الطعن رقم 373 لسنة 15 ق – جلسة 04 /12 /1971
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة السابعة عشرة – العدد الأول (من أول أكتوبر سنة 1971 إلى منتصف فبراير سنة 1972)
– صـ 57
جلسة 4 من ديسمبر سنة 1971
برئاسة السيد الأستاذ المستشار يوسف إبراهيم الشناوي رئيس المحكمة وعضوية السادة الأساتذة حسين عوض بريقي ومحمد صلاح الدين السعيد وعلي لبيب حسن وأحمد حسن العتيق المستشارين.
القضية رقم 373 لسنة 15 القضائية
اختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري – قرار إداري.
القرار الصادر من مصلحة التأمين بتجميد أموال إحدى الشركات في البنوك استيفاء لدين
رأت المصلحة أنه مستحق على الشركة لشركة أخرى خاضعة للحراسة – هو قرار إداري يختص القضاء
الإداري دون غيره بالفصل فيه – استجلاء حقيقة الدين موضوع هذا القرار بحث يتصل بركن
السبب – بيان ذلك.
إن مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري يختص دون غيره – وفقاً لحكم المادة الثامنة من قانون
مجلس الدولة – بالفصل في الطلبات التي يقدمها الأفراد والهيئات بإلغاء القرارات الإدارية
النهائية. والقرار الإداري النهائي الذي يختص القضاء الإداري، دون غيره، بمراقبة مشروعيته
تتوافر له مقومات وجوده بمجرد إفصاح الإدارة أثناء قيامها بوظائفها عن إرادتها الملزمة
بقصد إحداث أثر قانوني. وإذ أفصحت مصلحة التأمين، وهي من السلطات الإدارية في الدولة،
أثناء مباشرتها مهام وظيفتها في الإشراف والرقابة على هيئات التأمين إعمالاً لأحكام
القانون رقم 195 لسنة 1959 بإصدار قانون هيئات التأمين، بقرارها المطعون فيه، عن اتخاذ
إجراءات بتجنيب مبلغ 19949 جنيهاً من الأموال المستحقة للشركة المدعية باعتبار أنه
يمثل الوديعة التي أودعتها شركة لندن ولانكشير للتأمين لحساب الشركة المدعية وأنه بهذه
المثابة قد آل إلى الحكومة المصرية، فإن هذا التصرف الذي أفصحت عنه مصلحة التأمين –
وهو ليس من إجراءات الحجز الإداري في حكم القانون رقم 308 لسنة 1955 في شأن الحجز الإداري
والتي لا تعد من قبيل القرارات الإدارية – هذا التصرف له كل مقومات القرار الإداري
كتصرف إرادي متجه إلى إحداث أثر قانوني هو تحديد الديون المستحقة للحكومة قبل الغير
والتحفظ عليها وتحصيلها على وجه يحقق المصلحة العامة. وبهذا يتوافر للقرار المطعون
فيه مقومات القرار الإداري الذي يختص القضاء الإداري – دون غيره – بالفصل فيه واستظهار
مدى مشروعيته على هدى من بحث أركانه وشروط صحته.
ومتى تحقق للقرار المطعون فيه مقومات القرار الإداري فإنه لا ينحسر اختصاص القضاء الإداري
عن دعوى طلب إلغائه بدعوى أن المنازعة تدور حول وجود أو سداد الدين موضوع هذا القرار،
ذلك أن إجراء هذا البحث واستجلاء الرأي بشأن قيام هذا الدين، الذي حمل جهة الإدارة
على التدخل بإصدار قرارها، يتصل ببحث ركن السبب في القرار الإداري الذي تكاملت له مقوماته
وانعقد اختصاص الفصل فيه بحكم القانون للقضاء الإداري.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة تتحصل – حسبما يخلص من أوراق الطعن – في أن الشركة المدعية
(الطاعنة) أقامت الدعوى رقم 1439 لسنة 18 القضائية ضد السيدين وزير الاقتصاد ومدير
عام مصلحة التأمين بصفتيهما، بعريضة أودعت قلم كتاب محكمة القضاء الإداري في 19 من
سبتمبر سنة 1964 طلبت فيها "الحكم بإلغاء القرار الإداري الصادر من السيد مدير عام
مصلحة التأمين في 29 من يوليو سنة 1964 والقاضي بتجنيب مبلغ 19949 جنيهاً من أموال
شركة الميركانتيل والإفراج عن أموال هذه الشركة مع إلزام مصلحة التأمين بالمصروفات
ومقابل أتعاب المحاماة "وقالت الشركة بياناً لدعواها إن مركزها تورنتو بكندا، وكانت
تباشر أعمال التأمين في مصر، وقامت باتخاذ كافة الإجراءات التي يتطلبها القانون لتصفية
أعمالها بمصر وأخطرت مصلحة التأمين بهذه الإجراءات كما أودعت كافة المستندات المطلوبة
لتحرير أموالها المتمثلة في حساب إيداع ثابت لمدة سنة بملغ 16000 جنيه برقم 1009 على
ما جاء بكتاب بنك بور سعيد المؤرخ في 18 من سبتمبر سنة 1961، ومبلغ 4500 جنيه سندات
القرض الوطني 3.25% كالثابت بكتاب بنك الإسكندرية المؤرخ في 31 من ديسمبر سنة 1961
كما أنها دائنة للشركة المصرية لإعادة التأمين بمبلغ 10.837 على ما تضمنه كتاب الشركة
الأخيرة المؤرخ في 8 من أكتوبر سنة 1961. وقد رأت مصلحة التأمين أن هناك ديناً على
الشركة قدره 19949 جنيهاً لشركة لندن ولانكشير للتأمين، وهذا الدين عبارة عن مبلغ الوديعة
الثابتة الذي أودعته الشركة المذكورة لحساب الشركة المدعية عندما بدأت هذه الأخيرة
في مباشرة أعمالها في مصر، ولذلك فقد رأت مصلحة التأمين تجنيب هذا المبلغ لحساب شركة
لندن ولانكشير والإفراج عن باقي أموال الشركة المدعية ونعت الشركة على هذا القرار مخالفته
القانون، إذ جمد أموالها دون حكم من القضاء خاصة وأنها قد قدمت الدليل على أن هذا المال
مملوك لها، وأضافت أنه إذا كان ثمة دين لصالح شركة لندن ولانكشير عليها فإن للشركة
الأولى أن تلجأ إلى القضاء في شأنه، وخلصت إلى أن القرار الإداري المطعون فيه والحالة
هذه مخالف للقانون متعين الإلغاء.
وطلبت الحكومة "الحكم أصلياً بعدم اختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري بنظر الدعوى
واحتياطياً في موضوع الدعوى برفضها مع إلزام الشركة المدعية في الحالتين بمصروفات الدعوى
ومقابل أتعاب المحاماة". وقالت الحكومة أن الشركة المدعية سجلت في سجل التأمينات سنة
1942 وباشرت أعمال التأمين حتى مارس سنة 1960 حيث توقفت عن مباشرتها نشاطها تمهيداً
لتصفيتها.
وأضافت الحكومة في دفاعها أن الشركة لندن ولانكشير للتأمين (فرع مصر) كانت قد أودعت
بالبنك الأهلي منذ سنة 1946 مبلغ عشرين ألف جنيه من أموالها الموجودة في مصر لحساب
الشركة المدعية ضماناً لعمليات التأمين التي تقوم بها هذه الشركة الأخيرة إعمالاً لحكم
المادتين 21، 22 من القانون رقم 156 لسنة 1950 بالإشراف والرقابة على هيئات التأمين
وتكوين الأموال الذي حل محله القانون رقم 195 لسنة 1959 بإصدار قانون هيئات التأمين،
وظلت هذه الوديعة تجدد سنوياً إلى تاريخ مطالبة الشركة المدعية بتصفية أموالها في مصر
والإفراج عنها لتحويلها إلى كندا. ولما كان الأمر كذلك ولم يقم دليل على تسوية هذه
الوديعة بين المركزين الرئيسيين للشركتين بالخارج قبل وضع شركة لندن ولانكشير للتأمين
تحت الحراسة في أول نوفمبر سنة 1956 فإنه يحق للحكومة المصرية عدم الإفراج عن صافي
هذا المبلغ وقدره 1949 جنيهاً لأنه يكون قد دخل ضمن مبلغ التعويض البالغ 27.5 مليون
جنيه الذي التزمت حكومة مصر بسداده مقابل شراء أو تمصير أموال الرعايا البريطانيين
بمصر على ما تضمنته الاتفاقية المبرمة في 28 من فبراير سنة 1959 بين حكومة مصر وحكومة
المملكة المتحدة بشأن العلاقات المالية والتجارية والأملاك البريطانية في مصر. وبناء
على ذلك أصدر مدير عام مصلحة التأمين المنوط به بمقتضى القرار الوزاري رقم 115 لسنة
1957 تصفية هيئات التأمين البريطانية والفرنسية والاسترالية القرار المطعون فيه. وبهذه
المثابة فإن هذا القرار لا يخرج عن كونه إجراء اتخذه مدير عام مصلحة التأمين بصفته
دائناً للشركة المدعية وهو دين مدني تدخل المنازعة بشأنه في اختصاص القضاء العادي ولا
يختص بها القضاء الإداري.
وبجلسة 14 من ديسمبر سنة 1968 وقضت المحكمة "بعدم اختصاص القضاء الإداري بنظر الدعوى
وألزمت الشركة المدعية بالمصروفات" وأقامت قضاءها بعد أن انتهت إلى أن القرار المطعون
فيه لا يتجرد من طبيعته كقرار إداري، على أن الشركة المدعية تذهب إلى أن الدين المذكور
قد تمت تسويته بينها وبين شركة لندن ولانكشير للتأمين وبذلك تكون قد برئت ذمتها منه،
وما دام هذا هو جوهر دعوى المديونية فإن النزاع القائم حول هذا الدين وجوده أو سداده
يعتبر نزاعاً مديناً بحتاً يخرج عن اختصاص القضاء الإداري بحثه.
ومن حيث إن الطعن يقوم على أن السيد مدير عام مصلحة التأمين أصدر قراره المطعون فيه
بتجميد أموال الشركة المدعية (الطاعنة) في البنوك استيفاء لدين رأي سيادة أنه مستحق
لشركة لندن ولانكشير للتأمين، وقد أبلغ هذا القرار إلى البنوك التي عملت به وأصبح من
المستحيل سحب أي مبلغ من المبالغ المودعة بها وباسم الشركة المدعية، وبهذه المثابة
يكون القرار المطعون فيه قراراً إدارياً يختص القضاء الإداري بالفصل في مدى مشروعيته،
ويكون الحكم المطعون فيه قد خالف حكم القانون إذ قضى بعدم اختصاص القضاء الإداري بنظر
الدعوى. وذهب الطعن إلى عدم مديونية الشركة المدعية لشركة لندن ولانكشير للتأمين بأي
مبلغ وأن هذا الدين المقول به لم يدخل ضمن عناصر التعويض التي دفعتها مصر لبريطانيا.
وانتهى الطعن إلى طلب "الحكم بإلغاء الحكم المطعون فيه والقاضي بعدم اختصاص القضاء
الإداري بالفصل في هذا الطعن والقضاء بإلغاء القرار الإداري المطعون فيه مع إلزام المطعون
ضدها بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة".
ومن حيث إن الثابت من استظهار الأوراق أن الشركة المدعية ومركزها الرئيسي بكندا كانت
تباشر أعمال التأمين في مصر وتوقفت اعتباراً من أول مارس سنة 1960 عن ممارسة نشاطها،
وتولى ممثلها اتخاذ إجراءات تصفية أعمالها في مصر وتحرير أموالها، وقد تلقى ممثل هذه
الشركة كتاب السيد/ مدير عام مصلحة التأمين المؤرخ في 29 من يوليه سنة 1964 متضمناً
"أنه تبين من فحص المستندات التي تقوم بها أنها لا تنهض دليلاً على إثبات سداد المطالبة
المستحقة لشركة لندن ولانكشير للتأمين والبالغ قيمتها 19949 جنيهاً قبل أول نوفمبر
سنة 1956 (تاريخ وضع هذه الشركة تحت الحراسة) وعلى هذا فإن المصلحة سوف تقوم باتخاذ
الإجراءات اللازمة نحو تجنيب هذا المبلغ من أموال شركة الميركانتيل للتأمين ثم الإفراج
عن الأموال المتبقية إن وجدت". وكان سند مصلحة التأمين في ذلك أن هذا المبلغ يمثل قيمة
الوديعة التي أودعتها شركة لندن ولانكشير للتأمين البريطانية الجنسية لحساب الشركة
المدعية، وقد آلت هذه الوديعة إلى المحكومة المصرية بالتطبيق لأحكام الاتفاقية المبرمة
في 28 من فبراير سنة 1959 بين الحكومة المصرية وحكومة المملكة المتحدة في شأن العلاقات
المالية والتجارية والأملاك البريطانية في مصر، والتي التزمت الحكومة المصرية بموجبها
بأداء مبلغ 27.5 مليون جنيه مقابل شراء أو تمصير أموال الرعايا البريطانيين في مصر،
وشمل المبلغ المذكور تعويض شركة لندن ولانكشير التي فرضت عليها الحراسة في نوفمبر سنة
1956. وقد التجأت الشركة المدعية إلى القضاء الإداري طالبة إلغاء قرار السيد/ مدير
عام مصلحة التأمين سالف الذكر وأصدرت المحكمة قضاءها بعدم اختصاصها بنظر الدعوى على
الوجه سالف البيان.
إن مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري يختص دون غيره – وفقاً لحكم المادة الثامنة من قانون
مجلس الدولة – بالفصل في الطلبات التي يقدمها الأفراد والهيئات بإلغاء القرارات الإدارية
النهائية. والقرار الإداري النهائي الذي يختص القضاء الإداري، دون غيره، بمراقبة مشروعيته
تتوافر له مقومات وجوده بمجرد إفصاح الإدارة أثناء قيامها بوظائفها عن إرادتها الملزمة
بقصد إحداث أثر قانوني. وإذ أفصحت مصلحة التأمين، وهي من السلطات الإدارية في الدولة،
أثناء مباشرتها مهام وظيفتها في الإشراف والرقابة على هيئات التأمين إعمالاً لأحكام
القانون رقم 195 لسنة 1959 بإصدار قانون هيئات التأمين، بقرارها المطعون فيه، عن اتخاذ
إجراءات تجنيب مبلغ 19949 جنيهاً من الأموال المستحقة للشركة المدعية باعتبار أنه يمثل
الوديعة التي أودعتها شركة لندن ولانكشير للتأمين لحساب الشركة المدعية وأنه بهذه المثابة
قد آل إلى الحكومة المصرية، فإن هذا التصرف الذي أفصحت عنه مصلحة التأمين – وهو ليس
من إجراءات الحجز الإداري في حكم القانون رقم 308 لسنة 1955 في شأن الحجز الإداري والتي
لا تعد من قبيل القرارات الإدارية – هذا التصرف له كل مقومات القرار الإداري كتصرف
إرادي متجه إلى إحداث أثر قانوني هو تحديد الديون المستحقة للحكومة قبل الغير والتحفظ
عليها المستحق وتحصيلها على وجه يحقق المصلحة العامة. وبهذا يتوافر للقرار المطعون
فيه مقومات القرار الإداري الذي يختص القضاء الإداري – دون غيره – بالفصل فيه واستظهار
مدى مشروعيته على هدى من بحث أركانه وشروط صحته.
ومن حيث إنه متى تحقق للقرار المطعون فيه مقومات القرار الإداري، فإنه لا ينحسر اختصاص
القضاء الإداري عن دعوى طلب إلغائه بدعوى أن المنازعة تدور حول وجود أو سداد الدين
موضوع هذا القرار، ذلك أن إجراء هذا البحث واستجلاء الرأي بشأن قيام هذا الدين، الذي
حمل جهة الإداري على التدخل بإصدار قرارها، يتصل بركن السبب في القرار الإداري الذي
تكاملت له مقوماته وانعقد اختصاص الفصل فيه بحكم القانون للقضاء الإداري. وكان حرياً
والأمر كذلك بالحكم المطعون فيه – خاصة وقد انتهى إلى عدم تجرد القرار المطعون فيه
من طبيعة القرار الإداري – أن يقضي باختصاص القضاء الإداري بالفصل في هذا القرار ويتصدى
لبحث موضوعه مبيناً ما إذا كان قد وقع مخالفاً للقانون أو غير مخالف له.
ومن حيث إن محكمة القضاء الإداري وقد ذهبت غير هذا المذهب وقضت بعدم اختصاص القضاء
الإداري بنظر الدعوى، فإنها تكون قد خالفت حكم القانون، ويتعين من ثم القضاء بإلغاء
حكمها والحكم باختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء الإداري بنظر الدعوى، وبإعادة الدعوى
إلى محكمة القضاء الإداري للفصل في موضوعها مع إلزام وزارة الاقتصاد بالمصروفات.
"فلهذه الأسباب"
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه وباختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري بنظر الدعوى، وبإعادة الدعوى إلى محكمة القضاء الإداري للفصل في موضوعها وألزمت المطعون ضدها بالمصروفات.
