الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 1963 لسنة 32 ق – جلسة 27/11/1962

أحكام النقض – المكتب الفني – جنائى
العدد الثالث – السنة 13 – صـ 789

جلسة 27 من نوفمبر سنة 1962

برياسة السيد/ محمود متولى عتلم نائب رئيس المحكمة. وبحضور السادة المستشارين: محمود حلمى خاطر، وعبد الحليم البيطاش، وأديب نصر، ومختار رضوان.


الطعن رقم 1963 لسنة 32 القضائية

محاكمة "إجراءات المحاكمة". قانون "سريانه من حيث الزمان". نقض "أسبابه. ما لا يقبل منها". عقوبة.
الحكم بعقوبة الإعدام. تعديل المادة 381/ 2 أ. ج، ووجوب اجماع أراء أعضاء المحكمة عند إصدار الحكم بهذه العقوبة. ذلك لا يعدو أن يكون إجراء منظما لاصدار الحكم وشرطا لصحته. نفاذه بأثر فورى على الدعاوى المطروحة التى لم يتم الفصل فيها، وإن كانت عن أفعال وقعت قبل صدور قانون التعديل. عدم ارتداده إلى الأحكام التى صدرت صحيحة فى ظل القانون السارى قبل التعديل. علة ذلك: كل إجراء تم صحيحا فى ظل قانون يظل صحيحا وخاضعا لأحكام هذا القانون.
الطعن بالنقض فى حكم قضى بإعدام المتهم. صدور تعديل المادة 381/ 2 أ. ج، أثناء نظر الطعن. القول بأن التعديل قد استحدث قاعدة أصلح يستفيد منها المتهم "الطاعن" إعمالا لنص المادة 5 عقوبات والمادة 35 من القانون 57 لسنة 1959. لا يقبل. علة ذلك: الحكم المطعون فيه صدر مستوفيا شروط صحته فى ظل القانون المعمول به وقت صدوره.
إذا كان الطاعن قد أثار أمام محكمة النقض وجها جديدا من أوجه الطعن استنادا إلى أن القانون رقم 107 لسنة 1962 – الذى صدر بعد الحكم عليه – قد استحدث قاعدة مؤداها عدم جواز الحكم بالاعدام إلا باجماع الآراء، وهى قاعدة أصلح يستفيد منها الطاعن إعمالا لنص المادة الخامسة من قانون العقوبات والمادة 35 من القانون 57 لسنة 1959، فإن ما يتحدى به الطاعن من ذلك مردود بأن النص على وجوب الإجماع عند إصدار الحكم بالإعدام الذى استحدثه الشارع بالتعديل سالف البيان قد ورد فى الفصل الخاص بالإجراءات أمام محاكم الجنايات، وقد ربط الشارع بين مبدأ الإجماع وبين أخذ رأى المفتى، فأصبح الحكم بالاعدام وفقا لهذا التعديل مشروطا باستيفاء هذين الإجراءين على حد سواء بحيث إذا تخلف أحدهما أو كلاهما بطل الحكم. فالإجماع فى منطق التعديل المستحدث لا يعدو أن يكون إجراء من الإجراءات المنظمة لإصدار الحكم بالاعدام، وقد أصبح النص عليه فى الحكم شرطا لصحته. ولما كانت المادة الخامسة من قانون العقوبات لا تسرى إلا بالنسبة إلى المسائل الموضوعية دون الإجراءات فهى لا تمس إلا النصوص التى تتصل بالتجريم وتقرير العقاب أو تعديله بالتخفيف أو بالتشديد، وكان خروج الشارع عن الأصل العام فى إصدار الأحكام من وجوب صدورها بأغلبية الآراء وفقا لنص المادة 341 مرافعات السارى على الدعاوى الجنائية، واشتراطه بالنص المستحدث للفقرة الثانية من المادة 381 إجراءات توفر الاجماع عند الحكم بالاعدام لاعتبارات قدرها لحسن سير العدالة – لا يمس أساس الحق فى توقيع عقوبة الاعدام ذاتها، ولا ينال الجرائم التى يعاقب عليها القانون بهذه العقوبة بالالغاء أو التعديل، ولا ينشئ لمقار فيها إعذارا وظروفا تغير من طبيعة تلك الجرائم أو العقوبة المقررة لها، بل اقتصر على تنظيم الحكم بهذه العقوبة فهو تعديل يندرج تحت مدلول القوانين الإجرائية لا الموضوعية. ذلك بأنه من المقرر أن القواعد التى تمس تحقيق الدعوى الجنائية والحكم فيها تعد من الإجراءات الشكلية البحتة، وهى بهذه المثابة تنفذ بأثر فورى على الدعاوى المطروحة التى لم يتم الفصل فيها، وإن كانت عن أفعال وقعت قبل صدورها، دون أن ترتد إلى الأحكام التى صدرت صحيحة فى ظل القانون السارى قبل التعديل. إذ الأصل أن كل إجراء تم صحيحا فى ظل قانون يظل صحيحا وخاضعا لأحكام هذا القانون. لما كان ذلك، فإن التعديل المدخل بالقانون 107 لسنة 1962 على المادة 381/ 2 إجراءات لا يسرى على واقعة الدعوى والتى انتهت بالحكم المطعون فيه والذى صدر مستوفيا شروط صحته فى ظل القانون المعول به وقت صدوره.


الوقائع

اتهمت النيابة العامة الطاعن بأنه فى يوم 28 يوليو سنة 1961 بدائرة مركز أبو قرقاص محافظة المنيا: قتل عبد الفتاح ابراهيم محمد عمدا بأن أطلق عليه عيارا من مسدس قاصدا من ذلك قتله فأحدث به الإصابات الموصوفة بالتقرير الطبى الشرعى والتى أودت بحياته، وقد اقترنت هذه الجناية بجنايتين أخريين هما أنه فى ذات الزمان والمكان سالفى الذكر – أولا – قتل عمر صديق بكر عمدا بأن أطلق عليه عيارين ناريين من مسدس قاصدا من ذلك القتل فأحدث به الإصابات الموصوفة بالتقرير الطبى الشرعى والتى أودت بحياته. وثانيا – شرع فى قتل نجية يونس أحمد عمدا بأن أطلق عليها عيارا ناريا قاصدا من ذلك القتل فأحدث به الإصابات الموصوفة بالتقرير الطبى الشرعى، وخاب أثر الجريمة لسبب لا دخل لإرادته فيه هو مداركة المجنى عليها بالعلاج وشفاؤها. وطلبت من غرفة الاتهام إحالته إلى محكمة الجنايات لمحاكمته طبقا لنص المادة 234/ 1 – 2 من قانون العقوبات. فقررت الغرفة ذلك. ومحكمة جنايات المنيا قضت حضوريا بتاريخ 3 من ابريل سنة 1962 عملا بمادة الاتهام بمعاقبة المتهم "الطاعن" بالاعدام شنقا. فطعن المحكوم عليه فى هذا الحكم بطريق النقض… الخ.


المحكمة

حيث إن مبنى الوجه الأول من الطعن هو قصور الحكم فى الرد على دفاع جوهرى للطاعن وفساد استدلاله، ذلك أن دفاعه قام على أن الحادث المنسوب إليه سبقه بوقت قصير قتل ابن عمه بمعرفة أسرة وكيل شيخ الخفراء الذى بلغ عن الحادث وأن هذا التبليغ تأخر ثلاث ساعات تداولت فيها الأسرتان وقدمت من كل منهما متهما واحدا اعترف لأول وهلة بأنه المسئول وحده عن الحادث المنسوب لأسرته، وأن مقتل ابن عم الطاعن لم يحدث فى المكان الذى وجدت فيه جثته، وأن المجنى عليهم فى الحادث أصيبوا من الخلف، وأن طبنجة "الطاعن" تسع نحو تسع طلقات ولم يوجد بها عند ضبطها سوى ست طلقات مما يدل على أنه لم يطلق منها سوى ثلاث طلقات مع أن المجنى عليهم أصيبوا بأربع طلقات، وأن الحادث كان صداما مفاجئا بين أسرتين وقد استعمل فيه أكثر من سلاح يؤيد ذلك ما شهد به عبد الفتاح ابراهيم المجنى عليه الأول من أنه أصيب من بندقية أطلقها عليه أخ الطاعن وقد ضبطت هذه البندقية خالية من الطلقات ولم يستطع الطبيب الشرعي إسناد إصابات المجني عليهم إلى "طبنجة" الطاعن وإنما قرر بجواز حدوثها من الطبنجة أو البندقية المضبوطة، وأن وكيل شيخ الخفراء رغم أنه لم يذهب لمحل الحادث ليباعد بينه وبين الاشتراك فيه، وأن الطاعن عدل عن اعترافه الذى تبرع به وقال أمام المحكمة إنه أطلق عيارين. ورغم تماسك هذا الدفاع وجوهريته فلم ترد عليه المحكمة ولم تلتفت إلى الماديات التى عرضها الدفاع والتى تهدم تصوير الحكم للحادث، ومن هذه الماديات وعدم وجود دماء بمكان العثور على جثة ابن عم الطاعن ووجود ست طلقات بالطبنجة التى يملكها. ولو التفتت المحكمة إلى دلالة هذه الماديات لما أمكن تحميل الطاعن مسئولية الجريمة التى دين بها.
وحيث إن الحكم المطعون فيه بعد أن حصل واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجريمة التى دان الطاعن بها أورد الطاعن على ثبوتها فى حقه أدلة سائغة تؤدى إلى ما رتب عليها سردها فى قوله "وحيث إنه يخلص للمحكمة مما تقدم أن واقعة ارتكاب المتهم شحاته سيد محمد عبود جناية قتل عبد الفتاح ابراهيم محمد عمدا المقترنة بجنايتى قتله عمدا عمر صديق بكر وشروعه فى قتل نجيه بما اقترنت به من هاتين الجريمتين ثابتة قبل المتهم ثبوتا يقينيا بدليل متوافر اطمأنت إليه المحكمة واقتنع به وجدانها وارتاح إليه ضميرها من اعترافه الصريح التفصيلى بتحقيقات النيابة من الوهلة الأولى واصراره على هذا الاعتراف حتى نهاية تلك التحقيقات ويجمل هذا الاعتراف فى أنه حين علم حوالى الساعة الخامسة من مساء يوم الحادث قبل الغروب بحوالى ساعتين بأن ابن عمه محمد أحمد عبود قتله عبد المعز محمد حسين، عقد العزم على الأخذ بثأره فورا فحمل طبنجته الأتوماتيكية المرخصة له باحرازها بعد أن عبأ خزانتها بطلقات الرصاص وتوجه إلى الجهة التى يقيم فيها عبد المعز محمد حسين وذووه منتويا قتل كل من يصادفه هناك. وما أن وقع بصره على المجنى عليه الأول عبد الفتاح ابراهيم محمد حسن، وهو ابن أخ عبد المعز محمد حسين وفى ذات الوقت ابن وكيل شيخ خفراء البلدة، حتى أطلق عليه مقذوفا ناريا من تلك الطبنجة فسقط مصابا على الأرض، ثم شاهد المجنى عليه الثانى عمر صديق بكر فأطلق عليه مقذوفين ناريين فخر على الأرض صارخا, ولم يكتف المتهم بذلك بل إنه حين نظر المجنى عليها الثالثة نجيه يونس أحمد سائرة فى هذا الشارع الموصل إلى مساكن عبد المعز محمد حسين وأهله حتى أطلق عليها عيارا ناريا فانطرحت أرضا مصابة. ويضيف المتهم شحاتة سيد محمد عبود فى إعترافه أنه أطلق من طبنجته خمسة مقذوفات نارية على هؤلاء المجنى عليه الثلاثة فى الحى الذى يقطن فيه عبد المعز محمد حسين قاتل ابن عمه محمد أحمد عبود إنتقاما لقتل هذا الأخير وأخذا بثأره. وبعد أن أصابهم توجه إلى مكان جثة ابن عمه المذكور حاملا سلاحه النارى الذى استعمله فى الحادث ثم عاد به إلى داره وظل هناك ختى قبض عليه وضبط هذا السلاح. وقد تأيد هذا الإعتراف الصريح بما قرره المجنى عليه عمر صديق بكر فى تحقيق النيابة بعد حلفه اليمين وموافقة الطبيب على أنه يعى على ما يقول حين أذن بسؤاله، لمشاهدته للمتهم شحاته سيد محمود عبود وهو يطلق عليه مقذوفين ناريين من طبنجته المرخص له باحرازها عيار 9 مم والتى سبق أن شاهدها معه من قبل فأصابه هذان العياران على مسافة ومن اتجاه وفى مستوى أيده فى ذلك كله تقرير الطبيب الشرعى على النحو السالف البيان. وتعززت أقوال هذا المجنى عليه بما قرره المجنى عليه الآخر عبد الفتاح ابراهيم فى تحقيق النيابة بموافقة الطبيب على التعويل على أقواله من رؤيته لهذا المتهم وهو يطلق على المجنى عليه عمر الصديق بكر عيارين ناريين من طبنجته المرخص له بحيازتها فيصيبه. كذلك تأيد إعتراف المتهم وأقوال المجنى عليهما المذكورين بشهادة خفير الدرك محمود أحمد صقر من توجهه إلى مكان الحادث فور حصوله أثر سماعه الأعيرة النارية والاستغاثة عقب مشاهدته جثة القتيل محمد أحمد عبود وعلمه من ابنه عادل بأن قاتله هو عبد المعز محمد حسين فوجد المجنى عليهم الثلاثة مصابين بمقذوفات نارية فى الشارع الموصل إلى مساكن عبد المعز محمد حسين وأهله وعلم من كل من المجنى عليهما الأولين عبد الفتاح وعمر أن المتهم شحاته سيد محمد عبود هو الذى أطلق النار عليهما من طبنجته، فبادر بابلاغ ذلك إلى وكيل شيخ الخفراء ابراهيم محمد حسن والخفير محمود محمد ابراهيم اللذان شهدا فى التحقيق وبالجلسة بأن الخفير محمود أحمد صقر أبلغهما فور وقوع الحادث بأن المتهم شحاته سيد محمد عبود أطلق النار على المجنى عليهما عبد الفتاح ابراهيم محمد وعمر صديق بكر، فبادر وكيل شيخ الخفراء بإخطار المركز بذلك تليفونيا. ثم علم رجال الحفظ المذكورين أن المتهم هو الذى أطلق النار أيضا على المجنى عليها الثالثة وكان إرتكاب المتهم لهذا الحادث إنتقاما لقتل ابن عمه الأمر الذى اعترف به المتهم فى تحقيق النيابة على ما سلف بيانه. كما شهد أيضا صديق بكر ابراهيم والد المجنى عليه عمر من علمه وهو فى طريق عودته من الحقل إلى القرية وفى مكان الحادث بأن المتهم شحاته سيد محمد عبود هو الذى أطلق النار على المجنى عليهم الثلاثة للأخذ بثأر ابن عمه محمد أحمد عبود الذى قتله عبد المعز محمد حسين قبل ارتكاب المتهم لهذا الحادث. كما أن اعتراف المتهم وأقوال هؤلاء الشهود سالفى الذكر قد تعزز كذلك بالتقارير الطبية الشرعية فى بيان إصابات كل من المجنى عليهم وسببها وموقف الضارب لهم وقت إطلاق النار عليهم واتجاه المقذوفات النارية ومستوى الضارب، وأخيرا من جواز حدوث إصابة كل منهم من طبنجة المتهم وطلقاتها وهى المضبوطة فى منزله والمرخص له بإحرازها، والتى اعترف فى التحقيقات من بدئها حتى نهايتها بأنه ارتكب بها هذا الحادث وأطلق منها النار على كل من المجنى عليهم الثلاثة، ومن ثم فالمحكمة لا تعد بإنكاره فيما بعد وعدوله أمامها عن هذا الاعتراف المؤيد بأقوال المجنى عليهما عبد الفتاح وعمر وبشهادة الخفير محمود أحمد، وفيما علم به صديق بكر عقب حصول الحادث وفى مكانه وفى طريقه إلى البلدة بعد أن تعززت شهادتهم، واعتراف المتهم بالدليل المادى المستمد من التقارير الطبية الشرعية فى خصوص إصابات المجنى عليهم وسببها وجواز حدوثها من طبنجة المتهم التى اعترف أنه ارتكب بها الحادث وبالتالى فلا عبرة بعدول المتهم عن هذا الاعتراف المفصل الصريح المؤيد بشهادة المجنى عليهما الأولين وبأقوال باقى شهود الإثبات والمعزز بتقريرى الصفة التشريحية على جثتى عبد الفتاح وعمر صديق من أن وفاتهما نشأت عن هذه الإصابات النارية التى أحدثها بهما ذلك المتهم من طبنجته المضبوطة التى يقرر بالتحقيقات وبالجلسة أنها هى التى كان يطلق منها النار. وكذلك الحال بالنسبة لإصابة المجنى عليها الثالثة نجيه يونس أحمد على النحو سالف البيان، وبالتالى فلا عبرة بما زعمه بالجلسة من أنه كان يطلق الرصاص من طبنجته المضبوطة على غير هدى فهو دفاع جديد لا سند له يحاول به فى آخر مرحلة الإفلات من العقاب". لما كان ذلك، وكان يبين من الحكم المطعون فيه أن المحكمة قد اطمأنت إلى اعتراف الطاعن فى تحقيقات النيابة بأنه أطلق النار على المجنى عليهم الثلاثة والذى تأيد بأقوال الشهود وبالتقارير الطبية ولم تعول على عدوله عن هذا الاعتراف أمامها، وكان لقاضى الموضوع – متى تحقق أن الاعتراف سليم مما يشوبه واطمأن إليه – أن يأخذ به فى إدانة المتهم المعترف سواء أكان هذا الاعتراف قد صدر أمامه أوفى أثناء التحقيق مع المتهم وسواء أكان المتهم مصرا على هذا الاعتراف أم أنه عدل عنه فى مجلس القضاء أو فى إحدى مراحل التحقيق، وهو فى هذا الخصوص غير خاضع لرقابة محكمة النقض – ولما كان الدفع بتلفيق التهمة أو شيوعها هو من أوجه الدفاع الموضوعية التى لا تستلزم ردا خاصا بل يكفى أن يكون الرد عليها مستفادا من الحكم بالإدانة للأدلة الواردة به، وكان لمحكمة الموضوع أن تجزم بما لم يجزم به الطبيب الشرعى فى تقريره من أن إصابات المجنى عليهم حدثت من الطبنجة التى استعملها الطاعن متى كانت وقائع الدعوى قد أيدت ذلك عندها وأكدتها لديها – لما كان ما تقدم، وكانت محكمة الموضوع غير ملزمة بالرد صراحة على كل جزئية من جزئيات الدفاع الموضوعى إذ يكفى أن يكون الرد مستفادا من الحكم بالإدانة استنادا إلى أدلة الثبوت التى أوردها الحكم، فإن ما يثيره الطاعن فى هذا الوجه لا يكون له محل.
وحيث إن مبنى الوجه الثانى من الطعن هو الخطأ فى الإسناد ذلك أنه صور الواقعة بأن الطاعن أطلق النار على المجنى عليهم الثلاثة عن بصيرة وانتقام دون أن يكون لذلك أصل فى التحقيقات.
وحيث إنه يبين من الرجوع إلى الحكم أنه أسند إلى الطاعن أنه خرج من داره حاملا مسدسه مصمما على قتل كل من يصادفه من أسرة عبد المعز محمد حسين أخذا بثأر ابن عمه محمد أحمد عبود وراح يطلق النار على كل من يصادفه فأصاب المجنى عليهم الثلاثة وقد توفى الأولان منهم – كما يبين من الرجوع إلى تحقيقات النيابة المرفقة بالملف أن هذا الذى قاله الحكم له أساس من اعتراف الطاعن فى هذه التحقيقات ذلك الاعتراف الذى اطمأنت إليه المحكمة على ما سبق بيانه – لما كان ذلك، وكان لا جدوى مما يثيره الطاعن من أن إطلاق النار على أسرة غريمه لم يكن عن بصيرة وانتقام لما هو مقرر من أن الخطأ فى شخصية المجنى عليه لا يؤثر على مسئولية الجانى، فإن ما يثيره فى هذا الوجه أيضا يكون على غير أساس.
وحيث إن الطاعن أثار أمام هذا المحكمة وجها جديدا من أوجه الطعن استنادا إلى أن القانون رقم 107 لسنة 1962 – الذى صدر بعد الحكم عليه – قد استحدث قاعدة مؤداها عدم جواز الحكم بالإعدام إلا بإجماع الآراء وهى قاعدة أصلح يستفيد منها الطاعن إعمالا لنص المادة الخامسة من قانون العقوبات والمادة 35 من القانون رقم 57 لسنة 1959 فى شأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض
وحيث إن ما يتحدى به الطاعن من ذلك مردود بأن النص على وجوب الإجماع عند إصدار الحكم بالإعدام الذى استحدثه الشارع بالتعديل سالف البيان ورد فى الفصل الثانى من الباب الثالث من الكتاب الثانى من قانون الإجراءات الجنائية الخاص بالاجراءات أمام محاكم الجنايات وقد ربط الشارع بين مبدأ الاجماع وبين أخذ رأى المفتى، وهو الاجراء كان يستلزمه الشارع قبل التعديل لاصدار الحكم بالاعدام، فأصبح الحكم به وفقا لهذا التعديل مشروطا باستيفاء الاجرائين سالفى الذكر على حد سواء بحيث إذا تخلف أحدهما أو كلاهما بطل الحكم. فالاجماع فى منطق التعديل المستحدث لا يعدو أن يكون إجراء من الاجراءات المنظمة لاصدار الحكم بالاعدام وقد أصبح النص عليه فى الحكم شرطا لصحته ولا يغنى عن ذلك أى إجراء آخر. ولما كانت الفقرة الثانية من المادة الخامسة من قانون العقوبات لا تسرى إلا بالنسبة إلى المسائل الموضوعية دون الاجراءات فهى لا تمس إلا النصوص التى تتصل بالتجريم وتقرير العقاب أو تعديله بالتخفيف أو بالتشديد , وكان خروج الشارع عن الأصل العام فى إصدار الأحكام من وجوب صدورها بأغلبية الآراء وفقا لنص المادة 341 من قانون المرافعات المدنية والتجارية السارى على الدعاوى الجنائية, واشتراطه بالنص المستحدث للفقرة الثانية من المادة 381 من قانون الاجراءات الجنائية توفر الاجماع عند الحكم بالاعدام لاعتبارات قدرها لحسن سير العدالة – لا يمس أساس الحق فى توقيع عقوبة الاعدام ذاتها، ولا ينال الجرائم التى يعاقب عليها القانون بهذه العقوبة بالالغاء أو التعديل، ولا ينشئ لمقارفيها اعذارا وظروفا تغير من طبيعة تلك الجرائم أو العقوبة المقررة لها، بل اقتصر على تنظم الحكم بهذه العقوبة فهو تعديل يندرج تحت مدلول القوانين الاجرائية لا الموضوعية. ذلك بأنه من المقرر أن القواعد التى تمس تحقيق الدعوى الجنائية والحكم فيها تعد من الاجراءات الشكلية البحتة، وهى بهذه المثابة تنفذ بأثر فورى على الدعاوى المطروحة التى لم يتم الفصل فيها وإن كانت عن أفعال وقعت قبل صدورها دون أن ترتد إلى الأحكام التى صدرت صحيحة فى ظل القانون السارى قبل التعديل. إذ الاصل أن كل إجراء تم صحيحا فى ظل قانون يظل صحيحا وخاضعا لأحكام هذا القانون. لما كان ذلك، وكان لا يقدح فى هذا النظر ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة من تقرير بطلان الأحكام الاستئنافية المطعون فيها التى تحلف شرط الاجماع فيها عند إلغاء البراءة أو تشديد العقوبة المحكوم بها ابتدائيا وتصحيحها بغير إحالة. ذلك أن تخلف الاجماع يفقد الحكم مقوماته وينطوى بذاته على مخالفة جوهرية للقانون. وإذ كانت مصلحة المتهم تقتضى القضاء ببطلان مثل هذا الحكم تحقيقا لمراد الشارع، وكان لا يمكن أن يضار المتهم بطعنه، فلا يبقى بعده إلا الحكم الابتدائى الذى يجب اعتباره عندئذ صحيحا لا مطعن عليه وليس فى هذا ما يغير من طبيعة القاعدة باعتبارها قاعدة إجرائية مما حدا بمحكمة النقض ألا ترى محلا لإعمالها إلا فيما عرض عليها من أحكام صدرت بعد تاريخ العمل بهذا التعديل أما الأحكام السابقة على هذا التاريخ فلم تتصد لإبطالها كما فعلت بالنسبة إلى الأحكام اللاحقة له – لما كان ذلك، فان التعديل المدخل بالقانون رقم 107 لسنة 1962 على المادة 381/ 2 من قانون الاجراءات الجنائية لا يسرى على واقعة الدعوى التى انتهت بالحكم المطعون فيه والذى صدر مستوفيا شروط صحته فى ظل القانون المعمول به وقت صدوره ويبين من ذلك أن الطعن برمته على غير أساس مما يتعين معه رفضه.
وحيث إن النيابة العامة وان كانت قد عرضت القضية على المحكمة مشفوعة بمذكرة برأيها فى الحكم عملا بالمادة 46 من القانون رقم 57 لسنة 1959 فى شأن حالات واجراءات الطعن أمام محكمة النقض بعد ميعاد الأربعين يوما المنصوص عليها فى المادة 34 من هذا القانون، إلا أن تجاوز هذا الميعاد لا يترتب عليه عدم قبول عرض النيابة على ما استقر عليه قضاء هذه المحكمة. لما كان ذلك، وكان يبين إعمالا لنص المادة 35 من القانون السالف الذكر أن الحكم المطعون فيه قد بين واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجرائم التى دين بها المحكوم عليه بالاعدام ولم يعتوره عيب مخالفة القانون أو الخطأ فى تطبيقه وتأويله وقد صدر من محكمة مشكلة وفقا للقانون ولها ولاية الفصل فى الدعوى ولم يصدر بعد الحكم قانون يسرى على واقعة الدعوى بما يغير مما انتهى إليه الحكم المطعون فيه بالنسبة إلى الطاعن المحكوم باعدامه، فانه يتعين إقرار ذلك الحكم.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات