الطعن رقم 867 سنة 26 ق – جلسة 30 /10 /1956
أحكام النقض – المكتب الفني – جنائي
العدد الثالث – السنة 7 – صـ 1113
جلسة 30 من أكتوبر سنة 1956
برياسة السيد مصطفى فاضل – وكيل المحكمة، وبحضور السادة: محمود إبراهيم إسماعيل، ومصطفى كامل، ومحمود محمد مجاهد، وفهيم يسى الجندي – المستشارين.
القضية رقم 867 سنة 26 القضائية
( أ ) أسباب الإباحة وموانع العقاب. دفاع شرعي. مفاجأة شخص أثناء
سيره وسط المزروعات في ليلة مظلمة وفي مكان بعيد عن العمران بطلق ناري نحوه. اعتباره
في حالة دفاع شرعي.
(ب) نقض. سلطة محكمة النقض. دفاع شرعي. وجود المتهم في حالة دفاع شرعي. استخلاص الحكم
ما يخالف هذه الحقيقة. حق محكمة النقض في تصحيح هذا الاستخلاص.
1 – مفاجأة شخص أثناء سيره وسط المزروعات في ليلة حالكة الظلمة يستحيل معها الرؤية
وفي مكان ينأى عن العمران بطلق ناري نحوه – هو فعل يتخوف أن يحدث منه الموت أو جراح
بالغة – يبرر رد الاعتداء بالوسيلة التي تصل إلى يد المدافع ويعتبر في حالة دفاع شرعي
عن نفسه، إذ أن تقدير ظروف الدفاع الشرعي ومقتضياته أمر اعتباري يجب أن يتجه وجهة شخصية
تراعى فيه مختلف الظروف الدقيقة التي أحاطت بالمدافع وقت رد العدوان مما لا يصح معه
محاسبته على مقتضى التفكير الهادئ البعيد عن تلك الملابسات.
2 – تقدير القوة اللازمة لرد الاعتداء وما إذا كان ذلك يدخل في حدود حق الدفاع الشرعي
أو يتعداه هو من شأن محكمة الموضوع – إلا أنه متى كانت وقائع الدعوى – كما أثبتها الحكم
– تدل بغير شك على أن المتهم كان في حالة دفاع شرعي، ولكنها استخلصت ما يخالف هذه الحقيقة،
فإنه يكون من حق محكمة النقض أن تتدخل وتصحح هذا الاستخلاص بما يقضي به المنطق والقانون.
الوقائع
اتهمت النيابة العامة الطاعن بأنه قتل عمداً محمد أحمد أبو العلا بأن أطلق عليه عياراً نارياً قاصداً قتله فأحدث به الإصابات المبينة بتقرير الصفة التشريحية والتي أودت بحياته وقد اقترنت بهذه الجناية جناية أخرى هي أنه في الزمان والمكان السالفي الذكر شرع في قتل أمين محمد علي يس عمداً بأن أطلق عليه عياراً نارياً قاصداً قتله فأحدث به الإصابات المبينة بالتقرير الطبي وخاب أثر الجريمة لسبب لا دخل لإرادته فيه هو مداركة المجني عليه بالعلاج. وطلبت من غرفة الاتهام إحالة المتهم إلى محكمة الجنايات لمعاقبته بالمواد 234/ 1 – 2 و45 و46 من قانون العقوبات. فقررت الغرفة بذلك. وقد ادعت فاطمة حسن بصفتها والدة المجني عليه (محمد أحمد أبو العلا) قبل المتهم بمبلغ مائة جنيه تعويضاً. ومحكمة جنايات الزقازيق قضت حضورياً عملاً بالمادتين 234/ 1 و251/ 2 من قانون العقوبات بمعاقبة المتهم محمد محمود سعد الشهير بجوده بالحبس مع الشغل لمدة ثلاث سنين وبإلزامه بأن يدفع للمدعية بالحق المدني فاطمة السيد حسن بصفتها والدة المجني عليه محمد أحمد أبو العلا مبلغ مائة جنيه مصري على سبيل التعويض والمصاريف المدنية ومبلغ عشرة جنيهات مقابل أتعاب المحاماة. فطعن الطاعن في هذا الحكم بطريق النقض… الخ.
المحكمة
… وحيث إن مبنى الطعن، هو أن الحكم المطعون فيه قد أخطأ في تطبيق
القانون وشابه التخاذل في التسبيب. وفي بيان ذلك يقول الطاعن إنه دفع بقيام حالة الدفاع
الشرعي عن نفسه وأن الحكم بعد أن بين واقعة الدعوى على صورة تجعل الطاعن في حالة دفاع
شرعي استخلص ما يخالف هذه الحقيقة وعاد واعتبره متجاوزاً بحسن نية حدود الدفاع الشرعي
وأعمل في حقه نص المادة 251/ 2 من قانون العقوبات فقال "إن الطاعن بعد الاعتداء عليه
تمكن من دخول زراعة قطن له تقع مقابل مكان إطلاق النار ثم الهرب منها إلى مسافة أربعين
متراً دون أن يقتفي أحد أثره وأنه كان في إمكانه إطلاق البندقية إرهاباً وتخويفاً حتى
يؤمن ظهره في فراره نحو العزبة" وفات الحكم أن من اعتدى على الطاعن لم يلتزم مكانه
عندما أطلق عليه النار بل هجم عليه حتى كان منه على بعد بضعة أمتار كما جاء بالتقارير
الطبية الشرعية مما يجعل استعمال الطاعن لحقه في هذا الظرف والظلام حالك أمراً لا مفر
منه ولا سبيل لرد الاعتداء بغيره – هذا وقد قضى الحكم المطعون فيه لوالدة القتيل بتعويض
مدني مع أنه هو الذي تسبب في الحادث مما تنتفي معه كل مسئولية.
وحيث إن الحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى بقوله "إنه أثناء توجه المتهم محمد محمود
سعيد الشهير بجوده إلى ماكينة طحين تعلقه لخفارتها وذلك بعد منتصف ليل أول مايو سنة
1952 بقليل وحال مسيره في الطريق الموصل بين عزبة حمدي وبين الماكينة المشار إليها
وعلى مسيرة مائتي متر من العزبة و120 متراً من الماكينة وبدائرة بلدة الخيس مركز أبو
حماد سمع طلق عيار ناري صادر من زراعة قمح تقع غرب هذا الطريق وأمام غيط منزرع قطناً
مملوكاً له فبادر المتهم إلى الدخول في زراعة القطن وأطلق من بندقيته الخرطوش التي
كان يحملها وقتذاك عيارين متتاليين صوب الجهة التي أطلق منها العيار ثم ولى الفرار
عائداً إلى العزبة" ثم عرض الحكم لدفاع الطاعن فقال: "وحيث إن الدفاع عن المتهم برّر
ارتكاب الأخير للحادث بأنه كان في حالة دفاع شرعي عن النفس في حكم المادة 250 من قانون
العقوبات واستند في ذلك على تصويره لكيفية حصول الحادث بالصورة التي قدمها المتهم في
التحقيقات وأصر عليها بالجلسة ومحصلها أن المصابين مع آخرين مجهولين كانوا يترصدون
حضوره لإيقاع الأذى به وقد أقاموا كميناً مزدوجاً من الناحيتين القبلية والبحرية للطريق
الذي كان يسير فيه إحكاماً لهذا التدبير العدواني حتى إذا ما اقترب منهم عاجلوه بطلق
ناري وإذ كان المتهم وقتذاك وحيداً والوقت حالك الظلمة وفي بهيم الليل فلم يسعه دفاعاً
عن نفسه سوى الالتجاء إلى زراعة القطن حيث ارتمى على أرضها ثم أطلق العيارين تهديداً
وإرهاباً للجناة وهو جاثم على الأرض وأن إصابة المصابين من هذين العيارين إنما وقع
نتيجة لتلك الحالة النفسية المضطربة التي كان عليها وقتذاك ووقت إطلاقه إياهما – وحيث
وإن كان قد ثبت لهذه المحكمة أن المتهم قد فوجئ حقيقة بطلق عيار ناري صوبه أثناء سيره
في ليلة الحادث متوجهاً للماكينة وأن أقواله بخصوص هذا الوجه قد تأيدت بما شهد به كل
من أحمد محمود سعد والسيد شحات عطايا في التحقيق وبالجلسة من سماعهما طلق عيار ناري
تلاه طلق عيارين آخرين متتاليين وذلك قبل سماعهما استغاثة المتهم المذكور وأن مفاجأة
المتهم على تلك الصورة قد وقع في ليلة حالكة الظلمة وفي مكان ينأى عن العمران ويبعد
عن مساكن العزبة بحوالي مائتي متر على ما أثبتته المعاينة إلا أنه ثبت من أقوال المتهم
ذاته في التحقيق الذي أجراه قاضي التحقيق ومن المعاينة التي أجرتها النيابة بانتداب
من الأخير أن المتهم وقت إطلاق العيار الناري عليه كان بعيداً عن زراعة القمح التي
أطلق منها والتي عثر فيها فيما بعد على محمد أحمد أبو العلا مصاباً بمسافة عشرين متراً
وأنه أي المتهم تمكن بالرغم من ذلك من الدخول في زراعة قطنه المقابلة لمحل طلق هذا
العيار ثم الهرب منها إلى مسافة تبعد حوالي أربعين متراً من مكان الحادث حيث قابله
أخوه الخفير النظامي محمد محمد سعد وهو قادم لنجدته على ما شهد به هذا الأخير في التحقيقات
دون أن يقتفي مطلق هذا العيار وغيره ممن كان معه من زملائه أثره أو يحاول القضاء عليه
بموالاة إطلاق النار…… وهي أوجه تدلل على دحض ما ارتكن إليه المتهم من أن إطلاقه
للعيارين الناريين اللذين أوديا بحياة أحد المجني عليهما وبإصابة الآخر إنما كان أمراً
لا مفر منه لدفع خطر جسيم عن حياته لم يكن في استطاعته دفعه بغير هذا الطريق، وترى
المحكمة أن المتهم فيما قام به من إطلاق العيارين على المجني عليهما على تلك الصورة
وبدون رؤية قد جاوز حدود الدفاع الشرعي بحسن نية إذ كان في ميسوره حتى مع ما ساقه في
دفاعه من استعماله للبندقية التي كان يحملها وقتذاك كان أمراً لا مفر منه أن يعمل على
إطلاقها في الهواء إرهاباً وتخويفاً وبذلك يؤمن ظهره في فراره صوب العزبة مخترقاً مزارع
قطنه" لما كان ذلك وكان يبين من هذا الذي أورده الحكم أن الطاعن كان في حالة دفاع شرعي
عن نفسه في حقيقة معناه إذ فوجئ أثناء سيره وسط المزروعات في ليلة حالكة الظلمة يستحيل
معها الرؤية حوالي منتصف الليل وفي مكان ينأى عن العمران ويبعد عن مساكن العزبة بنحو
مائتي متر بطلق عيار ناري نحوه ولم يكن في مقدور الطاعن أن يتبين مدى اعتداء المعتدين
عليه مع احتمال أن يتوالى عليه الضرب بالنار، وهو فعل يتخوف أن يحدث منه الموت أو جراح
بالغة، أو أن يحاول المعتديان ومن معهما الإحداق به واقتفاء أثره، فإن هذا التخوف يكون
في هذه الحالة مبنياً على أسباب معقولة تبرر رد الاعتداء بالوسيلة التي تصل إلى يد
المدافع وتقدير ظروف الدفاع الشرعي ومقتضياته أمر اعتباري يجب أن يتجه وجهة شخصية تراعي
فيه مختلف الظروف الدقيقة التي أحاطت بالمدافع وقت رد العدوان مما لا يصح معه محاسبته
على مقتضى التفكير الهادئ البعيد عن تلك الملابسات وقد فات الحكم أن هروب الطاعن إنما
كان بعد إطلاقه النار نحو مصدر العيار الذي أطلق عليه في وقت كان لا يعرف فيه موقف
المعتدين منه فيما لو أطلق العيارين في الهواء إرهاباً وتخويفاً – كما يقول الحكم.
ولذلك فإن هذا التخويف يكون في هذه الحالة مبنياً على أسباب معقولة تبرر رد الاعتداء
بالوسيلة التي استخدمها مما يتعين معه اعتباره في حالة دفاع شرعي عن نفسه. ولما كان
تقدير القوة اللازمة لرد الاعتداء وما إذا كان ذلك يدخل في حدود حق الدفاع الشرعي أو
يتعداه، هو من شأن محكمة الموضوع – إلا أنه متى كانت وقائع الدعوى – كما أثبتها الحكم
تدل بغير شك على أن الطاعن كان في حالة دفاع شرعي، ولكنها استخلصت ما يخالف هذه الحقيقة
كما هو الحال في الدعوى، فإنه يكون من حق محكمة النقض أن تتدخل وتصحح هذا الاستخلاص
بما يقضي به المنطق والقانون.
وحيث إنه لما تقدم يتعين قبول الطعن ونقض الحكم المطعون فيه وبراءة الطاعن ورفض الدعوى
المدنية قبله وإلزام رافعتها بالمصروفات المدنية.
