الطعن رقم 1906 لسنة 37 ق – جلسة 22 /01 /1968
أحكام النقض – المكتب الفني – جنائي
العدد الأول – السنة 19 – صـ 72
جلسة 22 من يناير سنة 1968
برياسة السيد المستشار/ مختار مصطفى رضوان نائب رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: محمد عبد المنعم حمزاوي، ونصر الدين عزام، ومحمد أبو الفضل حفني، وأنور أحمد خلف.
الطعن رقم 1906 لسنة 37 القضائية
(أ، ب) قوة الشيء المقضي. حكم. "حجيته".
( أ ) حجية الحكم. ورودها على المنطوق والأسباب المكملة له والمرتبطة به ارتباطاً وثيقاً
غير متجزئ.
(ب) اتحاد السبب في الدعويين كشرط للحجية. مقتضاه: أن تكون الواقعة التي يحاكم المتهم
عنها هي بعينها الواقعة التي كانت محلاً للحكم السابق.
1 – الأصل في الأحكام ألا ترد الحجية إلا على منطوقها ولا يمتد أثرها إلى الأسباب إلا
لما يكون مكملاً للمنطوق ومرتبطاً به ارتباطاً وثيقاً غير متجزئ لا يكون للمنطوق قوام
إلا به.
2 – إن اتحاد السبب في الدعويين كشرط للحجية مقتضاه أن تكون الواقعة التي يحاكم المتهم
عنها هي بعينها الواقعة التي كانت محلا للحكم السابق، فلا يكفي للقول بوحدة السبب أن
تكون الواقعة الثانية من نوع الواقعة الأولى أو أن تتحد معها في الوصف القانوني، أو
أن تكون الواقعتان كلتاهما حلقة من سلسلة وقائع متماثلة ارتكبها المتهم لغرض واحد إذا
كان لكل واقعة من هاتين الواقعتين ذاتية خاصة وظروف خاصة تتحقق بها المغايرة التي يمتنع
معها القول بوحدة السبب في كل منهما.
الوقائع
اتهمت النيابة العامة الطاعن وآخر بأنهما في خلال عامي 1960 و1961 بدائرة قسم الميناء محافظة الإسكندرية: بددا المبالغ المبينة والمملوكة لشركة البوندد المصرية. وطلبت عقابهما بالمادة 341 من قانون العقوبات، وادعت الشركة المجني عليها بحق مدني قدره 51 ج على سبيل التعويض المؤقت قبل المتهمين. ومحكمة جنح الميناء الجزئية قضت حضورياً بتاريخ 12 فبراير سنة 1963 عملاً بمادة الاتهام (أولاً) براءة المتهم الأول ورفض الدعوى المدنية بالنسبة إليه مع إعفائه من المصروفات الجنائية (ثانياً) حبس المتهم الثاني (الطاعن) ثلاث سنوات مع الشغل وكفالة 50 ج لوقف التنفيذ وإلزامه أن يدفع للشركة المجني عليها مبلغ 51 ج على سبيل التعويض المؤقت وإلزامه المصروفات المدنية وثلاثمائة قرش مقابل أتعاب المحاماة. فاستأنف المحكوم عليه والنيابة العامة والمدعية بالحق المدني هذا الحكم. ومحكمة الإسكندرية الابتدائية – بهيئة استئنافية – قضت حضورياً بتاريخ 17 أبريل سنة 1967 بقبول الاستئنافات شكلاً وفي موضوعها (أولاً) بتأييد الحكم المستأنف بالنسبة إلى المتهم الأول (ثانياً) بالنسبة إلى المتهم الثاني (الطاعن) بتعديل الحكم المستأنف بالنسبة إلى الدعوى الجنائية والاكتفاء بحبسه ثلاثة أشهر مع الشغل وتأييد الحكم فيما عدا ذلك وإلزامه المصاريف المدنية الاستئنافية ومائتي قرش أتعاباً للمحاماة. فطعن وكيل المحكوم عليه في هذا الحكم بطريق النقض…. إلخ
المحكمة
حيث إن ما ينعاه الطاعن على الحكم المطعون فيه بتقريري الأسباب
المقدمين منه أنه – إذ دانه بجريمة تبديل مال سلم إليه على سبيل الوكالة أخطأ في تطبيق
القانون وفي الإسناد وشابه قصور وفساد في الاستدلال وأخل بحقه في الدفاع، وفي بيان
ذلك يقول الطاعن إنه دفع بعدم جواز نظر الدعوى لسبق الفصل فيها في قضية أخرى قال حكمها
بعدم قيام الجريمة في حق الطاعن أو غيره من المتهمين فيها لانتفاء الدليل على ثبوتها
فكان أن أخطأ الحكم المطعون فيه حين أقام قضاءه برفضه الدفع على سند من مغايرة وقائع
الاتهام في الدعويين وأنه لا حجية لما عرض له الحكم الأول من قبيل التزيد من أسباب
موضوعية مقطوعة الصلة بما قضي به بالنسبة إلى الطاعن من عدم جواز نظر تلك الدعوى، مع
أن الوحدة بين الدعويين قائمة والأفعال فيهما وقعت تنفيذاً لغرض جنائي واحد هو اختلاس
أموال الشركة المجني عليها. ويضيف الطاعن إلى ما تقدم أن الحكم أخطأ في القانون خطأ
آخر مرده ما قام عليه من أن المبالغ المنسوب إليه اختلاسها قد سلمت إليه على سبيل الوكالة
حالة أن الحكم قد أفصح عن أن الأذون التي قيل بأن الطاعن صرفها كانت جميعاً وليدة إرادته
وحده إذ لم تكلفه الشركة بتحريرها أو تتفق معه على صرف قيمتها وتسليمها إلى المستفيدين
من إصدارها، وفضلاً عن ذلك فقد أثبت الحكم الابتدائي عدم صلة المتهم الأول ممثل الشركة
– بتحرير الأذون أو قبض قيمتها، كما أن الحكم المطعون فيه أطرح دفاع الطاعن القائل
بتسليم قيمة الأذون إلى ذلك المتهم مع أن الثابت بالأوراق أن هذا الأخير اعتاد إصدار
أوامر شفوية بتحرير أذون لحاملها وقبض قيمتها بواسطة أي موظف وبغير إيصال وكل أولئك
أمور لا توافر انعقاد عقد وكالة بين الطاعن والشركة وبالتالي لا تتوفر بها للجريمة
أركانها. وأما الخطأ في الإسناد فيرجعه الطاعن إلى أن الحكم عول في إدانته على إقراره
في التحقيق الإداري وفي محضري جمع الاستدلالات وتحقيق النيابة بصدور أذون النوبتجية
الستة بمقتضى أمر منه وبتوقيعه على خمسة أذون منها واستلام قيمتها لصرف مرتب محمد جاب
الله مع أن أقوال الطاعن في التحقيقات جاءت خلواً من ذلك وانطوت على تأكيده بأن المتهم
الأول كان هو الآمر بصدور الأذون وأنه قبض قيمتها ودفع إلى محمد جاب الله قيمة إذنين
كمرتب عن شهرين ثم صرف قيمة الأذون الثلاثة الأخرى بعد قيدها على حساب المصروفات النثرية،
هذا إلى أن الطاعن لم يقر بتوقيع خمسة أذون بل أربعة فقط، ويقول الطاعن أيضاً إن الحكم
نسب إليه واقعتين أولاهما أنه اعترف في التحقيق الإداري بقبض قيمة الأذون الأربعة الخاصة
بالمرشدين الأجانب والمدعى صرفها إلى وكيلهم الأستاذ فرنسوا فيريه المحامي – وسلمها
إلى المتهم الأول رغم خلو هذا التحقيق من ذلك وعلى الرغم من تأكيد الطاعن أمام البوليس
والنيابة بأنه لم يتدخل إلا في صرف إذن واحد منها بمبلغ 725 ج سلم قيمته للمتهم الأول
بعد خصم ما كان مستحقاً عليه من ديون للشركة والثانية أنه اعترف في تحقيق الشرطة والنيابة
بأنه أصدر أمراً بثلاثة من هذه الأذون مع أن واقع ما جري في هذا الصدد هو أنه نسب ذلك
إلى المتهم الأول، هذا ويضيف الطاعن خطأ آخر في الإسناد يتمثل فيما نسبه الحكم إلى
رئيس الحسابات من أنه قال بأن الطاعن هو المختص بتلقي قرارات مجلس الإدارة بتعيين الوكلاء
المفوضين ومن بينهم محمد جاب الله وإنشاء كارتات الأجور الخاصة بهم مع أن أقوال هذا
الشاهد قد خلت مما يدل على دخول محمد جاب الله في عداد الموظفين الذين تتسم إجراءات
تعينهم بالسرية وقد أدي هذا الخطأ إلى التفات الحكم عن دفاع الطاعن بأن الأذون الستة
لم تكن غير أذونات لحاملها خلت مما يشير إلى تحريرها لصرف مرتب وأن المتهم الأول صرفها
بغير توقيع على ما جري عليه العمل بالشركة وأن توقيع رئيس الحسابات على واحد منها يفضح
القول بسرية تعيين محمد جاب الله إلا على الطاعن. وفضلاً عما تقدم فإن الحكم قد ران
عليه قصور، ذلك بأنه دان الطاعن بتبديد قيمة الأذون الأربعة المقول بأنها خاصة بالأستاذ
فرنسوا فيريه ولم يدلل إلا على تبديده لقيمة ثلاثة أذون منها فقط واغفل استظهار دليله
في خصوص الإذن الرابع، هذا إلى أن الحكم وهو يدلل على تبديد قيمة الإذن ذي أل 725 ج
قد شابه الفساد ذلك بأنه ما دام هذا الإذن كان إذناً لحامله على ما قال به الطاعن في
دفاعه فقد انتفت مصلحته في أن يخصم من قيمته ديوناً على المتهم الأول للشركة وتتوفر
هذه المصلحة بالتالي لذلك المتهم دونه. ويري الطاعن فضلاً عن ذلك أن من آيات قصور الحكم
أنه أطرح دفاعه باستحالة إنشائه للأذونات وخاصة بمبالغ كبيرة دون أمر المتهم الأول
خشية افتضاح أمره لدي مراجعة هذا الأخير لدفتر الخزينة يومياً، أطرح الحكم هذا الدفاع
بقالة إن المراجعة لم يقم عليها دليل مع أنها ثابتة من أقوال رئيس الحسابات ووكيلها
ومدير الشركة الذي خلف المتهم الأول، ومن العلامة المثبتة بصحائف الدفتر والتي لا تدع
قرائن الحال شكاً في أنها صادرة من المتهم بعد المراجعة.
وحيث إنه يبين من مراجعة الأوراق أن النيابة العامة اتهمت الطاعن – وكيل حسابات الشركة
المجني عليها – ومتهماً آخر هو عضو مجلس الإدارة المنتدب والمعبر عنه سياق الطعن بأنه
المتهم الأول، بتبديد مبلغ 2061 ج صرف من خزينة الشركة، منه مبلغ 1701 ج صرف لحساب
الأستاذ فرنسوا فيريه المحامي بمقتضى أذون أربعة ومبلغ 360 ج صرف باعتباره مرتباً للسيد
محمد جاب الله الموظف بالشركة والحال أن أحداً منهما لم يتسلم شيئاً من هذه المبالغ
وإذ قدم الطاعن وزميله للمحاكمة فقد قضي ابتدائياً بإدانة الطاعن وبراءة المتهم الأول،
وأيد الحكم المطعون فيه هذا القضاء. لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد عرض لدفع
الطاعن بعدم جواز نظر الدعوى الذي يثيره الطاعن بطعنه وخلص إلى رفضه بقوله : "……
وفي المذكرة الثالثة – مذكرة الدكتور سعد عصفور – طلب المتهم الثاني (الطاعن) الحكم
ببراءته استناداً إلى الحكم السابق صدوره في القضية 469 سنة 1963 جنح مباشرة الميناء
– وقال في تفصيل ذلك السند إن الشركة المدعية بالحق المدني الشركة المجني عليها في
الدعوى المطروحة – أقامت الدعوى 469 سنة 1963 جنح الميناء بطريق الدعوى المباشر ضد
محمود عبد الله المتهم الأول وفكري بطرس – الطاعن – وأوزوالد أنجيل ونجيب منصور وحكيم
جورج وطلبت فيها بعد الحكم بإدانتهم طبقاً لأحكام المادة 341 عقوبات باعتبار أنهم اختلسوا
من أموال الشركة 13584 ج و 357 م وهي قيمة أذونات لحامله صدرت في خلال عامي 1959، 1960
وطلبت إلزامهم متضامنين برد المبلغ المختلس وقضي في تلك الدعوى بجلسة 4/ 5/ 1965 بحكم
لم يستأنف بعدم جواز نظر الدعوى الجنائية قبل المتهمين الأول والثاني لسابقة الفصل
فيها في الجنحة 160 سنة 1962 الميناء الرقم الابتدائي للدعوى المطروحة – وبعدم قبول
الدعوى المدنية قبلهما وبعدم جواز تحريك الدعوى الجنائية قبل المتهمين الرابع والخامس
بطريق الإدعاء المباشر وبعدم قبول الدعوى المدنية قبلهما وببراءة المتهم الثالث ……
من التهمة المسندة إليه وبرفض الدعوى المدنية المقامة ضده" وقالت تلك المحكمة في أسباب
الحكم الصادر ببراءة المتهم الثالث "إنه من حيث إنه بالنسبة للمتهم الثالث فإن أوراق
الدعوى وما قدم فيها من مستندات لا تشير من قريب أو بعيد إلى أنه ضالع في ارتكاب الجريمة
أو أنه اتهم أو اشترك فيها بأي طريق من طرق الاشتراك المعروفة قانوناً وذلك أن سند
الشركة المدعية بالحقوق المدنية قبل هذا المتهم والمتهمين جميعاً في التدليل على اختلاسهم
المبالغ الواردة بصحيفة دعواها المباشرة أن صرف هذه المبالغ تم بمقتضى أذونات صرف لحامله
دون أن يوقع عليها المستفيد بما يفيد استلامه المبالغ المدرجة فيها مما استنتجت منه
الشركة المدعية بالحق المدني أن تلك الأذونات وهمية وأن المتهمين اختلسوا قيمة المبالغ
المدرجة فيها أي أنها بنت تدليلها على الظن والاستنتاج خاصة وأنها تقرر في صحيفة دعواها
ومذكراتها بأنها تعتقد أن المتهمين الثاني والثالث والرابع قد اشتركوا مع الأول والأخير
في اختلاس هذه المبالغ دون أن تقطع بذلك أو أن تقدم الدليل الجازم على هذا الاتهام
إلا أن المحكمة ترى في صرف المبالغ الثابتة بالأذونات على نحو ما تقدم مجرد مخالفة
إدارية أو مالية من نظم المالية الفاسدة التي درجت الشركة ومستخدميها على إتباعها قبل
صدور قرار تأميمها ولا ترى في هذه المخالفة إلى حد القول بأن المتهم الثالث أو المتهمين
جميعاً قد اختلسوا المبالغ المدرجة بتلك الأذونات وأنهم لم يسلموها لأوليائهم إذ أن
أوراق الدعوى خالية من الدليل الجازم على ذلك كما لم تقدم الشركة ما يقنع المحكمة بثبوت
هذا الاتهام إذ أن عدم توقيع حامل إذن الصرف بما يفيد استلام قيمته من خزينة الشركة
لا يقطع بأنه لم يتسلم تلك القيمة أو أن هذه الأذونات صرفت قيمتها لأشخاص وهميين وجاء
بالمذكرة أن هذه الأسباب التي بني عليها الحكم ببراءة المتهم الثالث هي أسباب موضوعية
تقطع بعدم تأثيم الأفعال التي كانت منسوبة إلى المتهمين وأن هذا الحكم قد قضى بعدم
إمكان قيام جريمة التبديد في حق المتهم الثالث أو المتهمين الآخرين لانتفاء الدليل
الجازم على قيام تلك الجريمة في حقهم ولعدم إمكان اعتبار صرف الأذونات أكثر من مخالفة
إدارية أو مالية للنظم المالية في الشركة، ولذلك ونظراً لأن الأفعال موضوع الدعوى المطروحة
والأفعال موضوع الجنحة المباشرة المشار إليها تكون معاً جريمة واحدة فإن باقي المتهمين
يفيدون من حكم البراءة النهائي الصادر لصالح أحدهم وذلك على أساس وحدة الواقعة الجنائية
وارتباط الأفعال المنسوبة لكل من عزى إليه المساهمة فيها فاعلاً أو شريكاً". ومضى الحكم
المطعون فيه يقول "ومن حيث إنه لا خلاف في أن أحكام البراءة المؤسسة على أن الواقعة
الجنائية في ذاتها غير صحيحة أو لا عقاب عليها تعتبر ويجب أن تعتبر على خلاف أحكام
الإدانة أو أحكام البراءة المؤسسة على أسباب شخصية تكون حجة في حق الكافة أي بالنسبة
لكل من يكون له شأن في الواقعة موضوع الدعوى. ومفهوم ما تقدم بداهة أن حكم البراءة
المؤسس على انتفاء الدليل قبل أحد المتهمين لا يمكن أن يفيد منه غيره من المتهمين بارتكاب
ذات الواقعة، لذلك فإن حكم البراءة المؤسس على انتفاء الدليل على وقوع جريمة لا يمنع
من محاكمة ومعاقبة نفس المتهم إذ أقام الدليل على ارتكاب جريمة مماثلة لذلك، ولما كان
الحكم الصادر في الجنحة رقم 469 سنة 1963 جنح الميناء إذ قضى ببراءة المتهم الثالث
استند إلى سببين أولهما انتفاء الدليل على أن المبالغ موضوع الاتهام الواردة بالأذون
لحامله المقدمة من الشركة في تلك الدعوى لم تصرف لأوليائها وثانيهما عدم قيام الدليل
على أن المتهم ضالع في ارتكاب الجريمة بصفته فاعلاً أصلياً أو شريكاً. ولما كان السبب
الأول جاء خاصاً بوقائع اختلاس تغاير الوقائع موضوع الدعوى المطروحة ولم يبن على أساس
أن تلك الوقائع غير معاقب عليها وإنما بني على أساس عدم قيام دليل على وقوعها فإن هذا
السبب لا يمنع من معاقبة نفس المتهم وغيره من باب أولى إذا ثبت أنهم ارتكبوا وقائع
مماثلة ولذلك فإن الحكم الصادر ببراءة المتهم الثالث من تهمة اختلاس قيمة الأذونات
موضوع الجنحة رقم 469 سنة 1963 لما لم يثبت لدى المحكمة من أن قيمة تلك الأذون لم تصرف
لأوليائها لا يمنع من معاقبة أوزوالد انجيل نفسه والمتهمين من باب أولى إذا قام دليل
على أنهم اختلسوا قيمة أذون أخرى يثبت بدليل قاطع أنها تسلم لأوليائها وترتيباً على
ما تقدم فإن أياً من المتهمين محمود عبد الله (المتهم الأول) أو فكري بطرس (الطاعن)
لا يفيد من الحكم الصادر ببراءة أوزوالد انجيل في القضية رقم 469 سنة 1963 الميناء.
وغنى عن البيان أن ما ورد بأسباب ذلك الحكم في شأن عدم ثبوت الواقعة قبل المتهمين عدا
المتهم الثالث هو من قبيل التزيد في الأسباب ولا يحوز أية حجية بالنسبة لهؤلاء المتهمين
بعد أن قضت المحكمة نفسها بعدم جواز نظر الدعوى بالنسبة لهم. لما كان ذلك، وكان الأصل
في الأحكام ألا ترد الحجية إلا على منطوقها ولا يمتد أثرها إلى الأسباب إلا لما يكون
مكملاً للمنطوق ومرتبطاً به ارتباطاً وثيقاً غير متجزئ لا يكون للمنطوق قوام إلا به،
فإن ما أورده الحكم الصادر في الجنحة رقم 469 سنة 1963 مباشرة الميناء على ما رواه
الحكم المطعون فيما سلف إيراده، لا يمس منطوقه الذي صدر بعدم جواز نظر الدعوى لسابقة
الفصل فيها بالحكم الابتدائي في الدعوى الحالية، ولا يكون لتسبيبه الذي بسطه على باقي
المتهمين وهو بصدد الاستدلال أساساً على براءة أحدهم وهو أوزوالد انجيل أي أثر بالنسبة
إلى الطاعن الذي انتهى الحكم في منطوقه إلى عدم جواز نظر الدعوى بالنسبة إليه على ما
تقدم، ومن ثم يكون ما عرض له الحكم الصادر في الجنحة المباشرة في أسبابه على ما قال
به الحكم المطعون فيه بحق تزيداً لا يرتب للطاعن حقاً يتساند عليه في دفعه من جديد
بعدم جواز نظر الدعوى الحالية لسابقة الفصل فيها في ذلك الحكم. هذا إلى أنه لما كان
الحكم المطعون فيه في رده على الدفع قد أثبت أن وقائع التبديد التي رفعت بها الجنحة
المباشرة تغاير وقائع الدعوى الحالية من حيث أشخاصها ومحلها وزمانها، وكان اتحاد السبب
في الدعويين كشرط للحجية مقتضاه أن تكون الواقعة التي يحاكم المتهم عنها هي بعينها
الواقعة التي كانت محلاً للحكم السابق، فلا يكفي للقول بوحدة السبب أن تكون الواقعة
الثانية من نوع الواقعة الأولى أو أن تتحد معها في الوصف القانوني أو أن تكون الواقعتان
كلتاهما حلقة من سلسلة وقائع متماثلة ارتكبها المتهم لغرض واحد إذا كان لكل واقعة من
هاتين الواقعتين ذاتية خاصة وظروف خاصة تتحقق بها المغايرة التي يمتنع معها القول بوحدة
السبب في كل منهما. لما كان ذلك، فإن قضاء الحكم المطعون فيه برفضه الدفع يكون صحيحاً
ويندفع عنه ما يثيره الطاعن من قالة الخطأ في تطبيق القانون. لما كان ذلك، وكان الحكم
قد عرض إلى دفاع الطاعن القائل بأنه لو فرض أن الأذون حررت بناء على أمره وهو يعلم
زيفها ثم صرف قيمتها فإن ذلك لا يوفر لجريمة التبديد أركانها لتخلف عقد الأمانة لأنه
لا الشركة ولا فرنسوا فيريه ولا محمد جاب الله قد وكله في استلام أي مبلغ، عرض الحكم
لهذا الدفاع ورد عليه بقوله "ومن حيث إن القانون في مادة خيانة الأمانة لا يعاقب على
الإخلال في تنفيذ عقد الائتمان في ذاته وإنما يعاقب على العبث بملكية الشيء المسلم
بمقتضاه – وإذن فإذا كانت نية الجاني وقت التسليم غير متفقة مع ما قصد المجني عليه
من التسليم فلا تأثير لذلك في قيام جريمة خيانة الأمانة متى ثبت أن الجاني اختلس الشيء
الذي سلم إليه ولم يستعمله في الأمر المعين الذي أراده المجني عليه بالتسليم ولذلك
فإن جريمة خيانة الأمانة المسندة إلى المتهم الثاني – الطاعن – تكون متوافرة الأركان
ما دام قد ثبت للمحكمة أن الشركة المجني عليها قد سلمته على سبيل الوكالة مبلغاً من
المال لاستعماله في أمر معين وثبت أنه اختلسه ولم يستعمله في ذلك الأمر" ولما كان ما
أورده الحكم فيما تقدم صحيحاً وتتوافر به لجريمة التبديد كما هي معرفة به في القانون
أركانها، فإن ما ينعاه الطاعن في هذا الشأن لا يكون له محل. لما كان ذلك، وكان كل ما
يثيره الطاعن في خصوص خطأ الحكم في الإسناد مردوداً بأنه تبين من مراجعة المفردات التي
أمرت المحكمة بضمها تحقيقاً للطعن أن كل ما حصله الحكم من وجوه الاستدلال على إدانة
الطاعن، مما أثاره في طعنه له أصل ثابت في الأوراق سواء في نصه أو في فحواه، وبذلك
يكون هذا الوجه النعي غير سديد. لما كان ذلك، وكان ما ينعاه الطاعن على الحكم من القصور
حين اقتصر على التدليل على تبديد قيمة أذون ثلاثة فقط من الأذون الأربعة الصادرة باسم
الأستاذ فرنسوا فيريه، مردوداً بأنه لا جدوى من هذا النعي ما دامت إدانة الطاعن محمولة
على ثبوت تبديده لتلك الأذون. لما كان ما تقدم، وكان باقي ما يثيره الطاعن بطعنه ينحل
إلى جدل موضوعي في سلطة المحكمة في وزن عناصر الدعوى مما تستقل بتقديره دون رقابة لمحكمة
النقض ما دامت أنها لا تخرج في ذلك عن موجب الاقتضاء العقلي والمنطقي وهو ما لم يخطئ
الحكم في تقديره.
وحيث إنه ترتيباً على ما تقدم فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً.
