الطعن رقم 2654 لسنة 34 ق – جلسة 26 /05 /1990
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الخامسة والثلاثون – العدد الثاني – (من أول مارس سنة 1990 إلى آخر سبتمبر 1990)
– صـ 1823
جلسة 26 من مايو سنة 1990
برئاسة السيد الأستاذ المستشار/ طارق عبد الفتاح البشري نائب رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة الأساتذة: محمد يسري زين العابدين ويحيى السيد الغطريفي ود. إبراهيم علي حسن وأحمد شمس الدين خفاجي – المستشارين.
الطعن رقم 2654 لسنة 34 القضائية
عاملون مدنيون بالدولة – الواجبات الوظيفية والمخالفات التأديبية
– المصطلحات التي تعد خروجاً عن حدود التعبير القانوني المباح.
لرجل القانون أن يتناول العمل القانوني الذي يطلب إليه تدارسه بالفحص المنقب والدراسة
المتأنية – له في سبيل ذلك أن يعقب عليه بكل ما يجرى به التعبير القانوني من اصطلاحات
تمس شكل العمل القانوني أو موضوعه دون الخروج على حدود الاصطلاحات القانونية إلى مجال
التجريح – العمل القانوني يقبل بطبيعته التعقيب المنضبط بحدود ما يقتضيه اختلاف الرأي
من أوصاف منها أن العمل جانبه الصواب أو شابه الغموض أو القصور أو فساد النتائج أو
الاختصار المخل أو غير ذلك من الأسباب التي يطعن من أجلها في الأحكام – استخدام عبارات
تدخل في هذا الإطار لا يعد مخالفة تأديبية – أمثلة لعبارات تخرج عن التعبير القانوني
المباح – تطبيق.
إجراءات الطعن
في يوم الأحد العاشر من يوليو سنة 1988 أودع الأستاذ غبريال إبراهيم
المحامي عن (….) قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا تقرير طعن قيد بجدولها برقم 2654
لسنة 34 القضائية في الحكم الصادر من المحكمة التأديبية لوزارة الصحة بجلسة 15 من مايو
سنة 1988 في الدعوى رقم 51 لسنة 30 القضائية المقامة من النيابة الإدارية ضد الطاعن
والقاضي بمجازاته بخفض أجره بمقدار علاوة.
وطلب الطاعن للأسباب الموضحة بتقرير الطعن – الحكم بقبول الطعن شكلاً وبصفة مستعجلة
بوقف تنفيذ الحكم المطعون فيه وفي الموضوع أصلياً بإلغائه والقضاء ببراءة المتهم واحتياطياً
بمجازاته بجزاء أخف.
وأعلن تقرير الطعن إلى المطعون ضده على الوجه المبين بالأوراق.
وقدمت هيئة مفوضي الدولة تقريراً بالرأي القانوني مسبباً رأت فيه الحكم بقبول الطعن
شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه فيما تضمنه من مجازاة الطاعن بخفض أجره
بمقدار علاوة ومجازاته بجزاء أخف.
وعين لنظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون بهذه المحكمة جلسة 24 من يناير سنة 1990 وبجلسة
28 من فبراير سنة 1990 قررت الدائرة إحالة الطعن إلى هذه المحكمة وعينت لنظره أمامها
جلسة السابع من أبريل سنة 1990 وفي هذه الجلسة حضر الطاعن شخصياً وقدم مذكرة وطلب حجز
الطعن للحكم ووافقه على ذلك ممثل النيابة الإدارية فقررت المحكمة إصدار الحكم في الطعن
بجلسة السبت الموافق 26 من مايو سنة 1990 وفيها صدر الحكم وأودعت مسودته المشتملة على
أسبابه عند النطق به.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع المرافعة والمداولة.
من حيث إن الطعن استوفى سائر أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة تتحصل حسبما يبين من الأوراق – في أنه في 19 من ديسمبر
سنة 1987 أقامت النيابة الإدارية الدعوى التأديبية رقم 51 لسنة 30 القضائية بإيداع
أوراقها قلم كتاب المحكمة التأديبية لوزارة الصحة منطوية على تقرير باتهام مدير إدارة
التكليف بوزارة الصحة درجة ثالثة لأنه في التاسع من أبريل سنة 1987 بجهة عمله خالف
القانون وخرج على مقتضى الواجب الوظيفي وسلك في تصرفاته مسلكاً لا يتفق والاحترام وارتكب
ما نهى عنه قانون العقوبات بأن أورد في مذكرته التي حررها في التاريخ المشار إليه عبارات
تنطوي على قذف وسب علني وإهانة هيئة قضائية هي النيابة الإدارية للصحة إذ نعتها بالغرض
والانحراف والهوى.
وارتأت النيابة أن المتهم بذلك ارتكب المخالفات الإدارية المنصوص عليها بالمواد 26/
3، 78/ 1 من قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1978
والمادة 14 من القانون رقم 117 لسنة 1958 بإعادة تنظيم النيابة الإدارية معدلاً بالقانون
رقم 171 لسنة 1981 والمادتين 15، 19 من القانون رقم 47 لسنة 1972 بتنظيم مجلس الدولة.
وبجلسة 15 من مايو سنة 1988 قضت المحكمة التأديبية لوزارة الصحة بخفض أجره بمقدار علاوة
واحدة.
وأقامت المحكمة التأديبية قضاءها على ثبوت المخالفة المشار إليها بتقرير الاتهام في
حق الطاعن إذ أنه تعرض في مذكرته للنيابة الإدارية بالسب والقذف واصفاً إياها بالميل
والهوى والانحراف وتعمد إخفاء الحقائق والتستر على المسئولين الحقيقيين وإلقاء التهمة
على غيرهم باعتبارهم من مرؤوسيه وكأنه قد نال كرامته الشخصية أن يسأل مرؤوسوه عن أخطائهم
بعد شهادته معهم بعدم مسئوليتهم واتخذ من ذلك موقفاً شخصياً ضد النيابة وهو ما يمثل
من جانبه إخلالاً بواجبات وظيفته من خلال تعديه على هيئة قضائية بألفاظ وعبارات توجب
المساءلة الجنائية.
ومبنى الطعن أن الحكم المطعون فيه صدر معيباً لسببين، أولهما: أن الطاعن لم يفعل سوى
تحرير مذكرة طلب رئيسه إليه إعدادها وضمنها ما رأى أنه يمثل الرأي القانوني فيما انتهت
إليه النيابة الإدارية وإن كان لم يوفق في اختيار كلمة أو كلمتين دون قصد إهانة أي
شخص أو جهة. وثانيهما: أن الحكم وقع على الطاعن عقوبة مغلظة لا تتناسب مع ما وقع من
الطاعن على فرض أنه يشكل مخالفة.
ومن حيث إن وقائع الدعوى التأديبية الصادر فيها الحكم المطعون فيه تخلص حسبما يبين
من الأوراق – في أن النيابة الإدارية لوزارة الصحة انتهت من التحقيق رقم 396 لسنة 1986
إلى مساءلة كل من العاملين (….) بإدارة التكليف بوزارة الصحة لما نسب إليهما من مخالفات
ولدى إرسال مذكرة النيابة الإدارية وملف القضية إلى الجهة الإدارية طلب رئيس الإدارة
المركزية المختص إلى الطاعن – بوصفه مدير إدارة التكاليف بالوزارة – إعداد مذكرة برأيه
فيما انتهت إليه النيابة الإدارية فقام الطاعن بإعداد مذكرة برأيه تضمنت بعض العبارات
التي اعتبرتها النيابة الإدارية منطوية على قذف وسب لهيئة النيابة الإدارية.
ومن حيث إنه يبين من الاطلاع على المذكرة المشار إليها أنها انطوت على العبارات الآتية:
إن هذا القول والاستنتاج (الوارد بمذكرة النيابة الإدارية) قد جانبه الصواب. إنه شاب
مذكرة التحقيق التي أعدت بمعرفة النيابة الإدارية لوزارة الصحة غموض وقصور شديد وأخطاء
مطبعية وبتر للوقائع وفساد في النتائج.
إن النيابة الإدارية لوزارة الصحة قد أغفلت عن عمد في مذكرتها الإشارة لكل دفاع موظفي
إدارة التكليف وشهادة رئيسها ولم تكتف بهذا بل اختصرت وحذفت وتخيرت من أقوالهم ما يحقق
أهدافها.
إن المخالفات المالية التي نسبت لموظفي إدارة التكليف صورها حيال النيابة الإدارية
لوزارة الصحة بلا سند من الواقع أو القانون.
ومن حيث إن الثابت من الأوراق أن الطاعن لم يقم بتحرير المذكرة التي انطوت على العبارات
محل الاتهام من تلقاء نفسه وإنما قام بتحريرها بناءً على طلب رئيسه الذي راعى في ذلك
أنه رجل قانون، ومن حيث إنه لرجل القانون أن يتناول العمل القانوني الذي يطلب إليه
تدارسه بالفحص المنقب والدراسة المستفيضة، وله في سبيل ذلك أن يعقب عليه بكل ما يجرى
بع التعبير القانوني من اصطلاحات تمس شكل العمل القانوني أو موضوعه دون خروج على حدود
الاصطلاحات القانونية إلى مجال تجريحه، وهذا هو شأن العمل القانوني الذي يقبل بطبيعته
التعقيب المنضبط بحدود ما يقتضيه اختلاف الرأي من أوصاف منها أن العمل جانبه الصواب
أو إنه جانبه الغموض أو القصور أو فساد النتائج أو الاختصار المخل أو غير ذلك من الأسباب
التي يطعن من أجلها في الأحكام.
ومن حيث إنه على ضوء ما تقدم ليس ثمة مخالفة فيما ورد بمذكرة الطاعن من تعبيرات تدخل
في الإطار المشروع المشار إليه إلا أن المخالفة تتوفر فيما تعدى ذلك من عبارات خاصة
ما نسبه إلى النيابة الإدارية من ابتنائها الرأي على الخيال وهو ما يخرج عن حدود التعبير
القانوني المباح ومن حيث إن الحكم المطعون فيه قد بنى مجازاة الطاعن بخفض أجره بمقدار
علاوة على أساس إدانته عن جميع ما أشار إليه الحكم من عبارات دون تمييز بين ما هو مشروع
منها وما هو غير مشروع فإن الجزاء الموقع على الطاعن يكون غير مستند إلى كامل ما حمله
الحكم المطعون فيه عليه، ومن ثم يكون هذا الحكم واجب الإلغاء على أن تتولى هذه المحكمة
توقيع الجزاء المناسب على الطاعن بما يوافق صحيح الواقع والقانون.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه ومجازاة الطاعن بخصم خمسة أيام من راتبه.
