الطعن رقم 54 لسنة 32 ق – جلسة 25/06/1962
أحكام النقض – المكتب الفني – جنائى
العدد الثانى – السنة 13 – صـ 559
جلسة 25 من يونيه سنة 1962
برياسة السيد المستشار محمود حلمى خاطر، وبحضور السادة المستشارين: محمد عبد السلام، وعبد الحليم البيطاش، وأديب نصر، ومختار رضوان.
الطعن رقم 54 لسنة 32 القضائية
تزوير "استعمال محرر مزور". جريمة "أركانها".
جريمة استعمال المحرر المزور. عنصرها المادى. يتم باستعمال المحرر فيما زور من أجله.
لا عبرة بتحقق النتيجة المرجوة. مثال.
العنصر المادى لجريمة استعمال المحرر المزور يقوم ويتم باستعمال المحرر فيما زور من
أجله بغض النظر عن النتيجة المرجوة. فاذا كانت الواقعة التى استخلصها الحكم المطعون
فيه واطمأن إليها فى خصوص جريمة الاستعمال أن الطاعن قدم لموظفى مكتب البريد التوكيل
المزور لكنهم اشتبهوا فى أمره ولم يصرفوا له المبلغ موضوع التوكيل، فإن العنصر المادى
للجريمة يكون قد تم بالفعل. أما الحصول على المبلغ فهو أثر من آثار الاستعمال لا يلزم
تحققه لتمام الجريمة وإنما قد يشكل جريمة أخرى هى جريمة النصب المنصوص عليها فى المادة
336 عقوبات.
الوقائع
اتهمت النيابة العامة كلا من الطاعنين وآخر بأنهم فى يوم فى يوم 14 ديسمبر سنة 1959 بدائرة بندر طنطا قسم أول مديرية الغربية: أولا – المتهمون الثلاثة اشتركوا مع مجهول وبطريق الاتفاق فيما بينهم والمساعدة مع موظف عمومى حسن النية هو محمد أحمد فراج الموثق بمكتب توثيق طنطا فى ارتكاب تزوير فى محرر رسمى هو التوكيل رقم 253 ب سنة 1959 والمثبت لتوكيل عزيز عبد الملك سيدهم للمتهم الثالث فى صرف المبالغ المودعة باسم الموكل بمكتب بريد طنطا والمختص بتحريره بمقتضى وظيفته بجعل واقعة مزورة فى صورة واقعة صحيحة مع علمهم بتزويرها وذلك بأن اتفقوا على أن ينتحل المجهول اسم الموكل الذى تبينت وفاته قبل صدور التوكيل ؛ فتقدم المجهول منتحلا ذلك الاسم ومقررا أنه وكل المتهم الثالث فى صرف المبالغ المودعة باسمه ووقع بختم مزور وبصمة ابهامه تأييدا لهذا الانتحال، وساعده المتهمان الأول والثانى بأن وقعا بصفتهما شاهدين على التوكيل تأييدا لتلك الواقعة المزورة فوقعت الجريمة بناء على هذا الاتفاق وتلك المساعدة. ثانيا – المتهم الثالث أيضا "الطاعن الثانى" استعمل التوكيل المزور سالف الذكر مع علمه بتزويره بأن قدمه إلى السيد/ صادق جرجس وكيل مكتب بريد طنطا ليقوم بصرف المبلغ المودع باسم عزيز عبد الملك سيدهم. وطلبت من غرفة الإتهام إحالتهم إلى محكمة الجنايات لمحاكمتهم طبقا للمواد 40 و41 و211 و212 و213 من قانون العقوبات. فصدر قرار الغرفة بذلك. ومحكمة جنايات طنطا قضت حضوريا بتاريخ 26 ديسمبر سنة 1960 عملا بالمواد 40/ 2 – 3 و41 و211 و212 و213 و225 من قانون العقوبات للمتهم الأول "الطاعن الأول" والمادتين 304/ 1 و381/ 1 من قانون العقوبات للمتهم الثانى والمواد 40/ 2 – 3 و41 و211 و212 و213 و214 و225 و32/ 2 من نفس القانون للمتهم الثالث "الطاعن الثانى". أولا – ببراءة المتهم الثانى مما أسند إليه. ثانيا – بمعاقبة كل من المتهمين الأول والثالث "الطاعنين" بالسجن لمدة ثلاث سنين. فطعن المحكوم عليهما فى هذا الحكم بطريق النقض .. الخ.
المحكمة
من حيث إن الطاعن الأول لم يودع أسبابا لطعنه فيكون غير مقبول شكلا.
وحيث إن الطعن المرفوع من الطاعن الثانى قد استوفى الشكل المقرر فى القانون.
وحيث إن مبنى الأسباب الستة الأولى من طعنه هو الخطأ فى الإسناد والفساد فى الاستدلال
والقصور فى التسبيب، وفى ذلك يقول الطاعن إن الحكم المطعون فيه دانه بجنايتى الاشتراك
فى تزوير التوكيل الرسمى واستعماله مقررا فيما قرره أن الطاعن علم بأن من نسب إليه
التوكيل كان قد توفى قبل توثيقه وبأنه كان قد أودع صندوق توفير البريد المبلغ موضوع
التوكيل، ومقررا كذلك أنه حمل أحد شاهدى التوكيل على الشهادة وذلك على الرغم من خلو
أوراق الدعوى مما يفيد هذا الذى قرره الحكم. كذلك استند الحكم إلى تعرف الشهود صادق
جرجس وبديعة يوسف سليمان وكوكب حنا صالح وعبد الملك حنا على الطاعن مع أن أولهم لم
يتعرف عليه فى عملية عرض بل أشار عليه للمحقق باعتبار أنه هو الذى قدم التوكيل وطلب
صرف المبلغ، أما باقى الشهود فكانوا موجودين فى دار النيابة مع الطاعن قبل اجراء عمليات
العرض بما يعيبها ويفسد الاستدلال بها. وأضاف الطاعن أن الحكم جاء قاصرا فى بيان الدليل
على وفاة الموكل قبل توثيق التوكيل، وفى التدليل على علم الطاعن بتزويره مع ما هو ثابت
من أنه لم يشهد على التوكيل وأن من انتحل شخصية الموكل آخر مجهول.
وحيث إن الحكم المطعون فيه استخلص واقعة الدعوى فى أن الطاعنين وآخر مجهولا علموا بوفاة
عزيز عبد الملك سيدهم بعد أن أودع مبلغا صندوق توفير البريد ؛ فاتفقوا على الاستيلاء
على المبلغ وتمكنوا من الحصول على دفتر التوفير ثم توجهوا إلى مكتب التوثيق وانتحل
المجهول شخصية المتوفى ووثق باسمه توكيلا للطاعن الثانى بصرف المبلغ وقع عليه ببصمته
وبختم مزور باسم المتوفى وشهد على التوكيل الطاعن الأول ومحمد السيد الجروانى (المتهم
المحكوم ببراءته) الذى استغل الطاعن الثانى حسن نيته وحمله على الشهادة. وبعد توثيق
التوكيل صحب الطاعن صديقه عبد القادر حسن حسين إلى مكتب البريد حيث قدمه هذا لموظفى
المكتب فقدم الطاعن التوكيل لمراجع التوفير عبد الملك حنا ولوكيل المكتب صادق جرجس،
فاشتبها فيه لإختلاف رقم المبلغ المثبت فيه عن رقم المثبت فى الدفتر ولان التوكيل موقع
عليه بختم مع أن المودع جرى على التوقيع بامضائه. وحضرت أثناء ذلك الشاهدة بديعة يوسف
سليمان بنت أخت المودع ومعها كوكب حنا صالح للابلاغ بوفاته وبفقد دفتر التوفير فكشف
أمر التزوير. ودلل الحكم على ثبوت هذه الوقائع فى حق الطاعن الثانى بشهادة الموثق عن
واقعة توثيق التوكيل وبأقوال المتهم محمد السيد الجروانى وشهادة عبد القادر حسن حسين
وعبد الملك حنا وصادق جرجس وبديعة يوسف سليمان وكوكب حنا صالح، وتأكيدهم ان الطاعن
بالذات اسهم فى إجراءات التوكيل ودفع رسومه ثم قدمه لموظفى مكتب البريد لصرف المبلغ
وبتعرفهم عليه، وبما شهدت به الأخيرتان من أن من نسب إليه اصدار التوكيل فى 14 من فبراير
سنة 1959 وكان قد توفى قبل ذلك فى 30 من يناير سنة 1959. واستظهر الحكم قصد الاشتراك
فى التزوير فقال انه ثابت من الوقائع والأدلة السابقة ومن أن الطاعن هو صاحب المصلحة
فيه للحصول على المبلغ ومن اصراره على انكار المساهمة فى إجراءات توثيق التوكيل المزور
وتقديمه لموظفى مكتب البريد مع قيام الأدلة القاطعة فى ذلك، ثم استظهر الحكم ركن العلم
بالتزوير فى جريمة الاستعمال فقال انه ثابت من اشتراكه فى التزوير. لما كان ذلك، وكان
هذا الذى قرره الحكم سائغا ومؤديا فى العقل إلى ما رتبه عليه من ثبوت جريمتى الاشتراك
فى التزوير والاستعمال فى حق الطاعن بركنيهما المادى والمعنوى، وكان التدليل على قصد
الاشتراك فى التزوير يغنى عن التحدث عن ركن العلم فى جريمة الاستعمال لأنه يفيد حتما
وبطريق اللزوم العقلى علم المزور بأن الورقة التى استعملها مزورة، وكانت المحكمة قد
اطمأنت فى نطاق سلطانها الموضوعى المطلق إلى ما شهدت به بديعه وكوكب من وفاة الموكل
قبل توثيق التوكيل وإلى تعرفهما وباقى الشهود على الطاعن، وكان القانون لم يرسم طريقا
خاصا لإجراء عمليات العرض ولا يعدو ما يثيره الطاعن فى شأنها أن يكون محاولة التشكيك
فى شهادة الشهود وتدخلا فى اطمئنان محكمة الموضوع إلى صحتها. لما كان ذلك، وكان من
اطلاقات محكمة الموضوع أن تستخلص الواقعة على الصورة الصحيحة التى استقرت فى وجدانها
ولو لم يكن هذا الاستخلاص مستندا إلى أدلة صريحة مباشرة من شهادة شهود أو غير ذلك،
ما دام مستنبطا بطريق الاستنتاج والاستقراء استنباطا سليما متفقا مع حكم العقل والمنطق.
ولما كان ما استخلصه الحكم من علم الطاعن بوفاة من نسب إليه التوكيل وبأنه كان يودع
مبلغا صندوق التوفير وما استخلصه من انه حمل أحد شاهدى التوكيل على الشهادة ـ ما استخلصه
الحكم من ذلك كله كان سائغا فى العقل متناسقا مع وقائع الدعوى، لما كان كل ذلك، فان
ما يثيره الطاعن فى هذه الأسباب يكون قائما على غير أساس.
وحيث إن مبنى السبب السابع هو الخطأ فى تطبيق القانون أن الحكم المطعون فيه اعتبر مجرد
تقديم التوكيل لموظفى مكتب البريد مكونا لجريمة الاستعمال تامة على الرغم من أنها لا
تتم إلا بقبض المبلغ الذى قدم التوكيل للحصول عليه.
وحيث انه لما كان العنصر المادى لجريمة استعمال المحرر المزور يقوم ويتم باستعمال المحرر
فيما زور من أجله وبغض النظر عن النتيجة المرجوة، وكانت الواقعة التى استخلصها الحكم
واطمأن إليها فى خصوص جريمة الاستعمال أن الطاعن قدم لموظفى مكتب البريد التوكيل المزور
لكنهم اشتبهوا فى أمره ولم يصرفوا له المبلغ موضوع التوكيل وبذا يكون العنصر المادى
للجريمة قد تم بالفعل. أما الحصول على المبلغ فهو أثر من آثار الاستعمال لا يلزم تحققه
لتمام الجريمة وإنما قد يشكل جريمة أخرى هى جريمة النصب المنصوص عليها فى المادة 336
من قانون العقوبات. لما كان ذلك، فان الحكم لا يكون قد أخطأ فى القانون إذا اعتبر تقديم
التوكيل المزور مكونا للعنصر المادي لجريمة الاستعمال واعتبر الجريمة بالتالي كاملة
لا شروعا.
وحيث انه لما تقدم يتعين الحكم فى موضوع الطعن برفضه.
