الطعن رقم 2040 لسنة 33 ق – جلسة 14 /04 /1964
أحكام النقض – المكتب الفني – جنائي
العدد الثاني – السنة 15 – صـ 314
جلسة 14 من أبريل سنة 1964
برياسة السيد المستشار/ توفيق الخشن، وبحضور السادة المستشارين: أديب نصر، وحسين السركي، ومحمد عبد الوهاب خليل، ومحمد عبد المنعم حمزاوي.
الطعن رقم 2040 لسنة 33 القضائية
( أ ) مسئولية جنائية. أسباب الإباحة وموانع العقاب.
طاعة المرؤوس لرئيسه لا تكون في أمر من الأمور التي يحرمها القانون.
أساس منع مسئولية الموظف الجنائية: حسن النية. وقيامه بما ينبغي له من وسائل التثبت
والتحري. واعتقاده مشروعية الفعل الذي قام به إطاعة لأمر رئيسه، على أن يكون ذلك مبيناً
على أسباب معقولة. المادة 63 عقوبات.
(ب) محكمة الموضوع. "سلطتها في تقدير الدليل".
تقدير الأدلة بالنسبة لكل متهم. من اختصاص محكمة الموضوع.
1 – من المقرر أن طاعة المرؤوس لرئيسه لا تكون في أمر من الأمور التي يحرمها القانون.
وقد جعل القانون أساساً في المادة 63 من قانون العقوبات لمنع مسئولية الموظف الجنائية
– أن يكون فيما قام به حسن النية، وأنه قام أيضاً بما ينبغي له من وسائل التثبت والتحري
وأنه كان يعتقد مشروعية الفعل الذي قام به إطاعة لأمر رئيسه وأن اعتقاده كان مبنياً
على أسباب معقولة.
2 – تقدير الأدلة بالنسبة لكل متهم هو من اختصاص محكمة الموضوع وحدها، وهي حرة في تكوين
اعتقاده حسب تقديرها لتلك الأدلة واطمئنانه إليها بالنسبة لمتهم وعدم اطمئنانها إليها
بالنسبة لآخر.
الوقائع
اتهمت النيابة العامة الطاعن وآخرين: توفى أحدهما وحكم بانقضاء الدعوى الجنائية بوفاته بأنهم: الأول – بتاريخ 12 من أكتوبر سنة 1945 بدائرة بندر قنا مديرية قنا: والثاني والثالث في 22 و27 من أبريل سنة 1946 بدائرة بندر الأقصر مديرية قنا: المتهم الأول ارتكب تزويراً في محرر رسمي – إذن الصرف رقم 500 – المبين بالتحقيقات حال تحريره المختص بوظيفته بجعله واقعة مزورة في صورة واقعة صحيحة مع علمه بتزويرها بأن أثبت في ذلك الإذن أن كمية البنزين المنصرفة هي 40 صفيحة سعة 160 جالوناً على خلاف الواقع من أن من بين هذه الصفائح أربعة عشر صفيحة وجدت خالية من البنزين أو ناقصة منه: والمتهمان الثاني والثالث ارتكبا تزويراً في محررين رسميين – شهادتين إداريتين وصورهما – المبينة بالتحقيقات حال تحريرهما المختص بوظيفتهما وذلك بجعلهما واقعة مزورة في صورة واقعة صحيحة مع علمهما بتزويرها بأن أثبتا بها تبخر البنزين بالأقصر خلافاً للحقيقة المدرجة بمحضر إثبات الحالة عند وصوله ناقصاً من مخازن قنا القدر المختلس بها. وطلبت إحالتهم إلى محكمة الجنايات لمعاقبتهم بالمادة 213 من قانون العقوبات. ومحكمة جنايات قنا قضت حضورياً في 14 يونيه سنة 1962 عملاً بمادة الاتهام مع تطبيق المواد 17 و55 و56 من قانون العقوبات بالنسبة إلى المتهم (الطاعن): أولاً – بمعاقبته بالحبس مع الشغل لمدة سنة واحدة وأمرت بإيقاف تنفيذ هذه العقوبة وبجعل الإيقاف شاملاً لأية عقوبة تبعية ولجميع الآثار الجنائية المترتبة على الحكم. وثانياً: ببراءة المتهم الآخر مما أسند إليه. فطعن الطاعن في هذا الحكم بطريق النقض… إلخ.
المحكمة
حيث إن مبنى الطعن أن الحكم المطعون فيه إذ دان الطاعن بجريمة التزوير
في محررات رسمية قد شابه القصور وانطوى على فساد في الاستدلال وتناقض في الأسباب كما
أخل بحق الدفاع، ذلك بأن الطاعن دفع التهمة بأنه كان حسن النية منفذاً للأوامر الصادرة
إليه من رؤسائه بما تمتنع معه مسئوليته غير أن المحكمة أطرحت هذا الدفاع وقضت بإدانته
وببراءة المتهم الأول بالرغم من ثبوت مسئولية هذا الأخير – كما طلب الطاعن سماع أقوال
مفتش الري والباشمهندس لإثبات تلقيه الأوامر منهما فيما أقدم عليه، بيد أن المحكمة
لم تجب هذا الطلب.
وحيث إن الحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى بما تتوافر به جميع العناصر القانونية
للجريمة التي دان الطاعن بها وأورد على ثبوتها في حقه أدلة من شأنها أن تؤدي إلى ما
رتبه الحكم عليها – لما كان ذلك، وكان الحكم قد رد على دفاع الطاعن بانتفاء مسئوليته
في قوله "ومن حيث إنه لا مراء في أن المتهم الثاني (الطاعن) حرر الشهادتين الإداريتين
لاستبدالهما بمحضر إثبات الحالة الذي حرره أولاً بتاريخ وصول رسالة البنزين موضوع إذن
الصرف رقم 500 من مخزن تفتيش ري خامس إلى هندسة الأقصر وليقوما مقامه في إجراءات الخصم
من العهدة وأن المتهم أثبت في الشهادتين ما يفيد حصول العجز عن طريق التبخر بعد وصول
البنزين إلى الأقصر على خلاف الحقيقة التي سبق إثباتها في محضر إثبات الحالة الأولى
من وصول عدد من صفائح البنزين من الأقصر وهي خالية أو ناقصة وذلك ستراً للعجز الذي
سبق أن اكتشف في البنزين عند وصوله وأن تفتيش الري وهي الجهة الرئيسية لهندسة ري الأقصر
كانت تطالب باشارات تليفونية بمناسبة الجرد السنوي إرسال الشهادات الإدارية من أربع
صور موضحاً بها أسباب استهلاك البنزين المطلوب خصمه للنظر في اعتمادها ومن ثم فإن الشهادتين
الإداريتين اللتين حررهما المتهم وصورهما تعتبر محررات رسمية استمدت صفتها من أنه قام
بتحريرهما بتكليف من رؤسائه فضلاً عن أن بيانات الشهادتين مما يدخل في عمل المتهم نفسه
كموظف من اختصاصه استلام البنزين وحفظه ومن ثم ما أثبته المتهم بالشهادتين وصورهما
على خلاف الواقع الذي يعلمه يعتبر تغييراً للحقيقة في هذه المحررات الرسمية. ومن حيث
إنه عما أثاره الدفاع من سبب لامتناع عقاب المتهم فمردود عليه بأن ما أقدم عليه المتهم
من تحرير الشهادتين الإداريتين وصورهما على خلاف الحقيقة التي يعلمها يعد جريمة في
حكم القانون على ما سلف القول فإنه يشترط لامتناع العقاب في حالة إقدام الموظف على
ارتكاب فعل يعد جريمة أو يخالف القانون أن يكون الموظف حسن النية بمعنى أن يكون جاهلاً
ما ينطوي عليه فعله أو ما ينطوي عليه أمر الرئيس من مخالفة للقانون ومؤدى ذلك أنه لا
يشفع للمتهم صدور أمر من أحد رؤسائه بإحداث التزوير الذي أقدم عليه وهو على علم بأنه
جرم يعاقب عليه القانون لأن طاعة الرؤساء لا يعني بحال أن تمتد إلى الجرائم ومن ثم
فإن هذا الدفاع الذي أثاره المتهم يكون خليقاً بالرفض ولا تعول عليه المحكمة". وهذا
الذي أورده الحكم صحيح في القانون ذلك أن من المقرر أن طاعة المرؤوس لرئيسه لا تكون
في أمر من الأمور التي يحرمها القانون. وقد جعل القانون أساساً في المادة 63 من قانون
العقوبات لمنع مسئولية الموظف الجنائية أن يكون فيما قام به حسن النية، وأنه قام أيضاً
بما ينبغي له من وسائل التثبت والتحري وأنه كان يعتقد مشروعية الفعل الذي قام به إطاعة
لأمر رئيسه وأن اعتقاده كان مبنياً على أسباب معقولة – ولما كانت محكمة الموضوع قد
أثبتت في حق الطاعن بالأدلة السائغة التي أوردتها في حكمها أنه لم يكن حسن النية فيما
أثبته في الشهادتين الإداريتين المحررتين بمعرفته بيانات يعلم بأنها على خلاف الحقيقة
وأنه كان مدركاً أن ما أثاره إنما هو مما يحرمه القانون وأنه تجاوز بذلك النطاق المشروع
في طاعة رؤسائه فإنه لا محل لما ينعاه الطاعن في هذا الصدد – لما كان ذلك، وكان تقدير
الأدلة بالنسبة لكل متهم هو من اختصاص محكمة الموضوع وحدها وهي حرة في تكوين اعتقادها
حسب تقديرها لتلك الأدلة واطمئنانها إليها بالنسبة لمتهم وعدم اطمئنانها إليها بالنسبة
لآخر، وكان يبين من محضر جلسة المحاكمة أن الدفاع والنيابة اكتفيا بتلاوة أقوال الشهود
الغائبين ولم يبد الطاعن اعتراضاً على ذلك وكان للمحكمة أن تستغني عن سماع الشهود إذا
قبل المتهم أو الدفاع عنه ذلك، فإن النعي على الحكم بالإخلال بحق الدفاع في هذا الخصوص
يكون على غير أساس. لما كان ما تقدم، فإن الطعن يكون على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً
.
