الطاعن ضد وزارة الداخلية والقاضي "بعدم قبول الدعوى شكلاً مع إلزام المدعي المصروفات" وطلب السيد الطاعن للأسباب الواردة في عريضة الطعن الحكم بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه فيما قضى به من عدم قبول الدعوى شكلاً، وإحالة الدعوى إلى المحكمة الإدارية المختصة للفصل فيها مع إلزام الحكومة بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة عن الدرجتين.
وقد أعلن هذا الطعن لذوي الشأن ثم نظرته دائرة فحص الطعون وقررت إحالته إلى المحكمة الإدارية العليا التي بعد أن سمعت ما رأت لزوم سماعه من إيضاحات ذوي الشأن أرجأت النطق بالحكم لجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع الإيضاحات، وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
من حيث إن واقعة الدعوى – حسبما يبين من أوراقها – تتحصل في أن المدعي أقام الدعوى رقم 146 لسنة 7 القضائية بإيداع صحيفتها سكرتيرية المحكمة الإدارية لوزارة الداخلية في 23 من مايو سنة 1959 طالباً فيها الحكم بإلغاء قرار فصله من عمدية حصن الرهبان مركز ديرب نجم محافظة الشرقية الصادر من لجنة الشياخات بتاريخ 20 من يناير سنة 1959 واعتباره كأن لم يكن وإعادته إلى عمله مع إلزام الحكومة بالمصروفات وقال في بيان هذا الطب أنه عين عمدة للبلدة المذكورة منذ سنة 1952 وكان قبل ذلك شيخاً لها. وفي سنة 1957 نشأت خصومة بينه وبين بعض أقاربه يتزعمهم من يدعى عبد القادر إبراهيم دلاش الذي يطمع في أن يحل محله في العمدية وكان يعاونه في ذلك مأذون القرية أبو السعود أبو زيد، وقد بدأت الحملة ببلاغ قدم إلى النيابة العامة في أغسطس سنة 1957 نسب فيه إلى المدعي أنه أخذ من المبلغ جنيهين لصالح تبرع التسليح دون أن يعطيه إيصالاً بذلك وأنه أي العمدة قد اختلس هذا المبلغ وأشهد مقدم البلاغ على هذه القرية قريبين له هما سليم الحنفي وسيد أحمد متولي. وعند التحقيق تضاربت أقوال هذين الشاهدين مما دعى المحقق إلى حفظ هذه الشكوى… وفي شهر أكتوبر سنة 1957 أبلغ المأذون بأن المدعي قد اختلس أموال التبرع التي كان يقوم بجمعها من الأهالي لصالح مشروع التسليح والجيش وأن العمدة قد اشترى بهذه الأموال أطياناً – وقد سئل المتبرعون في التحقيق فقرروا جميعاً بأن تحت أيديهم إيصالات بالمبالغ التي دفعوها كما ثبت أن ما تسلمه المدعي من تبرعات قد ورده إلى الجهات المختصة وأن ما اشتراه من أطيان قد دفع ثمنه من ماله الخاص وانتهى التحقيق أيضاً في هذا البلاغ كسابقة الحفظ. ولم تقف سلسلة الاتهامات عند هذا الحد بل حصل أن قدم بلاغ ضد المدعي في سنة 1957 وأنه استولى على مبالغ من مشروع التبرع للوحدة المجمعة بناحية فرموط صهيرة مركز ديرب نجم ولم يقم بتوريدها إلى الجهات المختصة وكان ذلك في سنة 1954. وبسؤال المدعي في موضوع هذا البلاغ قرر بأن المبالغ التي تسلمها على ذمة هذا المشروع تحررت بها إيصالات أعطيت للمتبرعين الذين سئلوا في التحقيق فقرروا بأنهم حقيقة أخذوا إيصالات بالمبالغ التي تبرعوا بها وإن كانت بعض الإيصالات قد فقد وانتهى التحقيق بعدم وجود جريمة في الموضوع وقررت النيابة العامة حفظه مع إحالة الأوراق إلى الجهة الإدارية لمساءلة المدعي إدارياً. وقد أخطر المذكور للحضور أمام لجنة الشياخات بجلسة 20 من يناير سنة 1959 لمحاكمته تأديبياً في القضية رقم 77 لسنة 1959 وفي هذه الجلسة صدر القرار بفصله من العمدية بتهمة تبديد أموال قام بجمعها من بلدته وبلدان أخرى لإنشاء وحدة مجمعة – مع أنه قد وفى بما في ذمته أمام النيابة العامة بتسليم المبالغ لأربابها ولم يكن قد طولب بها قبل ذلك. ويعيب المدعي على القرار الصادر بفصله مخالفته للقانون بمقولة أن مبناه أقوال المأذون وهو شخص حاقد على المدعي فضلاً عن أن له سوابق وأنه مقدم بتهمة تزوير في أوراق رسمية أمام محكمة الجنايات كما أن القرار قد اتسم بالتعسف إذ لا دليل في الأوراق على صحة الاتهام الذي انبنى عليه الفصل وقد تظلم المدعي قبل رفع هذه الدعوى في 17، 22 من مارس سنة 1959 إلى السيدين وزير الداخلية ومدير أمن الشرقية مطالباً بإعادته إلى عمله دون جدوى.
وقد أجابت الجهة الإدارية المدعى عليها عن الدعوى بالدفع بعدم قبولها لعدم التظلم من القرار الواجب اختصامه وهو قرار التصديق على قرار لجنة الشياخات وقالت أن تظلم المدعي قبل ذلك إنما كان منصباً على قرار لجنة الشياخات وحده وهو ليس بقرار نهائي. وأما عن الموضوع فذكرت أن أبو السعود أو زيد إبراهيم قد قرر بأن العمدة (المدعي) جمع من الأهالي تبرعات لإنشاء وحدة مجمعة بالاشتراك مع بلدة قرموط صهيرة وبلدان أخرى ثم فشل المشروع ولم يرد العمدة قيمة التبرعات لأربابها واختلسها لنفسه وكان يعطي بعض المتبرعين إيصالات بقيمة تبرعهم دون البعض الآخر وبسؤال محمد محمد حسان أمين صندوق لجنة التبرعات قرر أنه تكونت لجنة لجمع المال لهذا المشروع وحصلت على تصريح رقم 19 لسنة 1955 من وزارة الشئون الاجتماعية، وتسلم العمدة (المدعي) بصفته أحد أعضاء هذه اللجنة دفتري إيصالات يحتوي كل منهما على 25 إيصالاً على بياض من أصل وصورة ليجمع بموجبها التبرعات، ولما فشل المشروع أرسل الشاهد للعمدة خطاباً مسجلاً يطالبه فيه بإيداع المبالغ التي جمعت في البنك ورد الإيصالات الباقية أورد الدفترين إذا كان لم يجمع شيئاً من التبرعات إلا أن العمدة (المدعي) لم يقم بأي إجراء وادعى فقد الدفترين تم يقول هذا الشاهد أن العمدة قد اختلس هذه المبالغ لنفسه وقد قرر شيخ خفراء حصة الرهبان أن العمدة كان يجمع التبرعات من الأهالي بالتهديد مستغلاً في ذلك سلطة وظيفته. وبسؤال بعض المتبرعين قرروا أن العمدة لم يرد إليهم ما تبرعوا به إلا بعد تحقيق إداري أجري في المديرية كما أنه لم يرد إلى البعض منهم إلا بعد تحقيق النيابة وقد اعترف المدعي بجميع الوقائع سالفة الذكر وبأن بعض المبالغ لا تزال في ذمته وأنه حقيقة تسلم دفتري الإيصالات إلى أنهما فقدا منه. وقد وصفت النيابة العامة التي تولت تحقيق الحادث موقف المدعي بأنه شائن وأن سوء نيته واضح إذ لم يقم بإيداع المبالغ المتبرع بها في البنك رغم مطالبته بذلك إظهاراً لحسن نيته ومن ثم يكون تكون قد توافرت أركان جريمة التبديد إلا أن النيابة مع ذلك رأت النظر في أمره من الناحية الإدارية بشيء من الشدة لأن التصرفات التي صدرت عنه غير متفقة مع مقتضيات وظيفته كعمدة.
وبجلسة 8 من نوفمبر سنة 1960 قضت المحكمة الإدارية لوزارة الداخلية "بعدم قبول الدعوى شكلاً، وإلزام المدعي المصروفات" وذلك تأسيساً على أن القرار الذي يصدر من لجنة العمد والمشايخ في الدعوى التأديبية بالفصل أو بالغرامة التي تجاوز عشرة جنيهات، ولئن كان يمتنع على اللجنة المذكورة الرجوع فيه، إلا أن لوزير الداخلية بمقتضى القانون الحق في إلغاء عقوبة الفصل من العمدية أو الشياخة التي تقضي بها لجنة العمد والمشايخ، ومن ثم فإن التظلم إلى الوزير يكون مجدياً ومنتجاً، فإذا ما اقتنع بصحته كان له أن يعيد النظر في قراره بالتصديق على قرار هذه اللجنة بإلغائه أو بتخفيض العقوبة الواردة به، ذلك أن القرار الإداري النهائي الصادر منه بالتصديق على قرار لجنة العمد والمشايخ بفصل العمدة أو الشيخ شأنه شأن أي قرار إداري آخر يصدره الوزير من حيث قابليته للسحب وليس في القانون ما يحول بين الوزير وبين القيام بذلك وبالتالي فإنه يتعين سبق التظلم من قرار الوزير قبل رفع الدعوى حتى تكون مقبولة. والعبرة في هذا بالتظلم الذي ينصب على القرار النهائي الصادر من الوزير بالتصديق على قرار اللجنة وليست بالتظلم الذي ينصب على قرار هذه اللجنة. وعلى ذلك فلا يمكن الاعتداد بالتظلم الذي قدمه المدعي قبل أن يصير قرار فصله نهائياً بتصديق الوزير عليه.
ومن حيث إن الطعن في الحكم المتقدم ذكره يقوم على أن المشرع إذ أوجب التظلم إنما هدف من ذلك إلى تقليل المنازعات قدر الإمكان ولكي تكون أمام مصدر القرار فرصة العدول عنه حسبما يراه في موضوع الدعوى، وموضوع المنازعة الحالية يتضمن صدور قرار من لجنة الشياخات بفصل المدعي وما كانت تستطيع اللجنة أن تصدر أشد من هذا الجزاء، كما أن الوزير حين رفعت إليه الأوراق للمصادقة عليها لم يكن أمامه إلا أحد طريقين وهما المصادقة على قرار اللجنة أو نقضه بتخفيف العقوبة أو إلغائها، فإذا جاء المدعي وأراد أن يسمع صوته للسيد الوزير من هذا القرار الذي أجحف به فرفع إليه تظلمه لكي تكون وجهة نظره واضحة أمام السيد الوزير حتى إذا ما أصدر قراره كان على بينة من الأمر كله فإن الحكمة التي هدف إليها الشارع في وجوب التظلم تكون متحققة. ومن وجهة أخرى فإن القرار الصادر من لجنة الشياخات يعتبر نهائياً لعدم استئناف الوزير له خلال ستين يوماً من تاريخ صدوره وحين تقدم المدعي بتظلمه إلى السيد الوزير في 22 من مارس سنة 1959 كانت قد مضت هذه المدة فأصبح بذلك قرار اللجنة نهائياً.
وقد استقر قضاء هذه المحكمة على أن المستفاد من القانون رقم 106 لسنة 1957 في شأن العمد والمشايخ، أنه يمتنع على لجنة العمد والمشايخ إلغاء أو تعديل القرار الذي تصدره بالفصل باعتبار أنها تباشر اختصاصاً تأديبياً كمجلس تأديب، كما يمتنع على وزير الداخلية إلغاء قرارها هذا أو تعديله بعد اعتماده صراحة أو ضمناً وأن التظلم إلى اللجنة المذكورة في أي وقت أو إلى وزير الداخلية بعد اعتماده قرارها اعتماداً صريحاً أو ضمنياً يكون غير مجد، ومن ثم فلا وجه للإلزام بالالتجاء إلى هذا التظلم قبل رفع دعوى الإلغاء كشرط لقبولها.
ومن حيث إنه لذلك يكون الحكم المطعون فيه إذ نحا غير هذا النحو قد خالف القانون ويتعين إلغاؤه والقضاء بقبول الدعوى.
إذا كان الحكم المطعون فيه لم يتعرض الموضوع المنازعة، فإن من حق هذه المحكمة أن تتصدى لهذا الموضوع وتفصل فيه وهذا ما قد ارتأته ونبهت إليه الطاعن وهيئة المفوضين وقد قدم كل منهما مذكرة بوجهة نظره في موضوع الدعوى التي أصبحت صالحة للفصل فيها.
ومن حيث إنه بالرجوع إلى الأوراق المودعة ملف الطعن يبين منها أن فصل الطاعن من العمدية كان بناء على ما ثبت من التحقيقات التي أجريت في هذا الشأن من أن المذكور قد اختلس مبالغ قام بجمعها على سبيل التبرع لمشروع معين الأمر الذي يتنافى مع مقتضيات وظيفته وما يستلزمه واجب الذمة والأمانة في جميع الموظفين العموميين. وقد تضمنت الأوراق شكوى موقعة من عدد كبير من الأهالي حوت مطاعن كثيرة على مسلك المدعي بوصفه عمدة البلدة وكلها تمس النزاهة وحسن السير والسلوك وقد طلبوا في هذه الشكوى تنحية المدعي عن منصبه. وقد وضعت النيابة العامة مذكرة برأيها في الشكوى رقم 626 لسنة 1958 وهى الخاصة بما جمعه المدعي من تبرعات لإنشاء وحدة مجمعة في سنة 1955 استعرضت فيها أقوال الشهود وعلى الأخص أقوال أمين صندوق اللجنة التي تكونت لهذا المشروع والذي قرر أنه سلم المدعي دفتري إيصالات يحتوي كل منها على 25 إيصالاً وبعد فشل المشروع طلب من هذا الأخير إيداع ما جمعه من تبرعات لصالح المشروع في البنك تحت رقم حساب معين، ورد الإيصالات الباقية أورد الدفترين إذا كان لم يجمع شيئاً إلا أن المذكور لم يستجب لشيء من هذا "وادعى بفقد الدفترين" وقد ذكر هذا الشاهد أن العمدة قد اختلس المبلغ لنفسه. وقد قرر من سئل في التحقيق من الأشخاص الذين تبرعوا للمشروع المذكور أن المدعي رد التبرعات إلى البعض منهم بعد التحقيق الإداري وإلى البعض الآخر بعد تحقيق النيابة العامة ثم خلصت النيابة العامة في مذكرتها إلى أن سوء نية المدعي كانت واضحة وأن موقفه كان شائناً وأنه اعترف صراحة بأن مبالغ التبرعات ما زالت في ذمته لم يقم بإيداعها البنك كما طالبه بذلك أمين صندوق اللجنة المسئول الأول عن هذه المبالغ – إظهاراً لحسن نيته، ولا يقدح في هذا قول المدعي بأن أصحاب التبرعات أولى بها لأنه من جهة لا يملك الانفراد بهذا التصرف ومن جهة أخرى فإنه لم يردها إلى أربابها إلا بعد التحقيق هذا بالإضافة إلى ادعائه بفقد دفتري الإيصالات وعدم الإبلاغ عن ذلك في حينه الأمر الذي يتعذر معه تحديد المبالغ التي في ذمته. وقد جاءت تحريات ضابط المباحث مؤيدة لهذا كله. ومن ثم فقد توافرت جريمة التبديد في حقه إلا أن رد المبالغ لأصحابها أفقد الدعوى أهميتها من الناحية الجنائية، وهذا لا يمنع من النظر في أمره من الناحية الإدارية بشيء من الشدة لهذه التصرفات التي صدرت عنه مما لا يتفق مع وظيفة العمدة ويصمه في أمانته ونزاهته.
ومن حيث إن العمدة في القرية يمثل سلطة الإدارة فيها وهو مسئول إلى حد كبير عن استتباب الأمن ومراعاة الصالح العام ولا يمكن أن ينهض بأعباء وظيفته على وجه مرض ما لم يكن محل احترام مواطنيه وثقتهم واطمئنانهم وهذا لا يكون إلا بالاستقامة والنزاهة وعفة اليد والبعد عن كل ما يشين وعلى الأخص ما يمس الذمة والأمانة لأنه بفقدهما يفقد الشخص شرط الصلاحية للبقاء في الوظيفة العامة.
ومن حيث إن ما نسب إلى المدعي وما أسفر عنه التحقيق وكشفت عنه أقوال الشهود وأقوال المذكور نفسه الذي لم ينكر أنه جمع تبرعات وأنها حتى إجراء التحقيق معه كانت لا تزال في ذمته وأنه لم يردها لأربابها إلا بعد افتضاح الأمر ودرأ للمسئولية معللاً ذلك بأن أحداً من المتبرعين لم يكن قد طالبه وامتنع وكان أحرى به أن يودع المبلغ الذي جمعه في البنك كما طلب ذلك منه أمين صندوق اللجنة التي شكلت خصيصاً لهذا الغرض وصدر لها الترخيص من وزارة الشئون الاجتماعية في جمع التبرعات، ثم ادعاءه بفقد الإيصالات مما تعذر معه حصر المبلغ الحقيقي الذي جمعه بطريق التبرع على ذمة المشروع المذكور ولو كان هذا الادعاء صحيحاً لسارع بالإبلاغ فقد دفتري الإيصالات أما اعتذاره عن ذلك بالسهو فينطوي على مجافاة للواقع – كل أولئك لا شك يخدش الاعتبار ويصيب حسن السمعة في الصميم. فإذا رأت لجنة العمد والمشايخ استناداً إلى الوقائع المتقدمة أن المدعي لم يعد صالحاً للبقاء في وظيفته لأنه فقد مقومات الصلاحية للوظيفة العامة فإنها تكون قد استخلصت أسباب قرارها استخلاصاً سائغاً من وقائع تبرره مادياً وقانوناً لها أصول ثابتة في الأوراق إلى النتيجة التي انتهت إليها في قرارها المطعون فيه بما يجعل هذا القرار بمنأى عن الطعن.
ومن حيث إنه لكل ما تقدم تكون دعوى المدعي من ناحية الموضوع غير قائمة على سند صحيح من القانون مما يتعين معه القضاء برفضها مع إلزام المدعي بالمصروفات.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه وبقبول الدعوى، وبرفضها موضوعاً، وألزمت المدعي بالمصروفات.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات