الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 1043 لسنة 9 ق – جلسة 16 /12 /1967 

مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الثالثة عشرة – العدد الأول (من أول أكتوبر سنة 1967 إلى منتصف فبراير سنة 1968) – صـ 273


جلسة 16 من ديسمبر سنة 1967

برئاسة السيد الأستاذ الدكتور محمود سعد الدين الشريف – رئيس مجلس الدولة، وعضوية السادة الأساتذة الدكتور أحمد موسى ومحمد طاهر عبد الحميد ويوسف إبراهيم الشناوي وعباس فهمي محمد بدر – المستشارين.

القضية رقم 1043 لسنة 9 القضائية

موظف. "تأديبه". تحقيق. تأديب.
الإجراءات الواجب اتباعها في التحقيق الذي يجرى مع الموظف – مواجهة الموظف بالمخالفة المسندة إليه – من الضمانات الأساسية التي يجب توفيرها – المادة 50 من اللائحة التنفيذية لقانون نظام موظفي الدولة – إغفال هذا الإجراء – أثره: البطلان [(1)].
يبين من الرجوع إلى الأحكام المنظمة لتأديب العاملين أنها تهدف في مجموعها إلى توفير الضمانات لسلامة التحقيق الإداري وتيسير وسائله بغية الوصول إلى الحقيقة. ومن الضمانات الجوهرية التي حرص الشارع على مراعاتها في التحقيق الإداري المواجهة وذلك بإيقاف العامل على حقيقة التهمة المسندة إليه وإحاطته علماً بمختلف الأدلة التي تشير إلى ارتكابه المخالفة حتى يستطيع أن يدلي بأوجه دفاعه. وفي ذلك تنص المادة 50 من اللائحة التنفيذية لقانون التوظف على أن يتلو المحقق على الموظف الذي نسبت إليه المخالفة أو الخروج على مقتضى الواجب ملخص ما أسفر عنه التحقيق من أدلة وقرائن أخذاً من الأوراق ومن أقوال الشهود ويثبت حصول التلاوة في المحضر ويدون إجابة الموظف عليها تفصيلاً ثم يحقق دفاعه وإذا استشهد بشهود نفي وجب استدعاؤهم وسؤالهم. ويلزم حتى تؤدي مواجهة العامل بالتهمة غايتها – كضمانة أساسية للعامل – أن تتم على وجه يستشعر معه العامل أن الإدارة بسبيل مؤاخذته إذا ما ترجحت لديها إدانته حتى يكون على بينة من خطورة موقفه فينشط للدفاع عن نفسه. وليس يغني عن هذه المواجهة مجرد القول بأن المخالفة ثابتة ثبوتاً مادياً لا شبهة فيه – ذلك أن الحكم على ثبوت المخالفة وانتفائها مرده إلى ما يسفر عنه التحقيق الذي يعتبر توجيه التهمة وسؤال المخالف عنها وتحقيق دفاعه في شأنها أحد عناصره الجوهرية ومن ثم يكون سديداً ما ذهب إليه الحكم المطعون فيه من أن استخلاص قرار الجزاء في المخالفة الأولى المنسوبة إلى المطعون ضدها من شكوى السيد/ علي محمد لاشين وإجابة المطعون ضدها عليها بطريقة غير مباشرة غير سليم ويكون قرار الجزاء باطلاً لعيب في إجراءات التحقيق.