الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 8 لسنة 38 ق – جلسة 17 /02 /1973 

أحكام النقض – المكتب الفني – مدني
العدد الأول – السنة 24 – صـ 265

جلسة 17 من فبراير سنة 1973

برياسة السيد المستشار/ محمد صادق الرشيدي نائب رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: أحمد سميح طلعت، وأديب قصبجي، ومحمد فاضل المرجوشي، وحافظ الوكيل.


الطعن رقم 8 لسنة 38 القضائية

إثبات. "القرائن القانونية". وصية. عقد. "تكييف العقد". صورية. محكمة الموضوع.
قرينة المادة 917 مدني. قوامها. احتفاظ المتصرف بحيازة العين. وبحقه في الانتفاع بها مدى حياته. لقاضي الموضوع التحري عن قصد المتصرف في ضوء الدعوى.
نقض. "السبب المفتقر للدليل".
النعي على الحكم بالخطأ في تأويل شهادة الشهود. عدم تقديم صورة رسمية من التحقيق المشتمل على تلك الشهادة. نعي بغير دليل.
محكمة الموضوع. "تقدير الدليل". إثبات. "الإقرار غير القضائي".
تفسير تقريرات الخصوم في دعوى أخرى مما يستقل به قاضي الموضوع.
محكمة الموضوع. "تقدير الدليل". إثبات. "شهادة الشهود". تقدير أقوال الشهود والقرائن. استقلال محكمة الموضوع به دون معقب متى كان سائغاً.
حكم. "تسبيب الحكم". محكمة الموضوع. "تقدير الدليل". قاضي الموضوع غير ملزم بالرد استقلالاً على كافة حجج الخصوم. حسبه أن يقيم قضاءه على ما يصلح من الأدلة لحمله.
إثبات. "طرق الإثبات". إرث. وصية. خلف.
طعن الوارث بصورية تصرفات المورث المضرة به. جواز إثباته بكافة الطرق. اعتبار الوارث من الغير بالنسبة لهذه التصرفات.
حكم. "تسبيب الحكم". استئناف. "تسبيب الحكم الاستئنافي".
إلغاء محكمة الاستئناف للحكم الابتدائي. عدم التزامها بالرد على أسبابه، حسبها أن تقيم قضاءها على أسباب تكفي لحمله.
1 – مفاد نص المادة 917 من القانون المدني – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة [(1)] – أن القرينة التي تضمنتها لا تقوم إلا باجتماع شرطين أولهما احتفاظ المتصرف بحيازة العين المتصرف فيها، وثانيهما احتفاظه بحقه في الانتفاع بها على أن يكون احتفاظه بالأمرين مدى حياته، ولقاضي الموضوع سلطة التحقق من توافر هذين الشرطين للتعرف على حقيقة العقد المتنازع عليه، والتحري عن قصد المتصرف من تصرفه، وذلك في ضوء ظروف الدعوى التي أحاطت به ما دام قد برر قوله في هذا الخصوص بما يؤدي إليه. وإذ كان الثابت من الحكم المطعون فيه أنه قضى باعتبار التصرف محل النزاع مضافاً إلى ما بعد الموت وقصد به الاحتيال على قواعد الإرث، وتسري عليه أحكام الوصية بناء على ما استخلصه من أقوال الشهود ومن الظروف التي أحاطت بالتصرف من أن المورث لم يقبض الثمن المسمى في العقد، وأنه احتفظ بحق الانتفاع لنفسه بالأرض موضوع التصرف طوال حياته، ولم يقم الطاعنان بزراعة الأرض واستغلالها إلا باعتبارهما مستأجرين ونائبين عن والدهما، وكان من شأن هذه الأدلة أن تبرر النتيجة التي انتهى إليها الحكم من أن نية الطرفين قد انصرفت إلى الوصية لا إلى البيع المنجز، فإن النعي على الحكم – بالخطأ في تطبيق القانون والقصور في التسبيب يكون على غير أساس.
6 – الوارث الذي يطعن في تصرف صادر من مورثه في صورة بيع منجز بأن حقيقته وصية، وأنه قصد بها الاحتيال على قواعد الإرث المقررة شرعاً إضراراً بحقه يجوز له إثبات طعنه بكافة طرق الإثبات لأن الوارث لا يستمد حقه في الطعن في هذه الحالة من المورث وإنما من القانون مباشرة، ويعتبر من الغير فيما يختص بهذا التصرف.
