الطعن رقم 615 لسنة 38 ق – جلسة 06 /05 /1968
أحكام النقض – المكتب الفني – جنائي
العدد الثاني – السنة 19 – صـ 536
جلسة 6 من مايو سنة 1968
برياسة السيد المستشار/ محمد صبري، وعضوية السادة المستشارين: عبد المنعم حمزاوي، ونصر الدين عزام، ومحمد أبو الفضل حفني، وأنور أحمد خلف.
الطعن رقم 615 لسنة 38 القضائية
(أ، ب، ج، د، هـ، و، ز، ح، ط، ي) تزوير. "تزوير المحررات الرسمية".
"التزوير المادي. الاصطناع". جريمة. "أركانها". قصد جنائي. حكم. "تسبيبه. تسبيب غير
معيب".
( أ ) الاصطناع. ماهيته؟ هو إنشاء محرر بكامل أجزائه على غرار أصل موجود أو خلق محرر
على غير مثال سابق ما دام المحرر في أي من الحالين متضمناً لواقعة تترتب عليها آثار
قانونية وصالحاً لأن يحتج به في إثباتها. (ب) متى يعتبر المحرر رسمياً؟
(ج) يستمد الموظف اختصاصه بتحرير الورقة الرسمية من القوانين واللوائح ومن أوامر رؤسائه
أو من طلبات الجهات الرسمية الأخرى.
(د) صدور الورقة فعلاً من الموظف المختص بتحريرها ليس شرطاً في جريمة التزوير في الورقة
الرسمية. إعطاء الورقة المصطنعة شكل الأوراق الرسمية ومظهرها كاف لتحقيق الجريمة ولو
نسب صدورها كذباً إلى موظف عام للإيهام برسميتها.
(هـ) يستوي في التزوير المعاقب عليه أن يكون واضحاً لا يستلزم جهداً في كشفه أو متقناً
يتعذر على الغير أن يكشفه ما دام أن تغيير الحقيقة في كلا الحالين يجوز أن ينخدع به
بعض الناس.
(و) كون البطلان اللاحق بالمحرر بسبب عدم اختصاص من نسب إليه تحريره مما تفوت ملاحظته
على كثير من الناس. وجوب العقاب على التزوير في هذه الصورة.
(ز) القصد الجنائي في جريمة التزوير. متى يتحقق؟
(ح) التحدث صراحة واستقلالاً في الحكم عن توافر ركن القصد الجنائي في جريمة التزوير.
غير لازم.
(ط) تحدث الحكم صراحة عن ركن الضرر في جريمة التزوير. غير لازم.
(ي) الجريمة الظنية. ماهيتها؟
1 – الاصطناع باعتباره طريقاً من طرق التزوير المادي هو إنشاء محرر بكامل أجزائه على
غرار أصل موجود أو خلق محرر على غير مثال سابق ما دام المحرر في أي من الحالين متضمناً
لواقعة تترتب عليها آثار قانونية وصالحاً لأن يحتج به في إثباتها.
2 – يعتبر المحرر رسمياً في حكم المادتين 211 و213 من قانون العقوبات متى صدر من موظف
عام مختص بمقتضى وظيفته بتحريره أو التداخل في هذا التحرير. كما قد يستمد المحرر رسميته
من ظروف إنشائه أو من جهة مصدره أو بالنظر إلى البيانات التي تدرج به ولزوم تدخل الموظف
لإثباتها أو لإقرارها.
3 – لا يستمد الموظف اختصاصه بتحرير الورقة الرسمية من القوانين واللوائح فحسب، بل
يستمده كذلك من أوامر رؤسائه فيما لهم أن يكلفوه به أو من طلبات الجهات الرسمية الأخرى
التي تستلزم ممارسة اختصاصه الوظيفي تحقيقاً لهذه الطلبات.
4 – لا يشترط في جريمة التزوير في الورقة الرسمية أن تكون قد صدرت فعلاً من الموظف
المختص بتحريرها بل يكفي لتحقق الجريمة – وهو الشأن في حالة الاصطناع – أن تعطى الورقة
المصطنعة شكل الأوراق الرسمية ومظهرها ولو نسب صدورها كذباً إلى موظف عام للإيهام برسميتها.
ويكفي في هذا المقام أن تحتوي الورقة على ما يفيد تدخل الموظف في تحريرها بما يوهم
أنه هو الذي باشر إجراءاته في حدود اختصاصه.
5 – لا يلزم في التزوير المعاقب عليه أن يكون متقناً بحيث يستلزم لكشفه دراية خاصة،
بل يستوي أن يكون واضحاً لا يستلزم جهداً في كشفه أو متقناً يتعذر على الغير أن يكشفه،
ما دام أن تغيير الحقيقة في كلا الحالين يجوز أن ينخدع به بعض الناس.
6 – إذا كان البطلان اللاحق بالمحرر بسبب عدم اختصاص من نسب إليه تحريره مما تفوت ملاحظته
على كثير من الناس، فإن العقاب على التزوير واجب في هذه الصورة لأن مجرد الإخلال بالثقة
الملازمة للورقة الرسمية يترتب عليه ضرر، وتغيير الحقيقة فيها من شأنه أن يزعزع هذه
الثقة.
7 – يتحقق القصد الجنائي في جريمة التزوير متى تعمد الجاني تغيير الحقيقة في المحرر
مع انتواء استعماله في الغرض الذي من أجله غيرت الحقيقة فيه.
8 – لا يلزم التحدث صراحة واستقلالاً في الحكم عن توافر ركن القصد الجنائي في جريمة
التزوير ما دام قد أورد من الوقائع ما يشهد لقيامه.
9 – لا يشترط لصحة الحكم بالإدانة أن يتحدث صراحة عن ركن الضرر ما دام قيامه لازماً
عن طبيعة التزوير في المحرر الرسمي.
10 – الجريمة الظنية هي التي تنم عن تصور ساذج بحيث لا تقع الجريمة على التحقيق إلا
في وهم فاعلها دون أن يكون ثمة خطر على المجتمع أو ضرر من فعله.
الوقائع
اتهمت النيابة العامة الطاعن وآخر بأنهما في يوم 25 من سبتمبر سنة 1965 بدائرة قسم الخليفة محافظة القاهرة: المتهم الأول (أولاً) بصفته موظفاً عمومياً (كاتب بمصلحة الاستعلامات) ارتكب تزويراً في محرر رسمي هو بطاقة إثبات الشخصية الخاصة بوزارة الداخلية والمنسوب صدورها إلى مدير عام الشرطة وكان ذلك بطريق الاصطناع بأن أصطنع هذه البطاقة وأثبت بها أن المتهم الثاني يشغل وظيفة بلوكامين مباحث بالاستعلامات برئاسة الجمهورية برتبة رقيب ملكي وبصمها بخاتم مصلحة الاستعلامات، ووقع بإمضاء مزور نسبه زوراً إلى مدير عام الشرطة. (ثانياً) استحصل بغير حق على ختم مصلحة حكومية (مصلحة الاستعلامات) واستعمله استعمالاً ضاراً بمصلحة عامة على النحو السالف البيان. المتهم الثاني (أولاً) اشترك بطريق الاتفاق والمساعدة مع المتهم الأول في ارتكاب الجريمة موضوع التهمة الأولى بأن اتفق معه على اصطناع بطاقة إثبات الشخصية سالفة الذكر ووضع إمضاء مزوراً عليها وأعطاه صورته الشمسية لوضعها على البطاقة وختمها بخاتم مصلحة الاستعلامات فقام المتهم الأول باصطناع المحرر والتوقيع بإمضاء نسبه زوراً إلى مدير عام الشرطة وختم الصورة بخاتم مصلحة الاستعلامات فتمت الجريمة بناء على هذا الاتفاق وتلك المساعدة. (ثانياً) استعمل المحرر المزور سالف الذكر مع علمه بتزويره بأن قدمه إلى رمضان عبد المنعم قنديل المفتش بمؤسسة النقل العام بمدينة القاهرة. وطلبت إلى مستشار الإحالة إحالتهما إلى محكمة الجنايات لمعاقبتهما بالمواد 40/ 2 – 3 و41 و207 و211 و214 من قانون العقوبات. فقرر بذلك. ومحكمة جنايات القاهرة قضت حضورياً بتاريخ 29 يناير سنة 1968 عملاً بالمواد 40/ 2 – 3 و41 و211 و214 من قانون العقوبات مع تطبيق المواد 17 و55 و32/ 2 من القانون المذكور بمعاقبة كل من المتهمين بالحبس مع الشغل سنة واحدة وبعزل المتهم الأول من وظيفته مدة سنتين ومصادرة البطاقة المزورة وأمرت بإيقاف تنفيذ عقوبة الحبس لمدة ثلاث سنوات. فطعن المحكوم عليه في هذا الحكم بطريق النقض… إلخ.
المحكمة
حيث إن الطاعن ينعى على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانه بجريمة تزوير
بطاقة تزوير بطاقة إثبات الشخصية بوصفها محرراً رسمياً قد أخطأ في تطبيق القانون، ذلك
بأن الوظيفة المثبتة بالبطاقة وهي "بلوكامين" مباحث بالاستعلامات برئاسة الجمهورية
برتبة "رقيب ملكي" ليس لها وجود فعلي يتحقق بإثباته تغيير الحقيقة، كما أن مناط رسمية
المحرر هو إمكان صدوره عن موظف عام مزود على وجه التوقيت أو الدوام بتفويض من السلطة
العامة لتحريره والثابت أن البطاقة وإن كانت مصلحة الشرطة مختصة بإصدارها، فقد ألغى
هذا النظام، مما ينتفي معه شرط الوظيفة وشرط التفويض بإصدار البطاقة. ولما كان البيان
المثبت بالبطاقة وهمياً، فالجريمة على كافة الفروض الممكنة ظنية، لا تأثيم فيها، سواء
من جهة الفعل المادي أو من جهة القصد الجنائي نظراً لعدم صلاحية الفعل في ذاته، وبالنظر
إلى قصد فاعله، لإحداث النتيجة الإجرامية المطلوبة، فضلاً عن افتضاح التزوير لتنافر
البيانات الخاصة بمن صدرت باسمه البطاقة. ومن ثم فإن الحكم المطعون فيه يكون معيباً
بما يوجب نقضه.
وحيث إن الحكم المطعون فيه أثبت في مدوناته بياناً لواقعة الدعوى وتدليلاً عليها ما
محصله أن مفتشاً بقسم الرقابة بهيئة النقل العام أثناء قيامه بالتفتيش على تذاكر راكبي
السيارات العامة في يوم 25 من يناير سنة 1965 طلب من المتهم الثاني في الدعوى إبراز
تذكرته للاطلاع عليها، فقدم له بطاقة إثبات شخصية عبارة عن تصريح بالركوب منسوب صدوره
إلى وزارة الداخلية مثبت به أنه يعمل رقيباً بالمباحث باستعلامات رئاسة الجمهورية وممهور
بإمضاء منسوب إلى مدير الشرطة ومختوم بخاتم مصلحة الاستعلامات فاشتبه في أمره، وطالبه
بإبراز بطاقته العائلية فرفض، فاقتيد حيث أبرزها واتضح منها أنه يعمل ترزياً لا رقيباً
وإذ سئل عن مصدر البطاقة اعترف بأن – الطاعن – الموظف بمصلحة الاستعلامات هو الذي اصطنعها
لقاء جنيهين. وثبت من تقرير قسم أبحاث التزييف والتزوير أنها حررت بخط الطاعن ولم تصدر
من وزارة الداخلية وأنها مبصومة بخاتم صحيح لمصلحة الاستعلامات حصل عليه الطاعن بغير
حق واستعمله في تزوير البطاقة. وقد دلل الحكم على هذه الواقعة بما ينتجها من وجوه الأدلة.
لما كان ذلك، فإن الحكم المطعون فيه يكون قد بين واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر
القانونية لجريمة التزوير التي دين بها الطاعن، ذلك بأن الاصطناع باعتباره طريقاً من
طرق التزوير المادي هو إنشاء محرر بكامل أجزائه على غرار أصل موجود أو خلق محرر على
غير مثال سابق ما دام المحرر في أي من الحالين متضمناً لواقعة تترتب عليها آثار قانونية
وصالحاً لأن يحتج به في إثباتها. ويعتبر المحرر رسمياً في حكم المادتين 211 و213 من
قانون العقوبات متى صدر عن موظف عام مختص بمقتضى وظيفته بتحريره أو التداخل في هذا
التحرير، واختصاص الموظف بتحرير الورقة الرسمية لا يستمده من القوانين واللوائح فحسب،
بل يستمده كذلك من أوامر رؤسائه فيما لهم أن يكلفوه به، أو من طلبات الجهات الرسمية
الأخرى التي تستلزم ممارسة اختصاصه الوظيفي تحقيقاً لهذه الطلبات كما قد يستمد المحرر
رسميته من ظروف إنشائه أو من جهة مصدره أو بالنظر إلى البيانات التي تدرج به ولزوم
تدخل الموظف لإثباتها أو لإقرارها، ولا يشترط في جريمة التزوير في الورقة الرسمية أن
تكون قد صدرت فعلاً من الموظف المختص بتحريرها بل يكفي لتحقق الجريمة – وهو الشأن في
حالة الاصطناع – أن تعطى الورقة المصطنعة شكل الأوراق الرسمية ومظهرها ولو نسب صدورها
كذباً إلى موظف عام للإيهام برسميتها. ويكفي في هذا المقام أن تحتوي الورقة على ما
يفيد تدخل الموظف في تحريرها بما يوهم أنه هو الذي باشر إجراءاته في حدود اختصاصه.
ولا يلزم في التزوير المعاقب عليه أن يكون متقناً بحيث يستلزم لكشفه دراية خاصة، بل
يستوي أن يكون واضحاً لا يستلزم جهداً في كشفه أو متقناً يتعذر على الغير أن يكشفه،
ما دام أن تغيير الحقيقة في كلا الحالين يجوز أن ينخدع به بعض الناس، كما أنه إذا كان
البطلان اللاحق بالمحرر بسبب عدم اختصاص من نسب إليه تحريره مما تفوت ملاحظته على كثير
من الناس، فإن العقاب على التزوير واجب في هذه الصورة لأن مجرد الإخلال بالثقة الملازمة
للورقة الرسمية يترتب عليه ضرر، وتغيير الحقيقة فيها من شأنه أن يزعزع هذه الثقة. ويتحقق
القصد الجنائي في هذه الجريمة متى تعمد الجاني تغييراً الحقيقة في المحرر مع انتواء
استعماله في الغرض الذي من أجله غيرت الحقيقة فيه وليس أمراً لازماً التحدث صراحة واستقلالاً
في الحكم عن توافر هذا الركن ما دام قد أورد من الوقائع ما يشهد لقيامه. كما لا يشترط
لصحة الحكم بالإدانة أن يتحدث صراحة عن ركن الضرر ما دام قيامه لازماً عن طبيعة التزوير
في المحرر الرسمي. لما كان ما تقدم، وكان الحكم المطعون فيه قد التزم في قضائه هذه
الأنظار القانونية، فإنه يكون قد طبق القانون على واقعة الدعوى تطبيقاً صحيحاً، ولا
محل لافتراض فكرة الجريمة الظنية في هذا المقام، بالنظر إلى أن الجريمة الظنية هي التي
تنم عن تصور ساذج بحيث لا تقع الجريمة على التحقيق إلا في وهم فاعلها دون أن يكون ثمة
خطر على المجتمع أو ضرر من فعله وهو ما لا يستقيم مع اقترفه الطاعن حسبما تقدم بيانه.
لما كان ما تقدم فإن الطعن يكون على غير أساس متعين الرفض.
