الطعن رقم 321 سنة 26 ق – جلسة 30 /04 /1956
أحكام النقض – المكتب الفني – جنائي
العدد الثاني – السنة 7 – صـ 670
جلسة 30 من إبريل سنة 1956
برياسة السيد وكيل المحكمة مصطفى فاضل، وحضور السادة: محمود إبراهيم إسماعيل، ومصطفى كامل، ومحمود محمد مجاهد، ومحمد محمد حسنين – المستشارين.
القضية رقم 321 سنة 26 القضائية
قتل خطأ. إصابة خطأ. تقدير السرعة التي تعتبر خطراً على حياة الجمهور
وتصلح أساساً للمساءلة الجنائية في هاتين الجريمتين. اختلافه بحسب الزمان والمكان والظروف
المحيطة بالحادث. سلطة محكمة الموضوع في هذا التقدير.
السرعة التي تعتبر خطراً على حياة الجمهور وتصلح أساساً للمساءلة الجنائية عن جريمة
القتل الخطأ أو الإصابة الخطأ إنما يختلف تقديرها بحسب الزمان والمكان والظروف المحيطة
بالحادث، وهو أمر موضوعي بحت تقدره محكمة الموضوع في حدود سلطتها دون معقب.
الوقائع
اتهمت النيابة العامة الطاعن بأنه: أولاً – تسبب من غير قصد ولا تعمد في إصابة منصور فايد سويلم وكان ذلك ناشئاً عن إهماله وعدم احتياطه وعدم مراعاته اللوائح بأن قاد سيارة بسرعة ولم يطلق آلة التنبيه أثناء انعراجه بها في منعطف فصدم المجني عليه وأحدث به الإصابات الموصوفة بالتقرير الطبي. ثانياً – قاد سيارة ولم يطلق آلة التنبيه. ثالثاً – قاد سيارة بدون رخصة قيادة. رابعاً – قاد سيارة بسرعة ينجم عنها الخطر على حياة الجمهور وممتلكاته – وطلبت عقابه بالمواد 244 عقوبات و15 و17 و28 و53 سيارات وقد ادعى فايد سويلم المجني عليه بحق مدني قبل المتهم وطلب القضاء له عليه بمبلغ قرش صاغ واحد بصفة تعويض مؤقت ومحكمة جنح قويسنا الجزئية قضت حضورياً عملاً بمواد الاتهام المادة 32 من قانون العقوبات. أولاً – بتغريم المتهم عشرة جنيهات عن الجرائم الأولى والثانية والرابعة وتغريمه مائة قرش عن الجريمة الثالثة بلا مصروفات جنائية. ثانياً – بإلزامه بأن يدفع قرشاً صاغاً للمدعي المدني تعويضاً مؤقتاً مع إلزامه بمصروفات الدعوى المدنية وثلثمائة قرش مقابل أتعاب المحاماة فاستأنف المتهم الحكم ومحكمة شبين الكوم الابتدائية بهيئة استئنافية قضت حضورياً بتأييد الحكم المستأنف وألزمت المتهم بالمصاريف المدنية الاستئنافية بلا مصروفات جنائية. فطعن الطاعن في هذا الحكم بطريق النقض… الخ.
المحكمة
… حيث إن مبنى الأوجه الأول والثاني والرابع هو أن الحكم المطعون
فيه الذي أخذ بأسباب الحكم الابتدائي أخطأ في تحصيل واقعة الدعوى بما يخالف الثابت
في الأوراق من أدلة مادية ومن أقوال الشهود، وقد انبنى على هذا الخطأ أيضاً فساد الاستدلال
ذلك بأن المحكمة بعد أن بينت الواقعة حسبما رواه المجني عليه وشاهده السيد عمر رغم
اختلاف رواية كل منهما عن الآخر، عادت وأخذت بتصوير آخر صوّره المجني عليه هو أنه كانت
في مكان الحادث سيارة أجرة تقف بعيداً عن المقهى عند الواجهة المقابلة لها، فلما صدمته
سيارة المتهم وضعته بينها وبين السيارة الأجرة ونشأت عن ذلك إصابته بالإصابات المبينة
بالتقرير الطبي مع أنه ليس لهذا التصوير أساس من الصحة إذ أشهد المجني عليه على وجود
السيارة الأجرة كلاً من السيد عمر وعطية عطية عبد الرازق صاحب تلك السيارة المزعومة
وعبد الستار محمد المشاط ولكن هذين الأخيرين لم يصادقاه ونفيا وجود السيارة الأجرة
في مكان الحادث وكذلك أجمع شهود النفي الذين كانوا وقت الحادث جالسين في المقهى على
عدم وجود تلك السيارة ويدل على ذلك أيضاً ما تنم عنه مناقشة القاضي للمجني عليه عند
إجراء المعاينة من تشككه في صدق روايته وما دلت عليه تلك المعاينة ذاتها، وما شهد به
صاحب المقهى السيد علي رضوان أثناء المعاينة وانساقت المحكمة أيضاً وراء مزاعم المجني
عليه في واقعتين أخريين أولاهما أن المجني عليه ادعى أنه أصيب من الرفرف الأمامي الأيسر
من السيارة الجيب التي كان يقودها الطاعن مع مخالفة ذلك لماديات الدعوى واختلاف أقوال
الشهود في هذا الشأن، والواقعة الأخرى خاصة بتحديد مكان الاصطدام إذ ادعى المجني عليه
بأنه كان يقف في موضوع مجاور لموضع مرور سيارة الطاعن وليس فوق الإفريز الذي فيه المقهى
مع أنه سبق أن قرر عكس ذلك في أقواله الأولى في التحقيق ويضيف الطاعن إلى ما تقدم أن
الحكم المطعون فيه نسب إليه الخطأ لأنه قاد السيارة بسرعة دون أن يتبين مقدار هذه السرعة
مع أنه لم يشهد بهذه الواقعة إلا المجني عليه وحده ولم يصادقه على قوله أحد من الشهود
هذا والثابت أن الطاعن كان وقت الحادث يعرج بسيارته للدخول بها في شارع آخر مما يوجب
عقلاً تهدئة سرعتها، وكذلك نسب الحكم إلى الطاعن خطأ آخر هو أنه لم يطلق جهاز التنبيه
مع أن جميع الشهود نفوا هذه الواقعة ولم يشهد بها إلا الشاهد السيد عمر يضاف إلى ذلك
انعدام رابطة السببية بين الخطأ والضرر لأن الخطأ لم يقع من الطاعن وإنما وقع من المجني
عليه وحده حين خرج من المقهى مسرعاً دون حيطة ليلقى صديقاً له على الجانب الآخر من
الطريق فاصطدم بالرفرف الخلفي الأيسر لسيارة الطاعن أثناء سيرها، وهو ما أجمع عليه
الشهود وسلم به الحكم المطعون فيه.
وحيث إن الحكم المطعون فيه الذي أيد الحكم الابتدائي لأسبابه بين واقعة الدعوى بما
مؤداه أنه بينما كان المجني عليه واقفاً إلى جوار سيارة أجرة تقف على الجانب الشرقي
للطريق في مواجهة مقهى عند ملتقى شارع رئيسي عرضه خمسة أمتار بشارع آخر فرعي ضيق إذ
أقبلت سيارة جيب يقودها الطاعن بسرعة وأراد أن ينحرف بها وهي على هذه السرعة من الشارع
الرئيسي إلى الشارع الفرعي دون أن يطلق البوق لتنبيه من في الطريق فاصطدمت بالمجني
عليه وحشرته بينها وبين السيارة الأجرة ونشأت عن ذلك إصابته بالإصابات الموضحة بالتقرير
الطبي وكان الطاعن يقود السيارة المذكورة وهو غير مرخص له بقيادة السيارات كما قادها
بغير علم صاحبها ثم أورد الحكم على ثبوت الواقعة على هذه الصورة أدلة مستمدة من شهادة
المجني عليه وشهادة السيد عمر ومن الأقوال الأولى التي أبداها صاحب المقهى علي رضوان
علي في محضر البوليس ومن معاينة محل الحادث ولها كلها أصلها الثابت في الأوراق وعرض
الحكم بعد ذلك لدفاع الطاعن ولأقوال شهود النفي وأطرحها للأسباب التي بينها لما كان
ذلك وكانت أدلة الثبوت التي أوردها الحكم سائغة ومن شأنها أن تؤدي إلى الإدانة وكان
للمحكمة في سبيل تكوين عقيدتها أن تأخذ بأقوال بعض الشهود وأن تعرض عن أقوال البعض
الآخر كما أن لها أن تعول على قول للشاهد أبداه في مستهل التحقيقات ولو عدل عنه بعد
ذلك إذ المرجع في ذلك كله إلى ما تطمئن إليه محكمة الموضوع من هذه الأقوال وتقتنع بصدقه.
ولما كانت السرعة التي تعتبر خطراً على حياة الجمهور وتصلح أساساً للمساءلة الجنائية
عن جريمة القتل الخطأ أو الإصابة الخطأ إنما يختلف تقديرها بحسب الزمان والمكان والظروف
المحيطة بالحادث وهو أمر موضوعي بحيث تقدره محكمة الموضوع في حدود سلطتها دون معقب
وكان الحكم قد عرض لصلة السببية بين الخطأ والضرر واستظهر توافر هذه الصلة فيما أخذ
به من شهادة الشاهد السيد عمر من أن الطاعن لو كان قد استعمل جهاز التنبيه ونبه به
المجني عليه لما وقع الحادث كما قال الحكم في موضع آخر أنه "ثبت من أقوال المجني عليه
والسيد عمر وأقوال علي رضوان الأولى أن المتهم انحرف بالسيارة قيادته للشارع الجانبي
الضيق بسرعة فصدم المجني عليه وأحدث إصابته وعلى فرض التسليم جدلاً بأن المجني عليه
كان خارجاً من المقهى وقت مرور السيارة فلا ينفي ذلك من خطأ المتهم بقيادته السيارة
بسرعة دون أن يطلق آلة التنبيه مما أدى إلى وقوع الحادث وبذلك يكون الخطأ ثابت من جانبه
وقد قامت رابطة السببية بين هذا الخطأ والضرر الواقع على المجني عليه" وما قاله الحكم
من ذلك يكفي بياناً لتوفر رابطة السببية، لما كان ذلك فإن ما ينعاه الطاعن على الحكم
المطعون فيه في الأوجه المتقدمة لا يكون له محل.
وحيث إن الوجه الثالث يتحصل في القول بأن المحكمة المطعون في حكمها أخلت بحق الطاعن
في الدفاع إذ طلب إليها بجلسة 19/ 9/ 1955 استدعاء الطبيب الشرعي لمناقشته فأجلت نظر
الدعوى أسبوعاً لإعلان الدكتور إبراهيم أبو باشا طبيب أول المستشفى الأميري فلما لم
يحضر تمسك الدفاع عن الطاعن بطلب الطبيب المذكور وإحالة المجني عليه على الطبيب الشرعي
ولكن المحكمة لم تستجب لهذا الطلب وعدلت عن قرارها دون أن تبدي لذلك أسباباً مع أن
مناقشة الطبيب الشرعي فيما أسفرت عنه المعاينة كان أمراً واجباً لأن المعاينة جاءت
مؤيدة لرواية الطاعن وشهوده ولو صح دفاعه من أن المجني عليه هو الذي اصطدم بالرفرف
الخلفي الأيسر للسيارة لانتفت المسئولية.
وحيث إن ما يثيره الطاعن في هذا الوجه مردود بما قاله الحكم المطعون فيه تبريراً لرفض
الطلب المشار إليه في الوجه المذكور "أما طلبه (الدفاع عن الطاعن) سماع شهادة الدكتور
إبراهيم أبو باشا أو عرض المجني عليه على الطبيب الشرعي فلا ترى المحكمة موجباً لإجابته
إلى هذا الطلب إذ يبين من الكشف الطبي المتوقع على المجني عليه بمعرفة مفتش صحة قويسنا
في 13/ 11/ 1954 أنه أصيب بكسر مضاعف بعظمتي الساق اليسرى وجرح متهتك بأسفل الساق اليمنى
يجوز حدوثها من اصطدام سيارة ويبين من إفادة الشفاء المحررة في 12/ 6/ 1955 من الدكتور
إبراهيم أبو باشا طبيب أول مستشفى شبين الكوم أن إصابات المجني عليه بالساقين ناتجة
من مصادمة جسم صلب راض ولم يبين الدفاع السبب الذي من أجله يطلب مناقشة الطبيب مع وضوح
هذين التقريرين فضلاً عن أنه لم ينكر إصابة المجني عليه من السيارة التي كان يقودها
المتهم وكل ما في الأمر أنه يلقى تبعة وقوع الحادث على خطأ المجني عليه بخروجه من المقهى
مسرعاً واصطدامه بالجانب الأيسر الخلفي للسيارة وبذلك يكون القصد من هذا الطلب تأخير
الفصل في الدعوى ويتعين لذلك رفضه" ولما كان هذا الذي ساقه الحكم يصلح رداً سديداً
على ما طلبه الدفاع عن الطاعن مبرراً لرفضه فإن دعوى الإخلال بحق الدفاع لا يكون لها
وجه.
وحيث إنه لما تقدم يكون الطعن على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً
