الطعن رقم 1999 لسنه 33 ق – جلسة 10 /02 /1964
أحكام النقض – المكتب الفني – جنائي
العدد الأول – السنة 15 – صـ 126
جلسة 10 من فبراير سنة 1964
برياسة السيد/ محمد متولي عتلم نائب رئيس المحكمة، وبحضور السادة المستشارين: مختار مصطفى رضوان، ومحمد صبري، ومحمد محمد محفوظ، ومحمد عبد المنعم حمزاوي.
الطعن رقم 1999 لسنه 33 القضائية
(أ، ب) حكم. "تسبيبه. تسبيب غير معيب".
( أ ) على المحكمة متى واجهت مسألة فنية بحتة أن تتخذ ما تراه من الوسائل لتحقيقها
بلوغاً إلى غاية الأمر فيها. لها أن تستند في حكمها إلى الحقائق الثابتة علمياً. ليس
لها الاقتصار في تفنيد تلك المسألة على الاستناد إلى ما قد يختلف الرأي فيه. مثال.
(ب) الأدلة في المواد الجنائية: متساندة. يكمل بعضها بعضاً. سقوط أحدها أو استبعاده.
وجوب إعادة النظر في كفاية باقي الأدلة لدعم الإدانة. علة ذلك؟
1 – من المقرر أنه على المحكمة متى واجهت مسألة فنية بحتة أن تتخذ ما تراه من الوسائل
لتحقيقها بلوغاً إلى غاية الأمر فيها. وأنه وإن كان لها أن تستند في حكمها إلى الحقائق
الثابتة علمياً. إلا أنه لا يحق لها أن تقتصر في تفنيد تلك المسألة على الاستناد إلى
ما قد يختلف الرأي فيه، وإذ هي قد أرجعت خطأ الطاعن الأول في قيادة السيارة إلى هذه
المسائل الفنية التي تصدت لها دون تحقيقها فإن حكمها يكون معيباً.
2 – الأدلة في المواد الجنائية متساندة يكمل بعضها بعضاً بحيث إذا سقط أحدهما أو استبعد
تعذر التعرف على مبلغ الأثر الذي كان للدليل الباطل في الرأي الذي انتهت إليه المحكمة
أو التعرف على ما كانت تنتهي إليه من نتيجة لو أنها فطنت إلى أن هذا الدليل غير قائم
بما يتعين معه إعادة النظر في كفاية باقي الأدلة لدعم الإدانة.
الوقائع
اتهمت النيابة العامة للطاعن الأول بأنه في يوم 2/ 4/ 1956 بدائرة قسم الجمرك: أولاً: تسبب في قتل محمد راشد محمد بغير قصد ولا تعمد بأن كان ذلك ناشئاً عن إهماله وعم احتياطه وعدم مراعاته اللوائح بأن قاد سيارة نقل غير مستكملة شروط الأمن والمتانة المنصوص عليها في القانون الخاص بالمرور وقرار وزير الداخلية دون أن ينبه المارين بالطريق فصدم المجني عليه السائر أمامه وأصابه مما أدى إلى وفاته: ثانياً: قاد سيارة نقل مخالفاً شروط المتانة والأمن من حيث حمولتها بأن حملها أكثر من الحمولة المقررة بالرخصة: ثالثاً. قاد السيارة دون أن يكون بها وسيلتان متصلتان يمكن معهما التحكم في سير السيارة وفي إيقافها بطريقة فعالة وسريعة ومأمونة. وطلبت عقابه بالمادة 238 من قانون العقوبات والمواد 84/ 2 و88 من القانون 449 لسنة 1955 – والمادتين 22 و27 من قرار وزير الداخلية. وقد ادعى والدا المجني عليه بحق مدني قبل المتهم والطاعن الثاني عن نفسه بصفته مسئولاً عن الحقوق المدنية بمبلغ خمسمائة جنيه على سبيل التعويض. ومحكمة الجمرك الجزئية قضت حضورياً بتاريخ 26 من ديسمبر سنة 1960 عملاً بالمادة 304/ 1 من قانون الإجراءات الجنائية بالنسبة للتهمة الأولى وبمواد الاتهام للمتهمتين الثانية والثالثة ببراءة المتهم من التهمة الأولى المسندة إليه ورفض الدعوى المدنية وألزمت رافعها بالمصاريف المدنية ثانياً: تغريم المتهم 200 ج عن التهمة الثانية بلا مصروفات: ثالثاً: تغريم المتهم 100 ج عن التهمة الثالثة. فاستأنف هذا الحكم كل من النيابة العامة والمدعي بالحقوق المدنية. ومحكمة الإسكندرية الابتدائية – بهيئة استئنافية – قضت حضورياً بتاريخ 27 مارس سنة 1961 عملاً بمواد الاتهام: أولاً: بقبول الاستئنافين شكلاً – ثانياً: – وفي الموضوع وبإجماع الآراء بإلغاء الحكم المستأنف وبحبس المتهم ستة شهور مع الشغل وإلزامه والمسئول بالحق المدني متضامنين بأداء مبلغ خمسمائة جنيه للمدعي والمصاريف المدنية. فطعن الطاعنان في هذا الحكم بطريق النقض…إلخ.
المحكمة
حيث إن مما ينعاه الطاعنان على الحكم المطعون فيه أنه انطوى على
قصور في التسبيب، ذلك أن الحاضر عن الطاعن الأول "المتهم" دفع بانتفاء ركن الخطأ استناداً
إلى عدم إمكان ربط الفرامل على مسافة الخمسة أمتار التي كانت تفصله عن المجني عليه
وقت عبوره الطريق. وطلب مناقشة المهندس الفني في ذلك ولكن المحكمة لم تجبه إلى طلبه
وردت عليه بما لا يبرر إطراحه – وبنت عقيدتها على مسائل فنية تصدت لها دون أن يكون
لها أصل في الأوراق مما كان يتعين معه أن تستعين عليها برأي ذوي الخبرة. كذلك فقد خلا
الحكم من بيان أساس التعويض المقضي به في الدعوى المدنية، واسم المسئول عن الحقوق المدنية
ومدى مساءلته عن التعويض المحكوم به. وهو مما يعيب الحكم ويستوجب نقضه.
وحيث إن الثابت من الاطلاع على محاضر الجلسات ومدونات الحكم أن الطاعن الأول نفي وقوع
خطأ منه وقرر أنه لم يشاهد المجني عليه وكان مما قاله الحكم رداً على ذلك وفي التدليل
على خطئه. "أنه مما لا شك فيه أن حمولة السيارة الزائدة لها دخل كبير في وقوع الحادث.
ذلك أنه من المقرر علماً أن قوة اندفاع السيارة تتمثل في سرعتها مضروبة في ثقلها والحمولة
الزائدة التي تزيد من ثقل السيارة تزيد في قوة اندفاعها، وبذلك يزيد العبء الواقع على
فرامل السيارة في هذه الحالة حين محاولة إيقافها. فإذا كانت فرامل القدم الباكم ضعيفة
التأثير من ناحية أخرى كانت الحمولة الزائدة عاملاً على زيادة ضغط تأثير الفرامل مما
كان سبباً مباشراً لوقوع الحادث ولا تلتفت المحكمة لما أثاره الدفاع من أن فرامل الباكم
يحدث أن يزول أثرها فجأة بانفجار خرطوم الزيت نتيجة الضغط المفاجئ وأخذ رأي المهندس
الفني في هذا الموضوع أمام محكمة أول درجة، فإن ذلك بحث فني لا يتصل بهذه الدعوى. والثابت
من تقرير المهندس الفني أن فرامل الباكم تأثيرها ضعيف وهذا قاطع في أنه لا يوجد ثمة
انفجار بخراطيم الباكم إذ من المقرر علماً أن فرامل الباكم تعمل بضغط الزيت الذي من
شأنه آن يضغط على "أتياش" العجلات لإيقافها فإذا ما كان تأثير فرامل الباكم ضعيفاً
فهذا معناه أن عملية ضغط الزيت سليمة تماماً وأن "الأتياش" التي تضغط على العجلات والتي
من شأنها أن تتآكل من الاستعمال. هي وحدها التي تقوم بعملها على الوجه الأكمل، وهذا
عمل من طبيعته ألا يحدث فجأة وإنما حدوثه يكون تدريجياً وعلى السائق المتيقظ أن يلاحظه
قبل أن يصل إلى الحالة التي تجعل قيادة السيارة بها غير مأمونة إذ لا يتصور علماً أن
يكون هناك ضغط ما للزيت إذا ما كان هناك ثمة تسرب بانفجار الخراطيم. فالضغط إما أن
يكون تاماً في حالة سلامة الخراطيم وما ألا يكون هناك ضغط كلية في حالة تسرب الزيت
– ولا يكون هناك أمر وسط ولا يكون ضغط تأثير فرامل الباكم إلا بسلامة جهاز الضغط وتآكل
"الاتياش" التي تعمل على إيقاف العجلات وهذا أمر يلحق الخطأ بجانب المتهم". ولما كان
الطاعن الأول أبدى دفاعه على النحو الوارد بمحضر الجلسة والحكم ونازع في وقوع أي خطأ
من جانبه، وقد تعرضت المحكمة في ردها على ما أثاره لآراء علمية لم تكشف عن مصدرها وتعرضت
لمسائل فنية قد يختلف الرأي فيها. وكان من المقرر أنه على المحكمة متى واجهت مسألة
فنية بحتة أن تتخذ ما تراه من الوسائل لتحقيقها بلوغاً إلى غاية الأمر فيها. وأنه وإن
كان لها أن تستند في حكمها إلى الحقائق الثابتة علمياً إلا أنه لا يحق لها أن تقتصر
في تفنيد تلك المسألة على الاستناد إلى ما قد يختلف الرأي فيه وإذ هي قد أرجعت خطأ
الطاعن الأول إلى هذه المسائل الفنية التي تصدت لها دون تحقيقها فإن حكمها يكون معيباً.
ولا يغني عن ذلك ما ذكرته من أوجه الخطأ الأخرى التي أسندتها للطاعن. فإن الأدلة في
المواد الجنائية متساندة يكمل بعضها بعضاً بحيث إذا سقط أحدها أو استبعد تعذر التعرف
على مبلغ الأثر الذي كان للدليل الباطل في الرأي الذي انتهت إليه المحكمة أو التعرف
على ما كانت تنتهي إليه من نتيجة لو أنها فطنت إلى أن هذا الدليل غير قائم بما يتعين
معه إعادة النظر في كفاية باقي الأدلة لدعم الإدانة. لما كان ذلك، وكان الحكم من جهة
أخرى إذ قضى بإلزام الطاعنين متضامنين بأن يدفعا للمدعي بالحق المدني التعويض المحكوم
به قد خلا من بيان اسم المسئول عن الحقوق المدنية وعلاقته بالدعوى الجنائية وأساس مسئوليته
مدنياً وهى من الأمور الجوهرية التي كان يتعين على المحكمة ذكرها في الحكم الذي خلا
أيضاً من الأسباب التي بني عليها قضاءه في الدعوى المدنية. متى كان ذلك، فإنه يكون
مشوباً بالقصور.
وحيث إنه لما تقدم نقض الحكم والإحالة بغير حاجة لبحث باقي أوجه الطعن.