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة تخلص – على ما يبين من أوراق الطعن – في أن المطعون ضدها أقامت الدعوى رقم 577 لسنة 15 القضائية أمام محكمة القضاء الإداري طالبة الحكم بإلغاء قراري الجزاء الصادرين في 12 و15 من نوفمبر سنة 1960 من مدير المنطقة التعليمية بالإسكندرية أولهما بمجازاتها بالإنذار لأنها لم تقم بصفتها ناظرة لمدرسة معلمات الرمل بالإسكندرية بمراقبة كشوف الإحالة إلى القومسيون الطبي وتركت الأمر للحكيمة وحدها مما أدى إلى الكشف الطبي على إحدى التلميذات للمرة الرابعة وثانيهما بمجازاتها بخصم خمسة أيام من مرتبها لأنها ارتكبت أخطاء خطيرة ترتب عليها حرمان عدد من الطالبات المستحقات للقبول دون مبرر وقبول عدد آخر ممن لا حق لهن في القبول: وقد صدر القرار الأول استناداً إلى تحقيق أجراه أحد مفتشي اللغة العربية في شكوى السيد/ علي محمد لاشين والد التلميذة نجية لاشين والتي نسب فيها إلى المطعون ضدها أنها امتنعت دون وجه حق عن قبول ابنته رغم نجاحها في الكشف الطبي بعد إعادة الكشف عليها للمرة الرابعة. وأجابت المشكو في حقها بمذكرتها المؤرخة 3 من نوفمبر سنة 1960 فأوضحت أن الطالبة المذكورة تقدمت للحاق بالمدرسة ضمن طالبات الفئة الثانية اللائي تقرر قبولهن على أساس نجاحهن في المرة الأولى في الكشف الطبي وبالرغم من ذلك فإنها لم تحز اللياقة الطبية رغم إعادة الكشف الطبي عليها ثلاث مرات وأن مجموع درجاتها في امتحان شهادة إتمام الدراسة الإعدادية 120 درجة في حين أن الحد الأدنى للقبول 125 درجة يضاف إلى ذلك أن تحويل الطالبة للكشف الطبي للمرة الرابعة إنما كان بناء على تكليف من أحد موظفي القومسيون لحكيمة المدرسة الآنسة/ فوزية عبد الحميد بل أن قرار القومسيون المؤرخ 12 من أكتوبر سنة 1960 قد أفاد أنه يمكن إعادة الكشف الطبي على هذه الطالبة للمرة الرابعة قبل مضي سنتين. وبسؤال الحكيمة فوزية عبد الحميد قالت أنها اتصلت تليفونياً بالقومسيون الطبي لتعرض عليه حالة الطالبة نجية لاشين التي استنفذت مرات الكشف الطبي فرد عليها أحد الموظفين وأشار عليها بإمكان تحويلها مرة أخرى بدل فاقد وأضافت أن السيدة الناظرة اشتركت في الحديث التليفوني وأنها هي التي اعتمدت استمارة تحويل الطالبة إلى الكشف الطبي للمرة الرابعة.
ويستند قرار الجزاء الثاني على التحقيقات التي أجريت فيما تضمنته مذكرة المدير العام المساعد لمنطقة الإسكندرية التعليمية والمبلغة إلى المدير العام في 25 من أكتوبر سنة 1960 من أن الشكايات ترددت بشأن قبول الطالبات لمدرسة المعلمات بالرمل وأن أولياء الأمور يدعون بأن النظام الذي وضعته المدرسة فيه شيء من الخلل وليست هناك قواعد معينة، مع أنه كان قد عقد اجتماعاً مع النظار لهذه المناسبة واتفق على أن من يتقدمن من الطالبات في الدفعة الأولى تحتفظ لهن المدرسة بالأماكن حتى يستنفدن مرات الكشف الطبي أما المتقدمات في الدفعة الثانية فيرتبن عند القبول حسب مجموع الدرجات للناجحات في الكشف الطبي أول مرة فقط ويستكمل منهن العدد. وبعرض هذه المذكرة على المدير العام أشر بإجراء التحقيق وندب لإجرائه المفتش الإداري السيد/ أحمد زكي عمرو الذي قدم في 6 من نوفمبر سنة 1961 مذكرة ضمنها أنه لم تشكل لجنة يناط بها مراجعة أوراق التحاق المستجدات واقتراح قبولهن وفقاً للتعليمات قبل اعتماد قبولهن نهائياً وتقضي التعليمات بأن تشكل هذه اللجنة من ثلاث مدرسين وأحد الموظفين الإداريين وتثبت أعمالها في محضر من صورتين وتبلغ المنطقة بصورة منه وذلك تنفيذاً للمنشور العام رقم 23 في 6 من فبراير سنة 1960، وكل ما حدث أن السيدتين معالي محمد علي ومارسيل أسعد الضابطتين بالمدرسة كانتا تقومان بتلقي الطلبات وقيدها في دفتر خاص غير معتنى به وغير محدد فيه تاريخ الطلب حتى يمكن حفظ حق صاحبه ثم تقوم الحكيمة فوزية عبد الحميد بعرض من تشاء على الكشف الطبي وقد قررت الحكيمة أنها كانت تقوم بالتحويل على الكشف الطبي بناء على إدراج الأسماء بكراسة القيد الخاصة بالطلبات وأنها لم تعتمد الكشوف من المسئولين بالمدرسة بحجة الجهل بالتعليمات. وأضاف أنه يظهر أن الناظرة رأت كثرة الشكاوى فشكلت لجنة لتدارك الأمر لتفريغ بيانات المستجدات إلا أن تفريغ اللجنة المذكورة جاء غير مرتب حسب مجموع الدرجات ولما أن أعيد تفريغ الكشوف بمعرفة لجنة أخرى كان الترتيب تنازلياً حسب ترتيب الدرجات ولو تم القبول حسب هذه الكشوف لما كان هناك محل للشكوى إلا أن القبول كان على غير هدى، فقد قبلت جميع المتقدمات اللائي يبلغ عمرهن من 14 – 15 عاماً في الدفعة الثانية في حين لم تقبل من القانونيات في الدفعة الأولى من سن 15 – 18 عاماً رغم أنهن لم يمكن من استنفاد حقهن في مرات الكشف الطبي المقررة. وأوردت مذكرة السيد المفتش الإداري أسماء 18 تلميذة من المستوفيات للشروط الناجحات في الكشف الطبي ولم تقبلن في المدرسة، كما أوردت أسماء تسع تلميذات مقبولات بالمدرسة مع أنهن لم يحصلن على المجموع المطلوب ودرجة اللغة العربية وسبع تلميذات مقبولات بالمدرسة ولم ترد أسماؤهن بكشوف التفريغ… وبعرض المذكرة المشار إليها على مدير المنطقة أشر بتشكيل لجنة برئاسة المدير المساعد وآخرين لتحديد مسئولية الناظرة المطعون ضدها وضابطات وحكيمة المدرسة في قبول مستجدات عام 60/ 1961، وقد أنهت أعمال هذه اللجنة بمذكرة تضمنت أن التحقيق الذي أجري بمعرفة المفتش الإداري كان تحقيقاً كاشفاً للأخطاء الخطيرة التي ارتكبتها السيدة الناظرة في عملية قبول المستجدات. وأن السيدة الناظرة كانت تقبل من تشاء وتطرد من تشاء حتى بعد أن انتظمن في الدراسة وسددن الرسوم، وأن الناظرة قبلت طالبات زاد عمرهن على 19 سنة في الوقت الذي أوعزت إليهن باستخراج شهادات إدارية تثبت أنهن من مواليد الصحراء مع أنهن لا ينتمين إليها، كذلك فإنها انفردت بعملية القبول وضربت عرض الحائط بالكشوف القانونية المرتبة التي أعدها المدرسون الأوائل. وأنها قبلت الطالبة مطيعة عبد العزيز، دون اختبار شخصي وأنها أجرت هذا الاختبار أخيراً بعد بدء التحقيق في 9 من نوفمبر سنة 1960، وانتهت اللجنة إلى اقتراح إبعاد المطعون ضدها عن النظارة ومجازاتها بخصم خمسة أيام من راتبها.
وقد نعت المطعون ضدها على قراري الجزاء أنهما صدرا من المدير المساعد وهو غير مختص بإصدارهما إذ أن مدير المنطقة هو الذي يملك ذلك ومن ثم يكون الجزاءان قد وقعا باطلين فضلاً عن انتفاء السبب المبرر لهما. قائلة أن العالم الدراسي افتتح في 24 من سبتمبر سنة 1960 وحتى يوم 22 منه لم يكن القومسيون الطبي قد أخطر المدرسة بنتيجة الكشف الطبي على المستجدات وطلب منها أن توفد الحكيمة لتتولى نقل نتائج الكشف أولاً بأول وقد أشار عليها المدير المساعد بأن تقبل الطالبات الناجحات في الكشف الطبي ريثما تظهر نتائج الأخريات إلا أنه تبين بعد ظهور النتائج أن من الناجحات أخيراً من يفضلن من سبقن في النجاح في الكشف الطبي وإزاء ذلك أمرت بتشكيل لجنة لفحص الملفات وترتيب المتقدمات على أساس السن والمجموع ودرجة اللغة العربية وترتب على ذلك رفض طالبات لم يستوفين الشروط المطلوبة فلجأ أولياء أمورهن إلى التظلم من هذا الإجراء فوعدهن المدير المساعد بإلحاق بناتهن بالمعهد ولما وقفت المدعية دون ذلك مراعاة لاحترام الأحكام المقررة غضب منها واعتبر ذلك تحدياً له وتوعدها بالأذى وكان أن أوقع عليها هذين الجزاءين انتقاماً منها. وقالت بأن إحالة الطالبة نجية علي لاشين إلى الكشف الطبي للمرة الرابعة هو أمر تقره اللوائح وأن ذلك واضح من كتاب القومسيون الطبي ذاته، هذا فضلاً عن أن الطالبة المذكورة لم تقبل بالمعهد مما ينتفي معه القول بأن الناظرة جاملتها. وأضافت بأن اتهامها بحرمانها عدد من الطالبات المستحقات من الدخول دون مبرر وقبول عدد آخر ممن لا حق لهن في القبول فإنه فضلاً عن أن هذا القول غير مدعم بأسماء الطالبات فإن المقبولات المجاوزات للسن ثلاثة فقط أولاهن عفاف البنداري 19 سنة و4 شهور والأولى ابنة رئيس قسم شئون الطلبة بالمنطقة ولم تقبلها المدعية إلا بناء على أمر كتابي من مدير المنطقة فقد أشر على طلبها بعبارة للمدرسة ويمكن التجاوز عن الأربعة أيام، ولم يكن بوسع المدعية الامتناع عن تنفيذ هذا الأمر. أما الثانية والثالثة فقد قبلتهما الناظرة أسوة بالطالبة عفاف البنداري خصوصاً وأنهما أصغر منها سناً. ولم يخرج دفاع الوزارة عما سبق بيانه بالنسبة إلى عناصر النزاع.
وبجلسة 8 من مايو سنة 1963 أصدرت محكمة القضاء الإداري حكمها المشار إليه وأقامت قضاءها فيما يتعلق بقرار الجزاء الأول على أن المطعون ضدها لم تواجه بالتهمة التي جوزيت من أجلها وهي عدم مراقبتها الكشوف وترك الأمر للحكيمة وحدها مما أدى إلى الكشف الطبي على التلميذة نجية علي لاشين للمرة الرابعة. وأنه متى كان ذلك وكانت المطعون ضدها لم تبد دفاعها في هذا الخصوص ولم يحقق بالتالي هذا الدفاع فإن قرار الجزاء إذ استخلص هذه التهمة من شكوى السيد/ علي محمد لاشين وإجابة المطعون ضدها على هذه الشكوى بتاريخ 3 من نوفمبر سنة 1960 بطريقة غير مباشرة يكون قد صدر باطلاً لعيب في إجراءات التحقيق الذي استند إليه والذي يجب أن يكون له مقومات التحقيق القانوني وكفالاته وضماناته من حيث وجوب استدعاء الموظف وسؤاله ومواجهته بما هو مأخوذ عليه وتمكينه من الدفاع عن نفسه إلى غير ذلك من مقومات التحقيق. وفيما يتعلق بقرار الجزاء الثاني أقامت المحكمة قضاءها على أنه قد بان للمحكمة من الرجوع إلى التحقيق الذي أجراه المفتش الإداري في 31 من أكتوبر سنة 1960 والتحقيق الذي أجرته اللجنة المشكلة برئاسة المدير المساعد بتاريخ 14 من نوفمبر سنة 1960 وقرار الجزاء المطعون فيه أن الجرائم الإدارية التي عوقبت المطعون ضدها من أجلها جاء بعضها تحت أوصاف عامة ولم يحدد مضمونها كما ورد البعض الآخر منها بشكل عام غير محدد لم يتناول التحقيق عناصرها المكونة للجريمة الإدارية وأنه مع ذلك فإن المطعون ضدها لم تواجه في التحقيق بصفة عامة بتلك الجرائم حتى تبدي دفاعها فيها.
ومبنى الطعن أن الحكم أخطأ في تطبيق القانون وتأويله إذ ذهب إلى تبرئة المطعون ضدها مما أسند إليها في قرار الجزاء الأول استناداً إلى أن المطعون ضدها لم تواجه بالتهمة المنسوبة إليها ولم يحقق بالتالي دفاعها مما يترتب عليه بطلان قرار الجزاء ذلك أن التهمة المنسوبة إلى المطعون ضدها ثابتة على وجه اليقين من الناحية المادية ومن مجرد توقيع الناظرة على استمارة عرض الطالبة على الكشف الطبي للمرة الرابعة دون أن تتحرى الدقة في ذلك وهذا الثبوت المادي الذي لا يقبل شكاً ولا مجادلة يغني بداهة عن تحقيق هذه الواقعة هذا فضلاً عن أن إجابة المطعون ضدها بتاريخ 3 من نوفمبر سنة 1960 على الشكوى المقدمة من السيد/ علي محمد لاشين قد وجدت فيها الإدارة – ما يقنع بمسئولية المطعون ضدها من تقصيرها في السماح لإحدى الطالبات بإجراء الكشف الطبي على خلاف ما تقضي به التعليمات وإجابة المطعون ضدها على تلك الشكوى يعتبر إبداء لأقوالها في مفهوم المادة 85 من القانون رقم 210 لسنة 1951 وكافياً من ثم لتوقيع الجزاء. أما فيما يختص بقرار الجزاء الثاني فالثابت أن هناك تحقيقاً أجري مع المطعون ضدها بتاريخ 13 من نوفمبر سنة 1960 وأنها قد ووجهت بالاتهامات المنسوبة إليها وأجابت عنها وفقاً لما هو مدون في هذا التحقيق ومن ثم يكون ما جاء بالحكم المطعون فيه في هذا الصدد لا نصيب له من الصحة وعلى خلاف الواقع كذلك فإنه لا وجه لما ذهب إليه الحكم المطعون فيه من أن الجرائم المنسوبة إلى المطعون ضدها قد وردت تحت أوصاف عامة ولم يحدد مضمونها وأن هذا مما يعيب القرار ويبطله ذلك أن الجريمة التأديبية تثبت على ما استقر عليه قضاء المحكمة الإدارية العليا عن طريق رد الفعل إلى الإخلال بواجبات الوظيفة أو الخروج على مقتضاها دون تحديد لأركان الفعل وأن تحديد أركان الفعل على نحو ما جاء به قانون العقوبات يعيب الحكم وأنه لما كان الثابت أن المطعون ضدها لم تراع الواجبات المفروضة عليها وأنها قد خرجت على مقتضى الواجب في أعمالها إذ أنها لم تراع التعليمات الصادر بها منشور عام الوزارة رقم 23 في 26 من فبراير سنة 1960 بشأن قبول المستجدات وتجاهلت الكشوف المرتبة القانونية التي أعدها المدرسون الأوائل وطردت بعض الطالبات بعد أن انتظمن في سلك الدراسة وسددن المصروفات بينما قبلت غيرهن ممن تجاوزن السن القانونية وهو 19 سنة وأوعزت إليهن باستخراج شهادات إدارية بأنهن من مواليد الصحراء هذا فضلاً عن قبولها للطالبة مطيعة عبد العزيز دون إجراء اختبار لها إلا بتاريخ 9 من نوفمبر سنة 1960 بعد بدء التحقيق في 6 من نوفمبر سنة 1960 وبذلك تكون المطعون ضدها قد ارتكبت ذنباً إدارياً وتكون مجازاتها صحيحة.
ومن حيث إنه يبين من الاطلاع على الأوراق أن المطعون ضدها لم تواجه بالتهمة التي وقع عنها قرار الجزاء الأول كما لم تواجه بالأدلة التي استجمعتها الجهة الإدارية اكتفاء بردها في مذكرة على شكوى السيد علي محمد لاشين بشأن عدم قبول ابنته نجية بعد أن نجحت في الكشف الطبي للمرة الرابعة ولم تتضمن هذه الشكوى شيئاً عن التهمة التي عزيت إليها من كونها لم تتحر الدقة في تحرير الكشوف أو أهملت إهمالاً أدى إلى توقيع الكشف الطبي على الطالبة المذكورة للمرة الرابعة بالمخالفة للتعليمات وهي التهمة التي جوزيت عنها المطعون ضدها بالإنذار وقد استخلصت الإدارة من إجابتها على الشكوى بما يفيد أن الإحالة إلى الكشف الطبي للمرة الرابعة جائزة وأنها تمت بعد أخذ رأي القومسيون الطبي – استخلصت من ذلك ارتكابها المخالفة التي لم تواجه بها.
ومن حيث إنه يبين من الرجوع إلى الأحكام المنظمة لتأديب العاملين أنها تهدف في مجموعها إلى توفير الضمانات لسلامة التحقيق الإداري وتيسير وسائله بغية الوصول إلى الحقيقة. ومن الضمانات الجوهرية التي حرص الشارع على مراعاتها في التحقيق الإداري المواجهة وذلك بإيقاف العامل على حقيقة التهمة المسندة إليه وإحاطته علماً بمختلف الأدلة التي تشير إلى ارتكابه المخالفة حتى يستطيع أن يدلي بأوجه دفاعه. وفي ذلك تنص المادة 50 من اللائحة التنفيذية لقانون التوظف على أن يتلو المحقق على الموظف التي نسبت إليه المخالفة أو الخروج على مقتضى الواجب ملخص ما أسفر عنه من التحقيق من أدلة وقرائن أخذاً من الأوراق أو من أقوال الشهود ويثبت حصول التلاوة في المحضر وبدون إجابة الموظف عليها تفصيلاً ثم يحقق دفاعه وإذا استشهد بشهود نفي وجب استدعاؤهم وسؤالهم.
ومن حيث إنه يلزم حتى تؤدي مواجهة العامل بالتهمة غايتها – كضمانة أساسية للعامل – أن تتم على وجه يستشعر معه العامل أن الإدارة بسبيل مؤاخذته إذا ما ترجحت لديها إدانته حتى يكون على بينة من خطورة موقفه فينشط للدفاع عن نفسه. وليس يغني عن هذه المواجهة مجرد القول بأن المخالفة ثابتة ثبوتاً مادياً لا شبهة فيه – ذلك أن الحكم على ثبوت المخالفة وانتفائها مرده إلى ما يسفر عنه التحقيق الذي يعتبر توجيه التهمة وسؤال المخالف عنها وتحقيق دفاعه في شأنها أحد عناصره الجوهرية. ومن ثم يكون سديداً ما ذهب إليه الحكم المطعون فيه من أن استخلاص قرار الجزاء في المخالفة الأولى المنسوبة إلى المطعون ضدها من شكوى السيد/ علي محمد لاشين وإجابة المطعون ضدها عليها بطريقة غير مباشرة غير سليم ويكون قرار الجزاء باطلاً لعيب في إجراءات التحقيق.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه أقام قضاءه فيما يتعلق بإلغاء قرار الجزاء الثاني على أن الجرائم الإدارية التي جوزيت المطعون ضدها عنها جاء بعضها تحت أوصاف عامة ولم يحدد مضمونها كما ورد بعضها بشكل عام غير محدد ولم يتناول المحقق عناصرها المكونة للجريمة الإدارية كما لم تواجه المطعون ضدها في التحقيق بتلك الجرائم حتى تبدي دفاعها فيها.
ومن حيث إنه يبين من الاطلاع على التحقيقات أنه عزى إلى المطعون ضدها ارتكاب المخالفات الإدارية التالية:
أنها لم تراع في القبول الكشوف التي تم إعدادها وفقاً لدرجات النجاح وأسبقية الطلبات.
أنها قبلت إحدى الطالبات دون إجراء اختبار لها وهي الطالبة مطيعة عبد العزيز ثم حاولت أن تتدارك الأمر فعقدت لها اختباراً بعد قبولها وبعد الشروع في التحقيق.
أنها رفضت قبول بعض الطالبات رغم استيفائهن الشروط.
أنها فصلت بعض الطالبات بعد قبولهن بالمدرسة بغير موجب وبحجة غيابهن.
أنها قبلت طالبات ممن تجاوزن السن القانونية وهي سن الثامنة عشرة وأوعزت إلى بعضهن بتقديم شهادات بأنهن من سكان المناطق الصحراوية التي يجوز فيها القبول حتى سن العشرين.
ومن حيث إن الثابت أن المطعون ضدها لم تواجه في التحقيق بالتهم الثلاث الأولى كما لم يحقق دفاعها في شأن التهمة الرابعة ويتحصل هذا الدفاع في أن الطالبات تخلفن عن الحضور بعد إعلان نتيجة القبول قرابة شهر ونصف أو يزيد دون عذر مقبول فلم تجد بداً من استبعاد أسمائهن وإحلال غيرهن محلهن ممن استوفين شروط القبول.
ومن حيث إنه إزاء عدم مواجهة المطعون ضدها بالتهم الثلاث الأولى وعدم تحقيق دفاعها في التهمة الرابعة يكون من المتعين عدم التعويل على هذه التهم كسبب لقرار الجزاء الموقع عليها.
ومن حيث إنه فيما يتعلق بالتهمة الأخيرة فإن المطعون ضدها لم تجحد قبولها ثلاث طالبات ممن تجاوزن الثامنة عشرة ولم يبلغن التاسعة عشرة بعد أن تبين لها أن مدير التربية والتعليم أمر بقبول طالبة جاوزت سنها التاسعة عشرة بأربعة أيام وقدمت للتدليل على صحة دفاعها قرار المدير في هذا الشأن.. وقد رأت هي أن تقبل الثلاث الأخريات تحقيقاً لتكافؤ الفرص بينهن. وفيما يتعلق بمن عدا هؤلاء قررت المطعون ضدها أنها قبلت بعض الفتيات ممن جاوزن السن بناء على شهادات تقدمن بها بأنهن من سكان الصحاري.
ومن حيث إن الأمر الصادر من مدير التربية والتعليم بقبول إحدى الطالبات رغم تجاوزها السن القانونية لم يكن مسوغاً لها للخروج على القاعدة المقررة في هذا الشأن إذ الخطأ لا يبرر الخطأ على أن المخالفة التي فرطت من المطعون ضدها في حد ذاتها وفي ضوء الظروف التي وقعت فيها لا تنهض مبرراً للجزاء الذي وقع عليها الأمر الذي يتعين معه إلغاء القرار لعدم قيامه على كامل سببه.
ومن حيث إنه لما تقدم يكون الحكم المطعون فيه قد أصاب الحق فيما انتهى إليه ويكون الطعن غير قائم على أساس سليم.

"فلهذه الأسباب"

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً وبرفضه موضوعاً وألزمت الحكومة بالمصروفات.


[(1)] قارن المبدأ الذي تضمنه حكم المحكمة الإدارية العليا الصادر في القضية رقم 2442 لسنة 6 ق جلسة 2 من يونيه سنة 1962 والمنشور بمجموعة السنة السابعة المبدأ 91 ص 996.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات