الطعن رقم 765/ 784 لسنة 5 ق – جلسة 10 /12 /1960
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة السادسة – العدد الأول (من أول أكتوبر سنة 1960 إلى آخر ديسمبر سنة 1960) – صـ
273
جلسة 10 من ديسمبر سنة 1960
برياسة السيد/ سيد علي الدمراوي نائب رئيس المجلس وعضوية السادة الإمام الإمام الخريبي ومصطفى كامل إسماعيل ومحمد عزت عبد المحسن وأبو الوفا زهدي المستشارين.
القضية رقم 765/ 784 لسنة 5 القضائية
( أ ) عمال القناة – مراكزهم من حيث الأجور التي منحوها عقب تركهم
خدمة السلطات البريطانية مؤقتة غير نهائية اقتضتها الضرورة العاجلة وقتذاك – عدم اكتسابهم
حقوقاً في هذه المراكز قبل الإدارة – العبرة بالمراكز التي تتحدد على مقتضى نتيجة الامتحان
الذي يجب أن يؤدوه – وجوب إعادة تسوية حالاتهم على أساس النتيجة التي يسفر عنها – بيان
ذلك.
(ب) عمال القناة – حقهم في الأجر الذي قدر لهم أثناء وضعهم المؤقت – قيامه على أساس
من التقدير الجزافي – استناد قبضهم إياه على سبب مشروع بإرادة من جانب الإدارة – تحدد
مراكزهم النهائية من تاريخ أدائهم الامتحان الفني لا قبله – الأجر الصحيح هو ما تحدد
على مقتضى نتيجة الامتحان وإن قل عما كان يتقاضونه أثناء وضعهم المؤقت – قبض العامل
أكثر من هذا الأجر المستحق له قانوناً – اعتباره قبضاً بدون وجه حق – حق الحكومة في
استرداد الزيادة ما لم يكن قد سقط بالمدد المعتادة – استناده إلى قاعدة دفع غير المستحق
– قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 324 لسنة 1956 في شأن عدم جواز الحجز على مرتبات
الموظفين والمستخدمين أو معاشاتهم أو مكافآتهم أو حوالتها إلا في أحوال خاصة – تأييده
الحق في الاسترداد – بيان ذلك.
1 – إن مركز عمال القناة من حيث الدرجات التي وضعوا فيها والأجور التي منحوها أول الأمر
عقب تركهم خدمة السلطات البريطانية أثر إلغاء معاهدة سنة 1936 إنما كان مركزاً مؤقتاً
غير بات اقتضته الضرورة العاجلة وقتذاك، أما مراكزهم النهائية فيما يتعلق بهذه الدرجات
والأجور فلم تكن لتستقر إلا بعد نفاذ القواعد التنظيمية التي وضعت لإعادة توزيعهم بصفة
نهائية وذلك على مقتضى ما يسفر عنه الامتحان الفني الذي حتم كادر عمال القنال أن يؤدوه
في حرفهم بوساطة اللجان المشكلة لهذا الغرض في مختلف الوزارات والمصالح، ومن ثم فليس
لعامل القناة أي حق مكتسب في وضعه الأول المؤقت يمكن أن يتمسك به في مواجهة الإدارة،
وإنما العبرة هي بوضعه النهائي الذي يتحدد على مقتضى نتيجة اختباره، ذلك الاختبار الذي
يتقرر به أجره ومهنته والذي يتعين إعادة تسوية حالته على أساسه.
2 – إن عامل القنال يكسب في وضعه المؤقت الحق في الأجر الذي قدر له في هذا الوضع لقيام
هذا الأجر على أساس من التقدير الجزافي واستناد قبضه إياه إلى سبب مشروع بإرادة من
جانب الإدارة متجهة إلى هذا القصد. فإذا أدى الامتحان الفني الذي تطلبه كادر عمال القنال
لمعرفة الدرجة التي يوضع فيها والأجر الذي يستحقه فيها تبعاً لقدرته على العمل ومرتبة
كفايته الفنية في الحرفة التي تتضح صلاحيته لها والتي جعل الشارع الامتحان أداة إثباتها،
فإن مركزه القانوني النهائي وبالتالي الأجر الصحيح الذي يستحقه، إنما يتحدد من تاريخ
هذا الامتحان. فإذا ثبت من الامتحان أن مهارته الفنية لا ترقى إلى الدرجة التي منح
أجرها بصفة مؤقتة عند بدء إلحاقه بالخدمة، فإنه يتعين رد هذا الأجر إلى القدر القانوني
الذي يتفق وكفايته الحقيقية، وذلك اعتباراً من تاريخ الامتحان المشار إليه لا قبله.
وإذا قبض العامل بعد هذا التاريخ زيادة على الأجر المستحق له قانوناً على الأساس المتقدم
كان لا حق له في هذه الزيادة وتعين عليه ردها، لأن الحكومة إنما تستند في استرداد هذه
الزيادة إلى أنها قد قامت بدفع مبلغ إلى المدعى عليه بدون وجه حق فمبنى الاسترداد والحالة
هذه هو دفع غير المستحق من جانبها إلى المذكور، ومن ثم يكون من حقها استرداد ما لم
يسقط منه بالمدد المعتادة، يستوي في ذلك أن يكون سبب دفع غير المستحق ناشئاً عن خطأ
مادي في الحساب أو عن غير ذلك من الأسباب، إذ في جميع تلك الأحوال يكون ثمة أداء من
الدافع بغير حق وتسلم من المدفوع إليه على سبيل الوفاء لما ليس مستحقاً له، فيتعين
عليه رده. وقد جاء قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 324 لسنة 1956 في شأن عدم جواز
توقيع الحجز على مرتبات الموظفين والمستخدمين أو معاشاتهم أو مكافآتهم أو حوالتها إلا
في أحوال خاصة مؤيداً هذا المعنى في مفهوم نصوصه ومذكرته الإيضاحية.
إجراءات الطعن
في 22 و25 من إبريل سنة 1959 أودع كل من السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة وإدارة قضايا الحكومة بصفتها نائبة عن السيد وزير المواصلات للإقليم المصري سكرتيرية المحكمة عريضتي طعنين أمام هذه المحكمة قيدا بجدولها تحت رقمي 765، 784 لسنة 5 القضائية في الحكم الصادر من المحكمة الإدارية لوزارة المواصلات والهيئة العامة للسكك الحديدية بجلسة 24 من فبراير سنة 1959 في الدعوى رقم 398 لسنة 3 القضائية المقامة من وزارة المواصلات ضد عزت حكيم القاضي "برفض الدعوى وألزمت المدعي بصفته بالمصروفات وقررت استبعاد طلبات المدعى عليه الخاصة بتسوية حالته ورد ما خصم منه لعدم أدائه الرسوم المستحقة عليها". وطلب السيد رئيس هيئة المفوضين في الطعن الأول للأسباب التي استند إليها في صحيفة طعنه "الحكم بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه والحكم بإلزام المدعى عليه دفع ما قبضته زيادة عن استحقاقه اعتباراً من تاريخ امتحانه إلى 15 من فبراير سنة 1955 وإلزام الطرفين المصروفات المناسبة" كما طلب السيد وزير المواصلات في الطعن الثاني للأسباب التي أوردها في صحيفة طعنه "إحالة هذا الطعن إلى المحكمة الإدارية العليا لتقضي فيه بقبوله شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه والقضاء بإلزام المطعون ضده بأن يدفع للطاعن بصفته مبلغ 148.500 ج مع فوائد هذا المبلغ منذ المطالبة القضائية حتى السداد، مع المصروفات ومقابل أتعاب المحاماة عن الدرجتين". وقد أعلن الطعن الأول إلى الجهة الإدارية في 27 من يونيه سنة 1959، وإلى المطعون عليه في 18 من أغسطس سنة 1959، كما أعلن الطعن الثاني إلى المطعون عليه في 10 من نوفمبر سنة 1959. وبعد أن انقضت المواعيد القانونية دون أن يقدم أي من الطرفين مذكرة بملاحظاته عين لنظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون بهذه المحكمة جلسة 26 من يونيه سنة 1960 وفي 14 من يونيه سنة 1960 أبلغ الطرفان بميعاد هذه الجلسة، وفيها قررت الدائرة ضم الطعنين إلى بعضهما للفصل فيهما معاً بحكم واحد وإحالتهما إلى المحكمة العليا لنظرهما بجلسة 19 من نوفمبر سنة 1960. وبعد أن سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات ذوي الشأن على الوجه المبين بمحضر الجلسة. قررت إرجاء النطق بالحكم في الطعنين المضمومين إلى جلسة اليوم مع الترخيص في تقديم مذكرات في عشرة أيام.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعنين المضمومين قد استوفيا أوضاعهما الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة، حسبما يبين من أوراق الطعن تتحصل في أن وزارة المواصلات
أقامت الدعوى رقم 398 لسنة 3 القضائية ضد المدعى عليه أمام المحكمة الإدارية لوزارة
المواصلات والهيئة العامة للسكك الحديدية بعريضة أودعتها سكرتيرية المحكمة في 22 من
مارس سنة 1956 ذكرت فيها أن المدعى عليه من عمال الجيش البريطاني السابقين بمنطقة القنال
الذين التحقوا بخدمة الحكومة على أثر إلغاء معاهدة سنة 1936، وأنه عين بقسم تجربة الأوتو
بمصلحة التليفونات اعتباراً من 7 من نوفمبر سنة 1951 بأجر يومي قدره 400 مليم شاملاً
لإعانة غلاء المعيشة. وتطبيقاً لتعليمات وزارة المالية الخاصة بإعادة توزيع عمال الجيش
البريطاني بالقنال ووضع القواعد الخاصة بتقدير أجورهم بحسب حرفهم أدى المذكور امتحاناً
لتعرف مدى كفايته الفنية، وقد أجابت لجنة الامتحان بكتابها رقم 2/ 4 المؤرخ 19 من أكتوبر
سنة 1952 بأنه قد اتضح أنه عامل عادي، وسويت حالته على أساس منحه الدرجة 140/ 300 مليم
بالتطبيق للقواعد المشار إليها ومنح فعلاً أجراً يومياً قدره 140 مليماً مضافة إليه
إعانة غلاء المعيشة على أساس حالته الاجتماعية. وقد استحقت عليه نتيجة لهذه التسوية
فروق قدرها 150 جنيهاً و35 مليماً عن المدة من أول إبريل سنة 1952 حتى 15 من فبراير
سنة 1955 ولما كان قد حصل منه مبلغ جنيه واحد و535 مليماً فيكون الباقي في ذمته هو
مبلغ 148 جنيهاً و500 مليم وقد امتنع عن الوفاء به ودياً. ولذا فإن الوزارة تطلب (الحكم
بأن يدفع المدعي بصفته هذه مبلغ 148 جنيهاً و500 مليم والمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة".
وبجلسة 29 من يناير سنة 1957 قضت المحكمة الإدارية "بعدم اختصاصها بنظر الدعوى وألزمت
المدعي بصفته بالمصاريف". وقد طعنت هيئة مفوضي الدولة في هذا الحكم بالطعن رقم 626
لسنة 3 القضائية. وبجلسة 29 من مارس سنة 1958 – قضت المحكمة الإدارية العليا في هذا
الطعن بقبوله شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه وباختصاص المحكمة الإدارية
لوزارة المواصلات بنظر الدعوى وبإعادتها إليها للفصل فيها. فلما أعيدت الدعوى إلى المحكمة
المذكورة تقدم المدعى عليه بمذكرة في 24 من فبراير سنة 1959 قال فيها إنه عين بمصلحة
التلغرافات عقب تركه خدمة الجيش البريطاني في مهنة براد ميكانيكي اعتباراً من 27 من
نوفمبر سنة 1951 بأجر يومي قدره 400 مليم شامل إعانة غلاء المعيشة إلى أن فوجئ بتخفيض
هذا الأجر إلى 140 مليماً وهو الأجر المقرر للعامل العادي، مع أنه لم يمتحن – كما تدعي
المصلحة – ولم يجر له اختبار أمام أية لجنة فنية؛ وبذلك تكون حالته قد سويت دون امتحان
بالمخالفة لأحكام كادر عمال القنال، وتكون المصلحة غير محقة في مطالبته بأية فروق عن
الماضي طبقاً للرأي الذي انتهت إليه الجمعية العمومية للقسم الاستشاري للفتوى والتشريع
بمجلس الدولة ما دام ليس ثمة خطأ مادي أو غش من جانبه – واختتم المدعى عليه مذكرته
بطلب النظر في أمر إرجاعه إلى حالته الأصلية التي كان عليها قبل إنزاله إلى حالته الأخيرة،
وعدم مشروعية ما خصم منه بدون وجه حق وصرف ذلك المتخلف إليه، مع إلزام الحكومة بالمصروفات
والأتعاب والنفاذ. وقد أودع السيد مفوض الدولة تقريراً بالرأي القانوني مسبباً انتهى
فيه لما أبداه به من أسباب إلى أنه يرى "الحكم برفض الدعوى مع إلزام المدعي بصفته بالمصروفات،
واستبعاد طلب المدعى عليه تسوية حالته تسوية صحيحة ورد ما خصم منه". وبجلسة 24 من فبراير
سنة 1959 قضت المحكمة الإدارية "برفض الدعوى وألزمت المدعي بصفته بالمصروفات، وقررت
استبعاد طلبات المدعى عليه الخاصة بتسوية حالته ورد ما خصم منه لعدم أدائه الرسوم المستحقة
عليها". وأقامت قضاءها على أنه ثابت من ملف خدمة المدعى عليه أنه اختبر فعلاً واتضحت
كفايته كعامل عادي وتمت تسوية حالته على هذا الأساس وأن من حق جهة الإدارة أن تعيد
تسوية حالة العامل وفقاً لأحكام كادر العمال دون أن يكون له حق التمسك بالإبقاء على
تسوية سابقة تمت على خلاف أحكام الكادر، خاصة وأن مركز عمال القنال كان في بادئ الأمر
مركزاً مؤقتاً. أما فيما يتعلق باسترداد الفروق الناتجة عن إعادة التسوية فإنه وإن
كان الأصل جواز استردادها إلا أن الفقه الإداري يميل إلى التجاوز عن اقتضائها في مثل
هذه الحالة ما لم يثبت أن استيلاء الموظف أو العامل عليها كان نتيجة خطأ مادي أو غش
من جانبه. ولم يثبت أن ما استولى عليه المدعى عليه فوق أجره كان نتيجة خطأ مادي أو
غش من جانبه، ومن ثم فلا محل لإلزامه بالمبلغ المطالب به. كما لا وجه للنظر في طلبات
المذكور التي ضمنها مذكرته إذ أنه لم يؤد عنها الرسوم القانونية المستحقة، كما أنه
لم يتبع في شأنها الإجراءات التي رسمها قانون مجلس الدولة رقم 165 لسنة 1955؛ ولذا
يتعين استبعاد هذه الطلبات. وقد طعن السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة في هذا الحكم بعريضة
أودعها سكرتيرية هذه المحكمة في 22 من إبريل سنة 1959 طلب فيها "الحكم بقبول الطعن
شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه والحكم بإلزام المدعى عليه دفع ما قبضه
زيادة عن استحقاقه اعتباراً من تاريخ امتحانه إلى 15 من فبراير سنة 1955، وإلزام الطرفين
المصروفات المناسبة". وأسس طعنه على أن القاعدة الأساسية التي اقتضاها القانون هي أن
من قبض شيئاً بدون استحقاق وجب عليه رده. غير أنه لا يجوز استرداد هذه الفروق إلا من
تاريخ الامتحان وليس من أول إبريل سنة 1952 كما تطلب الحكومة إذ لا سند للإدارة في
المطالبة قبل الامتحان، وقد قبض المدعى عليه الفروق المذكورة لسبب مشروع هو وضعه المؤقت
الذي عين فيه حتى أعيد توزيعه وتحديد الدرجة المناسبة له. وإذ أخذ الحكم المطعون فيه
بغير هذا النظر فإنه يكون قد خالف القانون فيما انتهى إليه، وقد طعنت وزارة المواصلات
بدورها في هذا الحكم بعريضة أودعتها سكرتيرية هذه المحكمة في 25 من إبريل سنة 1959
طلبت فيها "إحالة هذا الطعن إلى المحكمة الإدارية العليا لتقضي فيه بقبوله شكلاً، وفي
الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه والقضاء بإلزام المطعون ضده بأن يدفع للطاعن بصفته
مبلغ 148 جنيهاً و500 مليم مع فوائد هذا المبلغ منذ المطالبة القضائية حتى السداد مع
المصروفات ومقابل أتعاب المحاماة عن الدرجتين" واستندت في أسباب طعنها إلى أن المدعى
عليه ملزم برد ما استولى عليه زيادة عن الأجر القانوني المقرر لأمثاله ما لم يسقط الحق
في المطالبة به بالتقادم، يؤيد هذا ما جاء بالمذكرة الإيضاحية للقانون رقم 324 لسنة
1956 في شأن جواز الخصم من مرتبات الموظفين في أحوال خاصة، مما يؤخذ منه أن من أغراض
إصدار هذا القانون استيفاء ما يصرف للموظف زيادة عما يستحقه من راتب. ولم يقيد الشارع
ذلك إلا بأن يكون الخصم في حدود ربع المرتب، فلم يشترط كما فعل الحكم المطعون فيه أن
تكون الزيادة قد صرفت نتيجة خطأ مادي أو غش من جانب الموظف، بل إن حق الحكومة في الخصم
يتقرر بمجرد وجود مثل تلك الزيادة المخالفة للقانون فيما صرف للموظف كراتب أو معاش
أو ما في حكمهما، ولا يكون للموظف أن ينازع إلا في مقدار الخصم وما دام المشرع قد أجاز
الخصم مباشرة من المبالغ الواجبة الأداء للموظف لاستيفاء الزيادات التي صرفت له، فإنه
يجوز بالأولى رفع الدعوى بطلب إلزام الموظف برد هذه المبالغ دون استلزام إثبات أنها
قد صرفت إليه نتيجة خطأ مادي أو نتيجة غش من جانبه. وإذ ذهب الحكم المطعون فيه مذهباً
مخالفاً، فإنه يكون قد أخطأ في تأويل القانون وتطبيقه وقامت به حالة من حالات الطعن
في الأحكام أمام المحكمة الإدارية العليا.
ومن حيث إنه يبين من مطالعة ملف خدمة المدعي أنه من عمال القنال، وأنه ترك خدمة الجيش
البريطاني عقب إلغاء معاهدة سنة 1936 وألحق بخدمة تجربة الأوتو بقسم الأرضية بمصلحة
التلغرافات والتليفونات اعتباراً من 7 من نوفمبر سنة 1951 وتسلم العمل ابتداء من 5
من ديسمبر سنة 1951، وذلك بوظيفة براد ميكانيكي بأجر يومي قدره 400 مليم شامل إعانة
غلاء المعيشة ثم أجري له امتحان بورشة المصلحة لتقدير مدى كفايته الفنية تمهيداً لتحديد
المهنة التي يصلح لها والأجر الذي يستحقه. وقد أجاب مدير ورش التلغراف والتليفونات
بمصر بكتابه رقم 2 – 4 المؤرخ 9 من مارس سنة 1954 بأن المذكور امتحن بالورشة وأن كفاءته
هي "عامل عادي" كما سبق أن جاء بخطابه بذات الرقم في 19 من أكتوبر سنة 1952، وأن ادعاءه
بأنه لم يمتحن غير حقيقي. وقد سويت حالته بناء على ذلك متأخراً في وظيفة "عامل عادي"
في الدرجة (140/ 300) ومنح أجراً يومياً قدره 140 مليماً بخلاف إعانة غلاء المعيشة
بحسب حالته الاجتماعية واعتمد مدير عام المصلحة هذه التسوية. وقد تجمدت عليه نتيجة
للتسوية المذكورة فروق بلغ مقدارها 150 جنيهاً و35 مليماً عن المدة من أول إبريل سنة
1952 حتى 15 من فبراير سنة 1955، وحصل منه مبلغ جنيه واحد و535 مليماً والباقي قدره
148 جنيهاً و500 مليم هو المبلغ الذي تطالبه به المصلحة.
ومن حيث إن مركز عمال القنال من حيث الدرجات التي وضعوا فيها والأجور التي منحوها أول
الأمر عقب تركهم خدمة السلطات البريطانية أثر إلغاء معاهدة 1936 إنما كان مركزاً مؤقتاً
غير بات اقتضته الضرورة العاجلة وقتذاك، أما مراكزهم النهائية فيما يتعلق بهذه الدرجات
والأجور فلم تكن لتستقر إلا بعد نفاذ القواعد التنظيمية التي وضعت لإعادة توزيعهم بصفة
نهائية، وذلك على مقتضى ما يسفر عنه الامتحان الفني الذي حتم كادر عمال القنال أن يؤدوه
في حرفهم بوساطة اللجان المشكلة لهذا الغرض في مختلف الوزارات والمصالح. ومن ثم فليس
لعامل القنال أي حق مكتسب في وضعه الأول المؤقت يمكن أن يتمسك به في مواجهة الإدارة.
وإنما العبرة هي بوضعه النهائي الذي يتحدد على مقتضى نتيجة اختباره، ذلك الاختبار الذي
يتقرر به أجره ومهنته والذي يتعين إعادة تسوية حالته على أساسه.
ومن حيث إن عامل القناة يكسب في وضعه المؤقت الحق في الأجر الذي قدر له في هذا الوضع
لقيام هذا الأجر على أساس من التقدير الجزافي واستناد قبضه إياه إلى سبب مشروع بإرادة
من جانب الإدارة متجهة إلى هذا القصد. فإذا أدى الامتحان الفني الذي تطلبه كادر عمال
القناة لمعرفة الدرجة التي يوضع فيها والأجر الذي يستحقه تبعاً لقدرته على العمل ومرتبة
كفايته الفنية في الحرفة التي تتضح صلاحيته لها والتي جعل الشارع الامتحان أداة إثباتها،
فإن مركزه القانوني النهائي، وبالتالي الأجر الصحيح الذي يستحقه، إنما يتحدد من تاريخ
هذا الامتحان. فإذا ثبت من الامتحان أن مهارته الفنية لا ترقى إلى الدرجة التي منح
أجرها بصفة مؤقتة عند بدء إلحاقه بالخدمة، فإنه يتعين رد هذا الأجر إلى القدر القانوني
الذي يتفق وكفايته الحقيقية، وذلك اعتباراً من تاريخ الامتحان المشار إليه لا قبله.
وإذا قبض العامل بعد هذا التاريخ زيادة على الأجر المستحق له قانوناً على الأساس المتقدم
كان لا حق له في هذه الزيادة وتعين عليه ردها، لأن الحكومة – كما قضت هذه المحكمة –
إنما تستند في استرداد هذه الزيادة إلى أنها قد قامت بدفع مبلغ إلى المدعى عليه بدون
وجه حق. فمبنى الاسترداد والحالة هذه هو دفع غير المستحق إلى المدعي من جانبها ومن
ثم يكون من حقها استرداد ما لم يسقط منه بالمدد المعتادة. يستوي في ذلك أن يكون سبب
دفع غير المستحق ناشئاً عن خطأ مادي في الحساب أو عن غير ذلك من الأسباب إذ في جميع
تلك الأحوال يكون ثمة أداء من الدافع بغير حق وتسلم من المدفوع إليه على سبيل الوفاء
لما ليس مستحقاً له، فيتعين عليه رده. وقد جاء قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 324
لسنة 1956 في شأن عدم جواز توقيع الحجز على مرتبات الموظفين والمستخدمين أو معاشاتهم
أو مكافآتهم أو حوالتها إلا في أحوال خاصة مؤيداً هذا المعنى في مفهوم نصوصه ومذكرته
الإيضاحية.
ومن حيث إنه لما تقدم يكون حكم المحكمة الإدارية المطعون فيه قد جانب الصواب فيما قضى
به من رفض دعوى الحكومة، ويتعين القضاء بقبول الطعنين المضمومين شكلاً، وفي موضوعهما
بإلغاء الحكم المطعون فيه، وبإلزام المدعى عليه بأن يدفع للجهة الإدارية المدعية ما
قبضه من مبالغ زيادة عن الأجر القانوني المستحق له اعتباراً من تاريخ امتحانه لا من
أول إبريل سنة 1952 تاريخ نفاذ كادر العمال – حتى 15 من فبراير سنة 1955، مع المصروفات
المناسبة، ورفض ما عدا ذلك من الطلبات. ولا محل لما تطلبه الحكومة لأول مرة في صحيفة
طعنها من فوائد عن هذه المبالغ منذ المطالبة القضائية حتى السداد إذ لم يسبق لها طلبها
في عريضة دعواها. كما لا وجه لما يطلبه المدعي من تسوية حالته وتقرير عدم مشروعية ما
خصم منه مما قررت المحكمة استبعاده لعدم أداء الرسوم المستحقة عليه – وإن كان في حقيقة
الأمر في ناحية منه دفاعاً موضوعياً مردوداً بنتيجة الامتحان الذي أجري له كما سلف
البيان ما دام لم يطعن في ذلك أحد.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعنين شكلاً، وفي موضوعهما بإلغاء الحكم المطعون فيه وبإلزام المدعى عليه عزت الحكيم بأن يدفع للجهة الإدارية المدعية ما قبضه زيادة عن الأجر القانوني المستحق له اعتباراً من تاريخ امتحانه حتى 15 من فبراير سنة 1955 مع المصروفات المناسبة ورفضت ما عدا ذلك.
