الطعن رقم 1556 لسنة 8 ق – جلسة 17 /12 /1967
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الثالثة عشرة – العدد الأول (من أول أكتوبر سنة 1967 إلى منتصف فبراير سنة 1968)
– صـ 304
جلسة 17 من ديسمبر سنة 1967
برئاسة السيد الأستاذ مصطفى كامل إسماعيل نائب رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة الأساتذة محمد مختار العزبي وأحمد علي البحراوي وسليمان محمود جاد ومحمد فهمي طاهر المستشارين.
القضية رقم 1556 لسنة 8 القضائية
( أ ) موظف. "ترقية الموظف المنقول".
المادة 47 من القانون رقم 210 لسنة 1951 – نصها على ألا تكون ترقية الموظف المنقول
قبل مضي سنة من تاريخ نقله – حكمة ذلك – لا يبرر الاستثناء من أحكام هذا النص عدم وجود
موظف أصيل بالجهة المنقول إليها مستحق للترقية حتى تمام السنة.
(ب) قرار إداري. "عيوبه". موظف – ترقية المنقول.
صدور قرار بترقية المدعي بالجهة المنقول إليها دون مراعاة القيد الزمني الوارد بالمادة
47 من القانون رقم 210 لسنة 1951 – قرار باطل وليس منعدماً – أساس ذلك.
(جـ) قرار إداري. "سحبه".
سحب القرار الإداري الباطل يكون خلال المدة المحددة لطلب الإلغاء – ليس بلازم أن يتم
السحب كلياً أو جزئياً خلال هذه المدة المقررة له – يكفي أن تكون إجراءات السحب قد
بدأت خلال الميعاد المذكور – استمرار حق السحب قائماً آنذاك طوال المدة التي يستمر
فيها فحص الإدارة لشرعيته.
1 – إن المادة 47 من القانون رقم 210 لسنة 1951 قد أفردت فقرتها الثانية لتحديد حق
كل من الموظف المنقول والموظفين الذين يعملون في الجهة التي نقل إليها ووضعت قيداً
زمنياً على ترقيته بالأقدمية وقد استهدف بذلك من جهة محاربة السعي للحصول على درجة
في غير الجهة التي يعمل فيها الموظف دون وجه حق ومن جهة أخرى قصدت هذه الفقرة إلى رعاية
آمال موظفي الجهة المنقول إليها هذا الموظف في التطلع إلى الترقية إلى الدرجات الأعلى
التي تخلو في جهتهم، فاستلزمت ألا تكون ترقية الموظف المنقول إليها قبل مضي سنة من
تاريخ نقله. وجعلت من هذا الحظر أصلاً عاماً، ثم أوردت عليه استثنائين لا ثالث لهما
يحولان دون إعمال هذا الأصل إذا توفر أحدهما أو كلاهما وهما حالة الترقية بالاختيار
وحالة الترقية في درجات المصالح المنشأة حديثاً. وورود النص على هذا النحو واضح الدلالة
على أن حظر ترقية الموظف المنقول قبل انقضاء الفاصل الزمني المقرر قد جاء مطلقاً لا
يقبل التخصص بحيث يتعين إعماله متى قام بغير تأويل أو اجتهاد في مورد النص، ولا يقدح
في هذه النتيجة عدم وجود موظف أصيل بالجهة المنقول إليها المدعي مستحق للترقية حتى
تاريخ تمام السنة مما يمكن أن يقال معه بانتفاء الحكمة التي تغياها الشارع من هذا القيد
الزمني، لأن هذا القول مردود بأن الأمر في هذا الخصوص ليس رهيناً بقيام مصلحة للموظفين
الأصلاء تحدوهم إلى مخاصمة قرار الترقية غير المشروع بالتظلم منه إدارياً أو الطعن
فيه قضائياً وإنما هو منوط بمدى صلاحية الموظف الوافد ذاته لأن يكون محلاً للترقية
قبل تحقق النصاب الزمني الذي استلزمته الفقرة الثانية من المادة 47 آنفة الذكر والذي
بتوفره تنتفي القرينة القائمة على استهداف التحايل من وراء النقل.
2 – أن العيب الذي شاب قرار ترقية المدعي ينحصر فقط في عدم توفر شرط النصاب الزمني
الذي استلزمه القانون لترقية الموظف المنقول في الجهة المنقول إليها، وكان سبب هذا
العيب هو الخطأ في فهم القانون وفي إنزال حكمه على الوجه الصحيح فإن قصارى ما يمكن
أن يترتب على تخلف هذا الشرط في حالة المدعي هو فقدان قرار ترقيته لشرط من شروط صحته
دون القول بانعدامه لفقدان ركن النية فيه، لما هو واضح من أن نية الإدارة مصدرة القرار
قد اتجهت فعلاً إلى ترقية المدعي بسلطتها التقديرية على الرغم من علمها على وجه اليقين
بعدم توفر الشرط الزمني للترقية فيه.
3 – أن القرارات الباطلة لمخالفتها القانون يجوز للإدارة الرجوع فيها وسحبها بقصد إزالة
آثار البطلان وتجنب الحكم بإلغائها قضائياً شريطة أن يتم ذلك في خلال المدة المحددة
لطلب الإلغاء، ومرد ذلك إلى وجوب التوفيق بين ما يجب أن يكون للإدارة من حق في إصلاح
انطوى عليه قرارها من مخالفة قانونية وبين ضرورة استقرار الأوضاع القانونية المترتبة
على القرار الإداري من مراعاة الاتساق بين الميعاد الذي يجوز فيه لصاحب الشأن طلب الإلغاء
بالطريق القضائي وبين الميعاد الذي يجوز فيه للإدارة سحب القرار تقريراً للمساواة في
الحكم ومراعاة للمعادلة بين مركز الإدارة ومركز الأفراد إزاء القرار الإداري حتى يكون
للقرار حد يستقر عنده المراكز القانونية الناشئة عنه حصانة تعصمها من كل تغير أو تعديل
لئن كان الأمر كذلك إلا أنه مما تجب المبادرة إلى التنبيه إليه أنه ليس بلازم أن يتم
السحب كلياً أو جزئياً خلال المدة المقررة له، وإنما يكفي لتحقق مقتضى الحكم المتقدم
بأن تكون إجراءات السحب بإفصاح الإدارة عن إرادتها في هذا الخصوص قد بدأت خلال الميعاد
المذكور فيدخل القرار بذلك في طور من الزعزعة وعدم الاستقرار ويظل بهذه المثابة طوال
المدة التي يستمر فيها فحص الإدارة لشرعيته طالما أنها سلكت مسلكاً إيجابياً نحو التحقق
من مطابقته أو عدم مطابقته للقانون إلى أن تحدد موقفها منه نهائياً، والقول بغير هذا
النظر ينطوي على تكليف للإدارة بما يجاوز السعة ويؤدي إلى إسراعها على وجه مبتسر تفادياً
لنتائجه إلى سحب القرار دون استكمال البحث الصحيح مما يتعارض مع مصلحة ذوي الشأن فيه.
بل ومع المصلحة العامة.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع الإيضاحات، وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة – حسبما يبين من أوراق الطعن – تتحصل في أن المدعي أقام
الدعوى رقم 122 لسنة 16 القضائية ضد وزارة الصناعة بصحيفة أودعت قلم كتاب محكمة القضاء
الإداري في 2 من نوفمبر سنة 1961 وطلب الحكم: "بإلغاء القرار الوزاري رقم 376 الصادر
في 24 من يونيه سنة 1961 والذي قضى بسحب ترقية المدعي بالقرار الوزاري رقم 93 الصادر
في 10 من مارس سنة 1960 مع ما يترتب على ذلك من آثار بما فيها اعتبار ترقية المدعي
راجعة إلى 20 من فبراير سنة 1960 مع إلزام الحكومة بالمصروفات والأتعاب". وقال شرحاً
لدعواه أنه في 10 من مارس سنة 1960 أصدرت وزارة الصناعة القرار رقم 93 بترقية بعض الموظفين
في الديوان العام وفي بعض المصالح التابعة لها، وقد اعترض ديوان المحاسبات على هذا
القرار بناء على شكاوى تقدم بها بعض الموظفين بالنسبة إلى ترقيات موظفي الديوان العام
ومصلحة الكيمياء بحجة أنها تمت بالمخالفة لحكم المادة 47 من القانون رقم 210 لسنة 1951.
وقد استطلعت الوزارة رأي إدارة الفتوى والتشريع لوزارة الصناعة بمجلس الدولة التي أبدت
رأيها في 7 من نوفمبر سنة 1960 بأن هذه الترقيات مخالفة للقانون. وبناء على هذه الفتوى
وعلى كتاب ديوان المحاسبات صدر القرار رقم 376 لسنة 1961 في 24 من يونيه سنة 1961 بسحب
قرار ترقية المدعي إلى الدرجة الرابعة الصادر في 10 من مارس سنة 1960 واعتبار تاريخ
ترقيته إلى هذه الدرجة من 17 من أبريل سنة 1960، ولما كان قرار الترقية المتقدم ذكره
قد اكتسب حصانة تعصمه من أي تعديل أو إلغاء بمضي ستين يوماً على صدوره فإن القرار الصادر
بسحب هذه الترقية يكون مخالفاً للقانون، خاصة وأنه رقي ضمن موظفي مصلحة الأبحاث الجيولوجية
والتعدينية ولم يطعن أحد في ترقيات هذه المصلحة التي هي وحدة منفصلة في الميزانية.
هذا بالإضافة إلى أن القرار الصادر بترقيته هو في ذاته قرار صحيح لا يجوز سحبه ذلك
أنه لم يكن ثمة موظف بالمصلحة المذكورة مستحق للترقية إلى الدرجة الرابعة وقت صدوره
وبالتالي يكون استلزام شرط قضاء سنة قبل الترقية في غير محله لانتفاء الحكمة التي قام
عليها نص المادة 47 من القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة. وقد أجابت
الجهة الإدارية عن الدعوى بأنه في 10 من مارس سنة 1960 صدر القرار رقم 93 متضمناً ترقية
المدعي وبعض موظفي الوزارة ومصالحها إلى الدرجة الرابعة اعتباراً من 20 فبراير سنة
1960 دون استيفائهم شرط السنة المنصوص عليه في القانون رقم 210 لسنة 1951 من تاريخ
نقلهم إلى المصالح التابعين لها. وذلك استناداً إلى رأي ديوان الموظفين في هذا الشأن،
إلا أن ديوان المحاسبة اعترض على هذا القرار في 5 من مايو سنة 1960. فاستطلعت الوزارة
رأي إدارة الفتوى والتشريع بمجلس الدولة التي رأت في 17 من نوفمبر سنة 1960 أن قرار
الترقية سالف الذكر مخالف للقانون وأشارت بإلغائه أو سحبه. وبعرض الأمر على لجنة شئون
الموظفين قررت ترقية المدعي إلى الدرجة الرابعة اعتباراً من 21 من أبريل سنة 1960 تاريخ
مضي سنة على نقله وطلبت الجهة الإدارية الحكم برفض الدعوى. وبجلسة 28 من يونيه سنة
1962 قضت محكمة القضاء الإداري: "بإلغاء القرار الوزاري رقم 376 الصادر في 24 من يونيه
سنة 1960 بسحب ترقية المدعي بالقرار رقم 93 المؤرخ 10 من مارس سنة 1960 مع ما يترتب
على ذلك من آثار وألزمت الحكومة المصروفات". وأقامت قضاءها على أن الأصل أنه لا يجوز
سحب القرار الإداري المخالف للقانون إلا في خلال المواعيد التي يجوز فيها طلب إلغائه
قضائياً. ولما كان الثابت أن القرار المطعون فيه قد صدر بعد مضي أكثر من ستين يوماً
على تاريخ صدور قرار ترقية المدعي إلى الدرجة الرابعة فإنه يكون قد صدر مخالفاً للقانون.
ولا وجه للقول بأن الجهة الإدارية إذا ما شرعت خلال الستين يوماً التالية لصدور القرار
الإداري في بحث مدى قانونيته فإن ميعاد السحب يمتد ويكون لها أن تسحب القرار في أي
وقت إذ أن القرار الذي يصدر بالمخالفة للقانون إنما هو قرار إداري يصدر بناء على سلطة
تقديرية للجهة الإدارية، وكل ما فيه أنه خالف شرطاً من شروط صحته ومخالفة هذا الشرط
لا تنحدر به إلى مرتبة الانعدام.
ومن حيث إن الطعن يقوم على أنه قد فات الحكم المطعون فيه أن قرار ترقية المطعون عليه
ولد معدوماً لمخالفته لنص آمر من نصوص قانون نظام موظفي الدولة، ذلك أن المادة 47 من
هذا القانون لا تجيز ترقية الموظف المنقول إلا بعد مضي سنة على الأقل، ومن ثم فإنه
إذا كان الثابت أن المدعي لم يكن قد توفر في حقه شرط قضاء هذه السنة وقت صدور القرار
بترقيته إلى الدرجة الرابعة، وعلى الرغم من ذلك رقته الجهة الإدارية اعتقاداً منها
بأنه قد توفرت فيه شروط الترقية قانوناً على خلاف الواقع فإن القرار الصادر بترقيته
يكون قد افتقد ركن النية مما ينحدر به إلى درجة الانعدام، ويكون من حق الإدارة أن تسحبه
في أي وقت.
ومن حيث إنه يبين من مطالعة الأوراق أن وقائع الدعوى الراهنة والتي لا خلاف عليها بين
طرفي المنازعة تتحصل في أن المدعي كان يشغل وظيفة من الدرجة الخامسة الفنية العالية
بمصلحة المناجم والوقود بوزارة الصناعة ثم نقل إلى مصلحة الأبحاث الجيولوجية والتعدينية
اعتباراً من 16 من أبريل سنة 1959. وفي 10 من مارس سنة 1960 صدر القرار رقم 93 بترقيته
مع بعض موظفي الوزارة إلى الدرجة الرابعة بالأقدمية اعتباراً من 20 من فبراير سنة 1960.
وفي 5 من مايو سنة 1960 اعترض ديوان المحاسبات على هذا القرار بحسبان أن الترقيات التي
اشتمل عليها قد تمت بالمخالفة لحكم المادة 47 من القانون رقم 210 لسنة 1951 فقامت الوزارة
باستطلاع رأي إدارة الفتوى والتشريع المختصة بمجلس الدولة التي انتهت إلى أن قرار الترقية
هذا مخالف للقانون وأنه يتعين سحبه. وفي 29 من ديسمبر سنة 1960 وافقت لجنة شئون الموظفين
على سحب ترقية المدعي ثم إعادة ترقيته إلى الدرجة الرابعة اعتباراً من 21 من أبريل
سنة 1960 تاريخ أول انعقاد للجنة المذكورة بعد استيفائه لشرط المدة. وفي 24 من يونيه
سنة 1961 صدر القرار رقم 376 لسنة 1961 متضمناً تصحيح وضع المدعي على هذا الأساس.
ومن حيث إنه يخلص مما سلف إيراده أن مقطع النزاع في الدعوى الراهنة ينحصر في استظهار
ما إذا كان القرار رقم 93 الصادر في 10 من مارس سنة 1960 بترقية المدعي إلى الدرجة
الرابعة اعتباراً من 20 من فبراير سنة 1960 قد صدر صحيحاً مطابقاً للقانون بحيث يمتنع
سحبه إطلاقاً، أم أنه صدر موصوماً بعيب مخالفة القانون، وفي الحالة الأخيرة هل العيب
الذي اعتور القرار المذكور، قد أفقده ركن النية على وجه ينحدر به إلى درجة الانعدام
فلا يكتسب حصانة ما بمضي أي وقت، أم أنه ليس كذلك بل هو مجرد خطأ قانوني في الفهم أو
التقدير مما يتأبى معه سحب القرار بعد انقضاء المواعيد القانونية المقررة في هذا الشأن.
ومن حيث إن المادة 47 من القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة تنص على
أنه: "يجوز نقل الموظف من إدارة إلى أخرى ويجوز نقله من مصلحة أو وزارة إلى مصلحة أو
وزارة أخرى إذا كان النقل لا يفوت عليه دوره في الترقية بالأقدمية أو كان بناء على
طلبه – ومع ذلك لا يجوز النظر في ترقية الموظف المنقول من وزارة أو مصلحة إلى وزارة
أو مصلحة أخرى إلا بعد مضي سنة على الأقل من تاريخ نقله ما لم تكن الترقية في نسبة
الاختيار أو في درجات المصالح المنشأة حديثاً.." ومفاد هذا الحكم أن المادة 47 من القانون
رقم 210 لسنة 1951 قد أفردت فقرتها الثانية لتحديد حق كل من الموظف المنقول والموظفين
الذي يعملون في الجهة التي نقل إليها ووضعت قيداً زمنياً على ترقيته بالأقدمية، وقد
استهدفت بذلك من جهة محاربة السعي للحصول على درجة في غير الجهة التي يعمل فيها الموظف
دون وجه حق، ومن جهة أخرى قصدت هذه الفقرة إلى رعاية آمال موظفي الجهة المنقول إليها
هذا الموظف في التطلع إلى الترقية في الدرجات الأعلى التي تخلو في جهتهم، فاستلزمت
ألا تكون ترقية الموظف المنقول إليها قبل مضي سنة من تاريخ نقله. وجعلت من هذا الحظر
أصلاً عاماً، ثم أوردت عليه استثنائين لا ثالث لهما يحولان دون إعمال هذا الأصل إذا
توفر أحدهما أو كلاهما وهما حالة الترقية بالاختيار وحالة الترقية في درجات المصالح
المنشأة حديثاً. وورود النص على هذا النحو واضح الدلالة على أن حظر ترقية الموظف المنقول
قبل انقضاء الفاصل الزمني المقرر قد جاء مطلقاً لا يقبل التخصيص بحيث يتعين إعماله
متى قام موجبه بغير تأويل أو اجتهاد في مورد النص ومن ثم فإن ترقية المدعي اعتباراً
من 20 من فبراير سنة 1960 بمصلحة الأبحاث الجيولوجية والتعدينية قبل فوات سنة على تاريخ
نقله إلى المصلحة المذكورة الحاصل في 16 من أبريل سنة 1959 تكون ترقية قد تمت على خلاف
الأصل العام الوارد في الفقرة الثانية من المادة 47 المتقدم ذكرها ويكون القرار الصادر
بهذه الترقية في 10 من مارس سنة 1960 تبعاً لذلك قد صدر مشوباً بعيب مخالفة القانون،
ولا يقدح في هذه النتيجة عدم وجود موظف أصيل بالجهة المنقول إليها المدعي مستحق للترقية
حتى تاريخ تمام السنة مما يمكن أن يقال معه بانتفاء الحكمة التي تغياها الشارع من هذا
القيد الزمني على النحو الذي آثاره المدعي في مذكراته وأقام عليه دفاعه، لأن هذا القول
مردود بأن الأمر في هذا الخصوص ليس رهيناً بقيام مصلحة للموظفين الأصلاء تحدوهم إلى
مخاصمة قرار الترقية غير المشروع بالتظلم منه إدارياً أو الطعن فيه قضائياً وإنما هو
منوط بمدى صلاحية الموظف الوافد ذاته لأن يكون محلاً للترقية قبل تحقق النصاب الزمني
الذي استلزمته الفقرة الثانية من المادة 47 آنفة الذكر والذي بتوفره وحده تنتفي القرينة
القائمة على استهداف التحايل من وراء النقل.
ومن حيث إنه متى استبان على الوجه المتقدم إيضاحه أن العيب الذي شاب قرار ترقية المدعي
ينحصر فقط في عدم توفر شرط النصاب الزمني الذي استلزمه القانون لترقية الموظف المنقول
في الجهة المنقول إليها، وكان سبب هذا العيب هو الخطأ في فهم القانون وفي إنزال حكمه
على الوجه الصحيح فإن قصارى ما يمكن أن يترتب على تخلف هذا الشرط في حالة المدعي هو
فقدان قرار ترقيته لشرط من شروط صحته دون القول بانعدامه لفقدان ركن النية فيه، لما
هو واضح من أن نية الإدارة مصدرة القرار قد اتجهت فعلاً إلى ترقية المدعي بسلطتها التقديرية
على الرغم من علمها على وجه اليقين بعدم توفر الشرط الزمني للترقية فيه.
ومن حيث إنه ولئن كان الفقه والقضاء الإداريين قد استقرا على أن القرارات الباطلة لمخالفتها
القانون لا يجوز للإدارة الرجوع فيها وسحبها بقصد إزالة آثار البطلان وتجنب الحكم بإلغائها
قضائياً شريطة أن يتم ذلك في خلال المدة المحددة لطلب الإلغاء، ومرد ذلك إلى وجوب التوفيق
بين ما يجب أن يكون للإدارة من حق في إصلاح ما انطوى عليه قرارها من مخالفة قانونية
وبين ضرورة استقرار الأوضاع القانونية المترتبة على القرار الإداري مع مراعاة الاتساق
بين الميعاد الذي يجوز فيه لصاحب الشأن طلب الإلغاء بالطريق القضائي وبين الميعاد الذي
يجوز فيه للإدارة سحب القرار تقريراً للمساواة في الحكم ومراعاة للمعادلة بين مركز
الأفراد إزاء القرار الإداري حتى يكون للقرار حد يستقر عنده وتكتسب المراكز القانونية
الناشئة عنه حصانة تعصمها من كل تغيير أو تعديل لئن كان الأمر كذلك إلا أنه مما تجب
المبادرة إلى التنبيه إليه أنه ليس بلازم أن يتم السحب كلياً أو جزئياً خلال المدة
المقررة له، وإنما يكفي لتحقق مقتضى الحكم المتقدم بأن تكون إجراءات السحب بإفصاح الإدارة
عن إرادتها في هذا الخصوص قد بدأت خلال الميعاد المذكور فيدخل القرار بذلك في طور من
الزعزعة وعدم الاستقرار ويظل بهذه المثابة طوال المدة التي يستمر فيها فحص الإدارة
لشرعيته طالما أنها سلكت مسلكاً إيجابياً نحو التحقق من مطابقته أو عدم مطابقته للقانون
إلى أن تحدد موقفها منه نهائياً، والقول بغير هذا النظر ينطوي على تكليف للإدارة بما
يجاوز السعة ويؤدي إلى إسراعها على وجه مبتسر تفادياً لنتائجه إلى سحب القرار دون استكمال
البحث الصحيح، مما يتعارض مع مصلحة ذوي الشأن فيه. بل ومع المصلحة العامة.
ومن حيث إنه في ضوء ما تقدم، وإذ كان الثابت أن قرار ترقية المدعي إلى الدرجة الرابعة
اعتباراً من 20 من فبراير سنة 1960 قد صدر في 10 من مارس سنة 1960 وأنه في 5 من مايو
سنة 1960 أي في خلال الستين يوماً التالية لصدوره، اعترض ديوان المحاسبات عليه، وهو
سلطة بحسب قانون إنشائه، رأى المشرع حرصاً منه على المحافظة على أموال الدولة وصيانة
لها أن يكل إليها مراجعة التصرفات المالية في الدولة ولا شبهة في أن قرار الترقية الباطل
يرتب آثاراً مالية تلتزم بها الإدارة بدون وجه حق، وأن الوزارة قد تبنت هذا الاعتراض
واستطلعت رأي إدارة الفتوى والتشريع المختصة بمجلس الدولة التي أيدت في 7 من نوفمبر
سنة 1960 وجهة نظر ديوان المحاسبات وأنه على أساس ذلك وافقت لجنة شئون الموظفين في
29 من ديسمبر سنة 1960 على تعديل تاريخ ترقية المدعي إلى 21 من أبريل سنة 1960 تاريخ
أول انعقاد للجنة بعد استيفائه شرط النصاب الزمني المقرر لترقيته طبقاً للمادة 47 من
قانون نظام موظفي الدولة، ثم في 24 من يونيه سنة 1961 صدر القرار 376 لسنة 1961 بتصويب
وضعه على النحو المتقدم، فإن الجهة الإدارية تكون قد طبقت القانون في شأنه على الوجه
الصحيح، ويكون نعيه على القرار الساحب المطعون فيه بمخالفة القانون غير قائم على أساس
سليم ويكون الحكم المطعون فيه – إذ قضى بغير هذا النظر – قد جانب الصواب في تأويل القانون
وتطبيقه، ويتعين، والحالة هذه، القضاء بإلغائه وبرفض الدعوى مع إلزام المدعي بالمصروفات.
"فلهذه الأسباب"
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه، وبرفض الدعوى، وألزمت المدعي بالمصروفات.
