الطعن رقم 808 لسنة 36 ق – جلسة 09 /05 /1966
أحكام النقض – المكتب الفني – جنائي
العدد الثاني – السنة 17 – صـ 586
جلسة 9 من مايو سنة 1966
برياسة السيد المستشار/ توفيق أحمد الخشن نائب رئيس المحكمة، وبحضور السادة المستشارين: مختار رضوان، ومحمد محمد محفوظ، وحسين سامح، ومحمود عباس العمراوي.
الطعن رقم 808 لسنة 36 القضائية
( أ ) عقوبة. أسباب الإباحة. "الدفاع الشرعي". ظروف مخففة.
لا ارتباط بين تطبيق كل من المادتين 17 و251 عقوبات. كل ما تقتضيه المادة 251 هو ألا
تبلغ العقوبة الموقعة الحد الأقصى المقرر للجريمة. للمحكمة توقيع العقوبة التي تراها
مناسبة نازلة بها في الحد المقرر بالمادة 17. لها إذا ما رأت أن التجاوز كان في ظروف
تقتضي النزول بالعقوبة إلى ما دون هذا الحد – أن تعد المتهم معذوراً طبقاً للمادة 251
المذكورة وتوقع عليه عقوبة الحبس لمدة يجوز أن تصل إلى الحد الأدنى.
اعتبار المحكمة الطاعن متجاوزاً حدود الدفاع الشرعي وإعمالها في حقه المادة 251 عقوبات.
تزيدها بإضافة المادة 17 عقوبات. ليس للطاعن التحدي بالظروف المخففة التي تنص عليها
تلك المادة.
(ب) تحقيق. "إجراءاته". نيابة عامة.
النص الوارد بمجموعة الأوامر العسكرية الذي يقضى بلزوم حضور مندوب من البوليس الحربي
عند القبض أو التحقيق أو التفتيش الذي تباشره السلطات المدنية مع رجال الجيش لا يخاطب
النيابة العامة ولا يقيد حقها في مباشرة سلطاتها.
(ج) وصف التهمة. قتل عمد. ضرب أفضى إلى الموت.
تعديل المحكمة وصف التهمة من قتل عمد إلى ضرب أفضى إلى الموت دون تنبيه المتهم أو المدافع
عنه. لا إخلال بحق الدفاع.
(د) أسباب الإباحة. "الدفاع الشرعي". محكمة الموضوع.
الدفاع الشرعي: هو استعمال القوة اللازمة لرد الاعتداء. تقدير التناسب بين القوة وبين
الاعتداء. موضوعي.
(هـ) دفاع. "الإخلال بحق الدفاع. ما لا يوفره".
إغفال الحكم التعرض لدفع قانوني ظاهر البطلان. لا يعيبه.
1 – لا ارتباط بين تطبيق المادة 17 من قانون العقوبات الخاصة بالظروف المخففة وبين
المادة 251 الخاصة بالعذر القانوني المتعلق بتجاوز حدود الدفاع الشرعي – وكل ما تقتضيه
المادة 251 هو ألا تبلغ العقوبة الموقعة الحد الأقصى المقرر للجريمة التي وقعت وفي
حدود هذا القيد يكون للمحكمة أن توقع العقوبة التي تراها مناسبة نازلة بها في الحد
المقرر بالمادة 17 عقوبات إلا إذا وجدت أن ذلك لا يسعفها نظراً لما استبانته من أن
التجاوز كان في ظروف تقتضي النزول بالعقوبة إلى ما دون هذا الحد فعندئذ فقط يكون عليها
أن تعد المتهم معذوراً طبقاً للمادة 251 المذكورة وتوقع عليه عقوبة الحبس لمدة يجوز
أن تصل إلى الحد الأدنى. ولما كانت المحكمة قد رأت اعتبار الطاعن متجاوزاً حدود الدفاع
الشرعي وأعملت في حقه المادة 251 من قانون العقوبات فإن ما تزيدت به من إضافة المادة
17 عقوبات يكون نافلة ولا جدوى للطاعن من التحدي بالظروف المخففة التي تنص عليها تلك
المادة.