7 – استقر قضاء هذه المحكمة [(2)] على أن محكمة الاستئناف إذا ما ألغت الحكم الابتدائي الصادر في الموضوع فلا تكون ملزمة ببحث أو تفنيد أسباب هذا الحكم، وحسبها أن تقيم قضاءها على أسباب كافية لحمله.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد المستشار المقرر، والمرافعة وبعد المداولة.
حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.
وحيث إن الوقائع – على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر أوراق الطعن – تتحصل في أن المطعون ضده الأول والمطعون ضدهن من الثانية للسادسة أقمن الدعوى رقم 311 سنة 1961 مدني كلي بني سويف ضد الطاعنين والمطعون ضدهما السابعة والثامنة، قلن فيها إن مورثهن…….. توفى عن تركة مقدارها 8 ف و4 ط و6 س مبينة الحدود والمعالم بصحيفة الدعوى وعن ورثة هم زوجتاه المطعون ضدهما السابعة والثامنة وولداه الطاعنان وبناته مورثة المطعون ضده الأول التي توفيت أثناء نظر الدعوى وحل محلها ابنها والمطعون ضدهن من الثانية للخامسة وبنت ابنته المطعون ضدها السادسة ولها وصية واجبة في تركة المورث، وإذ كانت الأنصبة الشرعية لهؤلاء المدعيات في تركة مورثهن تقدير بأربعة أفدنة فقد طلبن تثبيت ملكيتهن إلى هذا القدر وبطلان عقد البيع المسجل في 15/ 9/ 1958 برقم 2776 شهر بني سويف والصادر من مورثهن إلى ولديه الطاعنين وزوجته المطعون ضدها الثامنة ومحو التسجيلات الموقعة بناء عليه وأسسن هذين الطلبين على أن عقد البيع صوري صورية مطلقة قصد به الاحتيال على قواعد الإرث لحرمانهن من حقهن في الميراث، وبجلسة 25/ 11/ 1963 قضت محكمة أول درجة بإحالة الدعوى إلى التحقيق لتثبت المدعيات أن عقد البيع المسجل سالف الذكر عقد صوري وبعد أن تم التحقيق قضت هذه المحكمة برفض الدعوى. استأنف المطعون ضدهم الستة الأول هذا الحكم وقيد استئنافهم برقم 188 سنة 2 ق أمام محكمة استئناف بني سويف، وطلبوا احتياطياً اعتبار عقد البيع المتنازع عليه وصية. وبجلسة 10/ 10/ 1966 قضت المحكمة بإحالة الدعوى إلى التحقيق ليثبت المطعون ضدهن أن عقد البيع يخفي وصية وصرحت للطاعنين بنفي ذلك، وبعد أن سمعت محكمة الاستئناف شهود الطرفين قضت بإلغاء الحكم المستأنف وبتثبيت ملكية المستأنفين – المطعون ضدهم الستة الأول – إلى فدانين وعشرين قيراطاً وتسعة عشر سهماً وثلاثة عشر من عشرين من السهم الواحد مشاعاً في 8 ف و4 ط و6 س. طعن الطاعنان في هذا الحكم بطريق النقض وقدمت النيابة العامة مذكرة طلبت فيها رفض الطعن، وبالجلسة المحددة لنظره صممت على هذا الرأي.
وحيث إن الطاعنين ينعيان في السببين الأول والثاني على الحكم المطعون فيه مخالفة القانون والخطأ في تطبيقه والقصور في التسبيب، وفي بيان ذلك يقولان إن الحكم أجرى تطبيق المادة 917 من القانون المدني مع أن القرينة التي تضمنتها هذه المادة لا تقوم إلا إذا توافر شرطان وهما احتفاظ المتصرف بحيازة العين المتصرف فيها واحتفاظه بحقه في الانتفاع بها على أن يكون الاحتفاظ بالأمرين مدى حياته، وأن يستند المورث في هذا الانتفاع إلى مركز قانوني يخوله حقاً في الانتفاع، هذا في حين أن الحكم أقام قضاءه باعتبار عقد البيع موضوع النزاع ساتراً لوصية على أقوال الشهود وعلى قرائن غير صحيحة استخلص منها – على خلاف الواقع – أن المورث طلب الاحتفاظ بحقه في الانتفاع وأن ثمناً لم يدفع في العقد، وهو ما لا تتوافر معه شروط تطبيق المادة 917 مدني سالفة الذكر ولا يؤدي – بفرض صحته – إلى النتيجة التي انتهى إليها الحكم إذ أن البيع الذي يستر هبة صحيح في القانون متى كان التصرف منجزاً غير مضاف إلى ما بعد الموت، لأن عدم دفع الثمن يعتبر هبة منجزة ولا ينفي عن البيع التنجيز ولا يكفي للقول بأن العقد يستر وصية ثبوت نية التبرع لدى المتصرف، بل يجب أن يثبت إلى جانبها إضافة التمليك إلى ما بعد موته، وهو ما التفت الحكم عن تمحيصه، والتحقق منه مما يعيب الحكم المطعون فيه بالقصور علاوة على الخطأ في تطبيق القانون.
وحيث إن هذا النعي مردود، ذلك أنه لما كان يبين من الحكم المطعون فيه أنه استند في قضائه باعتبار التصرف موضوع النزاع ليس بيعاً منجزاً وأنه يخفي وصية إلى ما شهد به شهود المطعون ضدهم الستة الأول من أن المورث لم يقبض ثمناً للقدر موضوع النزاع، وأنه كتب في نفس الوقت ورقة يحتفظ فيها المورث بحق الانتفاع مدى الحياة وأن أحد هؤلاء الشهود….. على ما جاء بالحكم وصف هذه الورقة في شهادته أمام هذه المحكمة بأن البائع طلب أن يضع يده على الأرض مدى حياته، فحررت ورقة عرفية بذلك مما يدل على أن نية البائع قد اتجهت إلى الاحتفاظ بحيازته للعين مدى الحياة، وأن كتابة ورقة الاحتفاظ بحق الانتفاع إنما هي في الوقت نفسه مظهر من مظاهر استمرار وضع يد البائع على العين محل النزاع، وأضاف الحكم المطعون فيه أن "….. شهد أمام هذه المحكمة أنه سمع أن المورث أعطى الأرض لأولاده وأن هذا البيع لم يدفع فيه ثمن – وكلمة أعطى لا تقال في حالة البيع الكامل الجدي كما قرر بأنه سمع باحتفاظ البائع بورقة ضد لحق انتفاعه بالأرض المبيعة حال حياته كما شهد…… بأن هذه الورقة كانت تحت يده أمانة للمورث حتى اشتد به المرض ونقله أولاده عندهم فأخذوها ضمن ما أخذوا من أوراق، وأن ما ذهب إليه المستأنف عليهما الأولان – الطاعنان – من أنهما كانا يضعان اليد على المبيع مردود عليه بما قرره…… و……… بأن سببه أن المستأنف ضدهما – الطاعنين – كانا يستأجران الأرض أصلاً من والدهما ويحاسبانه على إيجارها، ومن ثم فقد كان وضع يدهما نيابة عن هذا الوالد البائع واستمر بهذه الصورة، إذ كانا يدفعان الريع إلى المورث حال حياته وأن…… زوجة المورث – المطعون ضدها الثامنة – وأحد المتصرف إليهم قررت أنها لم تدفع ثمناً وإنما كتب لها مورثها هذه الأرض وأن……… أحد المتصرف إليهم – قرر في دعوى الحجر رقم 10 أنه يقوم بإدارة أموال والده نيابة عنه ويتولى الإنفاق عليه من إيرادها، وهذه العبارة وحدها قاطعة في الدلالة على اعتراف المستأنف عليه بأن الأطيان لا زالت في حيازة والده لم تنتقل إلى من صدر لهم التصرف. لما كان ذلك وكان مفاد نص المادة 917 من القانون المدني – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – هو أن القرينة التي تضمنتها لا تقوم إلا باجتماع شرطين أولهما احتفاظ المتصرف بحيازة العين المتصرف فيها وثانيهما احتفاظه بحقه في الانتفاع بها على أن يكون احتفاظه بالأمرين مدى حياته، ولقاضي الموضوع سلطة التحقق من توافر هذين الشرطين للتعرف على حقيقة العقد المتنازع عليه والتحري عن قصد المتصرف من تصرفه وذلك في ضوء ظروف الدعوى التي أحاطت به ما دام قد برر قوله في هذا الخصوص بما يؤدي إليه، وإذ كان الثابت من الحكم المطعون فيه أنه قضى باعتبار التصرف محل النزاع مضافاً إلى ما بعد الموت، وقصد به الاحتيال على قواعد الإرث وتسري عليه أحكام الوصية بناء على ما استخلصه من أقوال الشهود، ومن الظروف التي أحاطت بالتصرف من أن المورث لم يقبض الثمن المسمى في العقد وأنه احتفظ بحق الانتفاع لنفسه بالأرض موضوع التصرف طوال حياته، ولم يقم الطاعنان بزراعة الأرض واستغلالها إلا باعتبارهما مستأجرين ونائبين عن والدهما وكان من شأن هذه الأدلة أن تبرر النتيجة التي انتهى إليها الحكم من أن نية الطرفين قد انصرفت إلى الوصية لا إلى البيع المنجز، فإن النعي على الحكم بما تقدم يكون على غير أساس.
وحيث إن الطاعنين ينعيان على الحكم المطعون فيه في السبب الثالث القصور في التسبيب ومخالفة الثابت بالأوراق وذلك من وجوه (أولها) أن الحكم أقام قضاءه باعتبار عقد البيع ساتراً لوصية على ما استخلصه من أقوال شهود المطعون ضدهم الستة الأول في حين أن هذه الأقوال لا تفيد هذا الاستخلاص (وثانيهما) أن الحكم اعتبر الأقوال التي صدرت من الطاعن الأول في قضية الحجر رقم 10 لسنة 1960 بني سويف والتي قرر فيها أنه يقوم بإدارة أموال والده نيابة عنه ويتولى الإنفاق عليه من إيرادها – اعتبرها إقراراً من الطاعن – وهو أحد المتصرف إليهم في العقد المتنازع عليه – بأن والده استبقى الأطيان في حيازته بعد بيعها، وهو تأويل غير سديد، لأن المقصود من هذه العبارة أطيان أخرى للمورث قد باعها لأولاده مع الاحتفاظ بحق الانتفاع مدى الحياة، واستصدر حكماً بأحقيته في الانتفاع بها وهي غير الأطيان موضوع النزاع (وثالثها) أن الحكم رد على ما تمسك به الطاعنان من ثبوت وضع يدهما على العين المبيعة بعد البيع مقرراً أن ذلك إنما كان بصفتهما مستأجرين من والدهما البائع، وهو افتراض من الحكم يغاير الواقع ولا دليل عليه، بل قام الدليل على عكسه إذ ثبت من الشهادة المستخرجة من الجمعية التعاونية الزراعية ومن شهادة شاهد الإثبات…… وشهادة شهود الطاعنين ومن بينهم مستأجرو الأرض ما يقطع بأن العين المبيعة انتقلت إلى حيازة الطاعنين فور انعقاد البيع وأنهما استمرا في استغلالها بعد ذلك (ورابعها) أن الثابت بالأوراق أن المورث لم يحتفظ لنفسه بحق الانتفاع بهذه الأطيان ولم يحرر أي شرط بهذا المعنى، يؤكد ذلك تصرف الطاعنين حال حياة المورث في جزء من الأطيان المبيعة واستلام المشتري هذا القدر دون اعتراض من المورث، وقد قدم الطاعنان للتدليل على ذلك ضمن مستندات الطعن صورة رسمية من طلب كشف تحديد لهذه الأطيان المبيعة، وقيام المورث برفع دعوى طلب فيها أحقيته في الانتفاع بأطيان أخرى تصرف فيها لأولاده مع احتفاظه في شأنها بحق الانتفاع، هذا إلى أنه لا يجوز الاستدلال بشهادة الشهود على وجود ورقة الضد، لأن الوارث لا يعتبر في حكم الغير بالنسبة للتصرف الصادر من مورثه، وإنما هو مقيد في الإثبات بما كان يتقيد به مورثه ومن ثم فإن المطعون ضدهم لا يملكون إثبات هذه الورقة إلا بالكتابة لأن مورثهم لم يكن يملك إثباتها إلا بالكتابة، وقال الطاعنان إنهما أثارا في دفاعهما أمام محكمة الموضوع كل هذه الأمور إلا أن المحكمة تغاضت عنها وأقامت قضاءها باعتبار البيع ساتراً لوصية على أقوال وقرائن لا أصل لها في الأوراق واستخلصت منها نتائج غير صحيحة مما يعيب الحكم المطعون فيه ويستوجب نقضه. وحيث إن النعي في وجهه الأول غير مقبول، لأن الطاعنين لم يقدما صورة رسمية من التحقيق المشتمل على شهادة الشهود التي يقولان، إن الحكم أخطأ في تأويلها، ومن ثم يكون نعيهما في هذا الخصوص مجرداً عن الدليل. والنعي مردود في وجهه الثاني بأن تفسير تقريرات الخصوم في دعوى أخرى بما لا يخرج عن مدلول عبارتها وتقدير ما إذا كان يمكن اعتبارها اعترافاً ببعض وقائع الدعوى أم لا هو مما يستقل به قاضي الموضوع، فلا تثريب على المحكمة إن هي اعتمدت على أقوال الطاعن الأول في دعوى الحجر المشار إليها والتي قرر فيها أنه يضع اليد على أطيان أبيه بطريق الإيجار واعتبرتها تعبيراً يشمل الأطيان موضوع التصرف المتنازع عليه، لأن عبارات الطاعن جاءت عامة لم يخصص فيها أطياناً بذاتها مما يسوغ حملها على أنها تتناول عموم أطيانه التي لا خلاف في أن جميعها كان مبيعاً في هذا الوقت للطاعنين وغيرهما من الورثة. والنعي في وجهيه الثالث والرابع مردود، ذلك أنه لما كان قاضي الموضوع هو وحده صاحب الحق في تقدير ما يقدم إليه في الدعوى من بينات وفي فهم ما يقدم فيها من القرائن وفي موازنة بعضها بالبعض الآخر والأخذ بما يطمئن إليه وجدانه من أقوال الشهود بلا معقب عليه في ذلك إلا أن يخرج بهذه الأقوال إلى ما لا يؤدي إليه مدلولها، وكان يبين من الاطلاع على الحكم المطعون فيه أنه بعد أن استعرض أقوال شهود الطرفين رجح منها أقوال شهود الإثبات – شهود المطعون ضدهم الستة الأول – على أقوال شهود الطاعنين، ودعم ذلك بما ساقه من الدلالات التي استخلصها من وقائع الدعوى وعناصرها وفقاً لما سلف بيانه في الرد على السببين الأول والثاني، وكانت المحكمة قد استبعدت أقوال شهود الطاعنين استناداً إلى ما قالته من أن ما قرره بعضهم من أن الطاعنين تصرفا بالبيع أثناء حياة والدهما في جزء من الأطيان المبيعة وسلماه إلى المشتري لا يعتد به لعدم تقديم الدليل المثبت لهذا التصرف، وأن ما قرره آخرون من أنهم يستأجرون بعض هذه الأطيان من الطاعنين مرده بأن الثابت أن الطاعنين يضعان اليد بطريق الإيجار قبل التصرف، وأنه يجوز لهما بهذه الصفة إدارتها بنفسيهما أو بطريق التأجير للغير، وأن الشهادة الصادرة من الجمعية التعاونية الزراعية بأن الأرض في حيازة الطاعنين لا تغير من الأمر شيئاً لأن الشهادة إنما تعطى للمتعامل معها سواء كان مالكاً أو وكيلاً عن المالك أو مستأجراً. لما كان ذلك وكانت المحكمة ليست ملزمة بالرد على كافة حجج الخصوم وأوجه دفاعهم وحسبها أنها أقامت قضاءها على ما يصلح من الأدلة لحمله، وكان لا يقبل التحدي أمام محكمة النقض بالصورة الرسمية من كشف التحديد المقدم لهذه المحكمة إذ لم يسبق عرضه على محكمة الموضوع، فإن ما ينعاه الطاعنان في هذا الخصوص لا يعدو أن يكون جدلاً موضوعياً في تقدير الدليل غير مقبول أمام محكمة النقض، وكذلك فإن ما ينعاه الطاعنان على الحكم من عدم جواز إثبات ورقة الضد بالبينة مردود بأن الوارث الذي يطعن في تصرف صادر من مورثه في صورة بيع منجز بأن حقيقته وصية، وأنه قصد بها الاحتيال على قواعد الإرث المقررة شرعاً إضراراً بحقه يجوز له إثبات طعنه بكافة طرق الإثبات، لأن الوارث لا يستمد حقه في الطعن في هذه الحالة من المورث وإنما من القانون مباشرة، ويعتبر من الغير فيما يختص بهذا التصرف، وإذ التزم الحكم المطعون فيه هذا النظر فإن الحكم لا يكون معيباً ويكون الطعن عليه في غير محله.
وحيث إن الطاعن ينعى في السبب الرابع القصور في التسبيب لأن الحكم المطعون فيه الذي صدر على خلاف الحكم الابتدائي لم يتناول أسباب الحكم الابتدائي ويرد عليها مما يعيبه بالقصور. وحيث إن هذا النعي مردود بما استقر عليه قضاء هذه المحكمة من أن محكمة الاستئناف إذا ما ألغت الحكم الابتدائي الصادر في الموضوع فلا تكون ملزمة ببحث أو تفنيد أسباب هذا الحكم وحسبها أنها أقامت قضاءها على أسباب كافية لحمله.
وحيث إنه لكل ما تقدم يكون الطعن برمته على غير أساس.


[(1)] نقض 7/ 3/ 1972 مجموعة المكتب الفني س 23 ص 298، نقض 16/ 6/ 1970 س 21 ص 1061.
[(2)] نقض 15/ 12/ 1970 س 21 ص 1243.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات