الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 1386 سنة 20 ق – جلسة 07 /02 /1952 

أحكام النقض – المكتب الفني – جنائي
العدد الثاني – السنة 3 – صـ 481

جلسة 7 فبراير سنة 1952

القضية رقم 1386 سنة 20 القضائية

برياسة حضرة صاحب السعادة أحمد محمد حسن باشا رئيس المحكمة، وبحضور حضرات أصحاب العزة: أحمد حسني بك وكيل المحكمة وإبراهيم خليل بك ومحمد أحمد غنيم بك وإسماعيل مجدي بك المستشارين.

قانون. المادة الخامسة من قانون العقوبات. الفرق بين عبارة "العمل بالقانون" وعبارة "صدور القانون". قانون الإجراءات الجنائية. نشره في 15 أكتوبر سنة 1951 على أن يعمل به بعد ثلاثين يوماً. نفاذه من تاريخ 15 أكتوبر فيما هو أصلح للمتهم. دعوى عمومية عن واقعة مضى عليها أكثر من أربع سنوات ونصف قبل نشر القانون. سقوطها.
إنه بالرجوع إلى المادة الخامسة من قانون العقوبات يبين أنها بينما تنص في فقرتها الأولى على أنه "يعاقب على الجرائم بمقتضى القانون المعمول به وقت ارتكابها" فإنها تنص في فقرتها الثانية على أنه "إذا صدر بعد وقوع الفعل وقبل الفصل فيه نهائياً، قانون أصلح للمتهم، فهو الذي يتبع دون غيره" والفرق واضح بين عبارة "العمل بالقانون"
وعبارة "صدور القانون". أما المحكمة في التفرقة بين الحالين فهي واضحة أيضا. ذلك بأن الأصل في القوانين – حسبما نص عليه الدستور في المادة 26 – أن يكون نافذة بإصدارها من جانب الملك وأن الدستور إذا كان قد أعقب هذا النص بأن تنفيذ القوانين في كل جهة من جهات القطر يكون من تاريخ العلم بإصداره وأن هذا العلم يكون مفترضاً بمضي ثلاثين يوماً من تاريخ نشرها – فإن هذا إنما أملاه حرص واضح الدستور على عدم جواز أخذ الناس بالقوانين ما لم يكونوا قد علموا بصدورها سواء أكان هذا العلم حقيقياً أم مفترضاً، ولذا فإنه بينما خول للسلطة التشريعية أن تعدل في القوانين مواعيد نفاذها إما بقصر ميعاد الثلاثين يوماً أو مدة أو بإجازة سريانها على ما وقع قبلها من حوادث فانه قد حرص في المادة السادسة منه على أن يحرم العقاب إلا على الأفعال اللاحقة لصدور القانون الذي ينص عليه. وإذن فمتى كان قانون الإجراءات الجنائية الذي نشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 15 أكتوبر سنة 1951 على أن يعمل به – حسب نص المادة الثانية من قانون إصداره ـ بعد ثلاثين يوماً من تاريخ نشره قد نص في المادة 15 منه على أن الدعوى الجنائية في مواد الجنح تنقضي بمضي ثلاث سنين من وقوع الجريمة، ونص في المادة 17 على أنه "لا يجوز في أية حالة أن تطول المدة المقررة لانقضاء الدعوى الجنائية بسبب الانقطاع لأكثر من نصفها"- لما كان ذلك وكان قد انقضى أكثر من أربع سنوات ونصف يوم 15 أكتوبر سنة 1951 فإنها تكون قد سقطت بمضي المدة إعمالاً للفقرة الثانية من المادة الخامسة من قانون العقوبات باعتبار أن المادة 17 المشار إليها قانون أصلح للمتهم صدر ونشر فيجب إتباعه دون غيره، ولا يمكن أن يكون للقانون رقم 178 لسنة 1951 الصادر بتعديل المادة 17 من قانون الإجراءات الجنائية والذي يقضي بأن لا تبدأ مدة السقوط المشار إليها فيها بالنسبة للجرائم التي وقعت قبل تاريخ العمل به إلا من هذا التاريخ – تأثير على الواقعة ما دامت الدعوى الجنائية كانت قد سقطت فعلاً في 15 أكتوبر سنة 1951.


الوقائع

اتهمت النيابة العامة المتهمين بأنهم في يوم 23 أغسطس سنة 1943 والثلاث سنوات السابقة على هذا التاريخ بدائرة قسم المنشية: المتهم الأول إيلي لطفي اختلس مبلغ 12454ج 537 م من ضريبة الملاهي المستحقة لبلدية الإسكندرية تطبيقاً لقرار البلدية الصادر في 21 مايو سنة 1927 ومبلغ 7144 ج 860 م من إعانة البر المستحقة للحكومة طبقاً للقانون رقم 62 لسنة 1941 ولم تكن هذه الأموال قد سلمت إليه إلا على سبيل الوكالة حيث كان حصلها بواسطة مستخدميه بباقي المتهمين بوصفه مستغلاً لداري سينما كونكورديا وركس، من مرتادي هاتين الدارين واختلسها بعد ذلك لنفسه إضراراً بالجهتين (المجني عليهما) والباقون: اشتركوا مع المتهم الأول بطريق الاتفاق والمساعدة في جريمته السالفة الذكر حيث اتفقوا معه على طريقة الاختلاس تلك المبالغ وساعدوه في تنفيذها وهي تارة ببيع التذكرة الواحدة لأكثر من متفرج وتارة أخرى ببيع التذكرة بأكثر من سعرها المقرر فتمت الجريمة بناء على هذا الاتفاق وتلك المساعدة. وطلبت معاقبة المتهم الأول بالمادة 341 من قانون العقوبات ومعاقبة باقي المتهمين بالمواد 341 و40/ 2 – 3 و41 من نفس القانون. وقد ادعى الحاضر عن المدعيتين بالحقوق المدنية قبل جميع المتهمين متضامنين بمبلغ 19557ج و950م عن بلدية الإسكندرية، وعن وزارة الشئون الاجتماعية إعانة 8491ج و950م وفوائد كل مبلغ 5% من تاريخ المطالبة الرسمية للسداد. وفي أثناء نظر الدعوى أمام محكمة جنح المنشية الجزئية توفى المتهم الخامس (فيكتور سمعان زغيب) وبعد أن أتمت نظرها قضت فيها حضورياً بتاريخ 30 أكتوبر سنة 1947 للمتهمين الأول والثاني والثالث والثامن والتاسع والعاشر والثاني عشر وفي غيبة الباقين: أولا – بسقوط الدعوى العمومية بالنسبة للمتهم الخامس (فيكتور سمعان زغيب). وثانياً ـ ببراءة باقي المتهمين جميعاً وأعفتهم من المصاريف الجنائية. وثالثاً – بعدم اختصاص هذه المحكمة بنظر الدعوى المدنية المرفوعة من كل من بلدية الإسكندرية والحكومة المصرية وبإلزام كل منهما بمصاريف دعواها المدنية، وذلك عملاً بالمادة 172 من قانون تحقيق الجنايات. فاستأنفت النيابة كما استأنفته المدعيتان بالحقوق المدنية. ومحكمة الإسكندرية الابتدائية قضت بتاريخ 11 مايو سنة 1950 غيابياً للمتهمين الرابع والسادس والحادي عشر وحضورياً لباقي المتهمين بتأييد الحكم المستأنف. فطعنت النيابة والمدعيتان بالحقوق المدنية في هذا الحكم بطريق النقض… الخ.


المحكمة

… حيث إنه قبل الفصل في هذا الطعن وبتاريخ 15 أكتوبر سنة 1951، نشر في الجريدة الرسمية قانون الإجراءات الجنائية على أن يعمل به – حسب نصر المادة الثانية من قانون إصداره – بعد ثلاثين يوماً من تاريخ نشره.
ولما كانت المادة 15 منه تقضي بأن الدعوى الجنائية في مواد الجنح تنقضي بمضي ثلاث سنين من وقوع الجريمة، وكانت المادة 17 بعد أن بينت أسباب انقطاع تلك المدة قد أتت بحكم جديد لم يكن موجوداً في قانون تحقيق الجنايات وهو أنه: "لا يجوز في أية حال أن تطول المدة المقررة لانقضاء الدعوى الجنائية بسبب الانقطاع لأكثر من نصفها". لما كان ذلك وكان مقتضى هذا النص الجديد، فيما لو طبق على واقعة الدعوى إعمالا للفقرة الثانية من المادة الخامسة من قانون العقوبات، أن تكون الدعوي الجنائية قد سقطت بمضي المدة فإنه يتعين البحث فيما إذا كانت الفقرة الأخيرة من المادة 17 المشار إليها تسري على واقعة الدعوى باعتبارها قانوناً أصلح للمتهم وأنه قد صدر ونشر فيجب إتباعه دون غيره، أو أن الدعوى الجنائية المذكورة تظل خاضعة لأحكام قانون تحقيق الجنايات التي لم تكن تضع حداً لطول المدة بسبب الانقطاع على اعتبار أن قانون الإجراءات الجنائية، وإن كان قد استكمل أدواره التشريعية التي نص عليها الدستور بأن أقره مجلساً البرلمان وصدق عليه الملك وأصدره منذ 3 سبتمبر سنة 1950، كما هو واضح من قانون إصداره، إلا أنه لم ينشر إلا في 15 أكتوبر سنة 1951 على أن يعمل به بعد ثلاثين يوماً من تاريخ نشره، ولذا فلا يجوز للمحاكم تطبيقه. كما يتعين البحث كذلك فيما إذا كان للقانون رقم 178 لسنة 1951 الصادر في 17 أكتوبر سنة 1951 تأثير في النتيجة التي ينتهي إليها هذا البحث.
وحيث إن المحكمة لذلك قد أفسحت للخصوم في أن يدلي كل متهم برأيه في هذا الشأن.
وحيث إن النيابة العمومية ذهبت إلى القول بعد سريان الحكم الجديد الذي استحدثته المادة 17 من واقعة الدعوى قائلة إن القوانين لا تعتبر نافذة إلا بإصدارها ونشرها وحلول الوقت المحدد لإعمالها وذلك لكي يكون نفاذها في وقت واحد بالنسبة إلى كافة المخاطبين بها من سلطات وأفراد وما دام الوقت المحدد لنفاذ قانون الإجراءات الجنائية لم يحل بعد، فإن قانون تحقيق الجنايات هو وحده الذي ينطبق على واقعة الدعوى – وتضيف النيابة إلى ذلك أن القانون رقم 178 لسنة 1951 قد صدر هو أيضاً ونشر في 17 أكتوبر سنة 1951 قبل تاريخ العمل بالقانون الجديد وقد نص هذا القانون على أن "لا تبدأ المدة المشار إليها في الفقرة الأخيرة من المادة 17 من قانون الإجراءات الجنائية بالنسبة للجرائم التي وقعت قبل تاريخ العمل به إلا من هذا التاريخ" وصرحت المذكرة التفسيرية لهذا القانون بأن سقوط الدعاوي التي مضت عليها المدة المنصوص عليها في المادة 17 لم يتعلق به مراد أحد لأن المشرع لم يقصد أن يكون تطبيق هذا القانون بمثابة عفو شامل ينسحب على القضايا الموجودة أمام المحاكم.
وقد نحت المدعيتان بالحقوق المدنية نحو النيابة بالنسبة إلى الدعوى الجنائية وأضافتا – بالنسبة إلى دعواهما المدنية -أنها لا تسقط إلا بمضي المدة المقررة لها في القانون المدني وأن سقوط الدعوى الجنائية لا تأثير له على الدعوى المدنية القائمة أمام المحاكم الجنائية.
وحيث إن المطعون ضدهم تمسكوا بنفاذ القانون الجديد وسريان الفقرة الأخيرة من المادة 17 منه على واقعة الدعوى على أساس أنه نافذ بمجرد إصداره وأنهم استفادوا به مراكز قانونية، وأنه ما دام هذا القانون قد عدل في أحكام التقادم بما هو أصلح للمتهم فيجب إتباع الأحكام الجديدة دون غيرها إذ أن تلك الأحكام تترتب بمجرد الإصدار الذي هو وحده الإجراء الذي لابد منه من جانب الملك لكي يصبح القانون مستكملاً أوضاعه وأن قانون الإصدار ذاته ينص على الأمر بنشره في الجريدة الرسمية وتنفيذه كقانون من قوانين الدولة. أما النشر فليس من إجراءات التشريع، ولذا فإن تأخيره لا يعفي المحاكم من تطبيق القانون، إذ هو إنما يقرر لمصلحة الأفراد لكي يحيطوا علما بالقوانين ولكي يمكن إعمال القرينة القانونية من العلم بصدور القوانين وعدم جواز الدفع بالجهل بها مما لا يصح معه أن يؤاخذوا به قبل نشره، أما القانون رقم 178 لسنة 1951 فلا تأثير له على واقعة الدعوى إذ ما دام المتهمون يفيدون بالفقرة الأخيرة من المادة 17 فإن القانون رقم 178 هو بالنسبة لهم قانون أشد ولا يجوز أن يكون له أثر رجعي.
وحيث إنه لا نزاع في أن الحكم الجديد الذي أتت به الفقرة الأخيرة من المادة 17 من قانون الإجراءات الجنائية، لو طبق على واقعة الدعوى فإن الدعوى الجنائية تكون قد سقطت بإصدار قانون الإجراءات الجنائية ونشره في 15 أكتوبر سنة 1951.
وحيث إنه بالرجوع إلى المادة الخامسة من قانون العقوبات يبين أنها بينما تنص في فقرتها الأولى على أنه: "يعاقب على الجرائم بمقتضى القانون المعمول به وقت ارتكابها" فإنها تنص في فقرتها الثانية على أنه "إذا صدر بعد وقوع الفعل وقبل الفصل فيه نهائياً قانون أصلح للمتهم فهو الذي يتبع دون غيره" والفرق واضح بين عبارة "العمل بالقانون" وعبارة "صدور القانون". أما المحكمة في التفرقة بين الحالتين فهي واضحة أيضا ذلك بأن الأصل في القوانين – حسبما نص عليه الدستور في المادة 26 – أن تكون نافذة بإصدارها من جانب الملك وأن الدستور إذا كان قد أعقب هذا النص بأن تنفيذ القوانين في كل جهة من جهات القطر يكون من تاريخ العلم بإصدارها وأن هذا العلم يكون مفترضا بمضي ثلاثين يوماً من تاريخ نشرها – فإن هذا إنما أملاه حرص واضح الدستور على عدم جواز أخذ الناس بالقوانين ما لم يكونوا قد علموا بصدورها سواء أكان هذا العلم حقيقيا أم مفترضا، ولذا فإنه بينما خول للسلطة التشريعية أن تعدل في القوانين مواعيد نفاذها إما بقصر ميعاد الثلاثين يوماً أو مده أو بإجازة سريانها على ما وقع قبلها من حوادث فإنه قد حرص في المادة السادسة منه على أن يحرم العقاب إلا على الأفعال اللاحقة لصدور القانون الذي ينص عليه.
وحيث إنه لا يصح القول بأن المشرع لم يقصد التفرقة في الحكم بين عبارة "القانون المعمول به" التي استعملها في الفقرة الأولى من المادة الخامسة – وعبارة "إذا صدر قانون" التي استعملها في الفقرة الثانية من تلك المادة أولا – لأن المشرع يجب أن ينزه عن الخطأ واللغو ويجب إذن إعمال مؤدي العبارات التي يستعملها في نصوص القوانين حسب معناها الصحيح. وثانياً – لأنه ما دامت العلة التي اقتضت حرص الدستور على عدم إجازة سريان القوانين المقررة لعقوبات على ما وقع قبلها من حوادث لا جود لها بالنسبة إلى باقي القوانين، فإنه يتعين الرجوع إلى الأصل المقرر في المادة 26 من الدستور السابق الإشارة إليها من أن القوانين تكون نافذة بمجرد إصدارها وعلى الأخص فيما هو أصلح للمتهم.
وحيث إن ما يؤكد هذا المعنى أن المادة الخامسة من قانون العقوبات قد أضيفت إليها في سنة 1937 فقرتان جديدتان إحداهما الفقرة الثالثة التي تنص على أنه "إذا صدر قانون بعد حكم نهائي يجعل الفعل الذي حكم على المجرم من أجله غير معاقب عليه يوقف تنفيذ الحكم وتنتهي آثاره الجنائية". ويبين من المذكرة الإيضاحية لهذا القانون أن هذه الفقرة الجديدة "دعا إليها سد نقص في التشريع ذلك بأن المادة الخامسة المذكورة تنص على مبدأ عدم سريان أحكام القانون على الماضي وبمقتضى هذا المبدأ أولاً – لا يجوز أن يحكم على شخص بعقوبة لفعل لم يكن معاقباً عليه وقت ارتكابه. وثانياً – لا يجوز أن يحكم على شخص ارتكب جريمة بعقوبة أشد من التي كانت موضوعة لها وقت ارتكابها على أنه من المقرر أن قوانين العقوبات تسري أحكامها سواء على الأفعال التي ترتكب من تاريخ نفاذها أو على الأفعال التي ارتكبت قبل ذلك إذا كانت هذه القوانين أصلح للمتهم…. ومعنى هذا أنه إذا صدر القانون الجديد بعد الحكم نهائياً فلا يستفيد منه المحكوم عليه مع أن العدل يقضي أن يستفيد منه. من أجل ذلك تنص إحدى الفقرتين المقترح إضافتهما إلى هذه المادة علي أنه إذا صدر قانون بعد حكم نهائي يجعل الفعل الذي حكم على المجرم من أجله غير معاقب عليه يوقف تنفيذ الحكم وتنتهي آثاره الجنائية. والمبادئ المقررة في هاتين الفقرتين مأخوذ بها في بعض القوانين الحديثة كالقانون الإيطالي الصادر في سنة 1930 ومشروع قانون العقوبات الفرنسي".
فإذا كان المشرع قد رأى عند وضع قانون العقوبات في سنة 1937 أن العدل يقضي بسريان القوانين التي تجعل الفعل غير معاقب عليه على الأحكام السابق صدورها بحيث يوقف تنفيذها وتنتهي آثارها الجنائية فلا يصح القول بأنه يجب – لكي يفيد المتهم من القانون الأصلح – أن لا يكتفي بصدوره قبل الحكم نهائياً بل أن يكون القانون قد أصبح معمولاً به.
وحيث إنه لا يجدي في هذا المقام الاستشهاد بالفقه الفرنسي إذ الواضح مما سلف ذكره أن القانون الفرنسي ليس فيه نص يقابل الفقرة الثالثة من المادة الخامسة بل ولا نص يقابل الفقرة الثانية. أما القانون الإيطالي الذي أشارت إليه المذكرة الإيضاحية فإن الفقرة الأولى من المادة الثانية منه تنص على أنه "لا عقاب على فعل لم يكن يكون جريمة بمقتضى القوانين المعمول بها وقت ارتكابها". ثم نصت الفقرة الثانية منها على أنه "لا عقاب على فعل أصبح بموجب قانون لا حق لا يكون جريمة". ويبين من هذين النصين أن القانون الإيطالي راعى ذات التفرقة التي راعاها القانون المصري بين العقاب وعدم العقاب، فاشترط للعقاب أن يكون القانون معمولاً به وقت ارتكاب الفعل. أما في عدم العقاب فقد استعمل عبارة "قانون لاحق" وهي أقطع في تأكيد المعنى السالف ذكره من عبارة "صدور القانون" التي استعملها المشرع المصري – وبمثل هذين النصين أيضاً أتى مشروع قانون العقوبات الفرنسي المشار إليه في المذكرة الإيضاحية والذي لم يصدر بعد.
وحيث إنه فضلاً عما تقدم فلا يمكن القول بأن المشرع قد عين أجلاً لنفاذ قانون الإجراءات الجنائية، وأن هذا الأجل لم يحل بعد فإن الموعد الذي حدده قانون الإصدار لنفاذ قانون الإجراءات الجنائية وهو ثلاثون يوماً من تاريخ نشره إنما هو الموعد التي عينه الدستور بصفة مبدئية لاعتبار صدور القوانين معلوماً لدى الكافة، كما أنه يبين من الاطلاع على قانون إصداره أنه قد استكمل إجراءاته التشريعية بتصديق الملك عليه وإصداره، وأمره بنشره في الجريدة الرسمية وأن ينفذ كقانون من قوانين الدولة منذ 3 سبتمبر سنة 1950.
وحيث إنه عن القول بأن إجراء حكم المادة 17 على واقعة الدعوى سيترتب عليه أن يكون لقانون الإجراءات الجنائية أكثر من موعد فإنه لا مانع في القانون يمنع من ذلك بل إن الحاصل في أغلب القوانين أن تطبق نصوصها على بعض الحوادث بأثر رجعي ولا تطبق على البعض الآخر إلا بعد العمل بها حسب ظروف كل حادثة وحسب طبيعة كل قانون.
وحيث إنه من كل ما تقدم يبين أن الفقرة الأخيرة من المادة 17 من قانون الإجراءات الجنائية هي وحدها الواجبة التطبيق على واقعة الدعوى.
وحيث إن القانون رقم 178 لسنة 1951 الصادر بتعديل المادة 17 من قانون الإجراءات الجنائية بأن لا تبدأ مدة السقوط المشار إليها فيها بالنسبة للجرائم التي وقعت قبل تاريخ العمل إلا من هذا التاريخ لا يمكن أن يكون له تأثير على الواقعة ما دامت الدعوى الجنائية كانت قد سقطت فعلاً في 15 أكتوبر سنة 1951 ولا يعتد في هذا المقام بما جاء في المذكرة الإيضاحية لهذا القانون من أن سقوط الدعاوى التي مضت عليها في المدة المنصوص عليها في المادة 17 "لم يتعلق به مراد أحد". ذلك بأنه لا هذا القانون ذاته ولا مذكرته التفسيرية يمكن أن يجعل الواقعة معاقباً عليها إذا كانت قد أصبحت بموجب قانون الإجراءات الجنائية غير معاقب عليها.
وحيث إنه بالنسبة للدعوى المدنية فإن الحكم المطعون فيه قد أسس على أن الفصل في التعويضات المطلوبة يستلزم إجراء تحقيق خاص يتطلب وقتاً وجهداً لا تتسع له الدعوى الجنائية، ولذا فقد تخلت المحكمة عن الدعوى المدنية للمحكمة المختصة أصلاً بالقضاء فيها وهي المحكمة المدنية. ولما كان ذلك من حق المحكمة الجنائية وتقديرها في ذلك موضوعي لا معقب عليه، فإن الطعن بالنسبة للدعوى المدنية يكون على غير أساس.
وحيث إنه لذلك يتعين رفض الطعن موضوعاً بالنسبة للدعوى الجنائية لسقوطها بمضي المدة، وبالنسبة إلى الدعوى المدنية لأن الطعن في غير محله.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات