الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 998 لسنة 38 ق – جلسة 17 /06 /1968 

أحكام النقض – المكتب الفني – جنائي
العدد الثاني – السنة 19 – صـ 729

جلسة 17 من يونيه سنة 1968

برياسة السيد المستشار/ مختار مصطفى رضوان نائب رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: محمد محفوظ، ومحمد عبد الوهاب خليل، وحسين سامح، ومحمود عطيفة.


الطعن رقم 998 لسنة 38 القضائية

( أ ) محكمة الموضوع. "سلطتها في تقدير الأدلة". إثبات. "تقدير الدليل". حكم. "تسبيبه. تسبيب غير معيب".
لمحكمة الموضوع الاطمئنان إلى الأدلة بالنسبة لمتهم وعدم الاطمئنان إليها بالنسبة لمتهم آخر.
(ب) إثبات. "شهادة". محكمة الموضوع. "سلطتها في تقدير الدليل" حكم. "تسبيبه. تسبيب غير معيب".
لمحكمة الموضوع الأخذ من أقوال الشهود بما تطمئن إليه في حق أحد المتهمين وإطراح ما لا تطمئن إليه منها في حق متهم آخر.
(ج، د) إثبات. "تقدير الدليل". محكمة الموضوع. "سلطتها في تقدير الدليل".
(ج) لمحكمة الموضوع تكوين عقيدتها مما تطمئن إليه من أدلة وعناصر في الدعوى.
(د) للمحكمة الأخذ برواية ينقلها شخص عن آخر.
(هـ) إثبات. "تساند الأدلة". حكم. "تسبيبه. تسبيب غير معيب".
الأدلة في المواد الجنائية متساندة يكمل بعضها بعضاًَ ومنها مجتمعة تتكون عقيدة المحكمة.
(و) محكمة الموضوع. "سلطتها في تقدير الدليل". إثبات. "خبرة". قتل عمد.
لمحكمة الموضوع كامل الحرية في تقدير القوة التدليلية لتقرير الخبير المقدم إليها.
(ز، ح، ط) حكم. "تسبيبه. تسبيب غير معيب". دفوع. "الدفع بتلفيق التهمة".
(ز) التفات المحكمة عن الدفع ببطلان الدليل المستمد من أقوال الطاعنين. لا يعيب حكمها. طالما أنها لم تعتمد على تلك الأقوال في تكوين عقيدتها بالإدانة.
(ح) الدفع بتلفيق التهمة. موضوعي. عدم لزوم الرد عليه صراحة.
(ط) عدم التزام المحكمة بمتابعة المتهم في مناحي دفاعه المختلفة.
1 – من المقرر أن تقدير الأدلة بالنسبة إلى كل متهم هو من اختصاص محكمة الموضوع وحدها وهي حرة في تكوين اعتقادها حسب تقديرها لتلك الأدلة واطمئنانها إليها بالنسبة إلى متهم وعدم اطمئنانها بالنسبة إلى ذات الأدلة بالنسبة إلى متهم آخر.
2 – حق محكمة الموضوع في أن تزن أقوال الشهود فتأخذ منها بما تطمئن إليه في حق أحد المتهمين وتطرح ما لا تطمئن إليه منها في حق متهم آخر دون أن يكون هذا تناقضاً يعيب حكمها ما دام يصح في العقل أن يكون الشاهد صادقاً في ناحية من أقواله وغير صادق في شطر منها، وما دام تقدير الدليل موكولاً إلى اقتناعها وحدها.
3 – لمحكمة الموضوع أن تكون عقيدتها مما تطمئن إليه من أدلة وعناصر في الدعوى.
4 – ليس في القانون ما يمنع المحكمة من الأخذ برواية ينقلها شخص عن آخر متى رأت أن تلك الأقوال قد صدرت منه حقيقة وكانت تمثل الواقع في الدعوى.
5 – لا يشترط أن تكون الأدلة التي اعتمد عليها الحكم ينبئ كل دليل منها ويقطع في كل جزئية من جزئيات الدعوى. إذ الأدلة في المواد الجنائية متساندة يكمل بعضها بعضاً ومنها مجتمعة تتكون عقيدة المحكمة فلا ينظر إلى دليل بعينه لمناقشته على حدة دون باقي الأدلة بل يكفي أن تكون الأدلة في مجموعها كوحدة مؤدية إلى ما قصده الحكم منها ومنتجة في اكتمال المحكمة واطمئنانها إلى ما انتهت إليه.
6 – لمحكمة الموضوع كامل الحرية في تقدير القوة التدليلية لتقرير الخبير المقدم إليها. ولما كانت المحكمة قد اطمأنت إلى ما أثبته التقرير الطبي الشرعي المقدم في الدعوى من أن المجني عليه كان في قدرته التكلم بتعقل عقب إصابته ورأت التعويل عليه فإن هذا يكفي في الرد على منازعة الطاعنين في هذا الشأن ولا يقبل منهما من بعد النعي عليها أنها قعدت عن تحقيق هذا الدفاع عن طريق كبير الأطباء الشرعيين طالما أنها لم يطلبا منها استطلاع رأيه ولم تر هي من جانبها محلاً لاتخاذ هذا الإجراء اكتفاء منها بما أثبته الخبير في تقريره المطروح ضمن عناصر الدعوى وما دامت المحكمة قد قررت بغير معقب عليها في ذلك صلاحية الدعوى للفصل فيها بحالتها.
7 – لا تثريب على المحكمة إن هي التفتت عن الدفع ببطلان الدليل المستمد من أقوال الطاعنين طالما أنها لم تعتمد عليها في تكوين عقيدتها بالإدانة.
8 – الدفع بتلفيق التهمة من أوجه الدفاع الموضوعية التي لا تستوجب في الأصل رداً صريحاً.
9 – لا تلتزم المحكمة بمتابعة المتهم في مناحي دفاعه المختلفة والرد عليها على استقلال طالما أن الرد يستفاد دلالة من أدلة الثبوت التي أوردها الحكم.


الوقائع

اتهمت النيابة العامة الطاعنين وآخرين بأنهم في ليلة 21/ 3/ 1966 بدائرة بندر منفلوط محافظة أسيوط: سرقوا مبلغ 350 ج والأشياء المبينة بالمحضر والمملوكة لسامي خله إبراهيم بطريق الإكراه الواقع عليه بأن توجهوا إليه بالمخبز الذي يعمل مديراً له وطعنه الأول والثاني (الطاعنان) بآلتين حادتين لشل مقاومته وصحبهم في ذلك الثالث وانتظر الرابع والخامس خارج المخبز لمراقبة الطريق وقد ترك الإكراه بالمجني عليه الجروح المبينة بالتقرير الطبي وتمكنوا بذلك من إتمام السرقة وقد اقترنت هذه الجناية بجناية أخرى هي أن المتهمين الأول والثاني في المكان والزمان سالفي الذكر قتلا عمداً المجني عليه سالف الذكر بأن طعناه بآلتين حادتين قاصدين من ذلك قتله فأحدثا به الإصابات المبينة بالتقرير الطبي الشرعي والتي أودت بحياته وطلبت من مستشار الإحالة إحالتهم على محكمة الجنايات لمعاقبتهم بالمادتين 234/ 1 – 2 و214/ 1 – 2 من قانون العقوبات، فقرر بذلك. ومحكمة جنايات أسيوط عدلت الوصف إلى أن المتهم الأول (الطاعن الأول) سرق الساعة والخاتم والأشياء الأخرى المبينة بالتحقيق والمملوكة لسامي خله إبراهيم بطريق الإكراه الواقع عليه بأن توجه إلى المخبز الذي يعمل به ويقوم المجني عليه على إدارته وطعنه بآلة حادة لشل مقاومته وقد ترك الإكراه بالمجني عليه الجروح المبينة بالتقارير الطبية وتمكن بذلك من السرقة وقد اقترنت هذه الجناية بجناية أخرى أنه في الزمان والمكان سالفي الذكر قتل المجني عليه المذكور عمداً بأن طعنه بآلة حادة عدة طعنات في جسمه قاصداً من ذلك قتله فأحدث به الإصابات المبينة بالتقرير الطبي الشرعي والتي أودت بحياته وأن المتهم الثاني (الطاعن الثاني) في يوم 27/ 3/ 1966 أخفى الساعة والأوراق المبينة بالتحقيق والمملوكة للمجني عليه وهو يعلم أنها متحصلة من جريمة سرقة بالإكراه الواقع على مالكها. ثم قضت حضورياً عملاً بالمواد 234/ 2 و214/ 1 – 2 و17 و72 من قانون العقوبات بالنسبة إلى المتهم الأول؛ و44/ 1 – 2 و314/ 1/ 2 و17 من هذا القانون بالنسبة إلى المتهم الثاني بمعاقبة المتهم الأول بالسجن عشر سنوات ومعاقبة المتهم الثاني بالسجن خمس سنوات وبراءة باقي المتهمين مما أسند إليهم. فطعن المحكوم عليهما في هذا الحكم بطريق النقض… إلخ.


المحكمة

حيث إن مبنى الطعن هو أن الحكم المطعون فيه إذ دان الطاعن الأول بجريمة السرقة بالإكراه التي اقترنت بجريمة القتل ودان الطاعن الثاني بجريمة إخفاء الأشياء المسروقة قد شابه قصور وتناقض في التسبيب وفساد في الاستدلال وإخلال بحق الدفاع ذلك بأن الحكم استند في إدانة الطاعن الأول إلى قول نقل عن المجني عليه قبل وفاته لا يعدو أن يكون ترديداً للاسم الأول للطاعن دون لقبه وهذا القول على فرض صدوره من المجني عليه لا يكفي للإدانة. كما استند الحكم إلى أقوال الشهود ثابت حسين سيد وشعبان أحمد صالح وعبد السلام حسين في حين أنه يبين من الرجوع إلى أقوال هؤلاء الشهود أنهم لم يروا شيئاً وأنهم عذبوا للإدلاء بما قرروه ولم يشر الحكم إلى واقعة تعذيب هؤلاء الشهود واستند الحكم أيضاً في إدانته إلى أنه ضبط ملوثاً بالدماء التي لم يبين مصدرها ووجود سحجات ظفرية من تماسك في حين أن التحليل قد أثبت أنه لا توجد دماء بملابسه وعلل الطاعن الآثار التي وجدت بملابسه بأنها من طين وأثبت وكيل النيابة في محضره ما يؤيد ذلك وبينما ذكر الحكم أن الدماء التي وجدت بجلباب الطاعن خالية من أجلونتين فإنه عاد وذكر أنه من الجائز أن تكون الدماء العالقة بجلبابه هي من دماء القتيل أما السحجات الظفرية التي وجدت بجسم الطاعن فقد أثبت التقرير الطبي الشرعي أنها قديمة وأسند الحكم إلى الطاعن الأول أنه ضرب وحده المجني عليه وانتزع من رسغه الساعة ومن أصبعه الخاتم في حين أن المحكمة وصفت المجني عليه بأنه سمين وجاء بتحريات المباحث أن الطاعن حدث صغير السن لا يمكنه أن يرتكب الحادث وحده ولم تعن المحكمة بتحقيق دفاعه بأن سنه أقل من خمس عشرة سنة وقت ارتكاب الحادث وقالت بأنه بلغ السادسة عشرة كما يبين من درجة نموه وصور الأشعة في حين أن السن لا تثبت إلا بشهادة الميلاد أو بتقدير الطبيب الشرعي وقد أشار الطاعن الأول في دفاعه إلى التأخير في بلاغ الحادث وإلى أن هذا البلاغ جاء خلواً من أي اتهام وأن رجال الشرطة عندما اتهموا بالتقصير في برقيات أرسلت إلى النائب العام لفقوا له هذا الاتهام وأن المبلغ ثابت حسين وزميله شعبان أحمد صالح اتهما في شكوى بأنهما القاتلان إلا أن الحكم لم يرد على هذا الدفاع كما قال الدفاع عن الطاعن الأول أن المجني عليه لا يمكنه النطق عقب إصابته نظر لجسامة هذه الإصابة واستدل على ذلك بشهادة سائق سيارة الإسعاف ورجال الشرطة وطبيب المستشفى الذين قرروا أنهم سألوا المجني عليه فلم يجبهم غير أن المحكمة لم تشر إلى هذا الدفاع ولم تعن بتحقيقه عن طريق كبير الأطباء الشرعيين وأشار الطاعن الثاني في دفاعه إلى أنه كان محبوساً بسجن المركز ولا يعلم شيئاً عن ساعة القتيل التي ضبطت بمنزله وأن هذه الساعة قد أحضرها رجال الشرطة من زوجة القتيل لإثبات التهمة ضده بدليل أنها وجدت غير متوقفة ولا يعقل أن تكون أخفيت بمنزله أسبوعاً وتظل غير متوقفة ولكن الحكم لم يرد على هذا الدفاع بينما أعتد الحكم بعدول الشاهد محمد علي محمد عن أقواله الأولى بالنسبة إلى المتهمين الآخرين وقضي ببراءتهم فإنه التفت عن عدول باقي الشهود عن أقوالهم في شأن الطاعن الأول كما أطرح الحكم في شأن باقي المتهمين الدليل المستمد من ضبط السكين والمطواة بمقولة إنه لم يعثر بهما على آثار دماء ولم يثبت استعمالها في الحادث ولكنه قضى بإدانة الطاعن الأول تأسيساً على ضبط السكين والمطواة ملوثتين بالدماء وبينما استند في التدليل على علم الطاعن الثاني بأن الساعة المضبوطة بمنزله مسروقة، إلى أنه شقيق الطاعن الأول فإنه نفى علم المتهم الثالث بأن الخاتم المضبوط معه مسروق مع أنه زوج أخته والأخ وزوج الأخت في درجة واحدة من العلم.
وحيث إن الحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى بقوله: "أنها تحصل في أن محسن فرغلي هريدي ويبلغ من العمر ستة عشر عاماً كان يعمل بمخبز حسين سيد إبراهيم الذي يديره القتيل سامي خله إبراهيم واعتاد المبيت به مع بعض العمال الذين يبكرون في القيام بعملهم إلا أن المتهم إذ سولت له نفسه قتل المجني عليه والاستيلاء على بعض أشيائه التي أعتقد أنها تمثل متع الحياة في سنه فقد أعد لذلك عدته فحمل سلاحاً حاداً وتخلف عن العمل في ذلك اليوم صباحاً وانتظر حتى أقترب الليل من النصف ثم توجه للمخبز في الوقت الذي يعلم فيه بانتهاء العمل في الفترة الأولى وخلود العمال إلى الراحة وجلوس المجني عليه وهو سمين الجسم في كرسيه يغفوا أمام مكتبه بمدخل المخبز وقد صح ما توقعه فوجد الهدوء شاملاً والمجني عليه غافياً والعمال في الداخل نائمين فاستل سكينة وبدأ يطعن المجني عليه في وجهه فرفع المجني عليه يده اليمنى يدافع عن نفسه فأصابها المتهم إلا أنه رأى المجني عليه وقد أفاق لنفسه وهب يدافع عن حياته فاشتد ساعد المتهم وكال له ضربات عنيفة بشدة وقسوة يعتورها الخوف من الموقف فراح يضرب على غير هدي لينهي حياة هذا الرجل الذي رفض أن يستجيب للقتيل من الضربات الأولى فأصابه في صدره وبطنه بعدة ضربات نافذة قاتلة فلما نزفت دماؤه وظهر المجني عليه بمظهر المحتضر تمكن المتهم من انتزاع ساعته اليدوية التي كانت برسغه وخاتمه الذهبي من إصبعه كما استولى على ما معه من نقود وأوراق ثم استكان جانباً بالمخبز مطمئناً إلى أن أحداً لن يشتبه في أمره لأنه من عماله وعليه واجب الحضور ليلاً للعمل ولكن الحياة دبت في المجني عليه مرة أخرى فتحرك إلى داخل المخبز يستغيث بالعمال الذين يبيتون به وهو يسير مترنحاً ولم يتوقع المتهم أن يطول بالمجني عليه الأمر بعد أن بهت لعودة المجني عليه إلى وعيه بعد أن كان الحادث قد نال من المجني عليه حتى أنه لم يستطع حراكاً إلا أن المجني عليه تمكن من الوصول إلى داخل المخبز ومال بجسده الثقيل على الطوايل الخشبية المعدة لوضع العجين فتساقطت في دوي أيقظ العاملين ثابت حسين سيد وشعبان أحمد صالح اللذين فوجئا بوجود المجني عليه غارقاً في دمائه وهو يتمتم – محسن – محسن وكان هذا الأخير – المتهم – واقفاً في مكانه وما أن سمع المجني عليه يلفظ اسمه حتى انهارت مقاومته فخرج من المخبز هارباً فتبعه العاملان إلا أنه تمكن من الفرار فعادا إلى المخبز ليجدا المجني عليه صريعاً فأبلغا الإسعاف بالأمر فحمل رجاله المجني عليه إلى المستشفى حيث توفى متأثراً بجراحه وقد أخفى القاتل بعض ما سرقه لدى شقيقه المتهم الثاني جمعه فرغلي هريدي." وقد أورد الحكم على ثبوت هذه الواقعة في حق الطاعنين أدلة مستمدة من أقوال ثابت حسين سيد وشعبان أحمد صالح وعبد السلام حسين سيد ومن ضبط الطاعن الأول ملوثاً بالدماء وما جاء بتقرير الصفة التشريحية ومحضر ضبط الطاعن الثاني. لما كان ذلك وكان لمحكمة الموضوع أن تكون عقيدتها مما تطمئن إليه من أدلة وعناصر في الدعوى وليس في القانون ما يمنع المحكمة من الأخذ برواية ينقلها شخص عن آخر متى رأت أن تلك الأقوال قد صدرت منه حقيقة وكانت تمثل الواقع في الدعوى وكان لا يشترط أن تكون الأدلة التي اعتمد عليها الحكم ينبئ كل دليل منها ويقطع في كل جزئية من جزئيات الدعوى إذ الأدلة في المواد الجنائية متساندة يكمل بعضها بعضاً ومنها مجتمعة تتكون عقيدة المحكمة فلا ينظر إلى دليل بعينه لمناقشته على حدة دون باقي الأدلة بل يكفي أن تكون الأدلة في مجموعها كوحدة مؤدية إلى ما قصده الحكم منها ومنتجة في اكتمال اقتناع المحكمة واطمئنانها إلى ما انتهت إليه وكانت الأدلة التي أوردها الحكم سائغة ومن شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه عليها. لما كان ذلك وكان يبين من الرجوع إلى محضر جلسة المحاكمة أن المحكمة استمعت إلى أقوال شهود الإثبات الخمسة وهم حمادة سيد ومحمد علي محمد وثابت حسن سيد وشعبان أحمد صالح وعبد السلام حسين سيد ولم يدع أحد منهم بوقوع إكراه عليه سوى الشاهدين الأول والثاني ولا تثريب على المحكمة إن هي التفتت عن الدفع ببطلان الدليل المستمد من أقوالهما طالما أنها لم تعتمد عليه في تكوين عقيدتها بالإدانة بل اكتفت بأقوال الشهود الثلاثة الآخرين الذين لم يتنصلوا من شهادتهم أو يدعوا بوقوع إكراه عليهم. لما كان ذلك وكان الحكم قد أثبت نقلاً عن تقرير الصفة التشريحية وتقرير الفحص أن المجني عليه كان يمكنه أن يتكلم بتعقل عقب الاعتداء عليه وأن الطاعن الأول بلغ السادسة عشرة من عمره كما يبين ذلك من درجة نموه وصور الأشعة وكان لم يتقدم إلى المحكمة بمستخرج رسمي يثبت حقيقة سنه ولم يدع بوجوده وكان له مع ذلك إذا كان قد تبين له بعد الحكم عليه أن سنه دون ذلك أن يتبع ما نص عليه في المادة 362 من قانون الإجراءات الجنائية. ثم أثبت الحكم أن به سحجات ظفرية من تماسك قد تعاصر وقت الحادث وأن السكين والمطواة لم يثبت أن بهما دم آدمي أما ساعة اليد التي ضبطت بمنزل الطاعن الثاني مع أوراق الدعوى فقد عثر بها على دماء آدمية وإن لم تكف لفحص الفصائل وأن جلباب الطاعن الأول وفانلته وصديريه قد عثر بها جميعاً على دماء آدمية وإن لم تكف لبحث الفصائل بالنسبة إلى الفانلة والصديري أما الجلباب الخارجي فقد ثبت من فحص ما به من دماء وكذلك فحص دماء القتيل أنها كلها خالية من أجلونتين وبذلك تكون فصيلة الدماء واحدة هي O أو أن تكون العينة لكل منهما قد فسدت وأنه من الجائز أن تكون الدماء العالقة بهذا الجلباب هي من دماء القتيل وكان يبين من المفردات المنضمة أن ما أثبته الحكم له أصله الثابت في الأوراق. ولما كان لمحكمة الموضوع كامل الحرية في تقدير القوة التدليلية لتقرير الخبير المقدم إليها وكانت المحكمة قد اطمأنت إلى ما أثبته التقرير الطبي الشرعي المقدم في الدعوى من أن المجني عليه كان في قدرته التكلم بتعقل عقب إصابته ورأت التعويل عليه فإن هذا يكفي في الرد على منازعة الطاعنين في هذا الشأن ولا يقبل منهما من بعد النعي عليه أنها قعدت عن تحقيق هذا الدفاع من طريق كبير الأطباء الشرعيين طالما أنهما لم يطلبا منها استطلاع رأيه ولم تر هي من جانبها محلاً لاتخاذ هذا الإجراء اكتفاء منها بما أثبته الخبير في تقريره المطروح ضمن عناصر الدعوى وما دامت المحكمة قد قررت بغير معقب عليها في ذلك صلاحية الدعوى للفصل فيها بحالتها. لما كان ذلك وكان الدفع بتلفيق التهمة هو من أوجه الدفاع الموضوعية التي لا تستوجب في الأصل رداً صريحاً كما أن المحكمة لا تلتزم بمتابعة المتهم في مناحي دفاعه المختلفة والرد عليها على استقلال طالما أن الرد يستفاد دلالة من أدلة الثبوت التي أوردها الحكم. لما كان ذلك وكان الحكم بعد أن دلل على ثبوت التهمة في حق الطاعن الأول تدليلاً سائغاً وأثبت عليه أنه هو وحده الذي قتل المجني عليه بقصد سرقة ماله وساعة يده وخاتمه وأنه أخفى الساعة وأوراق القتيل لدى شقيقه الطاعن الثاني عرض لموقف باقي المتهمين في الدعوى ومن بينهم الطاعن الثاني فقضي ببراءتهم من جناية القتل العمد المقترنة بجناية السرقة بالإكراه التي كانت مسندة إليهم جميعاً بوصفهم فاعلين أصليين فيها وذلك في قوله "وحيث إنه بالنسبة لما نسب لباقي المتهمين من اشتراكهم في هذا الاعتداء فإن المحكمة ترى فيه أنه غير ثابت في الدعوى بدليل أن شهود المخبز لم يروا أحداً منهم وأن شهادة محمد علي محمد التي ذهب فيها إلى رؤية المتهمين جميعاً ثلاثة منهم داخل المخبز واثنين خارجه وقت الحادث قد عدل عنها بجلسة اليوم وهذا العدول هو القول الحق ذلك أنه يتفق وما قرره عمال المخبز من عدم رؤيتهم لأي من المتهمين سوى الأول منهم ولأن الشاهد ثابت حسين سيد قطع بالتحقيق بأن جميع المحلات التي بالشارع الذي يقع به المخبز كانت قد أغفلت أبوابها وقت الحادث وبذلك يكون هذا الشاهد الذي ادعى الرؤية من محله المواجه للمخبز غير صحيحة ويكون عدوله عنها سليماً وبالتالي تكون الأوراق خالية من دليل قبل باقي المتهمين على تدخلهم في هذا الحادث. أما ضبط السكين والمطواة بمنزل جمعه فرغلي فلم يثبت أن بها دماء آدمية كما لم يثبت أنها هي بذاتها المستعملة في الحادث" ثم انتهى الحكم إلى إدانة الطاعن الثاني بجناية إخفاء أشياء متحصلة من جناية سرقة بالإكراه مع علمه بذلك في قوله "وحيث إنه عن الساعة الخاصة بالقتيل والتي تعرفت عليها زوجه وضبطت فجأة بمنزل المتهم جمعة فرغلي هريدي وهي ملوثة بالدماء ومعها بعض أوراق المجني عليه وفي أعقاب الحادث فإنه قاطع الدلالة على إخفاء المتهم لهذه الأشياء وهو يعلم بأنها متحصلة من جريمة سرقة بالإكراه انتهت بقتل المجني عليه خاصة والمتهم شقيق القاتل السارق وقد حرص على إخفاء هذه الأشياء بمنزله الذي احتفظ بمفتاحه وإن تغيب عنه. وقد شهد النقيب محروس أبو غريب بالتحقيقات مع الشرطي علي فاضل فراج بأن المتهم فتح باب الحجرة بمفتاح يحتفظ به وعثر على منديل أسفل دولاب بداخله ساعة القتيل وثلاث ورقات من أوراق القتيل الخاصة لأنها موجهة إليه باسمه في 12/ 7/ 1962 ولم يعلل المتهم سبب احتفاظه بها وأنه أقر في التحقيق ضبطها على الوجه سالف الذكر وتأخذ المحكمة من كل ذلك علمه والقاتل السارق شقيقه أن الساعة والأوراق متحصلة من جريمة سرقة بالإكراه فمن ثم حقت عليه عقوبتها". وعرض الحكم في ختامه لواقعة ضبط المتهم الثالث عبد المعز عبد اللاه محمد محرزاً لخاتم القتيل بقوله "وحيث إنه عن ضبط خاتم القتيل مع المتهم عبد المعز عبد اللاه محمد فإن المحكمة لا تجد ما يشير إلى علمه بأنه مسروق ولم يقم بالأوراق ما يدل على ذلك أو على اشتراكه في الحادث ومن ثم تطرح الاتهام الموجه إليه في هذا الصدد" ولما كان من المقرر أن تقدير الأدلة بالنسبة إلى كل متهم هو من اختصاص محكمة الموضوع وحدها وهي حرة في تكوين اعتقادها حسب تقديرها لتلك الأدلة واطمئنانها إليها بالنسبة إلى متهم وعدم اطمئنانها بالنسبة إلى ذات الأدلة بالنسبة إلى متهم آخر كما أن لها أن تزن أقوال الشهود فتأخذ منها بما تطمئن إليه في حق أحد المتهمين وتطرح ما لا تطمئن إليه منها في حق متهم آخر دون أن يكون هذا تناقضاً يعيب حكمها ما دام يصح في العقل أن يكون الشاهد صادقاً في ناحية من أقواله وغير صادق في شطر منها وما دام تقدير الدليل موكولاً إلى اقتناعها وحدها وكان الحكم قد دلل تدليلاً سائغاً على علم الطاعن الثاني بأن الأشياء التي ضبطت بمسكنه متحصلة من جناية سرقة بالإكراه قارفها شقيقه وكان قضاء الحكم ببراءة المتهم الثالث عبد المعز عبد اللاه محمد من تهمة إخفاء الخاتم المسروق لعدم اقتناع المحكمة بكفاية الأدلة قبله وثبوت علمه بأن هذا الخاتم متحصل من جريمة سرقة لا يتعارض مع قضاء الحكم بإدانة الطاعن الثاني بجريمة إخفاء ساعة القتيل وأوراقه التي ضبطت بمسكنه. كما أن قضاء الحكم ببراءة باقي المتهمين في الدعوى ومن بينهم الطاعن الثاني من جناية القتل العمد المقترنة بجناية السرقة بالإكراه التي كانت مسندة إليهم اعتداداً منها بعدول شاهد الإثبات عليهم عن أقواله الأولى في التحقيقات لا يتناقض بدوره مع ما انتهى إليه الحكم من إدانة الطاعن الأول بهذه الجناية لما ثبت لدى المحكمة أنه هو وحده دون غيره الذي قارفها وكان الثابت بمحضر جلسة المحاكمة أن شهود الإثبات الثلاثة الذين اعتمد الحكم على أقوالهم في إدانته لم يعدلوا عن أقوالهم الأولى على نحو ما يدعيه الطاعن في طعنه. لما كان ذلك وكان ما يثيره الطاعن الثاني من أن الحكم اعتمد في إدانته على ضبط السكين والمطواة ملوثتين بالدماء في مسكنه بينما أطرح هذا الدليل بالنسبة إلى باقي المتهمين هو نعي غير صحيح ذلك بأن الحكم قد أثبت أن السكين والمطواة المضبوطتين لدى هذا الطاعن لم يعثر بهما على دماء ولم يثبت استعمالهما في الحادث ولم يستند إلى هذا الواقعة في إدانته. لما كان ما تقدم فإن الطعن يكون على غير أساس وهو لا يعدو أن يكون جدلاً موضوعياً في تقدير الأدلة في الدعوى مما لا يجوز إثارته لدى محكمة النقض ويتعين لذلك رفض الطعن موضوعاً.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات