الطعن رقم 1242 سنة 25 ق – جلسة 14 /02 /1956
أحكام النقض – المكتب الفني – جنائي
العدد الأول – السنة 7 – صـ 185
جلسة 14 من فبراير سنة 1956
برياسة السيد مصطفى فاضل – وكيل المحكمة، وبحضور السادة: حسن داود ومصطفى كامل، وفهيم يسى الجندي، والسيد أحمد عفيفي – المستشارين.
القضية رقم 1242 سنة 25 القضائية
( أ ) نقض. طعن لا مصلحة منه. لا جدوى من إثارته. مثال في قتل عمد
مع سبق إصرار وترصد.
(ب) نقض. أسباب جديدة. إجراءات. الدفع ببطلان إجراء من الإجراءات السابقة على المحاكمة.
إثارته لأول مرة أمام محكمة النقض. غير جائزة.
1 – لا جدوى للمتهمين مما يثيرونه بصدد قيام ظرف الترصد ما دامت العقوبة المقضي بها
عليهم تدخل في نطاق العقوبة المقررة للقتل العمد من غير ترصد.
2 – الدفع ببطلان إجراء من الإجراءات السابقة على المحاكمة لا تقبل إثارته لأول مرة
أمام محكمة النقض.
الوقائع
اتهمت النيابة العامة الطاعنين الثلاثة المذكورين بأنهم بدائرة الشورانية مركز المراغة مديرية جرجا: قتلوا فهمي اسكاروس عوض مع سبق الإصرار والترصد بأن بيتوا النية على ذلك، وأعدوا لهذا الغرض أسلحة نارية، وتربصوا له في الطريق الذي أيقنوا أنه سيمر فيه، ولما ظفروا به أطلقوا عليه جميعاً عدة أعيرة نارية بقصد قتله فأصابته ثلاثة أعيرة بالإصابات المبينة بالتقرير الطبي الشرعي والتي أودت بحياته، وطلبت من غرفة الاتهام إحالتهم إلى محكمة الجنايات لمعاقبتهم بالمواد 230 و231 و232 من قانون العقوبات فقررت بذلك في 18 ديسمبر سنة 1954. وادعت مدنياً سعيدة إبراهيم شحاتة والدة القتيل وطلبت الحكم لها قبل المتهمين متضامنين بمبلغ مائة جنيه تعويضاً مع المصاريف والأتعاب. ومحكمة جنايات سوهاج قضت حضورياً بمعاقبة كل من المتهمين بالأشغال الشاقة المؤبدة وإلزامهم متضامنين بأن يدفعوا للمدعية بالحقوق المدنية مائة جنيه على سبيل التعويض والمصاريف المدنية وخمسمائة قرش مقابل أتعاب المحاماة، وذلك عملاً بمواد الاتهام مع تطبيق المادة 17 من قانون العقوبات. فطعن المحكوم عليهم في هذا الحكم بطريق النقض… الخ.
المحكمة
وحيث إن مبنى الوجهين الأول والثالث هو القصور في البيان، إذ استشهد
الطاعنون في تحقيق النيابة العامة بشهود نفي على أنهم كانوا وقت الحادث في مكان آخر
بعيد عن المكان الذي وقعت فيه الجريمة، فصادقوهم على دفاعهم ولكن المحكمة ضربت صفحاً
عن شهادة هؤلاء الشهود، ولم تعن بتفنيدها ولا بالإشارة إليها، كذلك لم تبحث في توفر
ظروف الترصد لتتحقق من علم الطاعنين بأن المجني عليه سوف يمر من الطريق الذي وقع فيه
الحادث دون غيره، وعلمهم بالوقت الذي سيمر فيه، ولم تناقش شهود الإثبات في ذلك ولا
في الضغينة التي قيل بأنها قائمة بين المجني عليه وبين الطاعنين بسبب قضية أحمد عبد
المجيد، وذلك بالرغم مما ثبت من أن بين المجني عليه وبين عائلة العمدة ثأراً بسبب قتل
توفيق خليل الذي كان المجني عليه متهماً بقتله.
وحيث إن ما يثيره الطاعنون في الوجهين المتقدمين مردود بأن محكمة الموضوع غير ملزمة
بأن تشير صراحة في حكمها إلى عدم أخذها بشهادة شهود النفي، إذ أن قضاءها بالإدانة استناداً
إلى أدلة الثبوت التي أوردتها يتضمن بذاته الرد على شهادة شهود النفي، وأن المحكمة
لم تطمئن إلى صدق أقوالهم فأطرحتها، ولما كان الحكم المطعون فيه بعد أن بين واقعة الدعوى
وساق الأدلة على ثبوتها في حق الطاعنين عرض لظرف الترصد واستظهره بقوله: "إن سبق الإصرار
والترصد ثابتان من الضغينة والحقد اللذين تولدا في صدور المتهمين (الطاعنين) على المجني
عليه لمظاهرته ابن عمه فهيم عبد الملاك في القضية التي اتهم فيها ابن عمهم أحمد عبد
المجيد ومناصبته إياه العداء حتى حكم عليه بعقوبة شديدة أوغرت صدورهم، ومن أنه كبير
عائلته فتخيروه للانتقام منه لابن عمهم، وقد مضت بين هذه الضغينة وبين الحادث فترة
كافية فكروا فيها في الجريمة بهدوء وهم رابطوا الجأش بعيدون عن ثورة الهياج، وقدروا
عواقبها وارتضوها، فلما أن عزموا على ارتكابها أعدوا لذلك بنادقهم وعبأوها بالرصاص
وتوجهوا بها إلى المكان الذي يعلمون بحكم أنهم من بلدة المجني عليه، أنه طريقه في عودته
من محل عمله وكمنوا له بأسلحتهم حتى إذا ما مر بهم باغتوه بأن أطلقوا عليه وابلاً من
رصاصها دون أن يبادلوه حديثاً أو مناقشة، يضاف إلى ذلك ما شهد به نائب العمدة من سابقة
تربص المتهمين بالمجني عليه". ولما كان فيما قاله الحكم من ذلك بيان كاف وتدليل سائغ
يتحقق به ظرف الترصد وكان قيام ظرف سبق الإصرار الذي لا ينازع الطاعنون في توفره يغني
عن قيام ظرف الترصد، وكان لا جدوى للطاعنين مما يثيرونه بصدد هذا الظرف، لأن العقوبة
المقضي بها عليهم وهي الأشغال الشاقة المؤبدة تدخل في نطاق العقوبة المقررة للقتل العمد
من غير سبق إصرار ولا ترصد – لما كان ذلك، فإن ما ينعاه الطاعنون فيما تقدم لا يكون
له محل.
وحيث إن حاصل الوجه الثاني هو أن النيابة العامة حققت الواقعة وسمعت شهود الإثبات في
منزل نائب العمدة في غيبة الطاعنين لأن كان مقبوضاً عليهم في مكان آخر بحجة أن في إحضارهم
إلى مكان التحقيق، أو في انتقال شهود الإثبات إليه خطراً على الأمن، وإذا كان وكيل
النيابة المحقق قد انتقل ومعه هؤلاء الشهود إلى دكان الطاعنين لاستجوابهم ومواجهتهم،
فقد تم ذلك بعد سماع الشهود، وكان ينبغي أن تكون المواجهة عقب شهادة كل شاهد لا أن
تكون إجمالية.
وحيث إنه لما كان ما ينعاه الطاعنون في هذا الوجه هو دفع ببطلان إجراء من الإجراءات
السابقة على المحاكمة، وكان لا يبين من محضر الجلسة أن الطاعنين أثاروا هذا الدفع أمام
محكمة الجنايات، فلا تقبل منهم إثارته لأول مرة أمام محكمة النقض.
وحيث إن الوجه الرابع يتحصل في القول بأن محكمة الجنايات أطرحت تقرير الطبيب الشرعي
بالنسبة لمواضع الإصابات واتجاهاتها بجسم القتيل دون أن تستدعيه لمناقشته في ذلك التقرير،
على الرغم من مخالفة التقرير لرواية شاهدي الرؤية اللذين قررا أن الطاعن الأول أطلق
على المجني عليه مقذوفاً نارياً من اليمين والخلف، بينما يقرر الطبيب الشرعي أنه لا
توجد بالقتيل إصابات حدثت من الخلف، وأن الإصابات التي وجدت به حدثت إحداها من الأمام
بالصدر وحدثت الثانية من أعلى لأسفل، والثالثة من أسفل لأعلى، مما يدل على أن المقذوفات
كلها أصابته من الأمام لا من الخلف فكان يتعين إذن استدعاء الطبيب الشرعي لمناقشته
فيما ورد بتقريره.
وحيث إن الحكم المطعون فيه عرض لما يردده الطاعنون في هذا الوجه فقال: "إن المحكمة
تطمئن إلى أن شاهدي الرؤية قد شاهدا الحادث لأنهما كانا يرافقان المجني عليه في وقت
تسمح فيه حالة الضوء بالرؤية وقد تأيدت مرافقتهم له مما أجمع عليه الشهود الذين خفوا
إلى مكان الحادث فور وقوعه بأنهم وجدوهما بجوار القتيل، أما ما جاء بالنسبة لاتجاهات
الأعيرة النارية، فإن التقرير قد حدد هذه الاتجاهات على أساس أن جسم المجني عليه كان
في وضعه الطبيعي، وتشير ظروف إطلاق النار على المجني عليه من اتجاهات مختلفة إبان سيره
إلى أنه ليس ما يمنع من أن يكون قد تحرك في هذه الأثناء، وغير من أوضاع جسمه بصور شتى
وفي اتجاهات مختلفة، فضلاً عما شهد به شاهدا الرؤية من أن بعض هذه الأعيرة قد أطلق
عليه بعد سقوطه". ولما كان ما أثبته الحكم نقلاً عن تقرير الطبيب الشرعي أن اتجاه الإصابات
المشار إليها بوجه الطعن هي بحسب الوضع الطبيعي لجسم المجني عليه، وكان يبين من هذا
الذي أورده الحكم فيما سبق بيانه أن المحكمة استخلصت من شهادة شاهدي الرؤية احتمال
أن يكون المجني عليه قد تحرك أثناء إطلاق المقذوفات عليه، وغير من أوضاع جسمه، كما
عللت اختلاف مسار بعض المقذوفات ومغايرة اتجاهاتها لحالة إطلاقها عندما يكون الجسم
في وضعه الطبيعي بأنه أطلق على المجني عليه بعد سقوطه على الأرض بعض الأعيرة. لما كان
ذلك، وكان ما استخلصته المحكمة وعللت به الخلاف الظاهري بين أقوال شاهدي الرؤية وبين
تقرير الطبيب الشرعي سائغاً في العقل، مستقيماً مع منطق الأمور، فإنه لا يكون ثمة أي
تعارض حقيقي بينهما ولما كان محضر جلسة المحاكمة خلواً مما يفيد أن الدفاع عن الطاعنين
طلب إلى المحكمة استدعاء الطبيب الشرعي لمناقشته في تقرير، فليس له أن ينعي عليها عدم
استدعائه – لما كان كل ذلك، فإن ما يثيره الطاعنون في هذا الوجه لا يكون مقبولاً.
وحيث إنه مما تقدم يكون الطعن على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً.