2 – إن النص الوارد بمجموعة الأوامر العسكرية لسنة 1957 والذي يقضي بأنه يلزم عند القبض
أو التحقيق أو التفتيش الذي تباشره السلطات المدنية مع رجال الجيش حضور مندوب من البوليس
الحربي في جميع الأحوال – لا يخاطب النيابة ولا يضفى أي قيد على حقها في مباشرة سلطاتها
التي لا يحكمها إلا قانون الإجراءات الجنائية – وهو لا يعدو أن يكون إجراءاً لتنظيم
كيفية التعاون بين السلطات المدنية والعسكرية في حالات التحقيق التي تباشرها السلطات
المدنية مع رجال الجيش.
3 – الأصل أن المحكمة لا تتقيد بالوصف القانوني الذي تسبغه النيابة العامة على الفعل
المسند إلى المتهم لأن هذا الوصف ليس نهائياً بطبيعته وليس من شأنه أن يمنع المحكمة
من تعديله متى رأت أن ترد الواقعة بعد تمحيصها إلى الوصف الذي ترى أنه الوصف القانوني
السليم وذلك بشرط أن تكون الواقعة المادية المبينة بأمر الإحالة والتي كانت مطروحة
بالجلسة هي بذاتها الواقعة التي اتخذتها المحكمة أساساً للوصف الجديد – ومتى كان مرد
التعديل الذي أجرته المحكمة هو عدم قيام الدليل على توافر نية القتل لدى الطاعن، فإن
الوصف الذي نزلت إليه في هذا النطاق حين اعتبرت الطاعن مرتكباً جريمة الضرب المفضي
إلى الموت لا جريمة القتل العمد – هذا التعديل لا يجافى المنطق السليم في شيء ولا يعطى
الطاعن حقاً في إثارة دعوى الإخلال بحق الدفاع إذ أن المحكمة لا تلتزم في مثل هذه الحالة
بتنبيه المتهم أو المدافع عنه إلى ما أجرته من تعديل في الوصف نتيجة استبعاد أحد العناصر
للجريمة التي رفعت بها الدعوى.
4 – الدفاع الشرعي هو استعمال القوة اللازمة لرد الاعتداء، وتقدير التناسب بين تلك
القوة وبين الاعتداء الذي يهدد المدافع أمر موضوعي تفصل فيه محكمة الموضوع بحسب الوقائع
المعروضة عليها متى بنت قضاءها في ذلك على أسباب سائغة.
5 – الدفع القانوني الظاهر البطلان لا يستحق رداً خاصاً، ولا يعيب الحكم إغفال التعرض
له.
الوقائع
اتهمت النيابة العامة الطاعن بأنه في يوم 21/ 8/ 1963 بدائرة قسم مصر الجديدة محافظة القاهرة: قتل جلال مصطفى فهمي عمداً بأن أطلق عليه عدة أعيرة نارية من مسدس كان يحمله قاصداً قتله فأحدث به الإصابات الموصوفة بتقرير الصفة التشريحية والتي أودت بحياته وقد اقترنت هذه الجناية بجناية أخرى هي أنه في الزمان والمكان السالفى الذكر شرع في قتل فتحي إبراهيم الشراكي وعلاء الدين عبد السلام الشراكي ومحمد حنفي محمود بأن أطلق عليهم عدة أعيرة نارية قاصداً قتلهم وخاب أثر الجريمة لسبب لا دخل لإرادته فيه هو عدم إحكام الرماية وطلبت إلى السيد مستشار الإحالة إحالته إلى محكمة الجنايات لمحاكمته بالمواد 45 و64 و234/ 1 من قانون العقوبات فقرر بذلك. وادعى مدنياً والد المجني عليه طالباً القضاء له بمبلغ 20.000 ج على سبيل التعويض قبل المتهم والسيد نائب القائد العام للقوات المسلحة والسيد وزير الحربية المسئولين عن الحقوق المدنية متضامنين. ومحكمة جنايات القاهرة قضت حضورياً بتاريخ 8 يناير سنة 1966 عملاً بالمادة 236 من قانون العقوبات مع تطبيق المادة 17 منه بمعاقبة المتهم بالحبس مع الشغل لمدة ثلاث سنوات وإلزامه بأن يدفع مع المسئولين بالحقوق المدنية (نائب القائد العام للقوات المسلحة ووزير الحربية) متضامنين مبلغ ألف وخمسمائة جنيه للمدعى بالحق المدني والمصروفات المدنية المناسبة ومبلغ عشرة جنيهات مقابل أتعاب المحاماة. وذلك على اعتبار أن المتهم في الزمان والمكان سالفي الذكر أطلق عمداً عيارين ناريين على المجني عليه ولم يقصد من ذلك قتله ولكن الإصابات أودت بحياته. فطعن المحكوم عليه في هذا الحكم بطريق النقض… الخ.
المحكمة
حيث إن مبنى الطعن هو أن الحكم المطعون فيه إذ دان الطاعن بجريمة
الضرب الذي أفضى إلى الموت قد شابه خطأ في تطبيق القانون وبطلان في الإجراءات وفساد
في الاستدلال وقصور في التسبيب وإخلال بحق الدفاع وخطأ في الإسناد ذلك أنه على الرغم
مما انتهت إليه المحكمة من أن الطاعن كان في حالة دفاع شرعي عن نفسه فإنها دانته وأخذته
على مقتضى تفكيرها الهادئ المطمئن دون مراعاة ظروفه الشخصية التي أحاطت به والتي يرجع
في تقديرها إليه وحده وانتهت في تدليل غير سائغ أنه تجاوز حقه في الدفاع وقسمت الاعتداء
إلى مراحل ثلاث دون أن يكون لهذا التقسيم أساس من المنطق ولم تفطن إلى أنه لم يكن هناك
أي عداء بين الطاعن وبين المجني عليه يحدوه إلى إطلاق النار عليه. وقد أقيمت الدعوى
الجنائية ضد الطاعن بوصف القتل العمد المقترن بجناية الشروع فيه بيد أن المحكمة دانته
بتهمة الضرب المفضي إلى الموت دون أن تلفت نظر الدفاع إلى هذا التعديل ومن جهة أخرى
فقد استبعدت جريمة الشروع في القتل اعتباراً بأن الطاعن إنما كان يقصد من إطلاق النار
مجرد الإرهاب فكان أولى بها أن تصرف ذلك إلى واقعة القتل أيضاً خاصة وأن الطاعن يجيد
تصويب الأسلحة النارية بحكم عمله وقد تمسك الدفاع بقيام التعارض بين الدليلين القولي
والفني إذ أن مؤدى أقوال الشهود أن الطاعن لم يطلق على المجني عليه سوى عيار واحد في
حين أن المثبت بتقرير الصفة التشريحية أنه أصيب في فمه ثم في ركبته مما يفيد تعدد الأعيرة
التي أصابته وعلى الرغم من أن هذا الدفاع جوهري فقد ردت عليه المحكمة رداً غير سائغ
استندت فيه إلى أن المجني عليه قد يكون مال بوجهه إلى أسفل وهو يجرى إلى السور فأصيبت
في فمه من العيار الذي أطلقه الطاعن في نفس اتجاه العيار الأول واعتمدت في ذلك على
أقوال الشاهد أحمد عامر السيد في حين أنه شهد بأن الطاعن لم يطلق سوى عيار واحد. كذلك
فإن الدفاع عن المسئول عن الحقوق المدنية كان قد دفع ببطلان التحقيقات عملاً بنص الفقرة
( أ ) من البند 15 من الباب الأول من الفصل الأول من مجموعة الأوامر العسكرية لسنة
1957 والتي تنص على أنه يلزم عند القبض أو التحقيق أو التفتيش الذي تباشره السلطات
المدينة مع رجال الجيش حضور مندوب من البوليس الحربي في جميع الحالات – إلا أن الحكم
خلا من التعقيب على هذا الدفاع مما يخل بحق الدفاع، ولو التفتت المحكمة إليه لتغير
وجه الرأي في الدعوى وعلى الرغم من أن المحكمة طبقت المادة 17 من قانون العقوبات فإنها
أوقعت على الطاعن أقصى عقوبة الحبس المنصوص عليها في المادة 251 من ذلك القانون دون
أن تنزل بها إلى الحد المنصوص عليه في المادة 17 – وكل ذلك مما يعيب الحكم ويوجب نقضه.
وحيث إن الحكم المطعون فيه حصل واقعة الدعوى في قوله: "إن الطاعن يسكن في الطابق الأرضي
في أحد المنازل بينما يسكن فتحي الشواكي أحد المجني عليهم في الطابق الثالث من ذات
المنزل وحدث في اليوم السابق على الحادث أن حصلت مشادة بينهما بسبب الأطفال نزل خلالها
فتحي الشواكى من مسكنه واشتبك في عراك مع الطاعن انتهى بحدوث إصابات بالأول الذي توجه
إلى قسم مصر الجديدة وحرر ضده محضر الجنحة رقم 5429 لسنة 1963 مصر الجديدة ورأى أن
يرد على هذا الاعتداء وتلك الإهانة التي لحقته من الطاعن أمام جميع الجيران فاستنجد
ببعض أقاربه وأصدقائه ومنهم المجني عليه ولما حضروا في مساء يوم الحادث ينوون إهانة
الطاعن وتأديبه والتعدي عليه تجمعوا في مدخل العمارة التي يقيم فيها وطرقوا باب مسكنه
وفاجأوه وهو يرتدى ملابسه الداخلية بتوجيه الشتائم له فتوهم أمام تجمعهم أن في الأمر
خطراً داهماً يهدده إن هم تمكنوا منه فأحضر مسدسه الحكومي وأطلق منه عدة أعيرة للإرهاب
وتمكن بذلك من إبعادهم إلى الطريق العام إلا أنهم إذ كانوا مستمرين في تبادل السباب
معه مهددين بالتعدي عليه أطلق صوبهم عدة أعيرة نارية متعمداً إصابتهم دون أن يقصد إزهاق
روح أحد منهم فأصاب المجني عليه في ركبته وفكه ورقبته فأحدث به الإصابات الموصوفة بتقرير
الصفة التشريحية والتي أودت بحياته". واستند الحكم في إدانة الطاعن إلى أقوال الشهود
والتقرير الطبي الشرعي وما ثبت من المعاينة.
وحيث إن الحكم المطعون فيه بعد أن حصل واقعة الدعوى على النحو المتقدم بما تتوافر به
جميع الأركان القانونية لجريمة الضرب المفضي إلى الموت التي انتهى إلى إدانة الطاعن
بها وأورد على ثبوتها في حقه أدلة سائغة من شأنها أن تؤدى إلى ما رتبه عليها ولها أصل
ثابت في الأوراق – عرض لما دفع به الطاعن من أنه كان في حالة دفاع شرعي عن النفس واستعرض
المبادئ القانونية للدفاع الشرعي وانتهى إلى أن الطاعن كان في حالة دفاع شرعي عن نفسه.
ثم تحدث عن جسامة الاعتداء الذي وقع من الطاعن في قوله: "وحيث إن استعمال حق الدفاع
الشرعي كما سبق القول يجب أن يتناسب مع جسامة الاعتداء وبعبارة أخرى يجب أن يكون بالقدر
اللازم لدفع الاعتداء وقد ثبت من التحقيقات ومن معاينة المحكمة لمحل الحادث أن إطلاق
النار من جانب المتهم تم على مراحل ثلاث: المرحلة الأولى – أمام باب شقته وقد تعمد
فيه إطلاق مسدسه لتهويش المعتدين على حد قول الشهود ولم يقصد إصابة أحد منهم فأصاب
الحائط ونجح في حملهم على التراجع للخلف. والمرحلة الثانية – أطلق فيها أعيرته بنوع
من الإرهاب دون قصد إصابة أحد وقد أصاب عامودا تحت الباب ونجح في حمل المعتدين على
التراجع حتى وقفوا أمام مدخل المنزل وكان بعضهم يحتمي بالسور والمجني عليه يقف بجوارهم
في الممر وأنه وإن كانت حالة الخطر والتهديد به لم تختف نهائياً من جانب فتحي الشواكى
وزملائه بدليل تجمعهم بجوار السور واستمرار شتائمهم للمتهم ودعوته للقدوم إليهم لمنازلته
إن كان رجلاً – إلا أن وسيلة الدفاع وقد تضاءلت جسامة الخطر كان يجب أن تقف عند حد
ما يسمح بمنع تجدد الهجوم وإيقافه – فإشهار المسدس دون إطلاقه كان يكفى لذلك وإطلاق
الأعيرة في الهواء للإرهاب كان يكفى حتماً لإيقاف المعتدين ولكن المتهم لم يكتف بذلك
بل وجه عياراته نحو المجني عليه الذي كان يقف في الممر فأصابه مرة في ركبته ومرة في
فمه..". ثم استطرد الحكم فنفى نية القتل عن الطاعن وخلص إلى أنه قد أصاب المجني عليه
عمداً ولم يكن يقصد قتله إلا أن إصابته أودت بحياته مما يتعين معه معاقبته طبقاً لنص
المادة 236 من قانون العقوبات…… وقال "إنه نظراً للظروف التي أحاطت بالمتهم والتي
رأت معها المحكمة أنه تجاوز حدود الدفاع الشرعي المنصوص عليها في المادة 251 من قانون
العقوبات تجاوزاً واضحاً وأكيداً فإنها ترى استعمال الرأفة معه إعمالاً للمادة 17 من
قانون العقوبات". لما كان ذلك، وكان من المقرر أن لمحكمة الموضوع أن تستخلص من أقوال
الشهود وسائر العناصر المطروحة أمامها الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى حسبما يؤدى إليه
اقتناعها وأن تطرح ما يخالفها من صور أخرى لم تقتنع بصحتها ما دام استخلاصها سائغاً
مستنداً إلى أدلة مقبولة ولها أصل في الأوراق – وكان ما استخلصته المحكمة من أن الاعتداء
على الطاعن وبالتالي ما قام به من أفعال الدفاع عن نفسه قد مر بمراحل ثلاث – ثابت من
أقوال الشهود والمعاينة التي أجرتها المحكمة وذلك على ما يبين من المفردات المضمومة
إلى ملف الطعن، وكان الدفاع الشرعي هو استعمال القوة اللازمة لرد الاعتداء، وتقدير
التناسب بين تلك القوة وبين الاعتداء الذي يهدد المدافع أمر موضوعي تفصل فيه محكمة
الموضوع بحسب الوقائع المعروضة عليها متى بنت قضاءها في ذلك على أسباب سائغة، وكان
الحكم قد وازن بين جسامة الاعتداء والقوة التي استعملها الطاعن في دفعه واستند في تقدير
تجاوزه حدود الدفاع الشرعي إلى أسباب سائغة مقبولة من شأنها أن تؤدى إلى النتيجة التي
انتهى إليها، فإنه لا يجوز الجدل في ذلك أمام محكمة النقض. لما كان ما تقدم، وكان الثابت
من أقوال الشاهد أحمد عامر السيد في تحقيق النيابة أن الطاعن أطلق عيارين على المجني
عليه وأنه أصيب وهو يجرى نحو السور كما ثبت من تقرير الصفة التشريحية أنه أصيب في فمه
وفي ركبته من عيارين – فإن قوله الخطأ في الإسناد والتناقض بين الدليل القولي والفني
تكون منتفية. لما كان ذلك، وكان الأصل أن المحكمة لا تتقيد بالوصف القانوني الذي تسبغه
النيابة العامة على الفعل المسند إلى المتهم لأن هذا الوصف ليس نهائياً بطبيعته وليس
من شأنه أن يمنع المحكمة من تعديله متى رأت أن ترد الواقعة بعد تمحيصها إلى الوصف الذي
ترى أنه الوصف القانوني السليم وذلك بشرط أن تكون الواقعة المادية المبينة بأمر الإحالة
والتي كانت مطروحة بالجلسة هي بذاتها الواقعة التي اتخذتها المحكمة أساساً للوصف الجديد
– ومتى كان مرد التعديل الذي أجرته المحكمة هو عدم قيام الدليل على توافر نية القتل
لدى الطاعن فإن الوصف الذي نزلت إليه في هذا النطاق حين اعتبرت الطاعن مرتكباً جريمة
الضرب المفضي إلى الموت لا جريمة القتل العمد – هذا التعديل لا يجافى المنطق السليم
في شيء ولا يعطى الطاعن حقاً في إثارة دعوى الإخلال بحق الدفاع إذ أن المحكمة لا تلتزم
في مثل هذه الحالة بتنبيه المتهم أو المدافع عنه إلى ما أجرته من تعديل في الوصف نتيجة
استبعاد أحد العناصر للجريمة التي رفعت بها الدعوى. لما كان ذلك، وكان نص الأمر العسكري
الذي تحدى به الطاعن لا يخاطب النيابة ولا يضفى أي قيد على حقها في مباشرة سلطاتها
التي لا يحكمها إلا قانون الإجراءات الجنائية – وهو لا يعدو أن يكون إجراء لتنظيم كيفية
التعاون بين السلطات المدنية والعسكرية في حالات التحقيق التي تباشرها السلطات المدنية
مع رجال الجيش وفضلاً عن أن الطاعن لم يتمسك بالدفع ببطلان إجراءات التحقيق على ما
يبين من محضر جلسة المحاكمة، فإن هذا الدفع لا يعدو أن يكون دفعاً قانونياً ظاهر البطلان
لا يستحق رداً خاصاً ولا يعيب الحكم إغفال التعرض له. لما كان ما تقدم، وكان لا ارتباط
بين تطبيق المادة 17 من قانون العقوبات الخاصة بالظروف المخففة وبين المادة 251 الخاصة
بالعذر القانوني المتعلق بتجاوز حدود الدفاع الشرعي وكل ما تقتضيه المادة 251 هو ألا
تبلغ العقوبة الموقعة الحد الأقصى المقرر للجريمة التي وقعت وفي حدود هذا القيد يكون
للمحكمة أن توقع العقوبة التي تراها مناسبة نازلة بها في الحد المقرر بالمادة 17 عقوبات
إلا إذا وجدت أن ذلك لا يسعفها نظراً لما استبانته من أن التجاوز كان في ظروف تقتضي
النزول بالعقوبة إلى ما دون هذا الحد فعندئذ فقط يكون عليها أن تعده معذوراً طبقاً
للمادة 251 المذكورة وتوقع عليه عقوبة الحبس لمدة يجوز أن تصل إلى الحد الأدنى. ولما
كانت المحكمة قد رأت اعتبار الطاعن متجاوزاً حدود الدفاع الشرعي وأعملت في حقه المادة
251 من قانون العقوبات فإن ما تزيدت به من إضافة المادة 17 عقوبات يكون نافلة ولا جدوى
للطاعن من التحدي بالظروف المخففة التي تنص عليها تلك المادة.
وحيث إنه لما تقدم يكون الطعن على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً.
