الطعن رقم 205 لسنة 35 ق – جلسة 19 /05 /1990
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الخامسة والثلاثون – العدد الثاني – (من أول مارس سنة 1990 إلى آخر سبتمبر 1990)
– صـ 1774
جلسة 19 من مايو سنة 1990
برئاسة السيد الأستاذ المستشار/ طارق عبد الفتاح البشري نائب رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة الأساتذة: محمد يسري زين العابدين ود. إبراهيم علي حسن وأحمد شمس الدين خفاجي وفريد نزيه تناغو – المستشارين.
الطعن رقم 205 لسنة 35 القضائية
موظف – تأديب – الجزاءات التأديبية – وجوب التناسب بين المخالفة
والجزاء.
يكون التناسب بين المخالفة التأديبية والجزاء الذي يوقع عنها على ضوء التحديد الدقيق
لوصف المخالفة في ضوء الظروف والملابسات المشكلة لأبعادها – مؤدى ذلك: أن جسامة العمل
المادي المشكل للمخالفة التأديبية إنما ترتبط بالاعتبار المعنوي المصاحب لارتكابها
بحيث لا تتساوى المخالفة القائمة على غفلة أو استهتار بتلك القائمة على عمد والهادفة
إلى غاية غير مشروعة إذ لا شك أن الأولى أقل جسامة من الثانية – يجب أن يدخل هذا في
تقدير من يقوم بتوقيع الجزاء التأديبي على ضوء ما يستخلصه استخلاصاً سائغاً من جماع
أوراق الموضوع – تطبيق.
إجراءات الطعن
في يوم السبت الموافق 24 من ديسمبر سنة 1988 أودع الأستاذ الدكتور
محمد ميرغني خيري المحامي عن الأستاذ الدكتور محمد رشاد متولي المحامي عن… قلم كتاب
المحكمة الإدارية العليا تقرير طعن قيد بجدولها برقم 205 لسنة 35 القضائية في قرار
مجلس تأديب محكمة شمال القاهرة الابتدائية الصادر في الثامن من نوفمبر سنة 1988 في
الدعوى رقم 20 لسنة 1988 والقاضي بمجازاة الطاعن المحضر بمحكمة المطرية بالفصل من الخدمة.
وطلب الطاعن – للأسباب الموضحة بتقرير الطعن – الحكم بقبول الطعن شكلاً وبصفة مستعجلة
بوقف تنفيذ قرار مجلس التأديب المطعون فيه، وفي الموضوع بإلغائه وما يترتب على ذلك
من آثار.
وأعلن تقرير الطعن إلى المطعون ضده على الوجه المبين بالأوراق.
وقدمت هيئة مفوضي الدولة تقريراً بالرأي القانوني مسبباً رأت فيه الحكم بقبول الطعن
شكلاً وقبول طلب وقف تنفيذ الحكم المطعون فيه، وفي الموضوع بإلغاء حكم مجلس تأديب محكمة
شمال القاهرة الابتدائية فيما تضمنه من مجازاة الطاعن بالفصل من الخدمة، والحكم بالجزاء
المناسب للمخالفة المنسوبة إليه والثابتة في حقه مع ما يترتب على ذلك من آثار.
وعين لنظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون لهذه المحكمة جلسة الثامن من مارس سنة 1989
وتداولت نظره بالجلسات على النحو المبين بمحاضرها، وبجلسة 28 من فبراير سنة 1990 قررت
الدائرة إحالة الطعن إلى هذه المحكمة وحددت لنظره أمامها جلسة 31 من مارس سنة 1990
وفيها قررت المحكمة إصدار الحكم في الطعن بجلسة اليوم السبت الموافق 19 من مايو سنة
1990، حيث صدر الحكم وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق به.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع الإيضاحات والمداولة.
ومن حيث إن الطعن استوفى سائر أوضاعه الشكلية.
وحيث إن عناصر هذه المنازعة تتحصل – حسبما يبين من الأوراق في أنه في 15 من يونيو سنة
1988 صدر قرار رئيس محكمة شمال القاهرة الابتدائية رقم 195 حصر جزاءات – لسنة 1988
بإحالة…… المحضر بقلم محضري المطرية – إلى مجلس تأديب محكمة شمال القاهرة الابتدائية
لأنه قام بإعلان إنذار الطاعة المقيد برقم 13465 مخاطباً مع شخص زعم أنه تابع المعلن
إليها دون أن يثبت شخصيته مخالفاً بذلك التعليمات الواجبة الاتباع بهذا الشأن.
وبجلسة الثامن من نوفمبر سنة 1988 أصدر مجلس التأديب قراره بمجازاة الطاعن بالفصل من
الخدمة.
وأقام مجلس التأديب قراره على أن الثابت من الأوراق أن المحضر المشار إليه تسلم ورقة
الإعلان – إنذار الطاعة – في 24/ 10/ 1987 ونفذها في 29/ 10/ 1987 ولم يقم بإثبات شخصية
من تسلم الإعلان وهو تابع المعلن إليها الشاكية، مخالفاً بذلك التعليمات الواجبة الاتباع،
وترتب على ذلك أن خسرت الشاكية دعوى النفقة التي أقامتها ضد المعلن، وهو الأمر الذي
يدل على مدى استهتار المحال بحقوق المواطنين ومصالحهم وعدم قيامه بأداء واجبات وظيفته
بالأمانة والصدق.
وينعى الطاعن على قرار مجلس التأديب أنه صدر معيباً استناداً إلى أساسين أولهما أن
الطاعن لم يقم أصلاً بإجراء الإنذار المنسوب إليه أنه قام بإعلانه إلى الشاكية، وثانيهما
الغلو في تقدير الجزاء حتى على افتراض أنه ارتكب المخالفة محل المساءلة.
ومن حيث إن النعي الأول غير سديد، لأن قيام الطاعن بالإعلان المعيب محل المساءلة ثابت
من واقع أوراق التحقيق من خلال شهادة الأستاذ محمد سليمان غندور المحامي بأنه سأل الطاعن
المدون اسمه على الإعلان – عما إذا كان هو الذي قام بإجراء الإعلان فأجاب بالإيجاب
وقد أيد هذه الشهادة المحضر عاطف محمد عزب والمحضر صبحي أحمد قطب والمحضر جمال حسن
مراد، وإذا كان الطاعن يدعي أن بينه وبين زملائه المحضرين خلافاً في العمل، فإنه لم
يدع أن بينه وبين المحامي أي خلاف الأمر الذي يقطع بأن الطاعن هو الذي قام بإجراء الإعلان
المعيب، ومن هنا ينهار وجه النعي الأول على الحكم المطعون فيه.
ومن حيث إن النعي للطاعن على قرار مجلس التأديب المطعون فيه أنه صدر مشوباً بالغلو
في تقدير الجزاء.
ومن حيث إن تقدير الجزاء في المجال التأديبي عند عدم وجود لائحة للجزاءات – متروك إلى
مدى بعيد لتقدير من يملك توقيع العقاب التأديبي، سواء كان الرئيس الإداري أو مجلس التأديب
أو المحكمة التأديبية، غير أن هذه السلطة التقديرية تجد حدها عند قيد عدم جواز إساءة
استعمال السلطة تلك العبارة التي تبدو عند ظهور عدم تناسب بين المخالفة التأديبية وبين
الجزاء الموقع عنها وهو ما يعبر عنه بالغلو في تقدير الجزاء، الذي يصم الإجراء التأديبي
بعدم المشروعية ويجعله واجب الإلغاء.
ومن حيث إن التناسب بين المخالفة التأديبية وبين الجزاء الذي يوقع عنها إنما يكون على
ضوء التحديد الدقيق بوصف المخالفة في ضوء الظروف والملابسات المشكلة لأبعادها فإن مؤدى
ذلك أن جسامة العمل المادي المشكل للمخالفة التأديبية إنما ترتبط بالاعتبار المعنوي
المصاحب لارتكابها بحيث لا تتساوى المخالفة القائمة على غفلة أو استهتار بتلك القائمة
على عمد والهادفة إلى غاية غير مشروعة إذ لا شك أن الأولى أقل جسامة من الثانية، وهذا
ما يجب أن يدخل في تقدير من يقوم بتوقيع الجزاء التأديبي على ضوء ما يستخلصه استخلاصاً
سائغاً من جماع أوراق الموضوع.
ومن حيث إن مجلس التأديب الذي أصدر القرار المطعون فيه قد استخلص بداءة في حيثيات القرار
أن الطاعن إنما قام باتخاذ إجراءات الإعلان المعيب عن استهتار وعدم التزام كامل بأداء
واجبات وظيفته على الوجه المتطلب، ثم عاد في حيثية لاحقة وأشار إلى أن تصرف المخالف
ينبئ عن سوء نية وعن قصده ضياع حقوق الشاكية.
ومن حيث إن الاستخلاص الأول هو ذلك الذي انتهى إليه القرار في حيثيته الأولى من وصم
سلوك الطاعن بالاستهتار دون ما انتهى إليه في حيثيتها التالية من وصم سلوكه بالتعمد
وذلك لأن مجرد وقوع الخطأ من جانب العامل يعني أنه قد أهمل بيقين ولكنه لا يعني بذاته
أنه ابتغى من وراء خطئه هدفاً غير مشروع، ولذلك فإنه يلزم لمساءلة العامل عن خطئه موصوفاً
بصفة التعمد أن ترد بأسباب توقيع الجزاء المؤشرات التي تفيد ذلك، وإلا كان الاستخلاص
غير سائغ على نحو يجعل توقيع الجزاء غير مستند إلى أساس سليم.
ومن حيث إنه ليس في الأوراق، ولا في أقوال الشهود ما يمكن أن يستظهر منه صفة العمد
فيما أقدم عليه الطاعن من إعلان معيب.
ومن حيث إن قرار مجلس التأديب المطعون فيه قد بنى مجازاة الطاعن بالفصل من الخدمة على
ما انتهى إليه من أنه قصد ضياع حقوق الشاكية.
ومن حيث إن مقتضى الانتهاء إلى عدم سلامة هذا الاستخلاص لوصف المخالفة، ثبوت عدم التناسب
البين بين المخالفة وبين الجزاء الموقع عنها، الأمر الذي يقتضي إلغاء قرار مجلس التأديب
المطعون فيه وتوقيع الجزاء الذي يتناسب واقعاً وقانوناً مع ما ثبت في حق الطاعن من
مخالفة.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء قرار مجلس التأديب المطعون فيه وبمجازاة الطاعن بتأجيل ترقيته عند استحقاقها لمدة عامين.
